المزامير

 

كنيسة السيدة العذراء بالفجالة

 

 

تأملات لقداسة البابا شنوده 1

المزامير تستخدم في إخراج الشياطين. 2

المزامير كلها نبوات.. 2

من الذي كتب المزامير؟. 2

كيف كتبت المزامير؟. 3

المزامير تشمل كل عناصر الصلاة 4

مقدمة. 9

سمات داود التي جعلته مرنم إسرائيل الحلو. 16

سمات صلاة داود 20

الجزء الأول. 23

صلوات الأجبية. 23

ساعات الأجبية. 24

المزمور الحادي والخمسون (الخمسون) حسب الأجبية. 28

مزامير باكر. 34

المزمور الأول. 34

المزمور الثاني. 36

المزمور الثالث.. 40

المزمور الرابع. 44

المزمور الخامس.. 47

المزمور السادس.. 50

المزمور الثامن. 53

المزمور الثاني عشر (الحادي عشر في الأجبية) 56

المزمور الثالث عشر (الثاني عشر في الأجبية) 59

المزمور الخامس عشر (الرابع عشر في الأجبية) 61

المزمور السادس عشر (الخامس عشر في الأجبية) 63

المزمور التاسع عشر (الثامن عشر في الأجبية) 67

المزمور الخامس والعشرون (الرابع والعشرون في الأجبية) 71

المزمور السابع والعشرون (السادس والعشرون في الأجبية) 75

المزمور الثالث والستون (الثاني والستون في الأجبية) 79

المزمور السابع والستون (السادس والستون في الأجبية) 82

المزمور السبعون (التاسع والستون في الأجبية) 84

المزمور المئة والثالث عشر (المائة والثاني عشر في الأجبية) 86

المزمور المائة والثالث والأربعون (المائة والثاني والأربعون في الأجبية) 88

مزامير الساعة الثالثة. 90

المزمور العشرون (التاسع عشر في الأجبية) 90

المزمور الثالث والعشرون (الثاني والعشرون في الأجبية) 93

المزمور الرابع والعشرون (الثالث والعشرون في الأجبية) 96

المزمور السادس والعشرون (الخامس والعشرون في الأجبية) 99

المزمور التاسع والعشرون (الثامن والعشرون في الأجبية) 102

المزمور الثلاثون (التاسع والعشرون في الأجبية) 107

المزمور الرابع والثلاثون (الثالث والثلاثون في الأجبية) 110

المزمور الحادي والأربعون (الأربعون في الأجبية) 114

المزمور الثالث والأربعون (الثاني والأربعون في الأجبية) 117

المزمور الخامس والأربعون (الرابع والأربعون في الأجبية) 119

المزمور السادس والأربعون (الخامس والأربعون في الأجبية) 125

المزمور السابع والأربعون (السادس والأربعون في الأجبية) 128

مزامير الساعة السادسة. 130

المزمور الرابع والخمسون (الثالث والخمسون في الأجبية) 130

المزمور السابع والخمسون (السادس والخمسون في الأجبية) 132

المزمور الحادي والستون (الستون في الأجبية) 135

المزمور الثالث والستون (الثاني والستون في الأجبية) 138

المزمور السابع والستون (السادس والستون في الأجبية) 138

المزمور السبعون (التاسع والستون في الأجبية) 138

المزمور الرابع والثمانون (الثالث والثمانون في الأجبية) 139

المزمور الخامس والثمانون (الرابع والثمانون في الأجبية) 142

المزمور السادس والثمانون (الخامس والثمانون في الأجبية) 145

المزمور السابع والثمانون (السادس والثمانون في الأجبية) 148

المزمور الحادي والتسعون (التسعون في الأجبية) 151

المزمور الثالث والتسعون (الثاني والتسعون في الأجبية) 154

مزامير الساعة التاسعة. 157

المزمور السادس والتسعون (الخامس والتسعون في الأجبية) 158

المزمور السابع والتسعون (السادس والتسعون في الأجبية) 161

المزمور الثامن والتسعون (السابع والتسعون في الأجبية) 163

المزمور التاسع والتسعون (الثامن والتسعون في الأجبية) 165

المزمور المئة (التاسع والتسعون في الأجبية) 167

المزمور المئة والواحد (المئة في الأجبية) 168

المزمور المئة والعاشر (المئة والتاسع في الأجبية) 170

المزمور المئة والحادي عشر (المئة والعاشر في الأجبية) 173

المزمور المئة والثاني عشر (المئة والحادي عشر في الأجبية) 176

المزمور المئة والثالث عشر (المئة والثاني عشر في الأجبية) 178

المزمور المئة والسادس عشر (الجزء الأول) (المئة والخامس عشر في الأجبية) 179

المزمور المئة والسادس عشر (الجزء الثاني) (المئة والخامس عشر في الأجبية) 181

مزامير الغروب.. 184

المزمور المئة والسابع عشر (المئة والسادس عشر في الأجبية) 184

المزمور المئة والثامن عشر (المئة والسابع عشر في الأجبية) 185

مزامير المصاعد (ترانيم المصاعد) 190

المزمور المئة والعشرون (المئة والتاسع عشر في الأجبية) 193

المزمور المئة والحادي والعشرون (المئة والعشرون في الأجبية) 195

المزمور المئة والثاني والعشرون (المئة والحادي والعشرون في الأجبية) 197

المزمور المئة والثالث والعشرون (المئة والثاني والعشرون في الأجبية) 199

المزمور المئة والرابع والعشرون (المئة والثالث والعشرون في الأجبية) 200

المزمور المئة والخامس والعشرون (المئة والرابع والعشرون في الأجبية) 202

المزمور المئة والسادس والعشرون (المئة والخامس والعشرون في الأجبية) 203

المزمور المئة والسابع والعشرون (المئة والسادس والعشرون في الأجبية) 204

المزمور المئة والثامن والعشرون (المئة والسابع والعشرون في الأجبية) 206

المزمور المئة والتاسع والعشرون (المئة والثامن والعشرون في الأجبية) 208

مزامير النوم 210

المزمور المئة والثلاثون (المئة والتسعة والعشرون في الأجبية) 210

المزمور المئة والحادي والثلاثون (المئة والثلاثون في الأجبية) 212

المزمور المئة والثاني والثلاثون (المئة والحادي والثلاثون في الأجبية) 214

المزمور المئة والثالث والثلاثون (المئة والثاني والثلاثون في الأجبية) 218

المزمور المئة والرابع والثلاثون (المئة والثالث والثلاثون في الأجبية) 220

المزمور المئة والسابع والثلاثون (المئة والسادس والثلاثون في الأجبية) 221

المزمور المئة والثامن والثلاثون (المئة والسابع والثلاثون في الأجبية) 224

المزمور المئة والحادي والأربعون (المئة والأربعون في الأجبية) 226

المزمور المئة والثاني والأربعون (المئة والحادي والأربعون في الأجبية) 229

المزمور المئة والسادس والأربعون (المئة والخامس والأربعون في الأجبية) 231

المزمور المئة والسابع والأربعون (أ) (المئة والسادس والأربعون في الأجبية) 233

المزمور المئة والسابع والأربعون (ب) (المئة والسابع والأربعون في الأجبية) 235

مزامير نصف الليل. 237

قطعة (أ) الطوباوية في حفظ الوصية. 240

قطعة (ب) نصيحة للشباب.. 242

قطعة (ج) الاشتياق لكلمة الله في غربتنا 244

قطعة (د) الوصية حياة للنفس المتضعة. 246

قطعة (و) الشهادة لكلمة الله.. 250

قطعة (ز) كلام الله هو تعزيتنا في وسط الضيقة. 252

قطعة (ح) النفس تسعى لكي يرضى الرب عليها ويكون هو نصيبها 254

قطعة (ط) النفس الضالة يؤدبها الله كأب حنون ليعيدها 256

قطعة (ى) استسلام كامل للنفس بين يدي الله صانعها 258

قطعة (ك) النفس التي اختبرت الله تشتاق لخلاصه. 260

قطعة (ل) النفس التي اختبرت الله تثق في صدق وعوده 262

قطعة (م) الوصية لذيذة وتعطي للإنسان حكمة. 264

قطعة (ن) النفس التي تلذذت بالوصية تتعهد بحفظها 266

قطعة (س) طلب السند الإلهي. 268

قطعة (ع) صلاة للثبات في طريق الله وحفظ الوصية. 270

قطعة (ف) مفاعيل كلمة الله في النفس.. 271

قطعة (ص) غيرة حسنة على كلمة الله.. 273

قطعة (ق) صراخ إلى الله.. 274

قطعة (ر) رثاء على الأشرار فهم لن يخلصوا 275

قطعة (ش) سلام القلب في حفظ الوصية. 276

قطعة (ت) التوسل لنوال الخلاص.... 278

بقية المزامير (المزامير التي لم تستعمل في الأجبية) 280

المزمور السابع. 280

المزمور التاسع. 283

المزمور العاشر. 286

المزمور الحادي عشر. 288

المزمور الرابع عشر. 290

المزمور السابع عشر. 293

المزمور الثامن عشر. 296

المزمور الحادي والعشرون. 302

المزمور الثاني والعشرون. 305

المزمور الثامن والعشرون. 311

المزمور الواحد والثلاثون. 313

المزمور الثاني والثلاثون. 316

المزمور الثالث والثلاثون. 319

المزمور الخامس والثلاثون. 321

المزمور السادس والثلاثون. 324

المزمور السابع والثلاثون. 326

المزمور الثامن والثلاثون. 329

المزمور التاسع والثلاثون. 332

المزمور الأربعون. 334

المزمور الثاني والأربعون. 337

المزمور الرابع والأربعون. 340

المزمور الثامن والأربعون. 343

المزمور التاسع والأربعون. 346

المزمور الخمسون. 350

المزمور الثاني والخمسون. 353

المزمور الثالث والخمسون. 355

المزمور الخامس والخمسون. 356

المزمور السادس والخمسون. 359

المزمور الثامن والخمسون. 362

المزمور التاسع والخمسون. 365

المزمور الستون. 368

المزمور الثاني والستون. 370

المزمور الرابع والستون. 372

المزمور الخامس والستون. 373

المزمور السادس والستون. 376

المزمور الثامن والستون. 378

المزمور التاسع والستون. 385

المزمور الحادي والسبعون. 391

المزمور الثاني والسبعون. 394

المزمور الثالث والسبعون. 398

المزمور الرابع والسبعون. 404

المزمور الخامس والسبعون. 407

المزمور السادس والسبعون. 409

المزمور السابع والسبعون. 412

المزمور الثامن والسبعون. 415

المزمور التاسع والسبعون. 420

المزمور الثمانون. 422

المزمور الحادي والثمانون. 425

المزمور الثاني والثمانون. 428

المزمور الثالث والثمانون. 430

المزمور الثامن والثمانون. 432

المزمور التاسع والثمانون. 434

المزمور التسعون. 439

المزمور الثاني والتسعون. 441

المزمور الرابع والتسعون. 444

المزمور الخامس والتسعون. 447

المزمور المئة والثاني. 448

المزمور المئة والثالث.. 452

المزمور المئة والرابع. 455

المزمور المئة والخامس.. 460

المزمور المئة والسادس.. 463

المزمور المئة والسابع. 467

المزمور المئة والثامن. 470

المزمور المئة والتاسع. 471

المزمور المئة والرابع عشر. 474

المزمور المئة والخامس عشر. 476

المزمور المئة والخامس والثلاثون. 478

المزمور المئة والسادس والثلاثون. 480

المزمور المئة والتاسع والثلاثون. 481

المزمور المئة والأربعون. 485

المزمور المئة والرابع والأربعون. 487

المزمور المئة والخامس والأربعون. 490

المزمور المئة والثامن والأربعون. 491

المزمور المئة والتاسع والأربعون. 493

المزمور المئة والخمسون. 495

المزمور المئة والحادي والخمسون. 497


تأملات لقداسة البابا شنوده

المزامير في الكنيسة القبطية

المزامير لها أهمية كبيرة في الكنيسة المقدسة. وكتاب المزامير هو أشهر كتب الصلاة. هو شعر وموسيقى وعواطف وإنفعالات واشتياقات روحية وصلوات وابتهالات. هو نماذج حية عملية للتخاطب مع الله. ومنذ زمن قديم كانت المزامير تصلى بطريقة الغناء بنغمات موسيقية، كل مزمور له لحن خاص به. ونجد مثل هذا في التسبحة، فالهوس الثاني والثالث والرابع تقال بالألحان، فهي مزامير ملحنة.

وكان هذا هو ما يحدث في العهد القديم أيضاً فنسمع في (1أي5:23) أن هناك 4000 مغني في الهيكل يسبحون الله بآلاتهم جالموسيقية منهم فرقة أساف. فكان بيت الله مملوء غناء وتسابيح. وكثير من الآلات الموسيقية مذكورة في المزامير مثل العود والقيثارة وذوات الأوتار والمزمار... (مز150). وبيت الله نجده مملوء فرحاً.

وهكذا سمعنا بعد الخروج مريم أخت موسى وهرون تمسك الدف وتغني ورائها فرق من الفتيات. وهذا ما كرره بولس الرسول "مكلمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح.. (اف19:5 + 1كو26:14 + كو16:3). فاستعمال المزامير قديم جداً منذ العهد القديم واستعملوها الرسل وواظبت الكنيسة على استخدامها،

ودائماً يسبق قراءة كل إنجيل قراءة مزمور، بل في أسبوع الآلام لا نقرأ من العهد القديم سوى المزامير فقط. وكثير من الألحان مأخوذة من المزامير. وكان المسيحي في ذهابه للكنيسة يرتل مزمور "فرحت بالقائلين لي إلى بيت الرب نذهب" بدلاً من أن يفكر في مشاكله وفي الدنيويات. وإذا دخل الكنيسة يقول مساكنك محبوبة.. وأمام الهيكل يقول "أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك.. " هو يهيئ نفسه وذهنه للصلاة بدلاً من دوامة العالم حتى لا يشرد ذهنه في مشاكل العالم فلا يستطيع الصلاة. والكنيسة تصلي في شهر كيهك المزمور الكبير وهو تجميع لغالبية الآيات التي تشير للعذراء ولعيد الميلاد. وفي عيد الغطاس المزمور الكبير كله يكون عن الماء. وفي صلاة الأجبية نستعمل 77 مزمور[1] منهم المزمور الكبير الذي هو على حسب الحروف الأبجدية العبرية (22 حرفاً) وكل مزمور أو قطعة منه عبارة عن 8 آيات. وبعض الطوائف البروتستانتية لا تصلي المزامير وبعضهم يصلون بها. وحتى من لا يصلي بها يستخدمها في التراتيل. فلا يوجد من يستغني عن المزامير.

وكنيستنا في نهاية كل قداس تصلي المزمور ال150 أثناء التوزيع.

ولأهمية المزامير وشهرتها قسم المسيح العهد القديم وقال "موسى والمزامير والأنبياء" (لو44:24). وكثيراً ما استعمل المسيح والرسل آيات من المزامير. بل وهو على الصليب قال إلهي إلهي لماذا تركتني وهي الآية الأولى من مزمور 22.

المزامير تستخدم في إخراج الشياطين

بدأ داود الشاعر بفطرته والروحاني في طبيعته يرتل مزاميره وهو راعي صغير وكان موسيقار يضرب على العود والمزمار. وحين كان الملك شاول تنتابه نوبات الجنون بسبب الروح الشرير كانوا يقولون إبحثوا عن رجل يحسن الضرب على العود فقالوا داود بن يسى، وأتوا به فكان يصلي مزاميره بترتيل فتخرج الشياطين؟ ومازالت المزامير مستخدمة حتى الآن في إخراج الشياطين.

فالشياطين لا تحتمل المزامير. ونجد في بستان الرهبان أن أحد الرهبان يقول أنه لا يفهم المزامير فرد عليه آخر وقال له ولكن الشياطين تفهمها وتخاف منها. وأحد الأساقفة كان يقول للشيطان الذي يصعب عليه إخراجه "إذا لم تخرج سأصلي طوباهم أي المزمور الطويل (119) فكان الشيطان يخرج.

المزامير كلها نبوات

لذلك تقرأها الكنيسة في أسبوع الآلام فقط فهي مملوءة نبوات عن المسيح والكنيسة في أسبوع الآلام لا تصلي بالأجبية، بل تصلي مزامير ساعات البصخة فقط لأن كل مزمور يوافق الإنجيل الذي نقرأه في تلك الساعة، ويكون المزمور كنبوة عما نقرأه في الإنجيل. ولا نقرأ باقي المزامير لأنها نبوات عن أشياء أخرى. ونحن نعيش أسبوع الآلام بحسب حوادثه.

من الذي كتب المزامير؟

تنسب المزامير لداود دائماً أياً كان المزمور. وهناك رأيان في هذا الموضوع:

رأي يقول أن كل المزامير لداود ورأي آخر يقول أن داود وضع 73 مزمور وموسى وضع (90،91) وسليمان (72،127) وقورح وبنوه (11) مزمور وأساف (12) مزمور وهيمان (88) وإيثان (89). وهناك مزامير مجهول اسم واضعها.

ومن يقول أن داود هو واضع كل المزامير يقول أن المزامير المجهولة كلها لداود[2] أما قورح وبنيه وأساف وهيمان وإيثان ما هم سوى مغنين فقط وليس واضعون. ومن يقول العكس يتساءل وكيف يقول داود "على أنهار بابل.. ثم كيف يقول رضيت يا رب عن أرضك.. وهما يتكلمان عن الذهاب للسبي والعودة من السبي. ومن يقول أن داود واضع كل المزامير يرد بأن داود يتنبأ كما في (مز22) عموماً فكل المزامير تنسب لداود فهو واضع معظم المزامير. ويسمى إمام المغنين. قد يكون إمام المغنين هو قائد فرقة الإنشاد في الهيكل ومن ضمن من نسب كل المزامير لداود القديس أغسطينوس. والكتاب المقدس فعل هذا (قارن مز2 مع أع25:4).

ونجد في المزامير مقدمات فيها اسم كاتبها والمناسبة التي قيلت فيها والآلة المستعملة.

كيف كتبت المزامير؟

هل المزامير كانت كلام داود لله؟، أو كان الله يكلم داود؟ "الكتاب كله موحي به من الله". لقد كان داود يكلم الله بكلام وضعه الله على فم داود. فهناك صلوات لا توافق مشيئة الله "تصلون ولا تستجابون لأنكم تصلون ردياً"

إذاً جمال صلوات المزامير أنها صلوات توافق مشيئة الله. كان داود يعزف على العود وكان الروح القدس يعزف على داود وبهذا خرجت هذه المزامير الجميلة. ولذلك قال داود "لساني قلم كاتب ماهر" لأن الروح كان يملي وداود كان يكتب على المزمار والقيثار والعشرة الأوتار. ولذلك سمى داود مرنم إسرائيل الحلو (2صم1:23) والمزامير بدأ كصلوات وتأملات بالنسبة لداود كفرد ثم تطورت وأصبحت صلوات عامة للناس. وكون داود فرقة خورس (كورال) من موسيقيين ومغنين بكل الآلات ليصلوا بها في الهيكل فصارت صلوات عامة. وهذه المزامير هي أعمق صلوات وانتقلت من جيل إلى جيل.

 

المزامير تشمل كل عناصر الصلاة

1.     اللجوء إلى الله في الضيقة

داود في كل ضيقته كانت تعزيته في المزامير. وكلمات اشتدت عليه الضيقة يحتمي في مزمور "كثيراً ما حاربوني منذ صباي ولم يقدروا عليّ" هم لم يقدروا عليه لأنه كان يحتمي بالله ويصلي مزاميره. وهو صلى مزاميره هذه في عمق ألامه. ومن هو في ضيقة ويصلي لله بنفس طريقة داود وبكلمات داود فمن المؤكد سيجد تعزية.

فالمزامير تعلمنا أسلوب الحب والشوق والعتاب مع الله، تعلمنا أسلوب الكلام مع الله. وهي تعلمنا كيف نصلي لله بكلام الله. وكيف ننال فضيلة الرجاء وسط الضيقة. فالمؤمن يشعر بوجود الله وسط الضيقة وغير المؤمن يشعر بتخلي الله عنه.

ومن يصلي بالمزامير يقول مع داود في ضيقته "يا رب لماذا كثر الذين يحزنونني.." (الأعداء قد يكونوا أشخاص يضطهدونني أو خطايا وشهوات تحاربني) ثم يكمل مع داود نفس المزمور أنت يا رب ناصري مجدي ورافع رأسي. فيشعر بوجود الله. ومن لا يشعر بوجود الله في ضيقته يسقط في التذمر والكآبة واليأس بل قد يشعر بأنه لا فائدة من الحياة مع الله، بل يقود للتجديف وأن الله غير متحنن وهو ليس ضابط للكل. أما من يصلي مع داود فيشعر أن الضيقة موجودة لكن ربنا موجود والخلاص موجود ولو تأخر. بل أن داود في ضيقته كان يرى الخلاص قبل أن يأتي فيشكر لأن الله استجاب ولم تكن الاستجابة قد حدثت بعد، ولكنه يراها بعين الإيمان والرجاء وبخبرته التي رأي فيها خلاص الله مراراً. بل في ثقته في خلاص الرب يقول "أنا أضطجعت ونمت" وهو في وسط الضيقة. ولغة الرجاء تملأ المزامير وأن الله لن يترك البائسين ولا المتضايقين. بل نجد نصف المزمور الأول فيه يشكو داود ونجد النصف الآخر ابتهاج وتسبيح على خلاص الله "إلى متى يا رب تنساني.. أسبح الرب المحسن إلىّ " هذه هي لغة الرجاء التي نتعلمها من المزامير فنتعزى في ضيقاتنا، ومن يصلي مع داود لا تسيطر عليه الكآبة في الضيقات. هناك من يضع الضيقة بينه وبين الله فيتزعزع، وهناك من يتعلم من داود أن يضع الله بينه وبين الضيقة فيكون له رجاء وتختفي الضيقة.

مزامير داود لو ترجمت لأي لغة تظل محتفظة بجمالها، فجمالها ليس في الشعر والقافية بل في المعاني والروح. فالمزامير لحن جميل يقرأها الإنسان فينسى ضيقاته.

ضع خط أسود على كلمات الضيقة في الأجبية وضع خط أحمر على كلمات المعونة فتجد أن داود لا يسمح للضيقة بأن تنفرد به بل يمسك دائماً برجائه بالله.

2.     المزامير فيها تعليم.

المزامير تعطي تعاليماً كثيرة لمن يصليها فمثلاً:

              أ‌-    يا رب بالغداة تسمع صوتي (أي في الصباح الباكر).. يا الله إلهي إليك أبكر هذا التعليم يعطي روح التبكير في الصلاة ويوبخ من يصلي متأخراً.

             ب‌-   أن يقول داود أنه يسبح الله سبع مرات يومياً وأن يقول كنت أذكرك على فراشي فهذا التعليم يعلمنا أن نذكر الله دائماً حتى على فراش نومنا. مثال آخر محبوب يا رب هو إسمك فهو طول النهار تلاوتي. فهذا يعطي فكرة عن إلتصاق القلب بالله طول النهار. هذه مثل صلوا بلا إنقطاع.. هذا تعليم العهد الجديد.

             ت‌-   عطشت نفسي إليك كما يشتاق الأيل إلى جداول المياه تعطي تعليماً عن وجوب اشتياق القلب للصلاة وتبكيت للقلب إذا كان هناك تراخي.

             ث‌-   داود الملك الذي يملك كل شئ وله قصره يتكلم عن بيت الله باشتياق ويقول واحدة سألت من الرب وإياها ألتمس أن أسكن في بيت الرب ويتفرس في هيكله المقدس ويقول مساكنك محبوبة أيها الرب إله القوات تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب. هذا يعطينا تعليماً كيف يجب أن نشتاق ونحب الذهاب لبيت الرب وللأديرة. بل نسمع عن الاحترام والخوف حين يدخل مساكن الرب فيقول "بكثرة رحمتك أدخل بيتك.. أي أنا غير مستحق للدخول لولا رحمتك. ويقول أمام الملائكة أرتل لك وأسجد قدام هيكل قدسك.. ويقصد أنه يرى أن بيت الله مملوءاً بالملائكة وهو يدخل ليسجد في وسطهم. هو شاعر أن البيت مملوء ملائكة. فهناك ملائكة للبيت والملائكة الحالة حول خائفي الله والملاك الحارس لكل واحد وهذا يعطي هيبة وخشوع. فهل نقف بتراخي أمام من تخشع له الملائكة.

             ج‌-   حين يقول ليكن رفع يدي كذبيحة مسائية أمامك يعلمنا أن نرفع أيدينا في الصلاة. ويكون ذلك على شكل الصليب.. في الليالي إرفعوا أيديكم أيها القديسون وباركوا الرب.

                                ح‌-       أغسل يدي بالنقاوة وأطوف بمذبحك. تعلمنا ضرورة التوبة والنقاوة قبل أن نأتي للعبادة في بيت الرب.

                                خ‌-       حين يقول هوذا ما أحسن وما أحلى أن يسكن الإخوة معاً يعلمنا أن نجتمع في حب لنقدم عبادة جماعية.

3.     المزامير تعلمنا كيف نطلب الله.

حين يقول من الأعماق صرخت إليك يا رب.. نرى أنه يجب أن نطلب الله في عمق الضيقة، عمق الخطية. والمزامير تعلمنا كيف نطلب وماذا نطلب. وكيف نهتم بالطلبات الروحية. وكيف نطلب مجد الله.

4.     المزامير تعلم حياة الشكر.

المزامير تعلمنا الاعتراف بجميل الله والتغني بإحسانات الله وجوده وكرمه.

5.     المزامير تعلمنا حياة التسبيح.

فهناك مزامير كثيرة كلها تسابيح بلا أي طلب. هو يصلي لا ليطلب بل ليسبح. الله بالنسبة له هنا ليس وسيلة إنما غاية. هو يريد الله نفسه "أيها الرب ربنا ما أعجب اسمك في الأرض كلها. هو لا يطلب بل يتأمل في الله. وكأنه يقول "أنت غايتي وأنت كفايتي وكفي. ونراه يقول مستعد قلبي يا الله مستعد قلبي أسبح وأرتل في تمجيدي استيقظ يا مجدي استيقظ يا مزمار.. هو يطلب من كل شئ أن يستيقظ لكي يقف أمام الله ويعترف له. هو يريد أن يصحو باكراً وتصحو معه كل الخليقة لتسبح ويصحو معه المزمار والعشرة الأوتار ليعترف للرب بجميله عليه بل داود في جمال تسابيحه يرى الطبيعة كلها تسبح الله.. الفلك والسموات والشمس والقمر والنجوم والأيام والجبال والزهور.. الخليقة كلها هي سيمفونية رائعة ونراه يقول أن الرياح صانعة كلمته. بل هو يطلب من الملائكة أن يسبحوا الله. (مز103) فيقول باركوا الرب يا جميع ملائكته يا جميع جنوده. هو في فرحه بالرب يطلب أن يسبح كل أحد وكل شئ الرب. لم يوجد في البشر من أحسن تسبيح الرب مثل داود. بل هو بعد أن يشبع تسبيح يقول سبحوا الرب تسبيحاً جديداً.. أي كل يوم قولوا تسبحة جديدة. بل هو يتغنى بناموس الرب وشريعته وكيف هو كامل. هل بدون المزامير ستكون لنا هذه الإمكانية أن نسبح الرب هكذا مثل داود.

6.     المزامير تعلم حياة التسليم.

فهو لا يعتمد على فهمه وحكمته بل يطلب من الله أن يقوده ويرشده "علمني يا رب طرقك" "إهدني في سبيل مستقيم" هو يطلب إرشاد روح الله القدوس أن يقوده ليكن طريقه مستقيماً." فهناك طريق تبدو للإنسان مستقيمة وأخرها طرق الموت" (أم12:14). فالذين بلا مرشد يسقطون كورق الشجر. فالمزامير تعلمنا كيف نصلي.

7.     المزامير تعلم حياة الانسحاق

ولأهمية حياة الانسحاق تعلمنا الكنيسة أنه في بداية كل صلاة نصلى صلاة الشكر ثم المزمور الخمسين "إرحمني يا الله كعظيم رحمتك" هنا يقف الإنسان كمذنب أمام الله يطلب الرحمة كمحكوم عليه.. كثرة رأفاتك تمحو إثمي.. لك وحدك أخطأت وأحزنت قلبك وتجاهلت إحساناتك.. فالخطية أي خطية هي موجهة لله لذلك نخاف. ولأن الخطية قذارة يقول إغسلني فأبيض.. فهو يعترف بقذارته وأنه محتاج للغسيل. خطيتي أمامي في كل حين. هذا هو حال النفس المنسحقة أما النفس المتكبرة فتنظر لخطايا الناس. وداود يقول خطيتي أمامي في كل حين بعد أن غفرت خطيته، فالصلاة بدون إنسحاق هي صلاة متكبرة "إن نسينا خطايانا يذكرها الله لنا وإن ذكرنا خطايانا ينساها الله لنا". وهذا التعليم ضد الفرح الزائف الذي يبشر به البعض بأن الله غفر كل خطايانا وأننا خلصنا فهذا يقودنا للكبرياء، بل علينا كل حين أن نذكر خطايانا وننسحق ونبكي ونشعر بإحتياجنا لله. نجني من الدماء يا الله.. هذه تجعلني أحاسب نفسي عن كل واحد أكون قد أعثرته ربما في أيام جهلي وأنسحق بالأكثر حتى لا يطالبني الله بدمه فأنا تبت لكن هم ربما لم يتوبوا بعد. أعوم كل ليلة سريري وبدموعي أبل فراشي هذه صورة داود أمام الله، أما أمام شعبه فهو داود القائد المنتصر الجبار الذي له الحرير والثياب الموشاة بالذهب والقوة والسلطة والسيف والدرع أما أمام الله فيجلس على التراب والرماد وعيناه تقطران دمعاً باستمرار.. دموعي في زق محفوظة عندك.. فالدموع هي سلاح العاجز الذي لا يجد شيئاً يقوله لله، فأمام الله يستد كل فم.. في المساء يحل البكاء.. هذا أمام الله. وحين يقول "يا رب لا تبكتني بغضبك ولا تؤدبني بسخطك تكون عيناه على غضب الله يوم الدينونة، فهنا على الأرض هناك مجال للرحمة لذلك يصرخ إرحمني يا رب. أدبني هنا على الأرض حتى لا أضيع في يوم الدينونة. هل نصدق من يقول لنا إضحكوا وهللوا، هل نصدق هذا الغش، هل نفرح والشيطان مازال ينتصر علينا وعلى إخوتنا. حقاً "أمينة هي جراحات المحب وغاشة هي قبلات العدو" علينا أن نجاهد في حياة الروح بانسحاق حتى نكون من الفرحين في اليوم الأخير. لا مانع من مجاملة الناس في أفراحهم "فرحاً مع الفرحين" ولكن إذا خلونا مع أنفسنا نتذكر خطايانا ونبكي عليها بل نتذكر خطايا أخوتنا وسقوطهم وخطايا الجيل الذي نعيش فيه ونبكي طالبين رحمة الله. بل داود لا يذكر الخطايا الكبيرة فقط بل يقول الهفوات من يشعر بها والخطايا المستترة طهرني يا رب منها. ومعنى قول الكتاب بكآبة الوجه يصلح القلب أن نبكي في خلوتنا ولكن أمام الناس نبتسم ونفرح ولكن لا نكون مهذارين.

إذا جلسنا مثل داود الآن في الرماد نسمع أن الله هو الذي يقيم المسكين من التراب ويرفع البائس من المزبلة. فلننسحق لأن داود يقول قريب هو الرب من المنسحقي القلب.. إليك يا رب رفعت عيني يا ساكن السماء فها هما مثل عيون العبيد.. هذا هو الإنسحاق عند داود الذي يقف أمام الله يطلب المغفرة حتى لا يدخل الله في المحاكمة مع عبده..أن كنت يا رب للأثام راصداً فمن يثبت.


مقدمة

1.  سفر المزامير هو سفر الصلاة، من يريد أن يتعلم الصلاة فليتتلمذ على داود أستاذ الصلاة. ومن يصلي بالمزامير يكون داود معلماً له كيف يصلي كأب يمسك يد إبنه ليعلمه كيف يكتب. وفي سفر المزامير نعرف أنفسنا والضعفات والعثرات التي فينا ونجد في هذا السفر السقوط والنهوض وصلوات التوبة والشكر والتسبيح.

2.  هو سفر النبوات. فالمزامير مملوءة بالنبوات الكثيرة الخاصة بتجسد الرب وآلامه وقيامته، هي أكبر شاهد لحياة الرب يسوع لذلك قال بطرس أن داود نبي (أع30:2).

3.  هو سفر التسبيح. ويقول القديس ذهبي الفم، إن الله لما عرف أن عدو الخير سينشر الأغاني الخليعة أرسل لنا عن طريق داود هذه التسبيحات الجملية في المزامير.

4.     المزامير في الصلاة تحتاج إلى التأمل ومن الخطأ الذي نسقط فيه أننا نصليها بسرعة.

5.     أرقام المزامير:

عدد المزامير في جميع طبعات الكتاب المقدس 150 مزموراً. والاختلاف نِشأ من الطبعة البيروتية عن جميع الطبعات القبطية واليونانية والكاثوليكية الأخذة عن الطبعة السبعينية. أما الطبعة البيروتية فهي قد أخذت من النص العبري.

في الطبعة القبطية (الأجبية)

في الطبعة البيروتية (العبري)

1.     رقم المزمور 9

2.     المزمور 113

3.     المزمورين 114، 115

4.     المزمورين 146، 147

5.     يوجد بهذه النسخة مزمور 151

إنقسم إلى مزمورين 9، 10

إنقسم إلى مزمورين 114، 115

جمعوا إلى مزمور واحد رقم 116

جمعوا إلى مزمور واحد رقم 147

لا يوجد هذا المزمور هنا

وسبب هذا الاختلاف أن المزامير عبارة عن أناشيد فبعض النسخ تجمع أنشودتين وتجعلهم نشيداً واحداً والنسخة الأخرى تفصل نشيد لتجعله أنشودتين.

6.     هذا السفر يقع في منتصف الكتاب المقدس تماماً. وهو يبدأ بالله يبارك الإنسان (مزمور1) وينتهي بالإنسان يبارك الله (مز150).

7.  كلمة مزمور عبرية وتعني صوت الأصابع وهي تضرب على آلة موسيقية وترية وصارت فيما بعد تعني صوت القيثارة. وأخيراً استخدمت لتعنى غناء نشيد على القيثارة. وباليونانية مزمور تعني "إبسالموس".

8.  الاسم العبري لكتاب المزامير هو سفر تهليم أي كتاب التهليلات والتسابيح. فسواء كان الإنسان فرحاً أو حزيناً متحيراً أو واثقاً عليه أن يسبح الله دائماً. هذا السفر يعلمنا كيف نعبد الله في عالم شرير، وكيف نقترب إلى الله ونتعرف عليه ونلتصق به.

9.  الكلمات التي تتكرر مئات المرات في هذا السفر هي (ثقة- تسبيح- فرح- رحمة) فالمزامير تعلمنا كيف نفرح واثقين في الله وكيف نسبحه بكلمات أوحى بها الروح القدس. وفي تسبيحنا لله نشترك مع السمائيين والملائكة.

10. يقول القديس إمبروسيوس "أي كائن له الخزي إن لم يبدأ نهاره بمزمور، فأنه حتى أصغر الطيور تبدأ يومها وتنهيه بتراتيل عذبة. وكل من اختبر المزامير شعر بالراحة وهو يصليها ويسبح بها.

11. تنسب المزامير كلها لداود حتى لو لم يكن كاتب بعضها فهو نموذج للملك المثالي وهو المسيح الممسوح رمز المسيح الذي أتى للعالم، هو نموذج الملك الذي يحقق رجاء إسرائيل، هو من جمع إسرائيل في مملكة واحدة وجعل أورشليم مركز العبادة.

12. نجد التوازن الروحي المطلوب في المزامير فبينما نجد صلوات التسبيح والتهليل والشكر نجد الدموع، وطلب المراحم. هذا ما طبقته الكنيسة ففي كل صلاة نبدأ بصلاة الشكر ثم المزمور الخمسين فلا ننجرف لا إلى الثقة الخادعة بخلاص قد تم ولا ننجرف إلى اليأس أيضاً. وهذا ما نراه واضحاً خلال سفر المزامير.

13. كان في العهد القديم يستخدمون الآلات الموسيقية (القيثارة والدفوف..) ولكن كنيستنا القبطية اقتصرت على استعمال الدف لضبط النغمات لأنها ترى أن حنجرة الإنسان هي أعظم آلة موسيقية. فالله يطلب الآلات الموسيقية التي للقلب والعقل يعزف عليها بروحه القدس. فالقيثارة تعزف لحناً جميلاً إذا عزف عليها عازف. هكذا علينا أن نترك عقولنا وقلوبنا للروح القدس ليعزف عليها. وبنفس المفهوم نجد أنهم في العهد القديم كان لهم خورس يسبح في الهيكل والشعب يرد بقوله آمين. أما في كنيستنا فالشعب كله يرتل ويسبح. (يقف الشعب قسمين، قسم عن شمال الهيكل ويسمى (بحري أي جهة الشمال) والقسم الآخر يسمى قبلي ويقف عن يمين الهيكل وهذا القسم يقول جزء من التسبحة ويرد عليه القسم الآخر وهكذا.

14. يرد في سفر المزامير بعض الكلمات الغامضة مثلاً سلاه. وهي تشير:

         أ‌-    توجيهات للموسيقيين أن يرفعوا صوت الموسيقي أو للشعب ليقف وأصحاب هذا الرأي يقولون أن أصلها العبري SELAH معناه "الذي يرفع".

        ب‌-   هي وقفة تأمل فيها فاصل موسيقي صامت. ويقولون إن معناها كمن يقول في العربية "يا سلام" علامة على إعجابه بما قيل. فهي تأمل فيما قيل لأن المزامير لا تعتمد على المقاطع اللغوية والسجع إنما على أفكار معينة.

15. المزامير المسيانية الهامة : التي تتنبأ عن المسيح

(مز2):           الملك المرفوض يقيم مملكته ويملك

(مز8):           الإنسان سيد الخليقة بالمسيح ابن الإنسان

(مز16):          قيامة المسيح من الأموات

(مز22،69):     ألام المسيح وصلبه

(مز23):          المسيح الراعي الصالح

(مز24):          رئيس الرعاة ملك المجد

(مز40):          المسيح المطيع

(مز45):          المملكة عروس المسيح وعرشه الأبدي      

(مز18:68):     صعود المسيح

(مز72):          ملك المسيح المجيد والأبدي

(مز1:80-3، 46:89،49): الرجاء العظيم واشتهاء مجيء المسيا.

(مز89):          تأكيد لا نهائية أسرة داود الملكية

(مز97):          الملك يملك

(مز101):        المسيح يحكم بالبر

(110):           المسيح يملك

(مز118):        تمجيد الحجر المرذول

(132):           الوارث الأبدي لعرش داود

16. كما أن هناك مزامير شكر وتسبيح وتضرع في الضيق هناك مزامير تاريخية، فيها يستعرض داود قصة الله مع شعبه (من التكوين إلى يشوع) ويضع هذا كأساس لنعرف ويعرف الشعب عمل الله فيسبحه حين يرى عمله ومحبته.

17. من هو الملك الذي تتحدث عنه المزامير؟

         أ‌-    ‌يشير لله ملك المسكونة وخالقها. الذي يملك بالحب على شعبه، السماء هي قصره الملوكي ومسكنه في أورشليم كما في قلب المؤمن وملكه يضم كل المسكونة (47+67+100+117+87).

        ب‌-   يشير للمسيح، الملك المحارب واهب النصرة الروحية للمؤمنين به، يملك بصليبه محطماً مملكة الظلمة جاذباً البشرية للسماء. وهو كملك الملوك يهب مؤمنيه نعمة الملوكية (رؤ6:1) واهباً إياهم بره وقداسته وسماته (2+18+20+21+45+72+89+101+110+132+144).

                   ت‌-       داود الملك نفسه وكل نسله الذين جلسوا على العرش. وهم يمثلوا كل الجماعة المقدسة.

        ث‌-   المؤمنون كأعضاء في جسد المسح ملك الملوك (رؤ6:1). فالله أعطى للمؤمنين سلطان في حياتهم الداخلية ضد الخطية وقوات الشر، هم ملوك لهم سلطان داخلي.

18. مزامير المصاعد

هي مجموعة من المزامير (120-134). كل مزمور منهم يدعي ترنيمة المصاعد. ويبدو أنها كانت تطبع في كتيب صغير يستخدمه الزائرون القادمون إلى أورشليم في الأعياد العظمي، ليرتلوها وهم صاعدون درجات الهيكل.

19. أسماء الله في المزامير

                     أ‌-         أل أو إلوهيم: قادر وقوي وسائد فوق الكل وخالق، قوته لا نهائية.

        ب‌-   يهوه: الكائن القائم بنفسه، الواجب الوجود. ويقال إلوهيم حين يشير لأن الله إله كل الخليقة. ويقال يهوه حين يشير لعلاقة الله بشعبه الخاص الذي يخلصهم ويقدسهم ولابد أن يكونوا قديسين.

        ت‌-   إل شاداي: إل تشير للقدرة والقوة فهو اسم مرتبط بالخلق وشاداي تشير للصدر، أي لله الذي يغذي ويعول ويشبع. هو القادر الذي فيه كل الكفاية.

                   ث‌-       أدوناي: الملك الذي له السيادة على كل الشعوب أرادوا أو لم يريدوا.

        ج‌-   ونلاحظ في المزامير قول داود اللهم بإسمك خلصني.. وتتكرر عبارة اسم الرب 100مرة في 67 مزمور مختلف. فقديماً كان الاعتقاد بأن كيان الإنسان يتمركز في اسمه. فالاسم يعطي معنى ويضفي وجوداً كاملاً على حامله.

20. اللعنات في المزامير

 هناك مزامير كثيرة تستنزل اللعنات على الأشرار ونلاحظ:

         أ‌-    أن داود لم يطلب أن ينتقم لنفسه بل لشعبه كله، فهو يطلب عقاب الذين يحطمون شعب الله وملكوت الله، فهم إذاً أعداء الله. فداود كان يتسامح في حقوقه لكنه لا يتسامح في حقوق الله. وهو هنا يطلب العدالة الإلهية ضد الظالمين.

        ب‌-   لم يكن في الفكر العبراني فصل بين الخطية والخاطئ (فبابل ترمز للكبرياء ومصر ترمز للظلم وأدوم إلى سفك الدماء..) والآن نفهم أن الله يكره الخطية ولكنه يحب الخاطئ ويشفق عليه ويسعى وراءه ليتوب.

                   ت‌-       داود يتكلم بروح النبوة عن مصير الأشرار.

        ث‌-   ونحن نصلي الآن هذه المزامير فلنفكر بأن أعداءنا هي خطايانا وشهواتنا وإبليس وجنوده. لكن لا نفكر في أنهم بشر محيطين بنا قد يكونوا مسيئين إلينا.

21. الإشارات الموسيقية:

تفسيرها ليس سهلاً. فنحن لا نعرف سوى النذر اليسير عن الموسيقي الإسرائيلية القديمة. وتوجد الإشارات الموسيقية في رأس المزمور.

فمثلاً قوله ضرب الأوتار/ مع آلات النفخ/ على الجتية (قيثارة من جت) تشير لنوع الآلة المستخدمة. وقوله على الثمانية ربما تشير لقيثارة ذات ثمانية أوتار. وقوله "على أيلة الصبح" أو "لا تهلك" أو "على الحمامة البكماء" ربما تشير إلى أناشيد مشهورة يرتل على وزنها المزمور.

22. ما ينسب صراحة لداود هو 73 مزموراً. ولكن السفر كله ينسب له فهو مرنم إسرائيل الحلو (2صم1:23). والترتيب الحالي لسفرالمزامير ينسب لعزرا.

23. (مز14) هو تقريباً نفس (مز53) مع فارق طفيف و(مز70) هو جزء من (مز40) وبعض المزامير موجودة في أسفار الكتاب المقدس التاريخية. قابل (2صم22 مع مز18، 1أي23:16-32 مع مز96، 1أي8:16-22 مع مز1:105-15).

24. كلمة مذهبة التي ترد في راس بعض المزامير تشير لأن القصيدة المعنونة بها ثمينة جداً كالذهب وفائقة القيمة. وكلمة شجوية منسوبة للشجو والحزن أي ترنيمة حزينة. (راجع مز 7 ) وقوله على القرار وعلى الجواب هي إصطلاحات موسيقية لمن يعزف. وقوله على الجتية قيل أنها آلة موسيقية من جت وقوله على السوسن، قيل أن السوسن هي آلة موسيقية وقال البعض أنها كلمة تشير لمضمون المزمور. وقوله على موت الابن قيل أنه يشير لموضوع المزمور أو سبب نظمه والأغلب أنه يشير إلى اللحن الذي كان ينشد عليه (مز9). وقلوه للتذكير (مز38:70) قيل أن داود كان يتلوهما أمام الله لكي يذكره بنفسه ويذكر أمامه أحزانه وضيقاته ويذكر الله بمواعيده. وقوله على أيلة الصبح (مز22) هي لقب للمسيح الذي دار المزمور حوله. وقوله على الحمامة البكماء تشير لضعف داود وعدم استطاعته الدفاع عن نفسه هو بين أيدي الغرباء في جت إذ كان بأيدي الفلسطينيين كالحمامة المصادة بأيدي الناس.

25. قيل أن سفر المزامير قادر أن يعلمنا كل أمر روحي معرفته ضرورية لنا. وفيه علاج لكل حزن أو بلوى أو مرض يعرض لنفس الإنسان فهو كنز ثمين وعلاج نافع في كل الأجيال.

26. نرى في المزامير أن داود يرمز للمسيح. وأورشليم وصهيون وشعب اليهود رمز للكنيسة، وأعداء الشعب رمز لأعداء الكنيسة وغلبة الشعب رمز لغلبة أبناء الله دائماً.

27. لفهم المزامير ينبغي دراسة الأسفار التاريخية أولاً لنفهم الظروف التي كتبت فيها ومناسبة كل مزمور. وهناك مزامير وضعت للإنشاد في الهيكل أو للترنيم في المناسبات.

28. أول من ألف نشائد وترانيم كان موسى (خر15) ثم دبورة (قض5) وعلى قياسهما ألف آخرين ومنهم داود.

29. أطلق على سفر المزامير ملخص الكتاب المقدس فنجد فيه ملخص لأحداث العهد القديم. ونلاحظ أن هذا السفر أتى بعد سفر أيوب حيث كان أيوب يجادل الله قائلاً لماذا فعلت بي هذا؟! ويأتي هذا السفر فنجد أنه لا جدال مع الله، بل يأخذنا هذا السفر إلى الأقداس، حيث لا حوار مع إنسان ولا خصام مع الله بل إلتصاق بالله وشركة معه حيث نجد راحة لنفوسنا. يرفعنا هذا السفر إلى جبل عالٍ إلى السماويات فنقول مع بطرس "جيد يا رب أن نكون ههنا" فسفر أيوب يقودنا لتثبيت المبادئ الأساسية في قلوبنا عن كمال قدرة الله وعن عنايته الإلهية وفي هذا السفر نجد أن من يصلي مستخدماً هذه المزامير يختبر ما فهمه في سفر أيوب، تتحول عنده المبادئ الإيمانية إلى خبرات معاشة خلال صلواته وتسابيحه.

30. يقول هوشع في (2:14) "خذوا معكم كلاماً وأرجعوا إلى الرب" وما أحلى أن يكون ما نأخذه هو مزامير داود التي قالها بالروح القدس، وعلمها له الروح القدس ليقولها وإذا كان شعب العهد القديم شعر بأهمية المزامير وأتخذها كلمات مقدسة يصلون بها، فنحن بالأولى في العهد الجديد بعد أن اتضحت معاني نبوات المزامير في شخص المسيح واتضحت محبة الله العجيبة على الصليب، وإنكشف الحجاب عن كل ما كان مخفي في العهد القديم.

31. مزامير داود استخدمت في كل كنائس العالم فهي تدل على روحانية عميقة فقائلها كان ينطق بالروح القدس. وكما أن إبراهيم أبو الإيمان لم يختلف فيه المسيحيين واليهود والمسلمين هكذا مزامير داود أحبتها كل الكنائس.

32. مزاميره متنوعة.

ما قبل السقوط        (81/150/27/63)        رنموا لله قوتنا اهتفوا لإله يعقوب.

ما بعد السقوط         (51/32/38)              ارحمني يا الله كعظيم رحمتك

تأملات (19) السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه

تسبيح (150) سبحوا الله

وسط الآلام (13،3) يا رب ما أكثر مضايقي

توبة (6) يا رب لا توبخني بغضبك

مربع نص:  
وصف لأعمال الله مع الشعب

 

ذكر أعمال الله (136)

تأمل في الكتاب المقدس (136)

 

 

سمات داود التي جعلته مرنم إسرائيل الحلو (2صم1:23)

1.     يتكلم بالروح

         أ‌-    يقول لساني قلم كاتب ماهر (مز2:45) والكاتب الماهر هو الروح القدس الذي يقوده ويضع الكلمات في فمه وعلى لسانه "الروح يأخذ مما لي ويخبركم" فالروح رسم صورة للمسيح أمام داود فسبح وقال إنك أبرع جمالاً من بني البشر (مز2:45).

                   ب‌-       والروح يذكر داود بأعمال الله فيسبح (هناك مزامير كثيرة يذكر فيها داود أعمال الله مع شعبه).

        ت‌-   الروح يفتح عينيه على أعمال الله فيقول كنت فتى والآن شخت ولم أر صديقاً تخلى عنه ولا ذرية له تلتمس خبزاً (مز25:37) + يوم جلياط قال عبدك قتل أسد ودب هذا عمل الروح الذي يذكرنا بأن يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد (عب8:13).

                   ث‌-       من ينطق بالروح ينطق بنبوات

والامتلاء من الروح يدفعنا للتسبيح

والتسبيح يجعلنا نمتلئ بالروح

1.  إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح.. لمدح مجد نعمته لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتني لمدح مجده (أف3:1-14)

2.  المزامير كلها ثمرة للامتلاء من الروح ألم يقل لساني قلم كاتب ماهر بل هو سبح قائلاً إنك أبرع جمالاً من بني البشر.

امتلئوا بالروح مكلمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغاني روحية مترنمين مرتلين في قلوبكم للرب (أف18:5،19)

وكيف نسبح نحن؟ البداية التغصب ثم نمتلئ بالروح فنسبح بفرح.

2.     الحرية

·    قد يكون الإنسان فيه الروح القدس ولكنه مستعبد للخطية وهنا لا يستطيع أن يسبح "على أنهار بابل.. قالوا لنا سبحوا.. كيف نسبح الرب في أرض غريبة". فلم نسمع أن داود نزع منه الروح القدس حين أخطأ واستعبد للخطية، لكننا لم نسمع أنه سبح في هذه الفترة.

·        ولكن الروح كان منطفئ وحزين أما لو فرح الروح نفرح فنسبح.

·        سر فرح داود ومزاميره هو أن الله مع داود وروحه القدوس يملأه.

·    أما الذي يبتعد عن الله تصير حياته رعباً (هذا معنى الظلمة الخارجية) كما لو رفعت الشمس عن المجموعة الشمسية لضلت الكواكب "وخرج يهوذا للوقت وكان ليلاً" (يو30:13)

·    وقارن بين داود الفرح المسبح وشاول (1صم5:28) "قد        ضاق بي الأمر جداً لأن الرب فارقني ولم يعد يجيبني لا بالأنبياء ولا بالأحلام" فداود كان يرى بقلبه النقي الله فيسبح بل أن مزامير داود كانت تريح شاول.

·    والروح القدس حين يملأ إنسان يحرره فهو يبكت ويعطي قوة ومن يتحرر يمتلئ فيسبح تسبحة موسى بعد الخروج من عبودية مصر. والبداية التغصب على طاعة الوصية. ومن يغصب نفسه يملأه الروح فيتحرر فيسبح فيمتلئ ويزداد تحرراً فيسبح أكثر فرحاً.. فالتسبيح هو طريق الإمتلاء بالروح. رقم 50 هو رقم اليوبيل الحرية وهو رقم حلول الروح القدس. ومن ثمار الروح التعفف أي الابتعاد عن الشهوات والفرح والشهوة المقدسة وأن يعود الإنسان على صورة الله وتكون لذته في الله كما أن الله لذاته في بني آدم فالروح يجدد الخليقة "قلباً نقياً إخلق فيّ يا الله". هنا نسأل من قال المزامير هل داود أم الروح القدس؟! من أجمل ما قيل هل كان داود يعزف على قيثارة الروح القدس أم الروح القدس يعزف على قيثارة داود.

3.     الشعور بحب الله

·    هو نقل تابوت العهد كان له رغبة في بناء الهيكل. نقل تابوت العهد أول شئ عمله بعد أن استقر ملكه وسبح (مز132) أذكر يا رب داود وكل ذله لا أدخل خيمته بيتي.. إلى أن أجد مقاماً للرب وحينما رفض الله أن يبنى داود البيت جهز كل شئ "وأنا بكل قوتي هيأت" (1أي2:29) هي محبة عاملة.

·    هو رنم مزمورين (14،53) يسبح فيهما مرة اسم الله ومرة الرب وهما مزمورين متطابقين لكنه يحب اسم الله (تدرب على صلاة يسوع) ولاحظ كمية المزامير التي فيها يسبح اسم الله.

4.  هو لم يطلب كثيراً من الدنيا، نفس تحررت من محبة الدنيويات حتى الملك الذي وعده به الله وربما قال هذا المزمور يا رب لم يرتفع قلبي ولم تستعل عيناي بعد سكب الزيت. ومن تحرر يسبح (تسبحة موسى) والاتضاع كان من سماته فهو تعود أن يكون مرفوضاً في الحقل صغيراً. وفي آخر أيامه في عز ملكه حين رفض الله أن يبني داود له بيتاً قال من أنا يا سيدي الرب (2صم18:7) وما هو بيتي حتى أوصلتني إلى هنا واسمعه يقول لشاول "ملك إسرائيل خرج ليفتش عن برغوت واحد كما يتبع الحجل في الجبال" (1صم20:26) وفي (مز22) يقول أما أنا فدودة لا إنسان (مز6:22) وبسبب الاتضاع يسكن الله عندنا "في الموضع المرتفع المقدس أسكن ومع المنسحق والمتواضع الروح لأحيي روح المتواضعين ولأحيي قلب المنسحقين" (أش15:57) ومن يسكن الله عنده يسكن الروح عنده ومن يسكن الروح عنده يرنم.

5.     طبيعة التأمل والعزلة والهدوء

بها رأي أعمال الله، أعطته هذه هدوء النفس فسمع الصوت الخفيض كما سمعه إيليا. فنجد في مزاميره تأملات في الطبيعة التي عاش وسطها (الجبال/ الوديان/ الرعاة/ الرب يرعاني) فيقول (الفخ انكسر ونحن نجونا) هذه صورة لصياد أسود يسقط في فخ عمله هو، هكذا ينقذه الله من أعدائه (الرب صخرتي) يحتمي في الله كما يحتمي في صخرة عند اشتداد العواصف وشمس النهار. يتذكر أعمال الله مع شعبه ويتأمل فيها فيثق أن الله لن يتركه "أنا الله إلهك الذي أخرجك من أرض مصر" وهكذا كان السيد المسيح يعمل إذ يتأمل في الصيادين والفلاحين.

6.     النقاوة

فبدونها لن نرى الرب "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" وبدونها لن يفيدنا التأمل. فهناك من في كبريائهم تأملوا في الطبيعة وقالوا الطبيعة خلقت نفسها إذاً لا إله. وداود قال "من يقوم في موضع قدسه الطاهر اليدين والنقي القلب" (مز3:24-6)

لذلك نجد داود يسبح قبل خطيته وبعد توبته (وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي) (أع22:13) فتوبة داود تفرح قلب الله وبها يستعيد نقاوته فيسبح أما أثناء عبوديته للخطية لم نسمع أنه سبح.

7.     التسامح وتحمل الإهانات

         أ‌-    في يوم جلياط أهانه أخوه الأكبر قائلاً لمن تركت الغنيمات أنا علمت كبرياءك وشر قلبك (1صم28:17) ولأنه لم يهتاج فسبح وقال لجلياط أنت تأتي إليّ بسيف ورمح وأنا أتيك بقوة رب الجنود (جيش إسرائيل/ الملائكة/ الأفلاك) هي تناظر ضابط الكل كما قال قائد المئة أنا إنسان تحت سلطان أقول لهذا أذهب فيذهب.

                   ب‌-       الله قال لشمعي بن جيرا اشتم داود + لم يقتل شاول.

        ت‌-   ولذلك أنقذه الله حينما حمى غضبه على نابال وأرسل له أبيجايل حتى لا يخطئ أما لو انتقم لنفسه فوخزات ضميره كانت ستحرمه من الترنيم فالنفس التي فقدت سلامها تفقد اتصالها بالله أما النفس المملوءة سلاماً ومغفرة قادرة على التسبيح. أما الخطية فتعطي طبعاً وحشياً فداود الزاني قتل وداس موآب بالنوارج هنا لم يسبح داود أما داود المتسامح فضربه قلبه على قطع جبة شاول.

8.     الترانيم:

صوت + كلمات + لحن ولم يذكر أن صوت داود كان حلواً لكن كلماته بالروح جبارة. والمهم أن يتغني كل إنسان باسم الرب وليس مهماً صوته. فالإنسان يطرب لصوت الموسيقي أو الصوت الحلو، أما الله فيطرب للقلب الذي يحبه ويشعر به. هذه هي لغة السماء.

9.     سماع صوت الله

إلهي أنت ملجأي / إليك ألتجئ

كلمة التجئ في العبرية تستعمل للراعي الجالس يراقب قطيعه

فهل ننتظر سماع صوت الله أو نرمي كلماتنا ونمشي دون سماع الرد، ومن يسمع يرنم علينا أن نرقب الله (حبقوق) حبقوق مثال جميل لهذا فهو صلي وجلس ينتظر سماع صوت الله إذاً هذا هو الالتجاء لله وانتظاره بأن نعلم أن لنا الطلبات التي طلبناها حتى لو لم تكن في حوزتنا وهذا ما يحفظنا ثابتين هادئين بل نرنم.

كم مرة سمعنا "لا تخف" ولكننا مازلنا نخاف لأننا لم نسمعها من الله. هي مازلت معلومات في العقل وليست مشاعر وضعها الروح القدس في القلب.

عبارة انتظرت الرب

(5:25 +21، 5:130 + 7:39 + 1:40 + 20:69،3،6+ 43:119،74،114،147 + 22:33 + 6:130 + 9:27،14 + 7:37،34 + 3:5 + 9:52 + 49:119 + 3:25 + 24:31)

هو انتظار بثقة أن الله سيستجيب حتى لو تأخرت الاستجابة. وعود الله لابد وستنفذ في ملء الزمان.

سمات صلاة داود

1.  لأنها بالروح تبدأ بالشكوى (مز3) يا رب ما أكثر مضايقي/ يا رب لماذا تنساني وتنتهي بالتسبيح فهو في البداية يظن أن الله نسيه في آلامه. لكن من ينصت ويسمع صوت الروح القدس. يسمعه يقول له كيف أنساك يا ابن الله الروح يشفع فينا فنجد داود يسبح على الاستجابة حتى لو لم تتم

 شفاعة الروح [1] سماع صوت الاستجابة فنسلم الأمر له. [2] تسبيح الله إذ ندرك محبته وصفاته.

2.     اللعنات ضد الخطاة وطلب الانتقام منهم

                     أ‌-         ‌هو ملك له أن يدين بل هذا واجبه، فهو لا يطلب الانتقام لنفسه بل لشعبه.

                   ب‌-       الأعداء هم أعداء شعب الله أي أعداء الله. فهو يطلب العدالة الإلهية للظالمين.

                   ت‌-       في العهد القديم لم يفرقوا بين الخاطئ والخطية.

                   ث‌-       يتكلم بروح النبوة عن مصير الأشرار.

أعداؤنا هم الشيطان والخطية وشهوة الجسد وليس البشر.

3.     حين يتكلم عن براءته وأنه بلا خطية يقصد أنه برئ فيما اتهمه به شاول أو أبشالوم.

4.  ينسب نجاته لله لا لذكائه إنتظاراً انتظرت الرب فمال إلىّ وسمع صراخي وأصعدني من جب الهلاك وأقام على صخرة رجليَّ. ثبت خطواتي (مز1:40-3 + مز9:59،17) وهذا عكس ما نفعله نحن إذ ننسب الشر لله والخلاص لذكائنا أو للصدفة. وحتى قوته الشخصية ومميزاته نسبها لله الذي أعطاها له وسبحه عليها فهو يفتخر بالله "الذي يجعل رجلىّ كالأيل.. الذي يعلم يدي القتال فتحني بذراعه قوس من نحاس" (مز34:18) فهل ننسب مواهبنا (وزناتنا) لله ونسبحه عليها أم نفتخر بها. "من يفتخر فليفتخر بالرب" (1كو31:1).

5.  ما أروع ما نتعلمه من داود "تسابيح وسط أفراحه وسلامه وتسابيح في ضيقاته أعلى أحد بينكم مشقات فليصل. أمسرور أحد فليرتل" (يع13:5) والعكس أما كآبة وتصادم مع الله أو فجر وإندفاع طائش خاطئ في المرح. كما سقط هو نفسه في أيام راحته فالجيش يحارب وهو يتمشى. أما في ألامه مثل هروبه من شاول نجده دائم التسابيح "ارحمني بك احتمت نفسي" (مز57: مز142) فوجد راحة في ألامه. وحين نسى التسابيح سقط وإندفع وراء شهواته فتزوج من كثيرات ولم يكتفي فزنى وقتل. ما أجمل ما قيل عن الأفراح. وكانت أم يسوع هناك ودعى أيضاً يسوع وتلاميذه إلى العرس (يو1:2،2) وهل هكذا هي أفراحنا.

6.     ضعفاته

                     أ‌-         قلة إيمانه وعدم ثقته في حماية الله وذهابه للفلسطينيين وهذا ضد الإيمان!! ألم يعده الله بالملك فكيف يموت.

        ب‌-   خداعه للفلسطينيين وخداع الكهنة بأنه في مهمة رسمية وإلتجاؤه للفلسطينيين. وخلال هذه المدة لم نسمع تسابيح ولا مزامير. لكن الله كانت عينه على حياته الماضية وقاده للتوبة والرجوع بسلسلة من الضيقات فرجع ورنم، وكانت الآلام خير فالله يحول كل الأمور للخير يخرج من الجافي حلاوة فبالآلام عاد داود ليلجأ لله ويرنم. فعندما امتنع عن الترنيم والحرب أخطأ وحينما أتاه ناثان رنم بمزامير التوبة، أي أن الله أدخله في طريق الآلام ليكمل وفي آلامه رنم مزامير الآلام.

        ت‌-   هو في تأملاته أيام نقاوته تأمل في يد الله وفي خليقته وسبح الله. والآن اكتشف صفة جديدة في الله أنه غفور طوبى لمن غفرت له أثامه وسترت خطيته (مز1:32) بل أن أحلى مزامير داود قيلت وسط الآلام. فبالآلام نعرف الله الذي يسندنا ويعزينا ونعرف الله القدير الذي ينقذنا منها وهذه لا نراها في الأوقات العادية.

7.     خلال مدة ترنيمه بكل هذه الترانيم صار مرنم إسرائيل الحلو. (2صم1:23)


الجزء الأول

صلوات الأجبية

لماذا نصلي 7 صلوات؟ ولماذا نصلي المزامير في صلوات الأجبية؟

1.     لأن الرسل كانوا يستعملونها (أع1:3 + 1:2،15،46 + 9:10).

2.     قال بولس الرسول في (1كو16:14) متى اجتمعتم فكل واحد منكم له مزمور + (أف19:5).

3.     من أقوال الآباء نفهم أن هذا نظام رسولي واتبعته الكنيسة عنهم.

4.     أجمعت الكنائس الرسولية شرقاً وغرباً على استعمال المزامير في العبادة.

5.  يقول داود النبي سبع مرات في النهار سبحتك.. (مز164:119). ورقم (7) رقم كامل والمقصود أنه كان يلهج النهار كله في تسبيح الله. ولكن الآباء حددوا هذه الأوقات والرسل كانوا يصلون فيها ففيها تجتمع الكنيسة ويكون الله في وسطهم ومعاشرة الله المستمرة هي سبب بركتهم وقوتهم. وكل صلاة منهم تذكرنا بحدث ما في حياة السيد المسيح.


ساعات الأجبية

صلاة باكر:

تصلي في الفجر لتقديم باكورة اليوم للرب، نبدأ بالرب، فهو الألف وهو الياء، والمسيح هو كوكب الصبح المنير وهو شمس البر، فنذكر مع بداية إشراق الشمس المسيح شمس البر. لذلك ففي (مز2) في صلاة باكر نسمع عن ولادة المسيح بالجسد وفي الإنجيل نسمع عن أن الكلمة الأزلى أتخذ له جسداً وفيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس. ونصلي في صلاة باكر تسبحة الملائكة.

ونذكر في هذه الساعة أيضاً ساعة القبض على يسوع بواسطة الجند بعد أن قضى الليل كله ساهراً في الصلاة في بستان جثيماني وفي (مز2) نرى تآمر الجند والرؤساء ضد المسيح. وفي هذه الساعة أيضاً نذكر قيامة المسيح في الفجر ولذلك نسمع في (مز3) "أنا نمت وقمت ثم استيقظت" ونرتل (مز16) مزمور القيامة. ونحن نصلي صلاة باكر عندما نستيقظ من النوم (الموت الصغير) فنذكر أن قيامة الرب يسوع هي عربون لقيامتنا. وفيها نتضرع لله أن يشرق بنوره فينا لنعرفه. وإذا بدأنا يومنا بالصلاة كأننا نقدم الباكورة لله فيتقدس اليوم كله (يتقدس الملء)

 

صلاة الساعة الثالثة:

الساعة 9 صباحاً فيها صدر الحكم بالصلب وفيها صعد الرب وحل الروح القدس. تشير لوقت صدور الحكم على ربنا بالصلب. وفي هذا الوقت أيضاً حل الروح القدس على التلاميذ. ففي هذه الساعة صدر الحكم على المسيح رغم شهادة بيلاطس ببراءته، فبدأ الجند في جلده ووضع إكليل الشوك. لذلك تبدأ المزامير بالمزمور (20) "يستجيت لك الرب يوم شدتك" ولأن المسيح كان صامتاً لا يتكلم. أمام كل هذا نرتل (مز26) "احكم لي يا رب فإني بدعتي سلكت.. اختبرني يا رب وجربني".

ونذكر في هذه الساعة صعود يسوع المسيح إلى السماء "ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية (مز24) ونرتل (مز47) "صعد الله بتهليل" ونذكر في هذه الساعة حلول الروح القدس وهذا موضوع الإنجيل والقطع ويطلب المصلي إنسكاب الروح القدس عليه.

 

صلاة الساعة السادسة:

الساعة 12 ظهراً فيها صلب الرب يسوع.

تذكرنا هذه الساعة بحادثة صلب الرب يسوع على الصليب لأجل خلاصنا ولذلك نجد في مزاميرها ما يشير لآلامه المبرحة التي احتملها لأجلنا (مز54) "الغرباء قاموا عليّ والأقوياء طلبوا نفسي.." أسنان بني البشر سهام وسلاح ولسانهم سيف مرهف (مز57). وتنتهي مزامير السادسة بمزمور (93) أن كرسي الله ثابت لا يتزعزع أي ملكوته وكنيسته. والإنجيل عن التطويبات التي يشجع بها الرب تلاميذه على احتمال الآلام والاضطهاد من أجله كما تحمل الأنبياء قبلهم. وفي القطع نصلي لمن صلب عنا أن يصلب إنسان الخطية الساكن فينا ويسمر مخافته في قلوبنا.

 

صلاة الساعة التاسعة:

الساعة 3 ظهراً فيها ذاق المسيح الموت بالجسد.

في هذه الساعة نذكر أن الرب مات عنا وأسلم روحه في يدي الآب فخلصنا من سلطان الخطية والموت وفيها أيضاً قبل توبة اللص الذي آمن به (فهو أتي وصلب لأجل هذا الغرض). وفي هذه الساعة انقشعت الظلمة التي سادت الأرض منذ الساعة السادسة دليل على انتهاء مملكة الشيطان المظلمة بعد انتصار المسيح عليه في المعركة الحاسمة على الصليب وبدأ الله يملك على شعبه، لذلك نكرر في مزاميرها "الرب قد ملك" كما نكرر التسبيح والتمجيد لله "سبحوا الرب تسبيحاً جديداً فقد أكمل عمله الخلاصي لنا وقال قد أكمل، وإنشق حجاب الهيكل وتصالح الله مع البشر، وقام كثير من الراقدين علامة القيامة مع المسيح لكل المؤمنين.

أما الإنجيل فهو عن إشباع الجموع لأن يسوع تحنن علينا وأعطانا جسده ودمه حتى لا نضعف في هذا العالم الشرير ونتمكن من مقاومة محاربات إبليس، كما لم يقبل أن يصرف الـ5000 جائعين بل أشبعهم. ولذلك نصلي في القطع "إجعلني شريكاً لنعمة أسرارك المحيية، لكيما إذا ذقت من أحساناتك أقدم لك تسبحة.

 

 

صلاة الحادية عشرة (الغروب)

الساعة 5 مساء فيها أنزل الجسد المقدس من على الصليب.

فيها نذكر أن الجسد المقدس أنزل من على الصليب، فنشكره على خلاصه وعلى رعايته لنا حتى المساء، ونطلب أن يحسبنا مع أصحاب الساعة الحادية عشر، فيها نشكر المسيح الذي بموته شفانا وأراحنا من لعنة الخطية، ونصلي أن يحفظنا في كل أيام غربتنا كما حفظنا حتى هذا المساء. ونذكر في هذه الساعة بأن شمس حياتنا لابد وستغرب كما غربت شمس ذلك اليوم فنستعد بالتوبة وكما قدم يوسف ونيقوديموس حنوطاً وأطياباً نقدم للمسيح صلاتنا ونرجوه أن يتقبلها رائحة طيبة ولأن المسيح أعطانا بموته راحة نبدأ المزامير بتسبيحه "سبحوا الرب يا جميع الأمم.." وفي المزمور التالي يهيب بالجميع أن يعترفوا بخلاص اله. وهذا المزمور هو نبوة عما حدث للرب يسوع فقد اجتمع حوله كثيرين من الأعداء "وباسم الرب انتقمت منهم" ثم يقول إليك يا رب صرخت في حزني.. فاستجبت لي وفي هذا إشارة إلى أن الموت ما كان ممكناً أن يحجز المسيح له المجد.

وإنجيل الغروب هو عن شفاء يسوع لحماة سمعان، فموته أعطانا الراحة والشفاء وفي القطع نتعلم أن نتضع أمام الله كالعشار.

 

صلاة الثانية عشرة (النوم)

فيها دفن الرب يسوع في القبر.

نذكر هنا دفن الرب يسوع في القبر ونزوله إلى الجحيم ليخلص من رقدوا على الرجاء وفيها نطلب أن يعطينا الله توبة في نهاية اليوم، قبل أن تنتهي حياتنا على الأرض.وأن يمنحنا نوماً طاهراً، ويعدنا ليوم جديد نمجده فيه. ففي هذه الساعة أيضاً نذكر أخر ساعة في عمرنا فنتوب. ومزامير هذه الساعة تشير للقيامة بعد الموت فهي تبدأ من الأعماق صرخت إليك يا رب.. فيسوع ذهب للجحيم ليخلص من كانوا قد ماتوا على هذا الرجاء (1بط18:3،19) + (1بط6:4)

أما الإنجيل فيحدثنا عن سمعان الشيخ.. الآن يا سيدي تطلق عبدك بسلام "هذه تذكرنا بقول بولس الرسول "لي اشتهاء أن أنطلق.." فالنوم هو موت صغير. والقطع تذكرنا بأنه توجد دينونة بعد الموت. هي صلات توبة في نهاية اليوم.

صلاة نصف الليل:

تذكرنا بالمجيء الثاني الذي يأتي كلص في الليل، في ساعة لا يعرفها أحد وتنقسم لثلاث خدمات في الأولى نتذكر الاستعداد لمجيئه وفي الثانية نطلب التوبة وفي الثالثة نذكر أنفسنا بالسهر استعداداً للمجيء الثاني (مت6:25)

لذلك ففي الخدمة الأولى نصلي (مزمور 119) الكبير الذي ينصب على حفظ الوصايا وبركات من يحفظ الوصية ويدرس الكتاب المقدس ومن يفعل يكتشف خطيته فينسحق أمام الله وهنا نأتي للخدمة الثانية فنجد المرأة الخاطئة "اعطني يا رب ينابيع دموع.." ومن عاش حياة التوبة حقاً يبدأ يهتم بالناس وبشبعهم الروحي وهذا ما نسمع عنه في الخدمة الثالثة "من هو الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على عبيده ليعطيهم طعامهم في حينه.. وهذا ما تفعله الكنيسة مع أبنائها حتى يتصور المسيح فيهم.

وتبدأ صلاة نصف الليل بهذه التسبحة "قوموا يا بني النور لنسبح رب القوات" فنذكر صلوات الرب يسوع في البستان ولا نكون نائمين كما نام التلاميذ، ومن يسهر يسمع تعزية الرب يسوع "لا تخف أيها القطيع الصغير فإن أباكم قد سُرَّ أن يعطيكم الملكوت".

صلاة الأجبية: حينما سأل اليهود المسيح ليصنع لهم معجزة قال.. لا تعطي لهم آية سوى آية يونان النبي، وفي هذا إشارة لموته وقيامته. فالمعجزة قد تسبب إيمان الناس أو لا تسبب هذا. أما ما يملأ القلب حباً لله فهو التأمل في ألامه ومحبته التي ظهرت في الصليب "نحن نحبه لأنه أحبنا أولاً " لذلك فالكنيسة تعطينا فرصة يومية بصلوات الأجبية لنعيش أحداث آلام المسيح وقيامته ونتأمل فيها فيشتعل القلب بحب الله، ويزداد إيماننا ورجاؤنا.

 


المزمور الحادي والخمسون (الخمسون) حسب الأجبية

هو أشهر مزامير التوبة. وهو ملازم في الكنيسة القبطية لصلاة الشكر فيعطي حياة روحية متوازنة. ففي صلاة الشكر نسبح ونشكر الله على عطاياه ثم نصلي هذا المزمور فنذكر كل خطايانا ونطلب الرحمة. وبذلك لا نندفع في اتجاه دون الآخر.

وقد رتل داود هذا المزمور بعد إن اكتشف على يد ناثان النبي بشاعة خطيته مع بثشبع. وحقاً فالله رحيم لكنه يرحم من هو مستعد لقبول الرحمة بأعماله وتوبته مثلماً فعل داود. إن داود حين اقتنع بأنه أخطأ لم يقدم تبريرات لما صدر منه ولكنه انسحق وتاب. ومن يندم على خطيته ندامة حقيقية لا يخجل من أن يعترف بها. وصلاة هذا المزمور تشبه صلاة العشار الخاطئ التي علمها لنا السيد المسيح "اللهم ارحمني أنا الخاطئ" (لو13:18) هذا المزمور نصليه في بداية كل صلاة بالأجبية.

1.  مع صلاة الشكر نصلي هذا المزمور دائماً فيعطي توازناً في المشاعر الروحية. ولا يمكن لمن يصلي أن يبدأ صلاته دون أن يشكر الله على عطاياه ويعترف بحاجته للمراحم الإلهية.

2.     بهذا المزمور تقدم لنا الكنيسة منهجاً صادقاً للتوبة.

3.  حينما نصلي به مراراً نتحذر لئلا نتهاون مع الخطية. فداود لم يسقط في خطيته وهو يحارب بل وهو متهاون، جالساً فوق سطح قصره متأملاً في العالم ناسياً مزاميره. بينما حين كان هارباً من شاول، أو بينما هو يحارب مدافعاً ضد أعداء وطنه لم نسمع عن أي خطية في حياته.

ونرى في هذا المزمور توبة وانسحاق ثم تسبيح وتمتع بأورشليم العليا حيث يشتم الله حياتنا محرقات مبهجة تكون موضع سروره، هنا يشعر الخاطئ بأن الله قبل توبته ويتعزى. فالله لا يترك الخاطئ حتى ييأس، فاليأس يعني موت أكيد.

 

الآيات (1،2): "ارحمني يا الله حسب رحمتك. حسب كثرة رأفتك امح معاصيّ. أغسلني كثيراً من إثمي ومن خطيتي طهرني.

ارحمني= لا توجد كلمة نرددها بكثرة في صلواتنا في الكنيسة قدر هذه الكلمة فطلب مراحم الله هو المدخل الوحيد الذي ندخل به في صلواتنا أمام الله. وتعني هذه الكلمة أنني خاطئ ومعترف بخطيتي وليس لي يا رب سوى باب واحد أدخل به إليك وهو مراحمك. وهو قبل أن يذكر خطاياه يطلب المراحم "كرحمتك يا رب وليس كخطايانا" ويذكر الله بعظيم رحمته. التي تقبل أن تغفر كل الخطايا لكل الناس في كل العصور. ويطلب أن يمحو الله إثمه مثل كثرة رأفته وتحننه وعطفه وطيبة قلبه. فإن لم يمح الرب إثم إنسان سيمحي اسمه من سفر الحياة. ولنلاحظ أن هناك عقوبتان فالله سامح داود على خطيته وبذلك لن تكون هناك عقوبة أبدية وهلاك. ولكن هناك عقوبة أرضية "لا يفارق السيف بيتك"

إغسلني= فالخطية قذارة تحتاج إلى غسيل (رؤ14:7) وتطهير. وحتى ابسط خطية نرتكبها باللسان تنجس الإنسان (مت11:15). ونلاحظ أن البار يشعر بثقل خطيته أما الشيطان فيقلل من قدر الخطية. وكانت هناك غسلات وتطهيرات في العهد القديم مبنية على دم الذبائح لكل خطية وكل نجاسة.أما في العهد الجديد فنحن نتطهر بدم المسيح عن طريق غسل المعمودية والتوبة والاعتراف ونلاحظ أنه حين طلب الرحمة لم يشير لأعماله العظمية لأجل الله سابقاً بل إلى رحمة الله العظيمة.

 

آية (3): "لأني عارف بمعاصيّ وخطيتي أمامي دائما. "

اعتراف بالخطية والضعف، والله يطلب هذا الاعتراف. خطيتي أمامي دائماً= من يتذكر خطاياه دائماً يخجل وبخجله يندم وبندمه يحترس من السقوط ثانية وباحتراسه يأخذ مغفرة. يقول القديس الأنبا أنطونيوس" إن ذكرنا خطايانا ينساها لنا الله، وإن نسينا خطايانا يذكرها لنا الله. وحينما نقول في القداس "ومن تذكار الشر الملبس الموت" أي لا نذكر شهوات الخطايا السابقة فنشتاق إليها ثانية كما اشتهى الشعب الكرات والبصل في سيناء بل نذكر أننا أحزننا قلب الله وننسحق.

 

آية (4): "إليك وحدك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت لكي تتبرر في أقوالك وتزكو في قضائك."

كل خطية هي موجهة ضد الله. فجسدنا هو ملك للرب وهكذا جسد من أخطأنا إليه. بل كل منا على صورة الله فكيف نهين صورة الله. والله وهبنا الكثير فنذكر هنا أننا أخطأنا ضد من أحبنا ووهبنا الكثير. وتغلب إذا حوكمت= لقد وهبنا الله كل وسائط النعمة التي بها نغلب ومع هذا سقطنا وخالفنا شريعة الله. وأخطأنا إليه، ربما لم يعرف أحد خطيتنا ولكن الله رأي فهو فاحص القلوب والكلي. وحين رأي الله حِزن وهذا ما أحزن داود. وقوله متى حوكمت أي متى ناقشتك من جهة أحكامك (أر1:12)، وكيف أتبرر وأنت فاحص القلوب ولقد ضبطتني ورأيت خطيتي.

 

آية (5): "هأنذا بالإثم صوّرت وبالخطية حبلت بي أمي."

الخطية لها جذورها في طبيعتي البشرية، فأنا ذو طبيعة فاسدة (الخطية الأصلية) هذا تقرير للحالة وليس تبرير للخطية. ولهذا نحتاج كلنا لغسل المعمودية.

 

آية (6): "ها قد سررت بالحق في الباطن ففي السريرة تعرفني حكمة."

فأنا لم أخطئ عن جهل، لأنك كشفت لي كل شئ في شريعتك وفي الضمير الذي وهبتني إياه، لم يعد شيئاً مخفياً أمامي عما تريده فماذا أقول الآن؟‍! وحينما تناسيت وصاياك وسقطت جاء ناثان وذكرني، فأنت لا تتركني أبداً.

 

آية (7): "طهرني بالزوفا فأطهر. إغسلني فأبيض أكثر من الثلج."

الزوفا نبات كانت يغمسونه في دم الذبيحة ويرشون بها للتطهير فبدون سفك دم لا تحدث مغفرة (عب22:9).. ولا غفران سوى بدم المسيح (1يو7:1) وهذا الدم يبيض (رؤ17:7). أي يمحو الخطية تماماً. والزوفا نبات صغير وضعيف جداً فهو يشير للمسيح في اتضاعه. ونحن نغتسل بالمعمودية للخلاص. وحين صارت ثياب المسيح كالثلج في التجلي كان هذا إعلاناً عن الكنيسة المتطهرة بدمه (اف27:5).

 

آية (8): "أسمعني سروراً وفرحاً. فتبتهج عظام سحقتها."

لأن توبة داود واعترافه كانا صادقين، وخلال إنسحاقه ارتجفت عظامه، دخلت به نعمة الله إلى السرور والبهجة، فبقدر الإنسحاق يكون السرور، هنا شعر داود بأن الله غفر ونقله من الظلمة إلى النور، فالخطية تبلي العظام والتوبة تقيم الإنسان الجديد.فتبتهج عظام سحقتها= أما الترجمة "فتبتهج عظامي المتواضعة فترجمة غير دقيقة. وفي العظام المنسحقة نرى توبة وحزن على الخطية وانسحاق. وقد لا يعطي الله هذا الشعور بسرعة لأن ما نناله سريعاً نفقده سريعاً. وذلك لأننا لم نتعب فيه. ولذلك فقد يترك الله الخاطئ التائب في أحزانه فترة. وقوله عظامي المنسحقة، لا يقصد عظام الجسد بل إنسحاق النفس.

 

آية (9): "استر وجهك عن خطاياي وأمح كل آثامي."

هنا يذكر الوسيلة التي تبتهج بها عظامه (وتستمر الوسيلة حتى الآية11) وحتى لا يصرف الله وجهه عن الإنسان فليصلي الإنسان أن يصرف الله وجهه عن خطاياه. كل خطاياه، فلو بقيت خطية لما صرت مقبولاً. والتوبة هي الطريق الوحيد الذي به ينسى الله خطايانا.

 

آية (10): "قلباً نقياً اخلق فىّ يا الله وروحاً مستقيماً جدد في داخلي."

قلباً نقياً= هي طلبة لكي يطهره الله من كل فكر نجس. ونحن بدون معونة من الله لن نقدر أن نحيا في نقاوة. وبدون نقاوة ستظل خطايانا أمام الله. وقوله اخلق هذا يعني أنه يطلب قلب جديد لا علاقة له بالماضي ويطلب روح مستقيم= أي إصلاح كل الداخل وليس مجرد التصرفات الخارجية، هو يطلب عمل روح الله فيه.

 

آية (11): "لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني."

هو يعترف أنه بخطيته قاوم روح الله الذي يدعو للتوبة ولكنه يصلي حتى لا ينزع الله الروح القدس منه، فنزع الروح معناه قطع الصلة مع الله (ربما يذكر ما حدث لشاول الملك).

 

آية (12): "رد لي بهجة خلاصك وبروح منتدبة أعضدني."

الخطية أفقدت المرتل التمتع بوجه الله واهب البهجة بالخلاص. ويصلي ليعيدها الله له.روح رئاسي=أي الروح القدس الذي يملك على النفس والجسد بكل طاقاتهما ويسود ويرأس الإنسان ويقوده فلا ينحرف ثانية.

 

آية (13): "فأُعلّم الأثمة طرقك والخطاة إليك يرجعون."

هنا يربط المرتل بين عودته بالتوبة والشهادة للمخلص (لو32:22). والشهادة هنا هي رجوعه لله وامتناعه عن الخطية وتسبيحه لله دائماً على قبوله ثانية.

 

آية (14): "نجني من الدماء يا الله إله خلاصي. فيسبح لساني برك."

الدماء= تشير لكل نفس كنا سبباً في عثرتها وسقوطها. وربما بالنسبة لداود فهو يذكر خطيته تجاه أوريا. وداود يعد الله أنه حينما يخلص من هذه الخطية لن يكف عن تسبيحه. والله خلصنا بعدله الذي ظهر في موت المسيح على الصليب. لذلك يقول فيبتهج لساني بعدلك. أي صليبك الذي نجاني من خطاياي. عدل الله رحيم.

 

آية (15): "يا رب افتح شفتي فيخبر فمي بتسبيحك."

حينما يفتح الله فمنا سيخرج منه كلام طيب، كلام تسبيح. أما لو كان المتكلم الذات سيخرج كلام كبرياء لا يخلو من معصية (أم19:10). ولنلاحظ أن الإنسان المستعبد لخطية لا يستطيع أن يسبح (مز1:137،4). والشعب سبح تسبحة موسى بعد أن حرره موسى وخرجوا من عبودية فرعون. وهكذا نسبح في السماء (رؤ3:14).

 

الآيات (17،16): "لأنك لا تسر بذبيحة وإلا فكنت أقدمها. بمحرقة لا ترضى. ذبائح الله هي روح منكسرة. القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره."

الله لا يسر بالمحرقات إن لم يشترك فيها القلب (أش11:1،12)، والله لا يسر بمظاهر العبادة الخارجية والقلب مبتعد بعيداً، فالله يقول إعطني قلبك (راجع اش13:29). الله يطلب القلب المنسحق والمتواضع والتائب عن خطيته (اش15:57).

 

الآيات (19،18): "أحسن برضاك إلى صهيون. ابن أسوار أورشليم. حينئذ تسر بذبائح البر محرقة وتقدمة تامة. حينئذ يصعدون على مذبحك عجولاً."

لقد بدأ داود مزموره بالاعتراف بخطاياه وينهيه بالتمتع بحياة شركة كنسية قوية فبنزع خطايانا نعود للشركة مع الكنيسة مقدماً ذبائح عجول شفاه أي تسابيح (هو2:14) وصهيون وأورشليم رمز للكنيسة أو النفس. وما هي أسوار أورشليم= هي العودة لحماية الله والدخول في حمايته فيكون سوراً لنا (زك5:2).

 


مزامير باكر

المزمور الأول

هذا المزمور يضع أمامنا طريق الموت وطريق الحياة، البركة واللعنة، ويتركنا أحراراً أن نختار. فهو يتحدث عن سعادة الرجل الصالح وشقاوة الشرير وتعاسته.

 

آية (1): "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار وفي طريق الخطاة لم يقف وفي مجلس المستهزئين لم يجلس."

طولى للرجل= قالها بالمفرد فليس صالحاُ سوى المسيح وحده. ونلاحظ التدرج لا يسلك في مشورة الأشرار=أي يفكر في طريقهم ويستحسنه ويعطي ظهره لله وهذه مخاطرة. ولا يقف في طريق الخطاة= هنا حدث استحسان للشر ووجد الإنسان لذة، فبدأ يجاري الأشرار ويخطئ. ونلاحظ قوله طريق الخطاة، ونقارن هذا بأن المسيح هو الطريق والحياة فالمسيح طريق الأبرار وأي طريق سواه فهو طريق الشيطان طريق الموت واللعنة. لا يجلس في مجلس المستهزئين= هنا نجد الاستسلام لطريق الشر، وصار الأشرار رفقاء لهذا الإنسان، والمستهزئين هم من يستهزئون بالأمور المقدسة. هنا استمرار إرادي في الشر.

 

آية (2): "لكن في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً."

قران مع خبأت كلامك في قلبي لكي لا أخطئ إليك، فكلمة الله تحصن المسيحي من السقوط + (يش8:1). وقوله نهاراً وليلاً= يشير لكل فترات الحياة، الليل والنهار أيام الفرح وأيام الحزن، أيام الانتصار على الخطية وأيام السقوط.

 

آية (3): "فيكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه. التي تعطي ثمرها في أوانه. وورقها لا يذبل. وكل ما يصنعه ينجح."

كشجرة مغروسة على مجاري المياه[3] = مجاري المياه هي الروح القدس (يو37:7-39) هذه المياه تجري كالعصارة وتصل إلى جميع الأغصان والأوراق. وقوله مجاري يشير إلى أنها مياه حية جارية تحمل معها الحياة. والشجرة المثمرة هي سبب بهجة لكل إنسان وحيوان، ثمارها تشبع ويستفاد من ظلها. ونلاحظ أن المسيح هو شجرة الحياة (رؤ7:2) تعطي ثمرها في أوانه= قارن مع ثمار الروح القدس (غل22:5). والمسيح لعن التينة غير المثمرة. وورقها لا ينتثر= لأن غذاءها يأتيها في حينه. والمتعبين يأتون ليستظلوا بهذه الشجرة. كل ما يصنعه ينجح= قارن مع "أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني. فمن يثبت في المسيح يكون له نجاح في كل أموره مادية وروحية (فالله بارك ليوسف في كل ما عمله).

 

آية (4): "ليس كذلك الأشرار لكنهم كالعصافة التي تذريها الريح."

العصافة= هذا وصف الأشرار، فهم عكس الأبرار، لا يستمتعون بالمياه الجارية فورق الشجرة يذبل ويصير عصافة تحمله الريح الخفيفة أي التجارب البسيطة التي ينساق وراءها الشرير= التي تذريها الريح. تصير حياتهم بلا معني فهم كعصافة حملتها الريح.

 

آية (5): "لذلك لا تقوم الأشرار في الدين ولا الخطاة في جماعة الأبرار."

لا تقوم الأشرار في الدين= لا يستطيعون أن يقوموا للدفاع عن أنفسهم، ولا يكون لهم قيام الوجود الدائم في حضرة الله، إذ يقولون للجبال غطينا وللأكام أسقطي علينا من وجه الجالس على العرش (رؤ16:6،17). فالدينونة أكيدة بلا شك (يو29:5).

 

آية (6): "لأن الرب يعلم طريق الأبرار. أما طريق الأشرار فتهلك."

الرب يعلم طريق الأبرار= العلم والمعرفة هنا هما معرفة الفرح والسرور والموافقة طريق الأشرار فتهلك= أي يمهلهم الله ويرذلهم ويطردهم من حضرته.

 

هذا المزمور نرنمه في صلاة باكر ونحن نذكر قيامة المسيح من الأموات لنسأل الله أن يعطينا الحياة المطوبة كنعمة إلهية قبل أن نبدأ حياتنا اليومية. هذا المزمور يذكرنا بأن الله خلق آدم أولاً في صورة الكمال ولما سقط أتى المسيح آدم الثاني الكامل ليكملنا.


المزمور الثاني

مزمور عجيب يتنبأ فيه داود بدقة عن عمل المسيح. وكما بدأ المزمور الأول بالتطويب ينتهي هذا المزمور الثاني بالتطويب. فالطبيعة المطوبة التي يترجاها المرتل في المزمور الأول لا يمكن تحقيقها إلا خلال المسيح الملك الذي يتكلم عنه في المزمور الثاني. وكان اليهود يفهمون هذا المزمور على أنه يتكلم عن المسيا وبسبب أن المسيحيين فسروه عن المسيح بدأ اليهود من القرن العاشر تفسير المزمور أنه يتكلم عن داود. ولكن المزمور بصورة عامة يظهر أن الأرض وملوكها في حالة تكتل وهياج ضد الله وشعبه وبالتالي مسيحه ووصاياه ونيره. ورمزياً كان هناك هياج ومؤامرات على داود فلقد قام ضده الفلسطينيون والموآبيون وبني عمون والأدوميون والأراميون فهو رمز للمسيح. والله له وقت يتدخل فيه ويوقف مؤامرات هؤلاء الأشرار ويثبت ملكه وتسود مملكة المسيح أخيراً. وهنا كلمات لا يمكن أن تنطبق على داود مثل هل كانت الأمم ميراثاً لداود ؟ هذا لم يتم سوى للمسيح (أع27:4 + 33:13 + عب5:1).

 

آية (1): "لماذا ارتجّت الأمم وتفكّر الشعوب في الباطل."

الهياج على داود كمسيح للرب أو الهياج على الكنيسة هو هياج على الله نفسه. وهذا ما يستغرب منه داود هنا. وهذا ما حدث فقد تآمر الجميع على المسيح. الأمم والشعوب هو الدولة الرومانية واليهود الذين فكروا في الباطل= فكل تدبيراتهم ضد المسيح هي باطلة فهل ينجح أي تدبير ضد مشورة الله.

 

آية (2): "قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه قائلين."

قام ملوك.. تآمر الرؤساء= الملوك هم بيلاطس وهيرودس، بل هم طاردوه منذ ولادته. والرؤساء هم رؤساء الكهنة، بل حتى الرعاع أيضاً صرخوا أصلبه أصلبه. وسؤال داود يعني أنه يستغرب ما حدث فهو بلا سبب (يو24:15،25) "فهم أبغضوني بلا سبب" على الرب وعلى مسيحه="أبغضوني أنا وأبي" (يو24:15،25). فالأشرار لم يقبلوا نير المسيح وأغلاله أي وصاياه ومبادئه الكاملة بينما هي هينة (مت29:11،30).

 

 

آية (3): "لنقطع قيودهما ولنطرح عنا ربطهما."

لنقطع قيودهما= كما قال اليهود "لا نريد أن هذا يملك علينا (لو14:19). فهم هاجوا على الرب وعلى مسيحه (الآب والابن). مسيحه= سمى مسيحاً لأنه مسيح الرب، الذي حل عليه الروح القدس في شكل حمامة عند عماده، ليس لأجل التطهير بل لأجل الإعلان، هو مُسِحَ لينوب عني في المعركة ضد إبليس واهباً إياي نصرته. (مز7:45) مسحه بزيت الابتهاج.

 

آية (4): "الساكن في السموات يضحك. الرب يستهزئ بهم."

الساكن في السموات يضحك=الهياج على الأرض يقابله سلام فائق في السماء، الله يضحك فهل يطوله هؤلاء "صعب عليك أن ترفس مناخس" فمن يرفس المناخس يصيبه هو الضرر وأما المناخس فلا يصيبها شئ. الرب يستهزئ بهم= بينما يظن العالم في ثورته أنه قد انتصر على الرب وعلى مسيحه، إذ بهم يجدوا أنفسهم أنهم قد حققوا غرض الله، فالله لم يتركهم ينفذون ما أرادوا إلا لأنه يريد ذلك فالله ضابط الكل فهم قاموا على المسيح وصلبوه ولكن لم يكن هذا انتصاراً لهم بل انتصاراً للمسيح. فهو قد أتم رسالة الفداء وظهرت هذه القوة بوضوح بعد القيامة فالصيادين الضعفاء نشروا المسيحية في العالم وتشتت اليهود المتكبرين.

 

آية (5): "حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ويرجفهم بغيظه."

بغضبه= الله منزه عن الانفعالات، وهذه تعنى سقوطهم تحت دينونة وعدل الله وهذا ما حدث لليهود فعلاً فقد تشتتوا في العالم كله. وهذا نصيب كل من يبتعد عن الله.

 

آية (6): "أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي."

مسحت ملكي على صهيون= المسيح في ميلاده قيل "أين ملك اليهود" وفي دخوله إلى أورشليم قالوا "مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل" وبموته ملك على قلوب كل المؤمنين به "وأنا إن ارتفعت أجذب إلىّ الجميع" وأحبه الجميع لأنه أحبنا أولاً وكل من أحبه ملكه على قلبه وأطاع وصاياه، والشهداء ماتوا على اسمه وعصوا أوامر القياصرة والملوك الوثنيين. هو الآن يملك في مجده ويملك على صهيون كنيسته جبل قدسي= هي جبل ثابت سماوي بعد أن قدسها بدمه.

 

آية (7): "أني اخبر من جهة قضاء الرب. قال لي أنت ابني. أنا اليوم ولدتك."

 أني اخبر من جهة قضاء الرب= وفي السبعينية (الأجبية) لأكرز بأمر الرب. فالمسيح جاء إلينا ليعلن إرادة الرب فينا ويخبرنا بما عند الرب، يعلم محبة الآب لنا. قال لي أنت ابني. أنا اليوم ولدتك= هذه الآية حيرت اليهود في تفسيرها، فقد أعلنت لنا ميلاد الرب الجسدي. فهناك ميلاد أزلي للرب يسوع من الآب بلاهوته وميلاد زمني أي جسدي. فقوله أنت ابني هذه إشارة لبنوته الأزلية من الآب بلاهوته وقوله أنا اليوم ولدتك يتكلم عن الميلاد الزمني. ولذلك استخدم بولس الرسول هذه الآية (عب4:1،5) ليثبت أن للمسيح اسماً أعظم من الملائكة بكونه ابن الله الوحيد لا بالتبني بل له نفس طبيعة الآب. وبتجسده حصلنا نحن على النبوة.

 

آية (8): "اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض ملكاً لك."

أقاصي الأرض والأمم صارت ملكاً للرب يسوع بصليبه (قارن مع في6:2-11).

 

آية (9): "تحطمهم بقضيب من حديد. مثل إناء خزاف تكسرهم."

تحطمهم بقضيب من حديد= وفي السبعينية ترعاهم بقضيب من حديد. وكلاً المعنيين يشيران لسلطان الرب عندما يملك. وهو يؤدب ويرعى بالتجارب والآلام ومن يقبل ويخضع تكون له بركة، ومن يتمرد سيتحطم وينكسر مثل إناء خزفي.

 

آية (10): "فالآن يا أيها الملوك تعقلوا. تأدبوا يا قضاة الأرض."

أيها الملوك تعقلوا. تأدبوا= على كل متكبر أن يخضع لتأديب الله، وليفهم كل متكبر أن الله لا يشمخ عليه. داود ينهي مزموره بنصيحة للفهم والطاعة.

 

آية (11): "اعبدوا الرب بخوف واهتفوا برعدة."

بخوف= في عبادتنا لله يجب أن تمتلئ قلوبنا بمخافة إلهية مقدسة، والله حين يريد يعطي الفرح في قلوبنا.

 

آية (12): "قبلوا الابن لئلا بغضب فتبيدوا من الطريق لأنه عن قليل يتقد غضبه. طوبى لجميع المتكلين عليه."

قبلوا الابن= تقبيل قدمي الملوك عادة شرقية علامة الطاعة والولاء.

 

ونصلي هذا المزمور في باكر، فنذكر أن المسيح يملك علينا، وحتى إن قام علينا العالم كله فالله يضحك بهم. والمسيح ملك بصليبه وقيامته فنذكر قوة قيامته وانتصاره على الموت، بل نذكر أنه بولادته وفدائه صرنا أبناء نتمتع بقوته.


المزمور الثالث

يرتل كل من يصلي صلاة باكر هذا المزمور ويبدأ بقوله "لماذا كثر الذين يحزنونني" فيذكر مضايقيه من أهل العالم ويذكر الخطايا التي تضايقه وربما يسقط فيها، ولكن سرعان ما تتحول الصلاة إلى إنشودة خلاص تملأ النفس سلاماً خلال التمتع بروح النصرة وروح القيامة في صلوات داود، ونرى الرب منتصراً على كل أعدائنا حتى أقوى الأعداء وهو الموت. يبدأ المزمور بصيغة الفرد ثم ينتهي بالبركة على كل شعب الرب. ونلاحظ في عنوان المزمور أن داود وضع المزمور في ضيقته وهو هارب من أمام إبشالوم أبنه. وهناك ملحوظة هامة جداً:- أنه بينما كانت المشكلة موجودة ومازال داود مطروداً من عرشه وابنه يقود ضده ثورة ويريد قتله فهو وضع محزن مبكي بلاشك حتى لمن يسمعه ولكننا نجد داود يسبح الله على خلاصه والخلاص لم يتم بعد، وهذا ما يحدث مع كل من يصلي متعلماً من المزامير، فيصلي في ضيقته فيجد المسيح يحمل آلامه ويشترك معه في صليبه ويعزيه ومازالت المشكلة بلا حل، لكن حدث تغيير واضح في قلب الذي يصلي فهو بدأ صلاته حاملاً همومه وأنهاها وهو في حالة سلام داخلي. بل شعر أنه في أمان طالما هو تحت الحماية الإلهية.

 

آية (1): "يا رب ما أكثر مضايقي. كثيرون قائمون عليّ."

كثيرون قائمون عليّ= فداود قام عليه ابنه إبشالوم ومشيره أخيتوفل والجيش بل ومعظم الشعب (كان هذا نتيجة لخطية داود). وبالمثل قام على المسيح الرومان وملوكهم واليهود ورؤساء كهنتهم بل والشعب ويهوذا تلميذه (كانت نهاية يهوذا كنهاية أخيتوفل) فكلاهما كانا صاحب مشورة شريرة. لقد كتب داود هذا المزمور لضيقه مما حدث من إبشالوم وبروح النبوة انطبق المزمور بالأكثر على المسيح وكأن المسيح أيضاً يتساءل لماذا كثر مضايقو الكنيسة جسده.

 

آية (2): "كثيرون يقولون لنفسي ليس له خلاص بإلهه.سلاه."

كثيرون يقولون.. ليس له خلاص بإلهه= صوت التشكيك هذا كثيراً ما نسمعه في ضيقاتنا فنتصور أن الله تخلى عنا. ومن اجتمع حول الصليب قال "قد إتكل على الله فلينقذه" (مت43:27). إن أخطر ضربة يوجهها إبليس لنا هي ضربة اليأس وهي إنكار إمكانية عمل الله الخلاصي. وخلال اليأس تتسلل كل خطية إلى حياتنا.

سلاه= هي أضيفت بعد ذلك لتسكت الموسيقى فترة ويسكت المرنمين وتستمر الموسيقي ليتأمل المرنمين والسامعين في هذا الكلام الخطر الذي قيل "هل ليس خلاص بالله؟!"

 

آية (3): "أما أنت يا رب فترس لي. مجدي ورافع رأسي."

أنت يا رب فترس لي= بالاختبار عرف داود أن الله كما أنقذه في حادثة الدب وفي حادثة الأسد ثم مع جليات سينقذه الآن، "كما كان وهكذا يكون من جيل إلى جيل" وفي (عب8:13) يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد. ورافع رأسي= هكذا رفع الله راس داود وهزم أعدائه ومع المسيح فلقد نزل المسيح بعد موته إلى الجحيم لينجي عبيده منه. ثم قام من الأموات ظافراً وصار موضوع مجدنا وترتفع رؤوسنا به. وحتى إن حملنا الصليب فترة من الزمن سنشعر أننا في هذا نشبه المسيح ولابد من أن نقوم معه ظافرين. لقد كانت الجماهير والجيش هما قوة إبشالوم، ولكننا نسمع هنا أن الله هو ترس وقوة داود.

مجدي= لقد سقط تاجه وهرب أمام أعداؤه وشتمه شمعي بن جيرا ولكنه كان يرى أن مجده الحقيقي هو الله، وهو القادر أن يرفع رأسه ويرد له كرامته. والله سيعطينا مجداً في السماء.

 

آية (4): "بصوتي إلى الرب أصرخ فيجيبني من جبل قدسه. سلاه."

ليس معنى الصراخ هو ارتفاع الصوت ولكن معناه الصلاة من القلب بعمق. جبل قدسه= هو ملكوت الله السماوي. من هناك نسمع استجابة الله نسمعها في قوة، فداود محروم الآن من أورشليم الأرضية لكنه على اتصال بأورشليم السماوية. والمسيح صرخ على صليبه لحسابنا فاستجاب له الله، هو صرخ كممثل عن البشرية فاستجاب له الله وخلصنا (عب7:5).

 

الآيات (5،6): "أنا اضطجعت ونمت. استيقظت لأن الرب يعضدني. لا أخاف من ربوات الشعوب المصطفين علىَّ من حولي."

أنا اضطجعت ونمت. استيقظت= هي نبوة عن موت المسيح وقيامته بعد أن أحاط به الأعداء الذين تكلم عنهم في الآيات (1،2). وقوله أنا تشير لموت المسيح بإرادته (يو17:10،18). وهم داود نقول أنه بعد صلاته زالت عنه حالة الاضطراب من كثرة الأعداء ونام "فالرب يعطي لأحبائه نوماً" وعجيب أن نرى داود نائماً في هدوء وأعدائه محيطين به، ولكن هذا هو سلام الله الذي يفوق كل عقل (في7:4). ويقول داود في (مز132) لا أعطى لعيني نوماً.. حتى أجد موضعاً للرب. فهو حين صلي وأعطى لله موضعاً في قلبه نال سلاماً عجيباً فنام. ومع كل منا يمكن أن يحدث هذا. بل في كل مرة نصاب بفتور روحي ونشابه النائمين روحياً علينا أن نستيقظ (اف14:5 + 1تس6:5،7) فالنوم أي الكسل يؤدي للسقوط. فالسقوط موت والتوبة هي قيامة مع المسيح الذي انتصر على الخطية وعلى الموت. ولو أعطانا الله حالة السلام نقول مع داود لا أخاف من ربوات الشعوب.. ولماذا لا يخاف فالله أعطاه ثقة بوجوده وحمايته له = لأن الرب يعضدني. وبسبب هذه الآيات الواضحة عن المسيح نرتل هذا المزمور في ختام صلوات يوم الجمعة العظيمة ولكننا نتوقف عند قوله "أنا اضطجعت ونمت" ولا نكمل فكلمة استيقظت تشير للقيامة التي حدثت فجر الأحد. فهذا المزمور يعتبر.

1.     نبوة عن المسيح.

2.     ما حدث حقيقة مع داود.

3.     صلاة المؤمن الذي في ضيقة ويحيط به الأعداء (سواء جسديين أو روحيين).

4.     صلاة المؤمن وهو في حالة فتور ويشتاق أن يقوم من موت الخطية.

 

الآيات (7،8): "قم يا رب. خلصني يا إلهي. لأنك ضربت كل أعدائي على الفك. هشمت أسنان الأشرار. للرب الخلاص. على شعبك بركتك. سلاه."

هي طلبة داود ومن يصلي مع داود قم يا رب= أيقظ جبروتك وهلم لخلاصنا، كما أيقظ التلاميذ الرب في السفينة. هذه علامة القوة في الصلاة واللجاجة. وتؤكد عمق إيمان المرتل واختباراته في الرب الذي يعطيه الخلاص ويعطي البركة له ولكل شعبه. ونلاحظ قول داود على شعبك= فهو الملك ولكنه لا يقول شعبي فهو يفهم أن الشعب هو شعب الله بينما هو كملك يرعى شعب الله.

ونلاحظ أن المزمور يبدأ بالصراخ وينتهي بالخلاص والبركة وهزيمة الأعداء، هو صورة رائعة لصلاة الإنسان الساقط في ضيقة أو تجربة"، وكيف يخرجه الرب بهذه القوة هذه هي نتيجة الصلاة التوبة، هي تملأ النفس تعزية ولا تنتهي سوى بالبركة والخلاص. أسنان الخطاة= يشبه المتمردون ضد داود بالحيوانات الضارية التي تريد أن تلتهمه ولكن الرب ينزع أسلحتهم، فذراع الله لا تقصر عن أن تخلص. للرب الخلاص= فلا فضل للإنسان نفسه، إنما الفضل للرب الذي وحده يخلصنا من موت الخطية ويتمجد فينا.

 

ونرتل هذا المزمور في باكر كل يوم لنذكر قيامة الرب وانتصاره على كل من قام ضده. ونذكر بركة الرب لشعبه ونتسلح في بداية يومنا بهذا الإيمان القوي.


المزمور الرابع

لإمام المغنين على ذوات الأوتار= داود كتب المزمور وأعطاه لقائد فريق الإنشاد (الخورس أو الكورال) ليرتلوا به مستخدمين الآلات الوترية.يرى بعض المفسرين أن داود كتب هذا المزمور أيضاً متأثراً بموقف إبشالوم ابنه ضده ويرون أن داود كتبه بعد أن أحبطت مشورة أخيتوفل وفيها كان داود يدعو شعبه أن لا يسيروا وراء الباطل بل يقدموا توبة. فقد كان هناك من يريد إعادة تنظيم صفوف فريق إبشالوم ضد داود. وداود يقول لهم حتى متى تهينوا الكرامة الملكية التي أعطاها الله لي وتسيروا وراء الكذب، فخصومتكم ضدي هي خصومة ضد الله.

 

آية (1): "عند دعائي استجب لي يا إله بري. في الضيق رحبت لي. تراءف علىّ واسمع صلاتي."

استجب لي. في الضيق رحبت لي= في الشدة فرجت عني (سبعينية). داود يصرخ إلى الله أن ينصره على مضايقيه ويتذكر كل الشدائد التي سانده فيها الله ولم يتخل عنه (جليات.. ) وعلينا أن نصلي دائماً ونذكر كل أعمال الله السابقة معنا "نشكر صانع الخيرات لأنه سترنا وأعاننا وحفظنا.." يا إله بري= علامة اتضاع داود. فكل البر الذي يظهر في حياة داود أو حياتنا ليس هو استحقاق صلاتنا وجهادنا الشخصي لكن بر الله فبئس الإنسان الذي يكون بره من ذاته. هذا هو السر أننا بعد أن نتقدم روحياً نعثر إذ نظن أننا أبرار. لأن غاية الناموس هو المسيح للبر لكل من يؤمن (رو4:10) فربنا هو برنا. ونلاحظ أن داود لم يقل رفعت عني الشدة بل في الشدة فرجت عني أو رحبت لي، فهو مازال في شدته لكنه شعر براحة (هذه هي طريقة الله، وهذا ما حدث مع الثلاثة فتية فالله لم يرفعهم من الأتون بل جاء إليهم وأعطاهم راحة وسط النيران). وبعد أن حصل داود على هذه الراحة لم يكف عن الصلاة كما يفعل الكثيرون فيدخلوا إلى الفتور بل استمر في صلواته قائلاً=تراءف علىّ واسمع صلاتي (مثال: بعد التناول علينا أن نستمر في جهادنا).

 

آية (2): "يا بني البشر حتى متي يكون مجدي عاراً. حتى متى تحبون الباطل وتبتغون الكذب. سلاه."

يا بني البشر حتى متى يكون مجدي عاراً= لماذا تثقل قلوبكم (سبعينية) لماذا تحبون الباطل. الإنسان بطبعه ترابي يميل للأرضيات (ثقل القلب). وهذا يحدث لنا بالخطية والهموم العالمية ومحبة الدنيويات والإنشغال بها عوضاً عن الاهتمام بالسماويات التي ترفع القلب إلى فوق. ونفهم الآية عن داود، بأنه يعاتب مقاوميه بأنهم يسيرون وراء الأكاذيب التي أطلقها إبشالوم وأخيتوفل وحولوا مجد داود إلى عار. وهم بوقوفهم ضد داود الممسوح من الله يخطئون إلى الله الذي اختاره وهذا راجع لثقل قلوبهم بسبب خطاياهم. وبسبب خطاياهم صدقوا الأكاذيب (فالشيطان كذاب). ولكن هذه الآية توجه لكل خاطئ أحب العالم والخطية فثقل قلبه وسار وراء الباطل (العالم وأكاذيبه وخداعاته) حقاً قال سليمان عنه باطل الأباطيل. من إلهه المال يسعى وراء باطل. وهؤلاء يحولون مجد الله في حياتهم إلى عار في حياتهم.

 

آية (3): "فاعلموا أن الرب قد ميز تقيه. الرب يسمع عندما أدعوه."

الرب قد ميز تقيه= قد جعل قدوسه عجباً (سبعينية) إن من يحبه الله يحيطه بعنايته ورعايته بطريقة عجيبة، حدث هذا مع المسيح ومع داود ومع كل من يطلب الله بأمانه هي دعوة لكل متألم أن يحول أفكاره عن أحزانه الداخلية إلى الرب السماوي غير المنظور. ونحن نتمجد في السيد المسيح إن قبلنا الحياة المقدسة بعمل روحه القدوس فينا.

 

آية (4): "ارتعدوا ولا تخطئوا تكلموا في قلوبكم على مضاجعكم واستكنوا. سلاه."

اغضبوا ولا تخطئوا= استشهد بولس الرسول بهذه الترجمة في (اف26:4) وهي تعني أنه إن كان هناك مبرر للغضب فلا يوجد مبرر للخطأ. وعلى الإنسان أن يتخلص من حالة الغضب هذه بأسرع ما يمكن، ويا حبذا لو كان الغضب على أنفسنا بسبب خطايانا فنقدم توبة، هذا أفضل من أن نغضب على أحد. الذي تقولونه في قلوبكم إندموا عليه في مضاجعكم= بحسب السبعينية ومعناه الذي أخطاتم فيه وفكرتم فيه بسبب أي إثارة مفاجئة، قدموا عنه توبة وأنتم على فراشكم. داود هنا يحول الفراش إلى مذبح للصلاة فيبتعد عن الفكر أي أفكار شريرة وتشتيت للفكر، لأن الفكر مشغول بحساب النفس وإدانة النفس. وفي الترجمة العربية طبعة بيروت نجدها ارتعدوا ولا تخطئوا= فهي دعوة أن نخاف من الله فلا نخطئ، وهي دعوة داود لشعبه أن يرتعد من التمرد عليه الذي هو تمرد على الله وبهذا يخطئ.

 

آية (5): "اذبحوا ذبائح البر وتوكلوا على الرب."

إذبحوا ذبيحة البر= بعد تبكيت النفس، والتوبة، إذا اتخذت النفس قرار بالامتناع عن الخطية المحببة فكأنها قدمت ذبيحة بر "قدموا أنفسكم ذبائح حية". هذه النفس تقدم نفسها ذبيحة على مذبح الإيمان، فهي تتوقف عن ممارسة خطية محببة.

 

آية (6): "كثيرون يقولون من يرينا خيراً. ارفع علينا نور وجهك يا رب."

كثيرون يقولون من يرينا خيراً= هناك مسيحيون شكليون، إذا طلبت منهم أن يمتنعوا عن الخطية المحببة إليهم يقولون.. من يرينا الخيرات. أي ماذا يضمن لنا أننا لو توقفنا عن الخطية المحببة لنا الآن أن الله سيجازينا خيراً في الأبدية. فهم محبون لخطاياهم متذمرون على الرب، ناكرون أعماله الحسنة، بدون إيمان، ناقدين للرب والإجابة التي يجيب بها داود، إن عربون عطايا الله في الأبدية لعبيده الأتقياء يظهر هنا على وجوه عبيده "قد أضاء علينا نور وجهك يا رب" فالله وهو نور يضئ علينا ونحن في ظلمة هذا العالم ويملأهم سلاماً يظهر أمام الآخرين كدليل على عمله الداخلي فيهم. وحسب الترجمة ليرى هؤلاء المتشككين أي سلام نحن فيه، وبنورك هذا نضئ لهم ولكل متشكك.

 

الآيات (7،8): "جعلت سروراً في قلبي أعظم من سرورهم إذ كثرت حنطتهم وخمرهم. بسلامة أضطجع بل أيضاً أنام لأنك أنت يا رب منفرداً في طمأنينة تسكنني."

هي شهادة داود عن عمل الله معه، فهو يشبعه ويقوده إلى ينابيع ماء حية وهكذا كل مسيحي ملأه الله بروحه القدوس، ويشبع من ذبيحة القداس، ويتغذى على كلمة الله في كتابه المقدس وصار الرب يسوع موضوع شبعه، يشبع أكثر ممن يشبعون من خيرات هذا العالم، الحنطة والخمر.. الخ. بل هو يحيا في سلام وينام في سلام.

 

ونصلي هذا المزمور في صلاة باكر لنطلب نور الله وسلامه بالرغم من المضايقين.


المزمور الخامس

هذا المزمور رتله داود وهو ممتلئ مرارة من أخيتوفل ومن شابهه، الذين كانوا أصدقاء ومخلصين له ثم شعر بخيانتهم له. وهذا ما حدث للمسيح إذ خانه تلميذه يهوذا وقام عليه من شفاهم وكان يجول وسطهم يصنع خيراً، طالبين صلبه، وكانوا يستهزئون به. وهناك من يرون أن الشخص الخائن هنا القائم ضد المسيح هو رمز لضد المسيح الذي سيأتي في نهاية الأيام.

ونجد في هذا المزمور تضاد بين الخيرات التي ينالها ابن الله الذي يحتمي بهيكل قدس الله وبين الأخطار التي تحيق بالأشرار. والمزمور يبدأ أيضاً بصورة المفرد وينتهي بصورة الجمع، ففي عبادتنا لا يمكن الفصل بين العبادة الفردية والعبادة الجماعية.

 

آية (1): "لكلماتي أصغ يا رب. تأمل صراخي."

لكلماتي إصغ يا رب= هي صرخة داود في ألمه، وصرخة كل إنسان لله الذي يثق في أن الله يسمع ويخلص، هي صرخة الكنيسة عموماً التي تثق في عريسها أنه يستجيب. إسمع صراخي= هو صراخ القلب. فالله قال لموسى مالك تصرخ إلىّ هكذا" وهم لم يصرخ على الإطلاق (خر15:14). ولذلك جاءت كلمة صراخي بمعنى فكري (الكتاب بشواهد).

 

آية (2): "استمع لصوت دعائي يا ملكي وإلهي لأني إليك أصلي."

في آية (1) قال يا رب وهنا يقول يا ملكي وإلهي. وهذا التكرار المثلث يشير للثالوث. فنحن نصلي للآب وصلاتنا مشفوعة بشفاعة المسيح الكفارية وبأنات الروح القدس (الروح لا يئن بل بعمله فينا نحن نئن شاكرين ومسبحين). ولذلك يقول داود يا رب (وذلك لأن اليهود يعرفونه). داود هنا يمثل الكنيسة التي تعرف الابن والروح القدس فتقول ملكي وإلهي. ولم تقل يا ربي فهي الوحيدة التي تعرفت على الابن وعلى الروح. والتكرار يشير أيضاً إلى لجاجة داود في صلاته.

 

آية (3): "يا رب بالغداة تسمع صوتي. بالغداة أوجه صلاتي نحوك وانتظر."

بالغداة تسمع صوتي= أي في الصباح فأول عمل يعمله هو الصلاة (لذلك نصلي هذا المزمور في صلاة باكر). والغد يشير لعهد النعمة المشرق المملوء فرحاً بخلاص الرب يسوع وأحضانه المفتوحة لنا. أما البارحة فتشير للعهد القديم. والغد يشير للحياة الأبدية حياة التسبيح الدائم. ونصلي دائماً كل صباح متوقعين مراحم الرب الجديدة كل صباح. والصباح يشير للقيامة سبب كل بركة لنا. ويشير للتبكير في الصلاة لتكريس اليوم كله لله وهذا يعطي سلام لنا وبركة لليوم كله.

 

آية (4-6): "لأنك أنت لست إلهاً يسر بالشر. لا يساكنك الشرير. لا يقف المفتخرون قدام عينيك. أبغضت كل فاعلي الإثم. تهلك المتكلمين بالكذب. رجل الدماء والغش يكرهه الرب."

لنحرص قبل أن نقف أمام الله أن نكون في حالة استعداد وندم على خطايانا، وفي حالة توبة من كل إثم وشر ومخالفة للناموس وكذب وسفك دم وغش. هكذا قال المسيح "إذا قدمت قربانك.... (مت23:5،24). ورجل الدماء والغش هنا قد يشير للشعب اليهودي الذي صلب المسيح. وقد يشير لضد المسيح وأتباعه الأشرار. هنا نرى ليل وسواد الخطية ولذلك أتى المسيح نور العالم بعدما إسودَّ العالم. وكأن داود في هذا الوصف يصور نفسه يقف كل صباح ينتظر أن يشرق نور المسيح.

 

آية (7): "أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك. أسجد في هيكل قدسك بخوفك."

هذه الآية نقولها دائماً عند دخولنا للكنيسة. وداود هنا يقول أنه يدخل بيت الله عكس الأشرار الذين ذكرهم سابقاً فهم لا يدخلونه وأن دخلوه فهم لا يكونون في شركة مع الله فلا شركة للنور مع الظلمة. فبكثرة رحمتك أدخل بيتك= ليس من حقي الدخول إلى بيتك إلا برحمتك. وإذا قدسنا الهيكل هكذا ينبغي أيضاً أن نحافظ على أجسادنا فهي هيكل الله. وربما داود بهذه الكلمات وهو منفي بعيداً عن أورشليم يعبر عن ثقته في أن الله سيعيده لأورشليم ويدخل الهيكل ثانية.

 

آية (8): "يا رب اهدني إلى برك بسبب أعدائي. سهل قدامي طريقك."

هي صلاة لداود ليقوده الرب، وإن قاده الرب سيكون في مأمن من أعدائه. ونحن نفهم أن أعدائنا هم الأعداء الروحيين الذين يحمينا الله منهم،ويسهل لنا طريقنا في العالم. حقاً فالعالم خاضع للظلم، ولكن الله يعتني بأولاده ويظهر لهم رحمته ويدافع عنهم ويحفظهم وهو الطريق، وطريق المسيح هو الصليب، وفي رحلة حياتنا سيكون لنا آلام لنقبلها كصليب والمسيح يعطينا أن يشترك معنا معطياً لنا راحة وسلام.

 

الآيات (9،10): "لأنه ليس في أفواههم صدق. جوفهم هوة. حلقهم قبر مفتوح. ألسنتهم صقلوها. دنهم يا الله ليسقطوا من مؤامراتهم بكثرة ذنوبهم طوح بهم لأنهم تمردوا عليك."

الله يدين الخطاة لأجل أولاده، ويسقطهم في مؤامراتهم (هامان ومردخاي) ثم يستأصلهم. ولاحظ مواصفاتهم حلقهم قبر مفتوح= لسانهم مميت كالسيف، وضد المسيح هذا سيضل كثيرين بأكاذيبه. ولأنه قبر مفتوح فهو لا يشبع من القتلي، يضم كل يوم قتلى إنكار الإيمان. ألسنتهم صقلوها= أما لنشر عدم الإيمان، أو الأكاذيب أو النميمة والإشاعات الكاذبة أو التجديف والشتائم والكلام البطال والمعثر. وقابل هذا بقول داود عن نفسه أن لسانه قلم كاتب ماهر أي يكتب ويرتل ما يعلمه إياه الروح القدس. لهذا حسب كلام الأشرار سيف فهو قاتل وحسب كلام داود قلم فهو معلم. وحلقهم قبر فكلامهم ميت بلا روح وبلا حياة. ليسقطوا من مؤامراتهم= هذه نبوة وليست لعنة.

 

الآيات (11،12): "ويفرح جميع المتكلين عليك. إلى الأبد يهتفون وتظللهم ويبتهج بك محبو إسمك. لأنك أنت تبارك الصديق يا رب كأنه بترس تحيطه بالرضا."

هي صورة عكسية للآيات (9،10) فهنا نجد نصيب أولاد الله وفرحهم وبركتهم ونتيجة جهادهم وسهوهم يأخذون بركتهم ونصيبهم السماوي ميراثهم. لذلك ففي الترجمة السبعينية نجد اسم المزمور للتمام من أجل الوراثة. كأنه بترس تحيطه بالرضا= رضا الله على المؤمن البار هو ترس له، فكأن ترسنا هو مسرة الله ورضاه علينا.

 

نصلي هذا المزمور في صلاة باكر لنذكر مقاومي الرب ونمتلئ رجاء في أن الله يسندنا وسط ضيقات وخيانات الأشرار في وسط هذا العالم.


المزمور السادس

هذا المزمور من أروع مزامير التوبة ويجب على المؤمن أن يردده باستمرار. وداود كان نبياً باكياً مثل أرمياء. وعلى كل متألم أن يفعل مثله. والمزامير الثلاثة السابقة كانت تتحدث عن ألام الأبرار بسبب مضايقين خارجيين، وفي هذا المزمور وباقي مزامير التوبة نجد أن داود البار يعاني بسبب خطيته هو (مزامير التوبة 6، 32، 38، 51، 102، 130، 143). وغالباً قالها داود بسبب خطاياه وأشهرها خطيته مع امرأة أوريا.

ولهجة المزمور تناسب الإنسان التائب فهي تعبر عن شدة الحزن على إرتكاب الخطية، وفيها بكاء وفيها كراهية للخطية وفيها أيضاً رجاء في مراحم الله. ونرى هنا داود يرى أثار الخطية وكيف أنها أثرت على نفسه (حزن شديد) وعلى جسده (عظامي قد رجفت).

 

الآيات (1-3): "يا رب لا توبخني بغضبك ولا تؤدبني بغيظلك. ارحمني يا رب لأني ضعيف اشفني يا رب لأن عظامي قد رجفت. ونفسي قد ارتاعت جداً. وأنت يا رب فحتى متى."

اعتراف بالخطايا بالرغم من كل إنذارات الله وسماع صوته، وإذا وقفنا أمام الله فلا نطلب إلا الرحمة، فنحن دنسنا أجسادنا وأسأنا لربنا الذي قدم لنا دمه وأسأنا لروحه القدوس الساكن فينا، ليس لنا وجه أن نطلب سوى الرحمة.

إشفني= من أمراضي الجسدية= عظامي قد رجفت وأمراضي النفسية= نفسي قد ارتاعت والمسيح هو الطبيب الماهر الذي يقدم الشفاء للأمراض المستعصية. وداود لم يطلب أن لا يبكته الله أو يوبخه "فالروح القدس هذا هو عمله أن يبكت" (يو8:16) ولكن داود يطلب أن لا يكون هذا التبكيت مصاحبه سخط وغضب الله= لا توبخني يا رب بغضبك بل بكتني كأب يبكت إبنه، لا أريد أن أشعر أنني إنسان منبوذ، وغضب الله يفنى أما حبه الأبوي فيصلح ويجبر ويخلص. وهنا نجد اعتراف داود بأنه ضعيف= وهكذا ينبغي أن نقف أمام الله شاعرين بأننا لا نقدر أن نخلص أنفسنا طالبين مراحم الله. وأنت يا رب فحتى متي= هنا شعر المرتل بعجزه، وأن خطيته تستحق الغضب الإلهي وأن كيانه كله (جسده ونفسه) أخذ في الأنهيار، فصرخ لا تتركني إلى النهاية، إلى متى تتركني أعاني، إلى متى يا رب تنسانا نتيجة لأعمالنا الشريرة.

 

الآيات (4،5): "عد يا رب نج نفسي. خلصني من أجل رحمتك. لأنه ليس في الموت ذكرك. في الهاوية من يحمدك."

لا تتركني ولا تهملني ولا تنساني بسبب خطاياي بل قم يا رب أيقظ جبروتك وهلم لخلاصنا، لأجل مراحمك نجني، لأن العمر الحاضر فقط هو زمان التوبة= ليس في الموت ذكرك. وقوله عُد يا رب= الله موجود في كل زمان وفي كل مكان. ولكن قوله عد إشارة لحضور النعمة حيث يسكن وسط شعبه، في داخل قلوبهم، معلناً إتحادهم به. وإذ يشعرون بوجوده تكون لهم راحة، فأمَّر الضيقات على الإنسان هي التي فيها يشعر بغياب الله. لذلك يقول إرجعوا إلىّ أرجع إليكم (زك3:1). فقوله عد تفهم بأن إجعلني أعود يا رب إليك لتعود بحضورك إلىَّ. خلصني من أجل مراحمك= أنا لا أستحق الخلاص ولكن خلصني من أجل رحمتك.

 

الآيات (6،7): "تعبت في تنهدي. أعوم في كل ليلة سريري بدموعي أذوب فراشي. ساخت من الغم عيني. شاخت من كل مضايقي."

هي آيات تظهر أن المزمور مزمور توبة. هنا يحقق ما قاله في (مز4:4). ساخت من الغم عيني= تعكرت من الغضب عيناي (سبعينية). وغضبه هنا موجه إلى أعدائه الروحيين الذين أسقطوه في الخطية وهم محبة العالم وإغراءاته وشهوات الجسد والشيطان وحيله (فحربنا ليست مع لحم ودم بل مع قوات شر روحية). ولاحظ أنه يبكي في الليل، حيث لا يراه إنسان فعلاقتنا مع الله علاقة خاصة في المخدع وهو في الليل يبكي يشير للخطية فالليل يشير لظلمة الخطية (في المساء يحل البكاء وفي الصباح السرور). أعوم كل ليلة سريري= التوبة هي معمودية ثانية. كل هذا الإنسحاق وهو الملك العظيم، لكن مركزه لم يمنعه من الإنسحاق أمام الله. ومن لا يخاف ويبكي إذا تذكر دينونة الله الرهيبة.

 

الآيات (8-10): "ابعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم. لأن الرب قد سمع صوت بكائي. سمع الرب تضرعي. الرب يقبل صلاتي. جميع أعدائي يخزون ويرتاعون جداً. يعودون ويخزون بغتة."

علامة التوبة الحقيقية هي ترك كل أصدقاء السوء وكل علامات الخطية فمتى ترك مكان الجباية، وزكا ترك أمواله وداود هنا يقول إبعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم وتأمل إضطراب داود في أول المزمور وثقته في استجابة الله وقبوله لتوبته. ولنعلم أن من ضمن فاعلي الإثم هم الشياطين الذين يشككون في قبول التوبة. ولذلك يرد داود عليهم بثقة الرب سمع صوت تضرعي. وسلاح داود في محاربة هؤلاء الأعداء هو الصلاة، وهو أحس وشعر بأن الله استجاب لدموعه، إذ ملأه قوة جديدة فتغيرت نغمة صلاته واستعاد هدوءه بل صار يتكلم بفرح، فالذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج (مز5:126). ونصلي المزمور في باكر لنذكر هذه القوة والفرح وقبول التوبة.


المزمور الثامن

هو مزمور تسبيح لله على كل أعماله التي تنطق بمجده. ويلخص داود أعمال الله في:-

1.     مجد الله ظاهر في السموات فهي عمل يديه.. القمر والنجوم وكل ما فوقنا.

2.     التسبيح الذي يخرج من فم الأطفال. فالطفل بصعوبة يتعلم ولكنه بسهولة يسبح الله ويحبه.

3.     الله الديان بعدل يظهر في دينونته قداسته وفي دينونته يسكت العدو والمنتقم.

4.     خلقة الله للإنسان، وكون الإنسان ينقص قليلاً عن الملائكة، وأن الله يعطي سلطاناً للإنسان.

5.  قد ينشأ في داخل الإنسان شعور بتفاهته وأنه لا يساوي شئ (هذا شعور هام من الناحية الروحية لاكتساب فضيلة التواضع).. ولكننا نرى الجانب الآخر ليكون مفهوم التواضع صحيحاً أن الله يحب الإنسان وأعطاه سلطاناً ومن أجله تجسد وافتدى الإنسان. إذاً فالإنسان مهم جداً عند الله. وأن الله أعد مجداً للإنسان.

وهذا المزمور إتخذ رمزاً ونبوة صريحة عن المسيح في العهد الجديد ولنراجع:-

1.  (مت16:21) فتسبيح الأطفال فعلاً في دخول المسيح إلى أورشليم. وكلما عدنا لمرحلة الطفولة وبساطتها يسهل أن نسبح الله "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل هؤلاء الأطفال.. " (مت3:18).

2.  (عب6:2-8) ونقارنه مع الآيات (4-6) من المزمور. فبولس الرسول رأى في هذا نبوة عن المسيح الذي أنقص عن الملائكة بكونه صار إنساناً ومات. ولكنه تكلل بالمجد والكرامة في قيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب.

3.  (1كو27:15) ونقارنها مع آية (6) تسلطه على أعمال يديك جعلت كل شئ تحت قدميه ونرى هنا خضوع الخليقة كلها للمسيح. فالله خلق آدم وأعطاه سلطاناً على جميع المخلوقات وفقده بالخطية، وخسر كل المجد الذي كان فيه. ولكن المسيح جاء ليعيد للإنسان المجد الذي خسره "بمجد وبهاء تكلله"، فأي مجد صار لنا بالخلاص الذي قدمه المسيح. لقد صار لنا مجد أولاد الله لأننا سنصير مثله تماماً. (1يو1:3،2 + في21:3)

فهذا المزمور الذي يتحدث عن مجد الله عن خلقته للطبيعة وللإنسان يتحدث أيضاً عن عمل المسيح ليعيد المجد للإنسان بعد أن فقده بخطيته. فنرى في هذا المزمور محبة الله للإنسان وعنايته به، والمجد الذي أعد لنا وشركة الحياة الأبدية مع الرب يسوع.

على الجتية= ربما هي آلة موسيقية، أو لحن موسيقي مشهور في جت (مدينة فلسطينية وكان لداود علاقة وثيقة بها، وكان حرسه الخاص من جت. وفي العبرية كلمة جت تعني معصرة لذلك ترجمتها السبعينية على المعاصر. ولنقارن مع عنوان المزمور التاسع "على موت الابن" لنرى الارتباط، فالابن يسوع حين مات داس المعصرة وحده بصليبه (أش3:63)

 

آية (1): "أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض حيث جعلت جلالك فوق السموات."

ما أمجد اسمك= فاسمه يدعي عجيباً (اش6:9)، باسم يسوع الناصري قم وإمش (أع6:3 + أع12:4). (تدريب= الالتزام بصلاة يسوع "يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ" جعلت جلالك فوق السموات= فالملائكة في السموات عملها تسبيح الله. والنفس التي تسبح الله تكون في السموات وتشترك مع الملائكة في تسابيحها.

 

آية (2): "من أفواه الأطفال والرضع أسست حمداً بسبب أضدادك لتسكيت عدو ومنتقم."

من أفواه الأطفال والرضع أسست حمداً= الأطفال هم المولودين جديداً في المعمودية وبالتوبة، هم من عادوا من خطيتهم بتوبتهم ليشبهوا الأطفال في بساطتهم وطهارتهم والرضع هم من يرضعون تعاليم الكتاب المقدس (1كو1:3،2). بسبب أضدادك لتسكيت عدو ومنتقم= إختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء، وإختار ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء.. (1كو27:1،29). فهؤلاء الأطفال الروحيين يهزمون جبابرة العالم (2كو4:10،5).

 

آية (3): "إذا أرى سمواتك عمل أصابعك القمر والنجوم التي كونتها."

القمر يشير للكنيسة والنجوم يشيرون للقديسين. ما جعلهم نوراً هكذا هو عمل الروح القدس = أصابعك.

 

آية (4): "فمن هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده."

من هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده= الإنسان عزيز جداً في عيني الله وهنا المرتل يتعجب لهذه المحبة التي بسببها افتقدنا الله بفدائه.

 

آية (5): "وتنقصه قليلاً عن الملائكة وبمجد وبهاء تكلله."

هي عن المسيح الذي بتجسده صار أنقص قليلاً عن الملائكة لأنه أخذ جسدنا ومات ثم تمجد في قيامته. والإنسان بوضع عام أقل قليلاً من الملائكة بسبب جسده الذي إتخذه المسيح فشابه الإنسان تماماً، وذلك ليعيد للإنسان مجده= بمجد وبهاء تكلله هذه تقال عن المسيح بعد صعوده، وتقال للإنسان الذي آمن وثبت في المسيح فصار وارثاً.

 

الآيات (6-8): "تسلطه على أعمال يديك. جعلت كل شئ تحت قدميه. الغنم والبقر جميعاً وبهائم البر أيضاً وطيور السماء وسمك البحر السالك في سبل المياه."

هذا السلطان كان للإنسان قبل سقوطه (تك28:1). ونرى صورة للسلطان الذي عاد للإنسان على الخليقة بعد الفداء في قصة مثل الأنبا برسوم العريان والثعبان.

 

الآية (9): "أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض."

لا يختم المرتل تأملاته في المزمور بسلطان الإنسان بل بمجد الله وهو نفس ما قاله في آية (1) فالمجد في البداية والنهاية هو لله، ومجد الإنسان عطية منه.

 

نصلي هذا المزمور في باكر، فبعد ما صلينا (مز6) مزمور التوبة نرى هنا أمجاد التوبة. ونرى المسيح الذي توج بالمجد والكرامة بعد أن قام وصعد للسموات.


المزمور الثاني عشر (الحادي عشر في الأجبية)

يقول البعض أن داود كتب هذا المزمور في أثناء فترة حكم شاول وانتشار الأكاذيب ضده في القصر الملكي، فالكل يُداهِنْ الملك شاول وينشر إشاعات مغرضة ضد داود لإرضاء شاول، وداود يصرخ لله واثقاً في كلام الله ووعوده. ونحن هنا أمام ثلاث أنواع من الكلام.

1.     كلام الأشرار: كذب ورياء وكبرياء ينطقون بفم أبيهم إبليس الكذاب وأبو الكذاب.

2.     كلام الأبرار: تنهدات المساكين بسبب ما يعانوه من ضيق ومتاعب، والله يسمع لهم.

3.     كلام الله: كلام نقي، محل ثقة، مصدر الخلاص. كفضة مصفاة بلا شوائب.

وإن قيل هذا المزمور في أيام شاول أو غيره، فهذه حقيقة واقعة أن كلام الأشرار المتكبرين وأكاذيبهم تنتشر لفترة، وربما يتعالون وينتصرون لفترة ما بسماح من الله وخلال هذه الفترة يكون الأبرار المساكين يتنهدون ويصرخون لله واضعين وعوده بأنه يخلص نصب عيونهم، وتكون فترة انتظار الرب هي فترة طول أناة على الأشرار لعل طول أناته تقتادهم للتوبة، وتكون فترة الانتظار هذه للأبرار فرصة تنقية فهي فترة صراخ لله وصلاة والتصاق بالله، وفي هذا يتنقون كما تتنقى الفضة من الشوائب في البوطة (فرن الصهر). ثم يتدخل الله وينصف الأبرار ويقطع شفاه الأشرار.

 

آية (1): "خلص يا رب لأنه قد انقرض التقي لأنه قد انقطع الأمناء من بني البشر."

البار قد فني= داود رأي أن الكذب قد انتشر، والخيانة انتشرت، لم يرى واحد بار، فشاول يخونه ومعه رجاله وكذلك أهل زيف وقعيلة، ورأى مذبحة الكهنة بسببه فصرخ خلص يا رب، فلم يبق ولا بار. فمن كثرة الاضطهاد فنى الأبرار. ولأن الشر ساد العالم كله احتاج العالم لمخلص، وكأن صرخة داود خلص يا رب هي بروح النبوة صرخة نداء لله ليتجسد المسيح إذ زاغ الجميع وفسدوا. داود هنا شابه إيليا حين تصوَّر أن الأبرار انتهوا من الأرض ولم يبق سواه (1مل10:19).

 

الآيات (2-4): "يتكلمون بالكذب كل واحد على صاحبه بشفاه ملقة بقلب فقلب يتكلمون. يقطع الرب جميع الشفاه الملقة واللسان المتكلم بالعظائم. الذين قالوا بألسنتنا نتجبر. شفاهنا معنا. من هو سيد علينا."

رأى داود قلة الأمانة والكذب ينتشران بين الناس. (ونرى في يع3 كيف أن اللسان عطية الله لو استخدم في الباطل يكون كدفة سفينة تقودها للهلاك) ومن علامات الرياء إزدواج القلب= بقلب فقلب يتكلمون= هم غير أمناء ولا يقولون الحق والله سيقطع هذه الشفاه، كما قطع لسان فرعون الذي قال في تجبر "إني لست أعرف الرب" وقطع شعب اليهود ورؤسائهم الذين تجبروا على المسيح، وقطع لسان كل من تجبر على الكنيسة الذين قالوا من هو سيد علينا.

 

آية (5): "من اغتصاب المساكين من صرخة البائسين الآن أقوم يقول الرب. أجعل في وسع الذي يُنْفَث فيه."

هنا نسمع صراخ الأبرار في ظلمهم وألمهم. تدخل الله في الوقت الذي يراه صالحاً (ملء الزمان) ليصنع لهم الخلاص علانية.

 

آية (6): "كلام الرب كلام نقي كفضة مصفاة في بوطة في الأرض ممحوصة سبع مرات."

هنا نسمع عن كلمة الله التي هي كفضة مصفاة نقية، والكتاب المقدس كلمة الله منزه عن كل خطأ وشبه خطأ أو تضاد أو كلمة بشرية ساقطة، فالكتاب كله موحى به من الله. والأبرار يثقون في وعود الله التي لا تسقط أبداً، فليس في وعوده غش. هنا نرى التناقض بين عش ورياء البشر وصدق كلمة الله النقية ووعوده التي لا تسقط. بل كلام الله ينقي النفس "أنتم أنقياء من أجل الكلام الذي كلمتكم به" فالرب حين يعطينا من مواهب الروح القدس تنقي حياتنا 7 أضعاف ورقم (7) رقم كامل. وهناك من رأى أن رقم 7 يشير لقول أشعياء روح الرب. وروح الحكمة والفهم.. (أش2:11)

 

الآيات (7،8): "أنت يا رب تحفظهم تحرسهم من هذا الجيل إلى الدهر. الأشرار يتمشون من كل ناحية عند ارتفاع الأرذال بين الناس."

نرى هنا خلاص الرب لعبيده وأنه سينجيهم في هذا الجيل وكل جيل وإلى نهاية الدهر رغم أن الأشرار ينجحون= إن الأشرار يتمشون من كل ناحية ويرتفعون.

 

نصلي هذا المزمور في باكر فنبدأ يومنا بالثقة في حماية الله رغماً عن كل المؤامرات حولنا. ونرى فيه أنه بالرغم من مؤامرات اليهود على المسيح وصلبه إلا أنه سيقوم ويصنع الخلاص علانية فنذكر القيامة في بدء يومنا= الآن أقوم يقول الرب.


المزمور الثالث عشر (الثاني عشر في الأجبية)

يرى البعض أن هذا المزمور قاله داود وهو هارب من وجه إبشالوم، وهذا سبب إحساسه بغضب الله وأن الله نساه، هذا الحزن الواضح في بداية المزمور تعبير عن الحزن الداخلي إذ تذكر خطيته وها هو يعاني من نتائجها. ولكننا نرى في هذا المزمور الطريق الصحيح الذي يجب أن يتبعه كل من يشعر بخطيته فيقدم عنها توبة ويصرخ إلى الله ولا يكف عن الصراخ إلى أن يشعر بالاستجابة، وهنا نرى داود يصرخ 4 مرات إلى متى طالباً العون ثم وكأنه يعاتب الله، هل تقبل يا رب أن يفرح أعدائي بحالتي هذه. ولا يتوقف في صلاته عند هذا الحد، بل نجد إيمانه يتشدد ويقول أما أنا فعلي رحمتك توكلت بل يتقدم أكثر ويسبح بفرح. "الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج" (مز5:126) وهذا الأسلوب نجده دائماً في مزامير داود، فهو يبدأ بالصراخ والدموع وينتهي مسبحاً الله بفرح ونرى في هذا المزمور صورتين.

1.     تعبير عن حالة نفس في فتورها الروحي وشعورها بألام نسيان الله.

2.  ربما يعبر هذا المزمور عن قول المسيح على الصليب "إلهي إلهي لماذا تركتني" ولكنه ينتهي بتسبيح الله على خلاصه أي قيامة المسيح وانتصاره لذلك نصلي هذا المزمور في باكر.

 

الآيات (1-2): "إلى متى يا رب تنساني كل النسيان. إلى متى تحجب وجهك عني.إلى متى أجعل هموماً في نفسي وحزناً في قلبي كل يوم إلى متى يرتفع عدوي عليّ"

هي صراخ الخاطئ في حالة فتوره محاولاً الرجوع لله، ولكنه يحس أن الأمر ليس سهلاً وربما ظن أن الله سيتركه إلى الإنقضاء، وربما أخذ يردد هذه المشاعر الحزينة في قلبه كل يوم، وحزنه راجع إلى انتصار عدوه (الشيطان والجسد) عليه = عدوي قد ارتفع عليّ. (نش6:5) نرى هنا أن الحبيب تحوَّل وعبر، هذه هي الفترة التي تشعر فيها النفس بنسيان الله لها. ولماذا يتركها الله فترة في هذا الشعور؟ حتى حينما تجده لا تعود للتراخي بل تمسك به ولا ترخِهِ (نش4:3). ونلاحظ هنا أن داود لم يشتكي من مؤامرة ابنه وخيانة الناس، بل ما يزعجه هنا هو نسيان الله له، فإن تمتعنا بحب الله وعدم رضا العالم فنحن لم نَخْسَرْ شيئاً. أما لو كسبنا العالم كله وخسرنا الله فقد خسرنا كل شئ. وليس من شئ يجعلنا نشعر بأن الله يحجب وجهه عنا سوى الخطية ويعزينا قول أشعياء لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك (أش7:54).

 

آية (3): "أنظر واستجب لي يا رب إلهي. أنر عيني لئلا أنام نوم الموت."

صراخ داود حتى لا يموت في خطيته، يموت دون أن يشعر أن الله قد غفر. أو أن يستمر الإنسان في حالة موت الخطية، فالخاطئ يصرخ إلى الله هل تتركني هكذا كميت بسبب خطيتي. ويصلي أنر عيني= فننال فهماً جديداً لمحبة الله ونعاين أمجاده السماوية فلا نعود نفرح بتفاهة العالم وخطاياه. بهذه الاستنارة لا يبقي للظلام موضعاً في الإنسان.

 

آية (4): "لئلا يقول عدوي قد قويت عليه. لئلا يهتف مضايقي بأني تزعزعت."

العدو هو إبليس (أو الخطية) وهو يفرح بسقوط الإنسان قطعاً.

 

آية (5): "أما أنا فعلي رحمتك توكلت. يبتهج قلبي بخلاصك."

هنا نرى الإيمان المتزايد، فهو يلقي بثقته على الله أن ينجيه، وما يبني عليه ثقته هو مراحم الله، ليس لبر في نفسي يا رب ولكن من أجل مراحمك لنا دالة أن نطلب ونثق فيك أنك تستجيب بسبب مراحمك. ولاحظ أنه ظل يصلي ربما عدة أيام حتى شعر بهذا.

 

آية (6): "أغني للرب لأنه أحسن إلىَّ."

حصل داود هنا على حالة السلام الداخلي نتيجة صلواته وإيمانه فبدأ التسبيح ولم يتوقف.


المزمور الخامس عشر (الرابع عشر في الأجبية)

هذا المزمور يرسم لنا ويظهر لنا طريق السماء. ولكي نحيا في فرح يجب أن نكون في قداسة وأمانة (مت17:19). فهنا نرى شروط السكنى مع الله (يو23:14). فالقداسة وحفظ الوصايا شرط أن نعاين الله (عب14:12). وبيت الرب يليق به القداسة. وهنا نرى خصائص الإنسان التقي الذي يسكن في مسكن الرب. وعلى كل من يدخل بيت الرب ليصلي أن يسأل نفسه ويفحص ضميره بالمقارنة مع هذا المزمور. وربما كان داود وهو يكتب هذا المزمور متأثراً بموت عزة عندما لمس التابوت وهم ينقلونه ثم بركة الله لبيت عوبيد أدوم. وكان هذا المزمور من مزامير الاحتفال عند باب الهيكل لتذكير كل من يدخل بضرورة نقاوته. هذه مثل صراخ الكاهن الآن "القدسات للقديسين" قبل التناول إذ يشعر الشعب كله بالحاجة إلى عمل الله القدوس لتقديسهم يجيبون "واحد هو الآب القدوس.. "

 

آية (1): "يا رب من ينزل في مسكنك. من يسكن في جبل قدسك."

مسكنك= جاءت في أصلها خيمتك، فالهيكل لم يكن قد تم بناؤه أيام داود. وجبل صهيون= يشير للكنيسة ويشير للسماء حيث نسكن أبدياً مع الله. ومن لا يوجد مستحقاً أن يسكن في الكنيسة الآن على الأرض (الخيمة)، لن يكون مستحقاً أن يكون في السماء للأبد فالخيمة تشير لحياة غربتنا على الأرض. ومن يعيش في العالم بحسب المواصفات الآتية. في الآيات 2-5 يكون له مسكن الله (الكنيسة) مكان راحة وحماية من تجارب العالم. ثم يكون له نصيب في الحياة الأبدية. ومسكننا المؤقت هو جسدنا هيكل الله ومن يحيا في قداسة هنا فحينما تنتهي حياة غربته هنا على الأرض يكون له مسكن أبدي في السماء (2كو1:5)

 

الآيات (2-5): "السالك بالكمال والعامل الحق والمتكلم بالصدق في قلبه. الذي لا يشي بلسانه ولا يصنع شراً بصاحبه ولا يحمل تعييراً على قريبه. والرذيل محتقر في عينيه ويكرم خائفي الرب. يحلف للضرر ولا يغير. فضته لا يعطيها بالربا ولا يأخذ الرشوة على البرئ. الذي يصنع هذا لا يتزعزع إلى الدهر."

نصلي هذا المزمور في باكر لنقارن تصرفاتنا مع هذه المثاليات. ولكن من يستطيع أن يحيا في هذه المثاليات دون عمل الرب يسوع فيه، فكأن من يصلي هذا المزمور في صلاة باكر يقول لله "هبني يا رب أن أحيا هكذا كما يرضيك فيكون لي نصيباً معك"

السلوك بلا عيب= أعماله أمام الناس كاملة. المتكلم بالحق في قلبه= هنا يدخل للعمق ويطلب ان يكون القلب مملوء حقاً، تسكن فيه كلمة الله. يغش بلسانه= لا كذب ولا رياء ولا وشاية لا يحمل تعييراً على قريبه= لا يقبل عاراً على جيرانه (سبعينية). الرذيل محتقر في عينيه= فاعل الشر مرذول أمامه أي لا يشتهي الشر الذي يصنعه الشرير بل يرفض ويكرهه يحلف للضرر ولا يغير= الذي يحلف لقريبه ولا يغدر به (سبعينية). هو ذو قلب مملوء بالمحبة لكل إنسان كالسامري الصالح. مثل هذا لا يتزعزع إلى الدهر= يصمد كالجبل هنا على الأرض وله حياة في السماء.

يحلف للضرر ولا يغير who swears to his own heart and not change


المزمور السادس عشر (الخامس عشر في الأجبية)

هذا المزمور هو نبوة رائعة عن السيد المسيح الذي داس الموت بموته وقام دون أن يرى جسده فساداً. ففي المزمور (2) رأينا ولادة المسيح الأزلية وولادته بالجسد وفي مزمور (8) رأينا المسيح بتأنسه يعيد المجد للإنسان، وهنا نرى كيف أعاد المسيح المجد للإنسان. وقد يحتوي المزمور شيئاً عن داود ولكنه مكتوب بروح النبوة عن المسيح فداود مات وفسد جسده، أما المسيح فهو وحده الذي قام ولم يرى جسده فساداً. وهكذا شرح معلمنا بطرس المزمور في (أع24:2-27). وهكذا شرح بولس الرسول المزمور (أع36:13،37) ولذلك أكمل داود تعرفني سبل الحياة، أمامك شبع سرور، فنحن بقيامة المسيح صار لنا فرح أبدي. وكأن داود حين يقول "احفظني يا رب فإني عليك توكلت يتحدث بلسان الكنيسة التي تطلب أن يحفظها الله من هذا الموت الذي أصابها. فكان أن المسيح تجسد وأخلى ذاته وشاركنا في طبعنا ليرفعنا معه لمجده. ومازالت الكنيسة جسد المسيح تصلي احفظني يا رب فإني عليك توكلت حتى تحصل على الحياة الأبدية. هذا المزمور هو مزمور القيامة لذلك تصليه الكنيسة في صلاة باكر. مزمور يعطينا رجاء في ميراثنا الأبدي، لذلك نجده معنوناً بالقول مذهبة فهو كلام من ذهب، هو جوهرة من جواهر الكتاب المقدس.

 

آية (1): "احفظني يا الله لأني عليك توكلت."

الكنيسة تلقي إتكالها الكامل على الرب لذلك يحفظها. ويرى أباء الكنيسة أن المسيح هو المتكلم هنا بلسان الكنيسة جسده، يسأل الآب قيامة جسده لتقوم الكنيسة كلها معه وفيه. (عب7:5) + (أش8:49). وهذه الآية يجب أن يصلي بها كل واحد لله.

 

آية (2): "قلت للرب أنت سيدي خيري لا شئ غيرك."

خيري لا شئ غيرك= لا تحتاج إلى صلاحي (سبعينية). الصلاح هو عطية الله، والله لا يحتاج لصلاحنا، بل باتحادنا بالمسيح يهبنا الله الصلاح. وإذ تلتقي النفس بالله مصدر حمايتها وصلاحها تجد فيه كل الكفاية فتقول له أنت ربي وتسلم الحياة كلها له. ليكون هو الرب وهو القائد. ولو كان المسيح هو المتكلم في هذه الآية فهو حين يقول "ربي" يعلن عن كامل إنسانيته واتحاده ببشريتنا، وكممثل عن الكنيسة جسده يقول للآب خيري لا شئ غيرك فالكنيسة مصدر خيراتها الوحيد هو الله صانع الخيرات.

 

آية (3): "القديسون الذين في الأرض والأفاضل كل مسرتي بهم."

من هم قديسيه إلا أعضاء جسده الذين تقدسوا بالاتحاد به، هؤلاء هم الكنيسة وهؤلاء قد صنع الله فيهم كل مشيئاته الصالحة وكل أعاجيبه، لذلك نصلي سبحوا الله في جميع قديسيه فالله ممجد في قديسيه، وصنع فيهم كل مشيئته لأنهم سلموا له المشيئة بالكامل "لتكن مشيئتك". ولاحظ أنهم صاروا قديسين بالرغم من أنهم مازالوا على الأرض. فالله يفعل المستحيلات وحّول شعبه إلى قديسين في وسط عالم شرير. وهذه هي مسرة الله أن يحول شعبه إلى قديسين= كل مسرتي بهم= صنع فيهم كل مشيئاته ونلاحظ أن القيامة لم يشاهدها سوى المؤمنين (لا يتعدوا 500شخص الذين رأوا المسيح بعد قيامته). وحياة القداسة التي ننعم فيها بالمسيح المقام الذي يخلصنا هي لمن يؤمن ويأخذها كهبة إلهية.

 

آية (4): "تكثر أوجاعهم الذين أسرعوا وراء آخر. لا أسكب سكائبهم من دم. ولا أذكر أسماءهم بشفتي."

من ساروا وراء آلهة أخرى (شهوة/ مال/ كرامة زمنية..) تكثر أمراضهم وأوجاعهم فالمسيح وحده هو الشافي لأرواحنا وأجسادنا ونفوسنا. لا أسكب سكائبهم من دم= فقد كان من عادة الوثنيين أن يشربوا كأساً من الدم كتقدمة وكنوع من العبادة ولا أذكر أسماءهم= أي أسماء الآلهة الوثنية (خر13:23). فالقديسين الذين عرفوا الرب يقطعون كل علاقة لهم بالخطية والخطاة.

 

آية (5،6): "الرب نصيب قسمتي وكأسي. أنت قابض قرعتي. حبال وقعت لي في النعماء. فالميراث حسن عندي."

هذا هو صوت الكنيسة، الله هو نصيبنا وميراثنا وكأسنا الذي نشربه من الألم والمجد، والمسيح أعاد لنا ميراثنا. وكان تقسيم الأرض في الميراث يقاس بالحبال وبالقرعة (يش6:13). وداود يشعر أن الله قابض قرعته= هي ليست في يد إنسان أو بالحظ أو بالصدفة، الله هو الذي يحددها له، وطالما أن الله يحددها له فقرعته وحبال التقسيم وقعت في النعماء. وكان اللاويين لا نصيب لهم في الأرض وكان الله نصيبهم ليشرح الله أن من يكون الله نصيبه فقد فاز بالنعماء. وقد فهم داود هذا ولم يفرح بملكه ولكنه فرح بأن الرب نصيبه (مز26:73). هذه هي فرحة التمتع بالشركة مع الله. ومن يرفض أن يقبل كأس لذات العالم من يد الشيطان يصير الرب كأسه وقسمته ويكون ميراثه ثابت (1بط4:1).

 

آية (7): "أبارك الرب الذي نصحني. وأيضاً بالليل تنذرني كليتاي."

أبارك الرب الذي نصحني (افهمني في السبعينية). وأيضاً في الليل تنذرني كليتاي= هذا هو عمل الروح القدس فهو يعلمكم كل شئ ويبكت على خطية.. ليضمن لنا ميراثنا إن لم نقاومه وفي النهار (طريق التوبة) يعلم ويكشف عن أسرار الله. وفي الليل (وقت الخطية) يبكت وينذر. والكلية ترمز للأعماق، لداخل النفس، مجال عمل الروح القدس. والروح القدس يريد أن يعلن لنا أسرار الميراث، وهذا ما جعل المسيح يفرح (لو21:10). ونلاحظ أن الكليتان تنقيان الدم، وهكذا عمل التوبة ينقي الحياة والنفس لتؤهل للميراث الأبدي.

 

آية (8): "جعلت الرب أمامي في كل حين. لأنه عن يميني فلا أتزعزع."

الإيمان الحي، هو من يجد الرب أمامه في كل حين، يشعر أنه في حضرته فلا يخطئ (يوسف) وقوله عن يميني إشارة لمن له هذا الإيمان الحي يكون الله قوته. فاليمين لا تعني مكاناً ما وإنما هي تشير للقوة. ونلاحظ أنه حينما نقول المسيح جلس عن يمين الآب أنه يحمل قوة الآب. ولأن الآب والابن واحد، والآب في الابن والابن في الآب، نجد الآية هنا وهي بلسان المسيح تقول جعلت الرب.. عن يميني، فالآب هنا عن يمين الابن.

 

آية (9): "لذلك فرح قلبي وابتهجت روحي. جسدي أيضاً يسكن مطمئناً."

الذي وجد الله عن يمينه أي مصدر قوته يتهلل ويفرح، فالله حي وبالتالي لن يترك عبيده يموتون للأبد، لذلك يقول جسدي أيضاً يسكن مطمئناً= يسكن على الرجاء (سبعينية) أي رجاء القيامة. وبلسان المسيح فتكون هذه الآية تشير لفرح المسيح بأن عمله الكفاري وفداءه أعطيا حياة وقيامة لجسده أي كنيسته. وقيامته أعطتنا الرجاء.

 

آية (10): "لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فساداً."

هي نبوة واضحة عن قيامة المسيح، إذ لم يكن الموت قادراً أن يمسكه للأبد.

 

آية (11): "تعرفني سبل الحيوة. أمامك شبع سرور. في يمينك نعم إلى الأبد."

سبيل الحياة= طرق الحياة. هي الحياة المعاشة في شركة مع الله وهذه تستمر هنا على الأرض وفيما بعد الموت. والطريق هو المسيح فمن يثبت فيه يقوم معه ويصعد معه.


المزمور التاسع عشر (الثامن عشر في الأجبية)

بدأ داود هذا المزمور بالتأمل في عظمة الله التي ظهرت في خليقته، الشمس والنجوم والفلك وخليقة الله تظهر عظمة الله كخالق، فيها نرى يد الله (رو20:1). ثم رأي داود الشمس تنير العالم كله وحرارتها تصل لكل شئ، فامتد بصره إلى ناموس الرب فوجد الخصائص متشابهة، فناموس الرب عجيب وهو كامل وينير لنا الطريق ويشهد لله وقادر أن ينشر المعرفة والدفء في قلوب البشر من أقصى السموات إلى أقصائها، وبعد أن وصل داود إلى هذا الحد نظر إلى نفسه ليقارن ما قاله مع حياته. فوجد أن ناموس الرب بالنسبة له كنور شديد يكشف في ثنايا قلبه عن الخطايا المستترة التي ربما لا يراها الإنسان العادي الذي لم يتمتع بإشراق نور الشمس داخل نفسه، فصلى ليبرأ منها. إلا أن هذا المزمور أيضاً يفهم بطريقة نبوية عن المسيح شمس البر ورسله الذين نشروا الإيمان في كل العالم، = في كل الأرض خرج منطقهم (وهكذا فهمها بولس الرسول (رو18:10)).

 

الآيات (1-6): "السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه. يوم إلى يوم يذيع كلاماً وليل إلى ليل يبدي علماً. لا قول ولا كلام. لا يسمع صوتهم. في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم. جعل للشمس مسكناً فيها. وهي مثل العروس الخارج من حجلته. يبتهج مثل الجبار للسباق في الطريق. من أقصى السموات خروجها ومدارها إلى أقاصيها ولا شئ يختفي من حرها."

خليقة الله هي إعلان عن قدرة الله ومجده، وداود يسبح الله هنا على قدرته والخليقة كتاب نقرأ فيه عن قدرة الخالق ولاهوته، كما أن الناموس كتاب يعرفنا إرادة الله. هناك كلمة للبابا أثناسيوس الرسولي "أن الفنان نعرفه من خلال لوحاته حتى وأن لم نراه" لا قول ولا كلام لا تسمع صوتهم= فالنجوم لا تتكلم لتشهد أو تكرز باسم الله، ولكن التطلع إليها يصدر صوتاً أعلى من صوت البوق (فم الذهب). وقديسي الله لهم نفس الخاصية فالتطلع فيهم يكفي لأن نرى يد الله التي عملت فيهم، أجاب أحد تلاميذ الأنبا أنطونيوس عليه حين سأله لماذا لا تسألني فأجيبك وقال له "يكفيني أن أتطلع إلى وجهك يا أبي". والطبيعة فيها شهادة لكل إنسان لذلك هذه الآيات استخدمت اسم الله= السموات تحدث بمجد الله، فهو الخالق القدير. أما الناموس حيث يعلن الله ذاته لشعبه الخاص ومن خلال الخبرات اليومية (الآيات 7-14) هذه الآيات تستخدم اسم الرب يهوه (الخاص بشعب الله فقط). وجمال السموات وخلقتها تدفعنا للتأمل أن جمال خالقها هو أروع بما لا يقاس. يوم إلى يوم يبدي (يذيع) كلاماً وليل إلى ليل يظهر (يبدي) علماً= توالي الليل والنهار أيضاً يكشفان التناسق والنظام الدقيق الذي يتبعانه، بل لا يعبر يوم إلا ونرى إعلان جديد عن عظمة الله في خلقته. جعل للشمس مسكناً فيها= أي في السموات. والشمس في العبرية والآرامية مذكر لذلك تشبه بالعريس (والمسيح دعي شمس البر ملا2:4). وتبدو أنها تشير مثل ملك جبار للسباق في الطريق الذي يسرع في طريقه (سبعينية) أي هي تشق السماء في حركتها من الشروق للغروب بسرعة لتؤدي عملها الذي حدده لها الرب فتنير للبشر وتوزع حرارتها عليها وتعطي حياة. الخارج من خدره= (حجلته). جعل في الشمس مظلته (سبعينية) التصوير هنا أن الشمس كملك يضرب خيمته (السماء هي خيمة الشمس لفترة ظهورها) وسرعان ما يخلع هذه الخيمة ويرسل إلى موضع آخر بعد أن بعث الدفء وحددت النهار والليل والصيف والشتاء.. الخ. أي عملت عملها بدقة شديدة. وكل هذا يتم بلا قول ولا كلام.

ومن الناحية النبوية= فالشمس هي المسيح العريس الذي أتى وحل في جسد (خيمة) أشرق فيها وأشرق على العالم لفترة وجوده بالجسد على الأرض، ليتخذ له عروساً بعمله الفدائي ويعطي حياة ودفء ونور للعالم، المسيح الذي جعل من جسده مظلته (مقدسه) وخيم بيننا (حل بيننا) (يو14:1). وصارت الكنيسة هي السموات الحقيقية يسكنها المخلص السماوي، فهي تشترك في التسابيح مع السمائيين ولها حياة سمائية. وكل من سكن المسيح فيه صار سماءً تحدث بمجد الله ويوم إلى يوم.. وليل إلى ليل أي دائماً يظهر الله ينابيع محبته تجاه كنيسته ويعطيها علماً ومعرفة فينطقون شهادة لله سواء بكلماتهم أو بحياتهم التي قدسها الله وحولهم أنواراً للعالم.

واليوم يشير للنهار حيث العمل والخدمة، والليل يشير للمساء حيث التأمل والله يظهر لنا ذاته خلالهما، نراه يعمل معنا ونراه يظهر نفسه لنا في تأملاتنا. ليس أقوال ولا كلام= فالكنيسة تشهد لله بحياتها أكثر من كلماتها. والرسل بلغ منطقهم وكرازتهم إلى كل العالم وآمن العالم بالمسيح. وظهر نور المسيح للعالم كله وتمتع العالم بحب الله من أقصى الأرض لأقصاها. ولأن المسيح خطبنا عروساً له قيل في المزمور عن الشمس كعريس خارج من خدره. ومسيحنا هو الشمس التي ترسل حرارتها فتذيب الثلوج التي صنعتها خطايانا ويرسل نوره يبدد الظلمة. ولاحظ قوله يبتهج= فالمسيح ابتهج بعروسه، وباتحادنا بعريسنا نحمل روح البهجة ولاحظ قوله أيضاً أن هذا العريس جبار= فهو قوي وكنيسته كجيش مرهب بألوية (نش4:6).

 

الآيات (7-11): "ناموس الرب كامل يرد النفس. شهادات الرب صادقة تصير الجاهل حكيماً. وصايا الرب مستقيمة تفرح القلب. أمر الرب طاهر ينير العينين. خوف الرب نقي ثابت إلى الأبد. أحكام الرب حق عادلة كلها. أشهى من الذهب والإبريز الكثير وأحلى من العسل وقطر الشهاد. أيضاً عبدك يحذر بها وفي حفظها ثواب عظيم."

طالما رأى داود بعيني النبوة كرازة الرسل في العالم، وقوله المؤمنين لناموس الرب يتأمل هنا في ناموس الرب وكماله وهو يرد النفس= فناموس الرب يكشف للنفس خطاياها وتهب للمؤمنين حكمة. ومن ينفذ الوصايا يلتقي بالسيد المسيح نفسه كلمة الله الذي يغير طبيعته. وكلمة الرب صادقة= شهادات الرب صادقة = لأنها تشهد عن مرارة الخطية وعن صدق وعود الله بالخلاص. وأوامر الرب تنفيذها لا يسبب كبت وضيق بل هي تفرح القلب وجاء في الترجمة السبعينية أن وصية الرب مضيئة تنير العينين عن بعد= أي تهبهما أبعاداً جديدة في النظر، ترفع النظر إلى السماء فنعاين الأشياء غير المنظورة. ناموس الرب كامل لا يضاف إليه شئ ولا ينقص منه شئ. وهو يعلم الجاهل الحكمة= تعلم الأطفال (السبعينية) ويكشف لنا طريق العثرات فنحذر منها "سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي". خشية الرب= أو مخافته، وخوف الرب هنا ليس خوف العبيد بل روح التقوى، الخوف على جرح مشاعر من أحبنا والذي يترفق بأولاده. وحتى لا يفهم أحد أن وصايا الله تأتي بالخوف وتضيع البهجة قال داود أنها أشهى من الذهب وأنه يحذر بها وحينما اختبر هذا نال ثواب عظيم= فصارت له الوصية شهوة قلبه وأنها أثمن من الذهب وأحلى من العسل. لأنه اختبر لذة تنفيذ الوصية. وقال عن كلمة الرب أنها زكية= فهي تهب لمن يتبعها رائحة المسيح الزكية.

 

الآيات (12-14): "السهوات من يشعر بها. من الخطايا المستترة أبرئني. أيضاً من المتكبرين أحفظ عبدك فلا يتسلطوا على. حينئذ أكون كاملاً وأتبرأ من ذنب عظيم. لتكن أقوال فمي وفكر قلبي مرضية أمامك يا رب صخرتي ووليي."

المرتل هنا وصل للآتي، أن المسيح هو شمس البر، وكلمة الله منيرة تضئ العينين عن بعد، فهو يرى ما لا يراه غيره، وحينما أشرقت الشمس أي نور ناموس الرب داخله رأي خطايا لم يكن رآها من قبل، إزدادت حدة بصره الداخلية فصار يرى حتى خطايا السهو، لقد اكتشفت ظلمات نفسه، وحينما رأي هذا قال ابرئني. وقال ومن المتكبرين أي الشياطين احفظ عبدك. فهو ليس له سوى الله فقال له صخرتي ووليي. فلنسرع إلى الله بالتوبة قبل أن يأتي للدينونة فهو كشمس تكشف خطايانا ولا يختفي من حرارتها أحد ولا من ضوئها أحد، وإن لم نستفد من الأيام الآن التي فيها نحيا، ستأتي أيام يكون فيها المسيح هو الشمس الذي ستشرق في اليوم الأخير ولا يختفي من دينونته أحد.

 

نصلي هذا المزمور في صلاة باكر لنذكر المسيح شمس برنا ونرجوه أن يشرق فينا فنكون له رسلاً ننشر منطقه في كل مكان نذهب إليه. ونكون كواكب منيرة كما كان الرسل.


المزمور الخامس والعشرون (الرابع والعشرون في الأجبية)

هذا المزمور هو صلاة جميلة، نموذج نتعلم منه الصلاة، فيه عناصر الصلاة المطلوبة.

 

آية (1): إليك يا رب أرفع نفسي."

إليك يا رب أرفع نفسي= الصلاة ليست مجرد وقوف أمام الله، ولكنها رفع للنفس أي عدم الانشغال بالأرضيات وشهوات العالم، فمثل هذه الشهوات تربط النفس بالأرض وتمنعها عن الإرتفاع إلى فوق (كو1:3-10). وبعد أن يرتفع القلب عن الأرضيات، يجب أن ينشغل الذهن بالتفكير في السماويات، بالمسيح الذي فدانا (لذلك نضع دائماً صورة المسيح المصلوب في كل كنيسة) (1كو1:2،2 + غل1:3). وحين نرفع أيدينا في الصلاة فلنفكر في أننا يجب أن نرفع عيوننا وأفكارنا وقلوبنا للسماء وبذلك لا نسمع ما قيل في (أش13:29) وهذا ما نسمعه في القداس "إرفعوا قلوبكم" ونجيب "هي عند الرب" ولأن رفع القلب هو هبة إلهية نسمع الكاهن يقول "فلنشكر الرب".

 

الآيات (2،3): "يا إلهي عليك توكلت. فلا تدعني أخزى. لا تشمت بي أعدائي. أيضاً كل منتظريك لا يخزوا. ليخز الغادرون بلا سبب."

نجد هنا داود يشتكي من الأعداء، ربما إبشالوم أو شاول أو أي عدو آخر.. وربما أعداء روحيين، ونحن لنا أعداء كثيرين مثل الشيطان، الموت، الذات وشهواتها للعالم. والنفس التي ارتفعت عن الأرض إلى محبة الله تدرك قوته فتتكل عليه لينجيها من أعدائها وهي لن تخزى أبداً أمام أعدائها الأشداء. ولنلاحظ قوله الغادرون بلا سبب= فلا سبب لعداوة الشيطان ضدنا، ولكن الله معنا. ما أحلى أن نصلي لله بثقة فيه وإتكال عليه.

 

الآيات (4،5): "طرقك يا رب عرفني. سبلك علمني. دربني في حقك وعلمني لأنك أنت إله خلاصي. إياك انتظرت اليوم كله."

هنا يطلب داود الإرشاد الإلهي، هو يقف كتلميذ أمام معلمه ليتعلم، يتعلم كيف يصلي وكيف يتضع، وكيف يحمل الصليب وكيف يخدم، علمني يا رب كيف أسلك في طريقك هنا نتعلم من داود أن الصلاة ليست كلاماً فقط بل نسمع صوت الروح القدس يعلمنا. وداود لا يتعجل أي شئ، بل هو ينتظر الرب النهار كله= فالله يعطي التعليم في الوقت المناسب. ونلاحظ أن أهم مصادر التعليم هو التأمل في الكتاب المقدس بروح الصلاة. دربني في حقك= فالله المعلم يدربنا ويروض أجسادنا لنخضع له ويصير لنا طريقه ونتقدس. وكون داود ينتظر الرب النهار كله فهذا يعني أنه يظل عمره كله يتعلم ويقبل التدريب ولا يظن أنه صار كاملاً لا يحتاج لتعليم (في12:3-18).

 

آية (6): "أذكر مراحمك يا رب وإحساناتك لأنها منذ الأزل هي."

أذكر يا رب مراحمك= الله يُسَّر بأن يطالبه الابن بحقه في المراحم والرأفات"، بكونه منبع الحب الأزلي، هذه الطلبة تؤكد إيمان من يصلي بها وثقته في وعود الله بمراحمه لأولاده.

 

آية (7): "لا تذكر خطايا صباي ولا معاصي. كرحمتك أذكرني أنت من أجل جودك يا رب."

من شروط الصلاة المستجابة، الاعتراف بالخطية (أش5:6)، وهكذا قال بطرس للسيد المسيح أخرج يا رب من سفينتي لأنني رجل خاطئ (لو8:5). وداود هنا يذكر خطايا صباه ولا يتناساها ولذلك علينا أن نقف أمام الله ونذكر خطايانا شاكرين الله الذي غفرها، لكن لا نقف كمبررين ونظن في أنفسنا أننا أبرار. وهو يعتمد فقط على رحمة الله= كرحمتك اذكرني.

 

آية (8): "الرب صالح ومستقيم لذلك يعلم الخطاة الطريق."

هذه أيضاً من شروط الصلاة الصحيحة، أن ننسب كل الصلاح لله، ورعايته لأولاده.

 

آية (9): "يدرب الودعاء في الحق ويعلم الودعاء طرقه."

نرى هنا من الذي يقبل التعليم والتدريب الإلهي هم الودعاء المتضعين غير المتكبرين.

 

آية (10): "كل سبل الرب رحمة وحق لحافظي عهده وشهاداته."

طرق الرب كلها رحمة وحق ويكتشف هذا من يبتغي حقاً أن يعرف.

 

آية (11): "من أجل اسمك يا رب اغفر إثمي لأنه عظيم."

اعتراف آخر بالخطية. وهو يطلب الغفران ليس لأنه يستحق ولكن لأجل كرامة ومجد اسم الرب الذي دعي عليه، "لكي يرى الناس أعمالكم الصالحة فيمجدوا أباكم الذي في السموات".

 

الآيات (12،13): "من هو الإنسان الخائف الرب يعلمه طريقاً يختاره. نفسه في الخير تبيت ونسله يرث الأرض."

الإنسان الخائف الرب، يرشده الرب للطريق التي ارتضاها له وتثبت نفسه في خيرات الرب الروحية في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى. نسله يرث الأرض= بمفهوم العهد القديم تستمر الأرض التي أعطاها لهم الله لهم ولنسلهم ولا يأخذها منهم الأعداء. وروحياً الآن ميراث الأرض هو ميراث نصيبنا السماوي والنسل هم كل من عرف المسيح عن طريق شهادتنا وخدمتنا وحياتنا، فكل المؤمنين هم نسل الرسل والتلاميذ.

 

آية (14): "سر الرب لخائفيه. وعهده لتعليمهم."

خائف الرب يتمتع بمجد الرب، الروح القدس يكشف له أسرار السماء (1كو9:2-13).

 

آية (15): "عيناي دائماً إلى الرب لأنه هو يخرج رجلي من الشبكة."

الذين يثبتون عيونهم على الرب دائماً ينجوا من الشباك المنصوبة لهم. فلنثبت عيوننا على الله ولا ننشغل بالأرضيات فننجذب لخداعاتها وملذاتها فتكون لنا شركاً.

 

الآيات (16،17): "التفت إليَّ وارحمني لأني وحد ومسكين أنا. أفرج ضيقات قلبي من شدائدي أخرجني."

هنا شرط آخر للصلاة المقبولة وهو الانسحاق "القلب المنكسر والمتواضع لا يرذله الله". فداود يقول ها أنا ابن وحد وفقير= أي منفرد ومعزول أي ليس لي من ألجأ إليه سواك لتخرجني من ضيقتي، فأنا ضعيف جداً (يقول هذا وهو ملك له جيوش). وكل من لم يشعر بأن الله يملأ حياته يشعر بعزلة مهما كان عدد الناس المحيطين به.

ملحوظة: من يأس لأنه سقط في خطية ليس له فكر مسيحي. فنحن نعلم أننا قابلين للخطية بسبب ضعف طبيعتنا والخطية الساكنة فينا. ولكن فلنسرع كما فعل داود ونعترف بخطيتنا واثقين في قوة دم السيد المسيح الذي يبررنا. وأما اليأس فيترجم أنه كبرياء.

 

آية (22): "يا الله افد إسرائيل من كل ضيقاته."

هنا نصل لشرط آخر للصلاة المقبولة وهو الصلاة من أجل الآخرين وكل الكنيسة.

 

ونصلي هذا المزمور في باكر فنذكر المضايقين الذين اجتمعوا حول المسيح والخلاص الذي صنعه المسيح. الابن الوحيد الفقير، الذي افتقر ليغنينا.


المزمور السابع والعشرون (السادس والعشرون في الأجبية)

ما أحلى أن نبدأ يومنا في صلاة باكر بهذا المزمور، فنشعر بثقة واطمئنان في حماية الله لنا وفيه أيضاً نرى شهود الزور محيطين بالمسيح (آية12) والرجاء في القيامة (آية13) وقيل عن مناسبة كتابة داود بهذا المزمور عدة أسباب، فقيل أنه كتبه في أثناء فترة اضطهاد شاول له، وقيل أنه كتب في آخر معركة دخلها داود وهو شيخ وكاد أن يقتل لولا أن أنقذه أبيشاي (2صم16:21،17) (هذا الرأى يقوله اليهود). ولكن كلمات هذا المزمور الرائع هي تسبحة حب وثقة وإيمان في الله ربما قالها داود وهو في قمة مجده شاعراً بحماية الله له الدائمة (1-6). أما في باقي المزمور فنراه لا يكف عن الصلاة والتضرع فأن نكتشف معونة الله فهذا ليس مبرراً لنا أن نكف عن الصلاة والتضرع.

وعنوان المزمور أنه لداود قبل مسحِه. وداود مُسِحَ ثلاث مرات (في بيته على يد صموئيل ثم عندما ملك على يهوذا ثم عندما ملك على كل إسرائيل). (قبل مسحِه وردت في السبعينية).

 

آية (1): "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف. الرب حصن حياتي ممن أرتعب."

الله نور (لو79:1 + يو5:1،5:9 + 1يو9:2). ويقول المزمور سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي. فالخاطئ أعمى يتردد ويتخبط في الظلمة وهكذا المهموم بهموم العالم. أما من كان الرب نوراً له يدرك قوة الله وأن الله قادر أن يخلصه من أحزان العالم وهمومه وخطيته. والقديسين هزموا إبليس بعلامة الصليب. وعلمنا الآباء ترديد صلاة يسوع اليوم كله "فاسم الرب برج حصين يركض إليه الصديق وتمنع". ولا يستطيع أن يردد هذه الآية من كان لا يزال ملقياً إتكاله على إنسان أو مادة أو ذاته. فيجد في الله حمايته من الأعداء الروحيين وخلاصاً وعاضداً له في تجارب العالم التي تعصف بحياته. والكتاب المقدس يقدم لنا الرب بألقاب كثيرة (نور/ خلاص/ حصن) ليجد كل واحد حاجته فيه.

 

الآيات (2،3): "عندما اقترب إلىّ الأشرار ليأكلوا لحمي مضايقي وأعدائي عثروا وسقطوا. إن نزل علىّ جيش لا يخاف قلبي. إن قامت علي حرب ففي ذلك أنا مطمئن."

الأشرار لو أكلوا لحمي فلن يقدروا أن يهلكوا روحي، فلا نخاف ممن يقتلون الجسد ولكن ليس لهم سلطان على الروح. ونحن في حروبنا الروحية تواجهنا قوات شر روحية (اف12:6) ولكن إن كان المسيح في سفينتنا فلا خوف من أن تغرق. (دانيال في جب الأسود) (ال3 فتية في النار).

 

الآيات (4،5): "واحدة سألت من الرب وإياها ألتمس أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي لكي أنظر إلى جمال الرب وأتفرس في هيكله. لأنه يختبئ في مظلته في يوم الشر يسترني بستر خيمته على صخرة يرفعني."

داود لم ينشغل في ضيقته بالجيوش المحيطة به، بل ارتفع فكره ونظره إلى بيت الرب، إلى صلوات الكنيسة والشركة في التناول، وشركة الأمجاد الأبدية علينا أن ننظر ومهما أحاطنا العدو بتجارب فعلينا أن نرفع أفكارنا إلى بيت الله مشتاقين للسكنى معه كل أيام حياتنا، فهو مصدر حمايتنا، هو يرفعنا على صخرة، هو يعطينا غلبة على أعدائنا. وهناك نفرح بتسبيح الله ونقدم ذبائح الحمد. هنا نرى العبادة الجماعية بجانب العلاقة الفردية. وهنا يطلق المرتل على الكنيسة أسماء متعددة فهي بيت الله إ      شارة لسكنى الله وسط شعبه وسكنى المؤمن مع الله. وهي هيكله المقدس إشارة للقداسة التي تكون للهيكل حين يحل الله فيه وهي خيمته إشارة أن الله يشترك معنا في غربتنا في هذا العالم وهم مظلته حيث يستر علينا من حر التجارب وهي صخرة ترفعنا فوق الضيقات. طلبة داود هنا ويجب أن تكون طلبة كل منا أن نكون دائماً في هيكل الله، دائماً مع الرب. وجسدنا هو هيكل الله والروح القدس ساكن فينا وطلبة المؤمن أن لا يفارقه الله بل يسكن فيه دائماً. أتفرس في هيكله= هذا يعني الصلاة والتأمل في كل ما أعطاه الله لنا وشكره. وخيمة الرب هي جسد المسيح الذي اختبأنا فيه، كما اختبأ موسى في نقرة الصخرة (خر33) وبذلك استطاع أن يرى مجد الله فيلمع وجهه. فنحن أن كنا ثابتين في المسيح نستطيع أن نتفرس ونتطلع إلى الأمجاد السماوية. والذي يعيش شاعراً بستر الله يكون ثابتاً على صخرة والصخرة هي المسيح (1كو4:10) وبهذا يرفع رأسه على أعدائه الشياطين.

 

آية (6): "والآن يرتفع رأسي على أعدائي حولي فأذبح في خيمته ذبائح الهتاف. أغني وأرنم للرب."

من اكتشف المسيح صخرة له وتأمل في أمجاده ومحبته يرتفع رأسه على أعدائه ويقدم ذبائح التسبيح والشكر إذ تيقن من النصرة الأكيدة تحت قيادة الرب.

 

الآيات (7-12): "استمع يا رب. بصوتي أدعو فارحمني واستجب لي. لك قال قلبي قلت اطلبوا وجهي. وجهك يا رب أطلب. لا تحجب وجهك عني لا تخيب بسخط عبدك. قد كنت عوني فلا ترفضني ولا تتركني يا إله خلاصي. إن أبي وأمي قد تركاني والرب يضمني. علمني يا رب طريقك وأهدني في سبيل مستقيم بسبب أعدائي. لا تسلمني إلى مرام مضايقي لأنه قد قام علي شهود زور ونافث ظلم."

لك قال قلبي قلت أطلبوا وجهي= لك قال قلبي طلبت وجهك (سبعينية). هنا داود لا يكف عن الصلاة ومن قلبه، ليس من شفتيه فقط، وهو لا يطلب ولا يلتمس سوى الله. لو فقدت كل شئ في الدنيا فلن أخسر شيئاً، ولكني إذا حجبت وجهك عني، هذه لا أحتملها حتى إن تركني أبي وأمي فأنت يا رب لا تتركني، وعلمني الطريق المستقيم. بسبب أعدائي= حتى لا يشمتوا بسقوطي. مهما أحاط بي أعدائي وشهدوا زوراً فلا تتركني يا رب. وقوله لك قال قلبي أي أصلي لك بقلبي ولكن بماذا يصلي؟ بما قاله الله سابقاً في وعوده أطلبوا وجهي. هو يتذكر وعود الله ويتمسك بها في ضيقته حين أحاط به الأعداء، فهو يطلب من الله أن لا يحجب وجهه عنه حين طلبه. فهو عوض الانشغال بالأعداء وتهديداتهم، ها هو ينشغل بوعود الله. ونلاحظ أن الله لا يحجب وجهه إلا بسبب الخطية ولكن مع ذلك فالله لا يهملنا بل يدبر أمورنا حتى لو أخطأنا. ربما الناس يرفضوننا بسبب خطايانا لكن الله لا يتركه ولا يتركنا، حتى "أن نسيت الأم رضيعها أنا لا أنساكم". ولم نسمع أن أبو داود أو أمه قد تركاه ولكن المعنى أنه في ضيقته لن يستطيع أحد أن يدركه بالخلاص حتى أباه وأمه، ليس سوى الله لقد جعل الله أبوه وأمه وكل شئ له.

 

الآيات (13،14): "لولا أنني آمنت بأن أرى جود الرب في أرض الأحياء. انتظر الرب ليتشدد وليتشجع قلبك وانتظر الرب."

أرض الأحياء= هي ملكوت السموات فهناك حياة لا يعقبها موت فالموت ناتج عن خطية هذا العالم، أما السماء فليس فيها خطية، لذلك فهي أرض الأحياء الذي ليس للموت سلطان فيها "ليس للموت الثاني سلطان عليهم". خيرات الرب= هي الوجود الدائم في حضرة الرب ومعاينة وجه الرب، وهذا لا يتم إلا في الحياة الأخرى. وهذا الإيمان بأن لنا نصيباً في أرض الأحياء وبأننا سنعاين خيرات الرب، هو الذي يعطينا أن نصمد أمام تجارب وضيقات هذا العالم، والحروب الروحية التي تواجهنا. ولذلك يعلمنا المرتل في نهاية مزموره أن نصبر وننتظر الرب ونثق فيه وفي وعوده ونراقب عمله وتدبيره ونسبحه متأكدين من أبوته الحانية. ولأن التجارب قد تطول مدتها وبسبب هذا تخور قوة الكثيرين على الاحتمال يكرر المرتل عبارة انتظر الرب (14).


المزمور الثالث والستون (الثاني والستون في الأجبية)

رتل داود هذا المزمور وهو هارب من شاول الملك في برية يهوذا بجانب نهر الأردن. ويعبر فيه عن اشتياقه لله الذي هو الآن محروم من هيكله وعبادته أثناء هروبه.

 

آية (1): "يا الله إلهي أنت إليك أبكر عطشت إليك نفسي يشتاق إليك جسدي في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء."

يا الله إلهي= التكرار يعبر عن الاشتياق وقوله إلهي تعبر عن الحب (نش3:6). إليك أبكر= اشتياقه لله يجعله يبكر ليصلي. عطشت إليك نفسي. يشتاق إليك جسدي داود هنا أمامه برية قاحلة لا ماء فيها، فتأمل في هذا المنظر ورآها برية بدون ثمار ولا حياة. فقال وأنا هكذا بدونك يا رب بلا حياة وبلا ثمار. وهكذا كل إنسان بدون الروح القدس الماء المحيي يكون بلا ثمار (يو14:4 + غل22:5 + يو37:7-39) وهنا داود يشعر بهذا العطش فيصلي ليرويه الله. هو شعر أنه بدون الله مثل هذه البرية.وراجع (لو24:11-26). فالروح النجس يسكن في أماكن ليس فيها ماء. وهذا ما حدث مع شاول الملك فحينما فارقه روح الرب دخل فيه روح رديء (1صم14:16). ونصلي هذا المزمور في باكر، لأننا في باكر نبكر للصلاة طالبين الله مشتاقين وعطشانين.

 

آية (2): "لكي أبصر قوتك ومجدك كما قد رأيتك في قدسك."

هو اشتياق داود أن يعاين مجد الله في البرية كما عاينه سابقاً في الهيكل. أو هو اشتياقه أن يعود لهيكل الله (الخيمة). لقد كان اشتياق داود دائماً أن يسكن في هيكل الله ويتفرس في هيكله المقدس (مز4:27).

لكي أبصر قوتك= المسيح هو قوة الله (1كو24:1) فتكن هذه نبوة واشتياق لأن يرى المسيح. وكان المسيح في ضعفه أثناء أحداث الصلب كبرية قاحلة ولكن ظهرت فيه قوة الله (أش1:53-3).

 

آية (3): "لأن رحمتك أفضل من الحيوة. شفتاي تسبحانك."

رحمة الله أفضل من الحياة بكل ملذاتها وغناها.

 

آية (4): "هكذا أباركك في حياتي. باسمك أرفع يدي."

حينما تأمل في مراحم الله سبح الله وباركه ورفع يديه (كما رفع موسى يديه فغلبوا).

 

آية (5): "كما من شحم ودسم تشبع نفسي وبشفتي الابتهاج يسبحك فمي."

الشحم والدسم يشبعان الجسد والتسبيح يشبع النفس ويلذذها (أش6:25).

 

آية (6): "إذا ذكرتك على فراشي. في السهد ألهج بك."

نجد داود يسبح الله في السهد= الأسحار (السبعينية). إذاً هو لا يسبح الله باكر فقط بل كل اليوم (صلوا بلا انقطاع 1تي17:5). وهو لا يستطيع أن يضع رأسه على سريره أن لم يجد موضعاً للرب (مز3:132-5).

 

آية (7): "لأنك كنت عوناً لي وبظل جناحيك أبتهج."

لاحظ أنه يشكر الله على معونته، وبأنه يستظل بستر جناحي الرب أي رحمته وعنايته بينما هو هارب في البرية من وجه شاول. من الواضح أن الله لم يتركه بل أظهر له قوته وعزاه في ضيقته، كما ظهر مع الثلاث فتية في أتون النار وكما ظهرت الرؤيا ليوحنا وهو منفي في بطمس (مت37:23).

 

آية (8): "التصقت نفسي بك. يمينك تعضدني."

هو لا يصلي بلا انقطاع فقط بل يلتصق بالله، فهو لا يجد سلاماً إلا في ذلك.

 

الآيات (9،10): "أما الذين هم للتهلكة يطلبون نفسي فيدخلون في أسافل الأرض. يدفعون إلى يدي السيف. يكونون نصيباً لبنات آوى."

أما الذين هم للتهلكة= أعداء داود وأعداء الله والكنيسة وكل مقاوم لله عوضاً عن أن يتمتع بجناحي الله يحتمي تحتهما، يكون بيته خراباً (مت38:23). ولاحظ أن هؤلاء الأعداء يريدون قتل داود = يطلبون نفسي. من المؤكد إن كان داود تحت ظل جناحي الله فلن تنجح مؤامراتهم، بل هم الذين سوف يهلكون = يدفعون إلى يد السيف هنا على الأرض وسيهلكون في أبديتهم= يدخلون في أسافل الأرض (هامان ومردخاي)

ويكونون نصيباً لبنات آوى= هم تركوا أنفسهم للأسد الزائر يفترسهم (1بط8:5) والأسد بعد أن يصطاد فريسته ويأكل منها ما يريده يترك بقية الفريسة للثعالب تأكل الفضلات. لقد صاروا خراباً تاماً. ومن يسقط في أيدي الشياطين يسهل إصطياده عن طريق الثعالب العديدة الخبيثة (شياطين / بشر أشرار).

 

آية (11): "أما الملك فيفرح بالله. يفتخر كطل من يحلف به. لأن أفواه المتكلمين بالكذب تسد."

الملك هو داود. نصيبه الفرح بسبب إتكاله على الله. وسينصره الله فيفتخر به.


المزمور السابع والستون (السادس والستون في الأجبية)

قال بعض المفسرين أن هذا المزمور كانوا يستخدمونه في وقت الحصاد بسبب آية (6) "الأرض أعطت غلتها" وكأنهم يرتلون هذا المزمور ليسبحون الله الذي أعطاهم هذا الحصاد. ولكننا نرى أن المزمور يستخدم كلمات البركة التي أمر الله هارون وبنيه أن يستخدموها في بركتهم للشعب (عد24:6،25). نجد الكاهن القبطي يستخدم نفسي بداية المزمور في البركة الختامية لكل قداس وكل عشية. لذلك ننظر للمزمور نظرة عامة فالله هو سبب ومعطي كل بركة لكنيسته في العهد القديم والعهد الجديد ولذلك تسبحه الكنيسة دائماً على كل عطاياه. ونرى أن الأرض أعطت غلتها أنها نبوة عن دخول الأمم للإيمان (يو24:12+ يو35:4). وهذه الآية الأخيرة قالها السيد في أعقاب إيمان أهل السامرة.

 

آية (1): "ليتحنن الله علينا وليباركنا لينر بوجهه علينا. سلاه."

ليباركنا= تتكرر الكلمة ثلاث مرات في المزمور. وقد يشير هذا لبركة الإله المثلث الأقانيم لشعبه، كما يصرف الكاهن القبطي الشعب بكلمات بركة مأخوذة من (2كو14:13) محبة الله الآب. نعمة الابن الوحيد.. شركة وموهبة وعطية الروح.. تكون معكم. لينر بوجهه= وجه الله هو ابنه الوحيد فهو صورته ورسم جوهره (عب3:1) والسيد المسيح قال لفيلبس من رآني فقد رأى الآب (يو9:14،10). وقد ظهر لنا الابن كنور للعالم. ونصلي هذا المزمور في باكر ليباركنا الله ويشرق بنوره علينا كل اليوم. ولقد نطق داود بهذه الكلمات بروح النبوة يشتهي ميعاد مجيء المسيح نور العالم ليؤمن العالم كله.

 

آية (2): "لكي يعرف في الأرض طريقك وفي كل الأمم خلاصك."

حين يظهر المسيح تؤمن به الأمم كلها، ويعرفوه هو الطريق ويعرفوا وصاياه.

 

آية (3): "يحمدك الشعوب يا الله يحمدك الشعوب كلهم."

يكرر المرتل كلمة يحمدك ليذكرنا بأن نشكر الله على إحساناته دائماً (صلاة الشكر)وقوله الشعوب هو نبوة بإيمان كل الأمم.

 

آية (4): "تفرح وتبتهج الأمم لأنك تدين الشعوب بالاستقامة وأمم الأرض تهديهم. سلاه."

هنا نرى عدة صور للمسيح الآتي فهو سيأتي في المجيء الأول ليهدي الأمم فيفرحوا ويبتهجوا بخلاصه ويأتي في مجيئه الثاني ليدين غير المؤمنين الأشرار. وعدله وقداسته سيكونان أيضاً سبب فرح وابتهاج للمؤمنين.

 

آية (5): "يحمدك الشعوب يا الله يحمدك الشعوب كلهم."

هي تكرار لآية (3). وربما تكون آية(3) تشير لتهليل الأمم بعد المجيء الأول. وهذه الآية هي عن التسبيح الأبدي بعد المجيء الثاني في الأرض الجديدة والسماء الجديدة.

 

آية (6): "الأرض أعطت غلتها. يباركنا الله إلهنا."

الأرض أعطت غلتها= إيمان الشعوب. والأرض تشير للإنسان فهو مأخوذ من الأرض وحينما يحل الروح القدس عليه (ماء) يعطى ثماراً نتيجة لإيمانه الحي العامل بالمحبة. وحين رأى المرتل إيمان الأمم، غار على شعب إسرائيل وطلب لهم الإيمان فقال يباركنا الله إلهنا وهذه نبوة عن إيمان إسرائيل في نهاية الأيام.

 

آية (7): "يباركنا الله وتخشاه كل أقاصي الأرض."

يباركنا الله = حين يبارك الرب شعب إسرائيل بسبب إيمانهم في نهاية الأيام. تخشاه كل أقاصي الأرض=حين يأتي للدينونة.


المزمور السبعون (التاسع والستون في الأجبية)

هذه الأعداد الخمسة في هذا المزمور هي الآيات الختامية لمزمور (13:40-17). وأخذت هنا لاستعمالها للتسبيح في خدمات الهيكل تذكاراً لخلاص الرب لداود. ونجد فيه إلحاح على دينونة أعداء الله. والالتجاء لله والاحتماء به في الضيقات. وربما قوله للتذكير في بداية المزمور أنه يذكر ما صلي به قبلاً. ونحن نصلي بهذا المزمور في صلاة باكر طالبين معونة الله ومساندته لنا في كل ضيقة تواجهنا. ويا حبذا لو نردده دائماً فهناك أعداء غير منظورين بالإضافة إلى المنظورين منهم (ونفهم بقولنا الأعداء الشياطين والخطايا).

 

آية (1): "اللهم إلى تنجيتي يا رب إلى معونتي أسرع."

وهل لنا أن نلجأ لسواه في كل ضيقة فيعطينا عزاء وثبات على احتمالها عوضاً عن أن نرتعب. بل يتحول الإتكال على الله إلى رجاء يحيي النفس.

 

الآيات (2،3): "ليخز ويخجل طالبو نفسي. ليرتد إلى خلف ويخجل المشتهون لي شراً. ليرجع من أجل خزيهم القائلون هه هه."

الشياطين يثيروا ضدنا حروب كثيرة عندما نريد أن نسير في طريق الله. وهم يسخرون منا في ضيقتنا قائلين هه هه = نعماً نعماً (سبعينية). هم يقفوا في سخرية منتظرين سقوطنا ليشمتوا فينا. وهناك كثيرين حينما تواجههم بعض الضيقات يخاصمون الله قائلين لماذا سمحت بهذا وهنا يسخر الشياطين منهم. وداود هنا يصلي حتى لا يسقط هذه السقطة بل تكون مؤامرة أعدائه لخزيهم إذ ينصره عليهم الله المتكل عليه.

 

آية (4): "وليبتهج ويفرح بك كل طالبيك وليقل دائماً محبو خلاصك ليتعظم الرب."

الذين يطلبون الله عوضاً عن مخاصمته لا يخزيهم بل يعطيهم رجاء ويعطيهم نصرة في الوقت الذي يحدده هو. وهؤلاء يعظمون الرب على خلاصه. وهكذا على كل منا حين يتأمل في الخلاص الذي صنعه المسيح بصليبه أن يعظمه ويسبحه.

 

آية (5): "أما أنا فمسكين وفقير اللهم أسرع إلىّ. معيني ومنقذي أنت يا رب لا تبطؤ."

من يقول هذا؟ داود الملك العظيم!! ولكنه يتضع أمام الله. فماذا يجب أن نفعل نحن؟


المزمور المئة والثالث عشر (المائة والثاني عشر في الأجبية)

المزامير (113-118) تسمى مزامير التهليل وكانوا يرنمون بها في الأعياد الثلاثة الكبرى (الفصح/ الخمسين/ المظال). ثم ارتبطت بعد ذلك بعيد التجديد (نشأ سنة 165 ق.م. قارن مع (يو22:10) وهذا العيد مذكور في الأسفار القانونية الثانية).

 

الآيات (1،2): "هللويا. سبحوا يا عبيد الرب. سبحوا اسم الرب. ليكن اسم الرب مباركاً من الآن وإلى الأبد."

على كل عبيد الرب أن يتقدموا لله ذبيحة التسبيح (عب15:13 + مز30:69،31). يا عبيد الرب= كان الرسل حتى من هو قريب بالجسد للسيد المسيح يلذ لهم أن يسموا أنفسهم عبيد له (يه1 + يع1:1) فهم يعرفون أن العبودية لله تحرر أما العبودية لأي شئ آخر تستعبد الإنسان وتذله. ومن صار عبداً لله فهو قد تحرر، ومن تحرر فهذا يمكنه أن يسبح (مز4:137). ليكن اسم الرب مباركاً= اسم الرب مبارك بدوننا ولكن بأفواهنا وبنعمته علينا يباركه معنا من يسمع. هذا يعني أنه لو رأى الناس أعمالنا الصالحة يمجدوا إلهنا الذي في السموات إذا شهدنا لله. وفي السبعينية يقول سبحو الرب أيها الفتيان= الفتيان إشارة للأقوياء (1يو14:2) وليس الذين شاخوا روحياً.

 

آية (3): "من مشرق الشمس إلى مغربها اسم الرب مسبح."

قال سابقاً في آية (2) من الآن وإلى الأبد (في كل زمان) وهنا يقول من مشرق الشمس إلى مغربها= أي في كل مكان ليكن اسم الرب مباركاً مسبحاً. ولكن قوله من مشرق الشمس إلى مغربها قد أدخل الأمم في التسبيح وهذا لم يحدث قبل تجسد المسيح.

 

آية (4): "الرب عال فوق كل الأمم. فوق السموات مجده."

فوق السموات مجده= أي مجده فوق إدراك البشر.

 

الآيات (5-9): "من مثل الرب إلهنا الساكن في الأعالي. الناظر الأسافل في السموات وفي الأرض. المقيم المسكين من التراب. الرافع البائس من المزبلة. ليجلسه مع أشراف مع أشراف شعبه. المسكن العاقر في بيت أم أولاد فرحانة. هللويا."

الرب عالٍ فوق كل الأمم. وهو ليس مثله= من مثل الرب إلهنا. ليس مثله في محبته وتواضعه. فهو الناظر الأسافل= فهو رأي البشر في ذلهم بعد سقوطهم وحالهم الذليل في الأرض. فجاء وتجسد ليفدي البشر. فهو بذلك صار المقيم المسكين من التراب والرافع البائس من المزبلة. بل صار لمن يغلب أن يجلس في عرشه (رؤ21:3) وجعل الأمم، كنيسة الأمم التي كانت عاقراً أم أولاد فرحانة. لقد انتشل المسيح آدم وبنيه من ذلهم ولذلك سبحت العذراء مريم بهذه الكلمات (لو46:1-55) إشارة لبركات التجسد، وعمل المتجسد الذي كان في بطنها، عمله الفدائي والخلاصي. ومازال إلهنا بعد صعوده وجلوسه عن يمين الآب ينظر للمتواضعين والصديقين وكل شعبه لينجيهم حتى تكمل كنيسته وتنتهي صورة هذا العالم الحاضر، فهذا هو موضوع تسبيحنا أن الله عالٍ لا يُدرك وأنه دبَّر لنا الخلاص ومازال يعتني بنا ناظراً إلى آلامنا. وفي الترجمة السبعينية يترجم الناظر الأسافل في السموات وفي الأرض= الناظر إلى المتواضعين في السماء وعلى الأرض. ولاحظ الصفة التي تبهج قلب الله فينظر لصاحبها وهي صفة التواضع التي نسبها المرتل هنا للسمائيين، بل المسيح نسبها لنفسه إذ قال عن نفسه "وديع ومتواضع القلب". ولقد رفع المسيح العالم الوثني من دنس خطاياه ووثنيته وجعل له مكاناً في السماء. (أف6:2) أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات. (راجع مت28:19). والأمم الذين كانوا بسبب وثنيتهم عاقراً بدون أعمال صالحة ولا ثمر. صار لهم ثمار وأولاد روحيين وكل نفس كانت بلا ثمر عاقراً يقبلها المسيح بالتوبة فتسكن في كنيسته فرحانة.

ونصلي به في باكر لنذكر بركات القيامة، فبعد أن كنا بائسين رفعنا المسيح وصرنا في فرح.


المزمور المائة والثالث والأربعون (المائة والثاني والأربعون في الأجبية)

هنا صلاة استغاثة بالرب. فهيا يُصَوِّر المرتل نفسه وقد جلس في الظلمات وكاد يفنى ويموت من كثرة الضيقات حوله، والأعداء المحيطين به، لا قدرة له على المقاومة أو حتى العمل، ولقد أوشك أن يدخل إلى القبر، ولقد صار كأرضٍ ناشفة. وهو يلجأ لله لكي ينقذه. ونلاحظ أننا نصلي هذا المزمور في صلاة باكر فهو يُعبِّر عن الأحداث التي حدثت ليلة القبض على المسيح والمحيطين به من الأعداء وأنه قريب جداً من الموت[4] وأنه يصرخ ويصلي لنجاته أي خلاص كنيسته وشعبه. أما داود فغالباً صلى هذا المزمور وهو هارب من شاول ولكنه بروح النبوة أشار للمسيح. ونحن نصلي بكلمات هذا المزمور الرائعة ننظر في طلباتنا إلى عطايا الله الروحية لخلاصنا حتى لا نهلك في خطايانا.

 

الآيات (1،2): "يا رب اسمع صلاتي وأصغ إلى تضرعاتي. بأمانتك استجب لي بعدلك. ولا تدخل في المحاكمة مع عبدك فإنه لن يتبرر قدامك حي."

المرتل هنا يعترف بأنه لا يمكن أن يتبرر أمام الله، لذلك يطلب أن لا يدخل الله معه في المحاكمة. والعجيب بعد هذا أننا نجده يقول بأمانتك استجب لي بعدلك فإذا استجاب الله بعدله فسوف يهلك داود لأنه يعترف بأنه لن يتبرر. ولكن حل هذا السؤال كامن في الصليب الذي ظهر فيه عدل الله ورحمته. عدل الله الذي ظهر في عقوبة الخطية التي تحملها المسيح، ورحمته التي ظهرت في غفران خطايانا بموته عنا. وكأن المرتل هنا بروح النبوة يطلب رحمة الصليب.

 

آية (3): "لأن العدو قد اضطهد نفسي سحق إلى الأرض حياتي. أجلسني في الظلمات مثل الموتى منذ الدهر."

قد يكون العدو هذا هو شاول أو إبشالوم، ولكن العدو الحقيقي لكل البشر هو إبليس الذي استعبدنا كلنا وأجلسنا في الظلمات محرومين من نور الله بعد سقوطنا. بل كان نصيبنا الموت جزاءً عن الخطية.

 

آية (4): "أعيت فيَّ روحي تحير في داخلي قلبي."

أعيت فيَّ روحي = كنا بلا أمل، وكنا في حيرة قلب لا ندري طريق الخلاص.

 

آية (5): "تذكرت أيام القدم لهجت بكل أعمالك بصنائع يديك أتأمل."

هنا يتذكر كيف أخرج الله شعبه من أرض مصر وكانوا في حالة مماثلة. إذاً هو قادر أن يجد حل. وفي كل ضيقة تعصف بحياتنا علينا أن نذكر خلاص الله السابق فيكون لنا رجاء.

 

آية (6،7): "بسطت إليك يدي. نفسي نحوك كأرض يابسة. سلاه. أسرع أجبني يا رب فنيت روحي لا تحجب وجهك عني فأشبه الهابطين في الجب."

المرتل يصرخ ويعلمنا أن نصرخ لله وحده في كل ضيقة. فنحن بدون الله كأرض يابسة تحتاج للماء. وبسط اليدين إعلان عن التسليم الكامل للمشيئة الإلهية والعجز الكامل عن أن نجد الحل بأنفسنا. ومن يفقد صلته بالله يموت ويشبه الهابطين إلى الجب= له اسم أنه حي وهو ميت. (رؤ1:3). فمن يفقد نور وجه الله فهو في الظلمة.

 

الآيات (8-12): "أسمعني رحمتك في الغداة لأني عليك توكلت. عرفني الطريق التي أسلك فيها لأني إليك رفعت نفسي. أنقذني من أعدائي يا رب إليك التجأت. علمني أن أعمل رضاك لأنك أنت إلهي. روحك الصالح يهديني في أرض مستوية. من أجل اسمك يا رب تحييني بعدلك تخرج من الضيق نفسي. وبرحمتك تستأصل أعدائي وتبيد كل مضايقي نفسي لأني أنا عبدك."

بالغداة= هو ينتظر مراحم جديدة لله في كل صباح ولينقذه الله من أعدائه عرفني الطريق= هو المسيح (يو6:14). والمسيح أرسل الروح القدس= روحك الصالح. ليرشدنا فلا نهلك= يهديني في أرض مستوية= يبكت على خطية فنتوب ولا نفقد نصيبنا الأبدي. وهنا المرتل لا ينظر إلى بره الذاتي بل لمراحم الله= من اجل اسمك يا رب تحييني. برحمتك تستأصل أعدائي= أي بمجيء المسيح الثاني سيلقي إبليس في بحيرة النار (رؤ10:20).


مزامير الساعة الثالثة

المزمور العشرون (التاسع عشر في الأجبية)

نظم داود هذا المزمور عند حربه مع بني عمون وأرام الذين جاءوا بعدد عظيم من الخيل والمركبات لمحاربته (2صم6:10،8 + 1أي7:19). ولقد نصر الله داود، ودائماً ينصر الله عبيده الأمناء فهذا حدث مع حزقيا عند حصار أشور لأورشليم. فمن يتكل على الله لا يكون لفرسان الأعداء وقوتهم أي قدرة على إلحاق الأذى به.

·    ويرى عدد من آباء اليهود أن هذا المزمور خاص بالمسيا. وهكذا رأى عدد من أباء الكنيسة (أثناسيوس وأغسطينوس) أنه نبوة عن آلام المسيح وانتصاره وانتصار الكنيسة فيه.

·    بل كل مؤمن يرتل هذا المزمور على أنه الملك الذي سينصره الله "جعلنا ملوكاً وكهنة" (رؤ6:1) فمن يختار المسيح يختار الطريق الضيق، طريق الشدة ولكن الله ينصره ويستجيب له.

 

آية (1): "ليستجيب لك الرب في يوم الضيق. ليرفعك اسم إله يعقوب."

الله استجاب لداود في يوم شدته، وهكذا يستجيب لكل من يصرخ إليه. ولنفهم أن حياتنا على الأرض هي حرب متصلة، أعدائنا محيطين بنا (الشياطين) ولكن الله معنا. ويوم الضيق بالنسبة لنا هو حياتنا في هذا العالم، في كل تجربة وكل شدة. ويوم الضيق بالنسبة للمسيح كان يوم الصليب. ونحن في حياتنا الآن نشترك مع المسيح في صليبه. وذكره ليعقوب[**] فهو أبو الشعب كله والذي صارع مع الله. وبذلك نذكر أهمية الجهاد مع الله.

 

آية (2): "ليرسل لك عوناً من قدسه ومن صهيون ليعضدك."

من قُدسهِ= تابوت العهد أو الخيمة في العهد القديم. والآن فالمسيح جالس عن يمين الآب ليعين كنيسته، بل هو ساكن فينا ونحن هيكله يستجيب كل من يدعوه. وهو ساكن في كنيسته صهيون= وهنا نرى أهمية صلاة الكنيسة عن الفرد، الكنيسة صلاتها فعالة (أع5:12).

 

آية (3): "ليذكر كل تقدماتك ويستسمن محرقاتك. سلاه."

يذكر جميع ذبائحك= المرتل يقصد بالمعني المباشر، الذبائح التي كانت تقدم قبل المعركة لينصرهم الله. فالمصالحة مع الله غير ممكنة بدون دم. وذبيحتنا المقبولة التي يذكرها الله دائماً فنصير مقبولين هي ذبيحة المسيح. ويستسمن محرقاتك= فالله قبل ذبيحة المسيح. وعلى كل منا أن يقدم ذبائح ليقبلها الله (العبادة والتسبيح والنفس المنسحقة،..)

 

آية (4): "ليعطِك حسب قلبك ويتمم كل رأيك."

ليعطِك حسب قلبك= شهوة قلب المسيح كانت خلاص البشر. وكانت إرادة قلب داود أن ينتصر وأعطاه الله سؤل قلبه، فإن كان طلب كل منا بقلبه الخلاص لنلناه. وكل من يسلك حسب إرادة الله يعطيه الله طلبة قلبه. ويستسمن محرقاته= كل ما يقدمه يبارك الله فيه ويقبله. فإن صلَّى يبارك الله في صلاته ويعلمه كيف تكون صلاته مقبولة ثم يقبل ما سيقدمه وتكون صلاته محرقة ذات رائحة لذيذة. ويعطيه الله قلباً نقياً يطلب طلبات نقية ثم يستجيب الله ويعطيه حسب قلبه النقي.

أما ذوو القلب الشرير سيعطيهم الله أيضاً حسب قلوبهم، ولما اشتهى بنو إسرائيل أن يكون لهم ملكاً يفتخرون به أمام الأمم أعطاهم الله شاول أطول وأعرض من في الشعب. وفي نهاية الأيام سيسمح الله بظهور ضد المسيح فهذا سيكون بحسب قلب البشر.

 

آية (5): "نترنم بخلاصك وباسم إلهنا نرفع رايتنا ليكمل الرب كل سؤلك."

هنا اعتراف بخلاص الله لأنه خلَّص مسيحه داود وأقام المسيح ليقيمنا ويستجيب دائماً لطلباتنا. فمن يسير وراء المسيح دائماً يسبحه إذ يرى أعمال خلاصه، حقاً الطريق ضيق لكنه مفرح لذلك فعبيد الله يسبحونه على كل الفرح الذي يعطيه لهم. ومن يثبت نظره على الله لن ينشغل بعطاياه بل ينشغل به هو فيسبحه ويعترف بعمله العجيب. باسم إلهنا نرفع رأيتنا (ننمو سبعينية). الرايات هي رايات النصرة بالمسيح الغالب. ولأن القيامة يتبعها نمو مستمر، فالمسيحي في طريق خلاصه يمارس التوبة وينمو كل يوم إلى قامة ملء المسيح: نمو في محبة الله ومحبة الآخرين والقداسة والصلاة.. كل هذا باسم الله.

 

آية (6): "الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه يستجيبه من سماء قدسه بجبروت خلاص يمينه."

خلاص المسيح كان بقيامته وخلاصنا هو بقيامته وتوبتنا المستمرة لنثبت فيه.

 

الآيات (7-9): "هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل. أما نحن فاسم الرب إلهنا نذكر. هم جثوا وسقطوا أما نحن فقمنا وانتصبنا."

سلاح الأعداء قوي ولكن الله هو سلاحنا به نغلب ولا نسقط أبداً. وهنا نرى خلاص الكنيسة كلها ونصرتها في مسيحها المنتصر.

 

وهذا المزمور نصيه في الساعة الثالثة فالمسيح كان في ضيقته قد تخلى عنه الجميع ولكنه انتصر.


المزمور الثالث والعشرون (الثاني والعشرون في الأجبية)

كثير من مزامير داود مملوءة بالشكوى، أما هذا المزمور الرائع فمملوء بالتعزيات وبكلمات الفرح عن الله الراعي الذي يقوده فلا يخاف. وهذا المزمور من أروع تأملات داود عن رعاية الله. والمسيح هو الراعي الصالح (يو10) هو يبذل نفسه عن الخراف وفي المزمور السابق مباشرة (مز22) رأينا كيف يبذل المسيح نفسه عن كنيسته، وهنا نرى الراعي يُدخل قطيعه إلى مراعٍ خضراء باستحقاقات صليبه، هو تسبحة ثقة في الله وداود كان راعي غنم وغالباً قال هذا المزمور وهو يتأمل في علاقته بقطيعه وفي نفس الموقت يتأمل في عناية الله به في كل مراحل حياته، فوجد أن الله هو الراعي الحقيقي له.

 

الآيات (1،2): "الرب راعي فلا يعوزني شئ. في مراعٍ خضر يربضني. إلى مياه الراحة يوردني."

هنا نرى الرب الراعي. ونلاحظ أن الراعي يلتصق اليوم كله برعيته ويعيش معها، يقوتها ويغذيها ويقودها ويحميها. فحينما نسمع أن الله ربنا وملكنا نشعر بقوته ومجده. لكن حينما نسمع أنه راعينا نشعر بحلاوته ورقته وعنايته. وإذا كان الرب راعىّ فلن أعتاز شئ، بل هو يرعى حتى شعور رؤوسنا، يسد احتياجاتنا الروحية والمادية ويحمي القطيع من الذئاب (الأعداء الروحيين والجسديين). والله دبر لكنيسته رعاة يخدمون شعبه ويتشبهون بالراعي الأعظم ولكنه هو وحده الراعي الكامل الصلاح. الذي يعرف خرافه بأسمائها. ومهما كانت شدة الضيقة التي أجتازها لن يعوزني شئ. في مراعٍ خضر يربضني= هذه المراعي هي كلمة الله (الكتاب المقدس). وهي الكنيسة نتعلم فيها ونسكن فيها ونأخذ من خيراتها. ونلاحظ أن أرميا وحزقيال ويوحنا الرائي أكلوا كلمة الله فهي مشبعة، والأكل معناه أن نهضم الكلمة ونختبرها. والتعاليم التي نحصل عليها في الكنيسة هي طعام نقي، أما ما هو خارج الكنيسة فطعام غير نقي والكنيسة نجد فيها أشهى مائدة (جسد الرب ودمه). إلى مياه الراحة يوردني= الراعي هو الذي يقود القطيع ليشرب ويرتوي من ينابيع الروح القدس. وهذا ما كنا نحصل عليه إلا بعد أن قدَّم الراعي نفسه عنا على الصليب (مز22) (يو37:7،38). هذا الماء يروي الشجرة المغروسة على مجاري المياه. والروح القدس هو معطي النعمة لكل مؤمن خلال الأسرار بدءاً بماء المعمودية.

 

الآيات (3،4): "يرد نفسي يهديني إلى سبل البر من أجل اسمه أيضاً إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شراً لأنك أنت معي. عصاك وعكازك هما يعزيانني."

هنا نجد المسيح هو الطريق والقائد في هذا الطريق. ليرد النفوس التائهة إلى الكنيسة (بيت الآب)، كما عاد الابن الضال لبيت أبيه، وحينما نبتعد يدفعنا الروح القدس لنعود. وهذه العطايا ليست من أجل استحقاقنا لكن من أجل اسمه والرب رسم لنا طريقاً ضيقاً، لكنه هو الذي يقودنا. بل يستخدم الله بعض التجارب والآلام ليردنا للطريق أن لم نسمع لصوت التعزيات. وما هي سبل البر إلا بر المسيح فهو يقودني إلى ذاته بكونه الطريق الأمِنْ الذي يحملنا بروحه القدوس إلى حضن الآب. بل من يثبت في المسيح الطريق لا يخاف الموت فهو ذاقه لأجلنا من قبل ويعرف طريق الخروج منه بالقيامة. ولن نخاف مادام معنا لأنه سيأخذنا معه إلى طريق القيامة، بل لن نخاف من أي ألم فهو قد إجتاز أصعب آلام وهي آلام الصليب وخرج منها منتصراً. إذا سرت في وادي ظل الموت= وادي ظل الموت هو هذه الحياة بحروبها وضيقاتها، وآخر عدو لنا وأصعب ضيقة هي الموت، ولكنه يسميه هنا ظل الموت، فلم يَعُدْ للموت سلطان علينا لم يَعُدْ الموت موت أبدى، بل هو انتقال "من آمن بي ولو مات فسيحيا". عصاك وعكازك هما يعزيانني= الراعي يستخدم العصا في طرد الحيوانات المفترسة بعيداً عن قطيعه، والعكاز ليستند عليه وبه يضرب الخروف الجامح الذي يحاول الهروب وهذا يشير لتأديب الأبوة الحانية الحازمة. وهذا ما يعزينا أنه لا يتركنا نبتعد فنتوه. فعصاته هذه تحمينا من الذئاب الخارجية والذئاب الداخلية (ميولنا المنحرفة وراء شهوات الجسد).

 

الآيات (5،6): "ترتب قدامي مائدة تجاه مضايقي. مسحت بالدهن رأسي. كأسي ريا. إنما خير ورحمة يتبعانني كل أيام حياتي وأسكن في بيت الرب إلى مدى الأيام."

هنا نجد المسيح الصديق المضيف، الذي أعد وليمة بذبيحة نفسه ليشبعني ويهبني فرحاً. لقد وجد راعينا أن عدونا قائم ضدنا فأعد هو بنفسه المائدة لنجلس ونأكل دون أن نخاف العدو الذي يطرق أبوابنا. وكما أعد الله المن لشعبه طعاماً في رحلة غربتهم أعد لنا مائدة التناول في رحلة غربتنا. فالأعداء حاولوا إعاقة رحلتنا إلى السماء مسكننا الإلهي، فأعطانا راعينا جسده نثبت فيه حتى نصل إلى مسكننا. ونلاحظ أن الله أعطى المن لشعبه بعد الخروج، والمسيح أعطانا جسده بعد أن حررنا بصليبه من عبودية إبليس مسحت بالدهن رأسي= إشارة لسر الميرون وبه نصير مسكنا للروح؟ ومن ثماره الفرح الذي ملأ كأسي فإرتويت من محبة الرب (الخمر رمز للفرح). فقديماً كانوا في الحزن يلبسون المسوح ويجلسون في الرماد. وفي الفرح يدهنون بالزيت. وكان مسح الضيف بالزيت علامة تكريم وكأن المسيح يستضيفنا على مائدة ويدهنا بزيت ليفرحنا ويخزي أعدائنا لمحبته لنا. ونلاحظ أن الراعي يحمل معه زيتاً لترطيب جراحات قطيعه. وأما الكأس للرعية فهي كتلة حجرية منحوتة ومجوفة يملأها الراعي بالمياه العذبة كل اليوم ليشرب القطيع والراعي يملأها دائماً حتى تفيض، فيبرد الماء المنسكب جدرانها= كأس ريا= أي مروية وفي هذا إشارة للبركات والتعزيات الدائمة. وهذه التعزيات والبركات نأخذها من داخل الكنيسة= مسكني في بيت الرب مدى الأيام. ونجد في مثل ناثان النبي لداود أن الحمل هنا سكن في بيت الراعي (2صم1:13-3). وقوله مدى الأيام يشير لسكنانا هنا وفي الأبدية في بيت الرب.

 

ونصلي هذا المزمور في الساعة الثالثة، التي نذكر فيها صدور الحكم على مخلصنا الراعي الصالح في وادي الموت، ويعطينا الروح القدس بمسحته في مثل هذه الساعة.


المزمور الرابع والعشرون (الثالث والعشرون في الأجبية)

يرى بعض المفسرين أن داود رتل هذا المزمور عند إصعاد تابوت العهد من بيت عوبيد أدوم إلى جبل صهيون (2صم12:6-17). والتابوت يمثل الحضرة الإلهية في موكب يرتفع إلى مدينة الله المقدسة على قمم الجبال العالية. ويقول يوسيفوس أن 7فرق مرتلين وموسيقيين كانوا يتقدمون التابوت مرتلين هذا المزمور في هذه المناسبة.

وبروح النبوة رأي داود السيد المسيح صاعداً إلى مقدسه السماوي.

والمسيح في صعوده أعطى للإنسان أن يصعد معه إلى السماء التي فتحها هو، ولكن المرتل هنا يذكر أن من سيصعد مع المسيح له مواصفات معينة، أي من له أعمال صالحة.

(مز22) حدثنا عن المسيح المصلوب و(مز23) حدثنا عن الراعي الصالح الذي بصليبه يقودنا إلى مراعي خضراء و(مز24) نرى فيه موكب مقدس غالب خلال أبواب السماء المفتوحة، والملك الممجد وسط شعبه يصعد بهم إلى أمجاده السماوية. ولذلك تنشد الكنيسة هذا المزمور في عيدي القيامة[††] والصعود. فالسيد المسيح نزل إلى عالمنا ليملك علينا بصليبه، وهو يقدس حياتنا ليهبنا الاستحقاق لندخل لموضع قدسه. ونسمع هنا عن ألقاب المسيح "ملك المجد- الرب الجبار في الحروب- رب الجنود" لأن دخولنا إلى السماء احتاج أن يهزم هو الشيطان أولاً ومازال يحاربه ويغلب فينا حتى الآن، فالمعركة لم تنتهي.

ونرتل هذا المزمور في الساعة الثالثة فهو مزمور الصعود والصعود أعقبه حلول الروح القدس.

 

الآيات (1،2): "للرب الأرض وملؤها. المسكونة وكل الساكنين فيها. لأنه على البحار أسسها وعلى الأنهار ثبتها."

الرب خلق الأرض كلها. ونرى في خلقة الأرض قدرة الله. ولكن قبل المسيح لم يعرف الرب سوى اليهود. وبعد المسيح عرفته المسكونة كلها وآمنت به، إذ ملك بالحب على كل المسكونة. في فرح داود بصعود التابوت والشعب يسبح، رأى بروح النبوة المسكونة كلها ممثلة في كنيسة العهد الجديد مسبحة لملكها المسيح وهو في وسطها، بل رأى هذه الكنيسة صاعدة للسموات مع عريسها.

على البحار أسسها= في بداية الخليقة كان روح الله يرف على وجه المياه ليخلق ويُبدع من أجل الإنسان محبوبه، فيتمتع الإنسان بالأرض وكل إمكانياتها وخيراتها= الأنهار. وروحياً فالبحار تشير للعالم المتقلب ولكن المسيح ثبت كنيسته وسط هذا العالم على الأنهار والأنهار تشير للروح القدس الذي يقود المؤمنين وسط آلام هذا العالم المتقلب ويعزيهم.

 

الآيات (3-6): "من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه. الطاهر اليدين والنقي القلب الذي لم يحمل نفسه إلى الباطل ولا حلف كذباً. يحمل بركة من عند الرب وبراً من إله خلاصه. هذا هو الجيل الطالبه الملتمسون وجهك يا يعقوب. سلاه."

من يصعد مع المسيح؟ ونلاحظ أن جبل الرب هو كنيسته وهو أورشليم السمائية. وهنا نرى أهمية الأعمال مثل نقاوة القلب وطهارة اليد والجهاد عموماً. وهذا هو منهج الكنيسة الأرثوذكسية. ومن يجاهد ينقي قلبه فيعاين الله (مت8:5). ومن يسهر على نقاوة قلبه يصير قلبه سماء مقدسة يسكن فيها الله. ونلاحظ أن حياة المؤمن هي صعود مستمر ونمو مستمر، فمن يتغذى ويرتوي بمياه الأنهار (الروح القدس) ينمو ويكون له ثمار. الذي لم يحمل نفسه إلى الباطل= أي لم ينشغل بتفاهة هذا العالم وملذاته. ومن يصنع هذا ينال بركة من الرب. هؤلاء الذين يبتغون وجه إله يعقوب وليس العالم.

 

الآيات (7-10): "ارفعن أيتها الارتاج رؤوسكن وارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد. من هو هذا ملك المجد. الرب القدير الجبار الرب الجبار في القتال. ارفعن أيتها الارتاج رؤوسكن وارفعنها أيتها الدهريات فيدخل ملك المجد. من هو هذا ملك المجد. رب الجنود هو ملك المجد. سلاه."

في الآيات (1،2) رأينا الله الملك الخالق وفي الآيات (3-6) نرى الله الملك الذي يقدس شعبه وهنا نرى صورة الملك الغالب، المسيح الذي صار إنساناً ثم صعد بجسد بشريتنا إلى السماء. وكما أصعد شعبه من مصر ها هو يصعد شعبه من العالم للسماء. (رؤ2:6) نرى فيه صورة الغلبة. فهو جاء ليدخل عالمنا كمحارب، يحارب باسمنا ولحسابنا. وهنا نرى الملائكة في موكب المسيح الصاعد ينادون على الملائكة حراس أبواب السماء ليفتحوا الأبواب لملك المجد. ليفتحوا أبواب السماء= الأبواب الدهرية. وكلمة دهرية لا تشير لأبواب الخيمة أو حتى أبواب الهيكل. لقد عبر داود بفكره من الرموز إلى الحقائق، ومن صعود تابوت العهد إلى جبل صهيون إلى صعود المسيح بجسد بشريتنا للسماء ما كان ممكناً أن تغلق أبواب السماء أمام رب السماء. ولكن الغريب بالنسبة للملائكة أن تجد رب السماء له جسد بشري، وكأن الملائكة تتساءل من هذا الإنسان الذي يفتح له أبواب السماء. فالإنسان بسبب خطيته أغلقت أمامه أبواب السماء، أبواب العدالة الدهرية. وها هو رب الجنود يفتحها له وهذا ما سبب ذهول الملائكة فتساءلت. بل نزل الرب أولاً إلى الجحيم وفتح أبوابه الدهرية التي كانت قد أغلقت على الإنسان لمدى الدهر وهنا تأمل: فقلوبنا مغلقة بسبب شهوات هذا العالم، والمسيح واقف على أبواب قلوبنا يقرع ليدخل (رؤ20:3) فهل نفتح ونتخلى عن الخطايا المحبوبة.


المزمور السادس والعشرون (الخامس والعشرون في الأجبية)

ربما قال داود هذا المزمور في فترة هروبه من شاول أو من ثورة إبشالوم ضده حين أثار أعداءه عدة أكاذيب ضده وصوروه كإنسان شرير جداً، وكانت التهم تتلخص في أنه خائن لوطنه إذ أنه إضطر أن يلجأ للفلسطينيين وأنه اشترك مع الوثنيين في عبادتهم تاركاً عبادة بيت الرب. وداود هنا شاعراً بهذا الظلم يدافع عن نفسه ضد هذه التهم تاركاً الحكم على قلبه لله العادل ليصدر حكماً بالبراءة عليه.

يرمز داود هنا في هذا المزمور للمسيح الذي صار عاراً عند البشر. وكأن المسيح هو الذي يقول أحكم لي يا رب فأني بكمالي سلكت= وبحسب السبعينية "بدعتى سلكت" والمسيح هو الوحيد الذي يقال عنه أنه كامل فهو بلا خطية وكان وديعاً كشاة تساق إلى الذبح دون أن تفتح فاها. أما داود فحين يقول بكمالي سلكت لا يقصد الكمال المطلق ولكن أنه برئ من التهم الموجهة إليه ظلماً. احكم لي=تعني دافع عني.

والكنيسة المضطهدة بلا سبب يمكنها أن ترتل هذا المزمور مع مسيحها ليدافع عنها ضد مضطهديها ويحكم ببراءتها ويظهرها عروساً له.

نرتل هذا المزمور في صلاة الساعة الثالثة فنذكر الساعة التي صدر الحكم فيها على المسيح وشهود الزور ضده وكيف أنه سلك بدعة وكان كاملاً وكيف أنتصر.

 

آية (1): "اقض لي يا رب لأني بكمالي سلكت وعلى الرب توكلت بلا تقلقل."

لم يكن أمام داود، وقد وجه له أعداءه اتهامات ظالمة إلا أن يلجأ لله ليشهد له أنه لم يفعل كل ما قيل عنه. واضعاً كل إتكاله على الرب وليس على إنسان.

 

آية (2): "جربني يا رب وامتحني صف كليتي وقلبي."

جربني يا رب.. صف كليتي= جربني هنا جاءت بمعنى فحص المعادن بالنار لتنقيتها وداود هنا غير أيوب. فأيوب حين فاجأته التجارب صرخ إلى الله متسائلاً لماذا سمحت بكل هذا يا رب فأنا بار.. أما داود فصرخ لتكن هذه الآلام والتجارب لتنقيتي، فمن يحبه الرب يؤدبه.. هو هنا يريد أن تكشف التجارب له حقيقة ضعفاته ليكمل، فقوله جربني لا يعني أن يعرف الله بعد التجربة حقيقة قلبه فالله عالم بكل شئ، إنما لكي ينكشف أمام داود نفسه أخطاءه الدفينة. والكلية تشير للداخل، هي تنقي الدم وداود يريد تنقية داخله تماماً. (يع2:1،3 + 1بط8:1 + 2كو10:12).

 

آية (3): "لأن رحمتك أمام عيني. وقد سلكت بحقك."

الأساس الذي نقبل به أي تجربة هو أن كل ما يمر بحياتنا مبنى على أساس رحمة الله، وأن كل شئ للخير للذين يحبون الله= وقد سلكت بحقك. فهو برئ من التهم التي وجهت إليه، وهو يحب الله لذلك يثق في استمرار مراحم الله كما أختبرها من قبل.

 

الآيات (4،5): "لم أجلس مع أناس السوء. ومع الماكرين لا أدخل. أبغضت جماعة الأثمة ومع الأشرار لا أجلس."

نرى نموذج لكمال داود وتدقيقه في اختيار أصدقائه. فالناس يعرفون من أصدقائهم. وهنا يدافع عن نفسه فهو مع أن إلتجأ للوثنيين إلا أنه لا يشترك في أعمالهم. هو كان محروماً بالجسد من مشاركة شعبه عبادتهم ولكن قلبه كان هناك في أورشليم.

 

الآيات (6-8): "أغسل يدي في النقاوة فأطوف بمذبحك يا رب. لأُسَمِّع بصوت الحمد وأحدث بجميع عجائبك. يا رب أحببت محل بيتك وموضع مسكن مجدك."

يعلن أنه ولو أنه هارب من أورشليم إلا أنه هو معهم، وكأنه يغسل يديه بالنقاوة، لا بماء المرحضة مع الكهنة ولكن بنقاوة القلب الداخلي، ويطوف حول المذبح لا بجسده وإنما بشوقه الداخلي، يسمع التسبيح السماوي بأذنيه الروحيتين. وغسل يديه يشير لأنه لم يشترك في عبادة الأوثان كما اتهموه ظلماً. ونحن نغسل أيادينا ونتطهر من الماء والدم اللذين فاضا من جنب المسيح (معمودية + توبة). والطواف حول المذبح= كان الكهنة يفعلون ذلك بعد تقديم الذبيحة. وكان الشعب يتابعهم مسبحاً. وهنا داود يشعر أنه بقلبه يتابع تقديم الذبائح ويسبح الله مخبراً بجميع عجائبه ومراحمه.

 

الآيات (9-12): "لا تجمع مع الخطاة نفسي ولا مع رجال الدماء حياتي. الذين في أيديهم رذيلة ويمينهم ملآنة رشوة. أما أنا فبكمالي أسلك. أفدني وارحمني. رجلي واقفة على سهل في الجماعات أبارك الرب."

صلاة يشتهي فيها داود أن يكون الله نصيبه وأن لا يُحرم من الله فيكون نصيبه مع الأشرار، هو لا يتصور أن يكون محروماً من الله هنا أو هناك فهو يحبه. أما أنا فبدعتي سلكت= هو تأكيد الولاء لله، وليس فيها نوع من الكبرياء. والدليل قوله. إفدني وارحمني. مهما كانت أعمالي مستقيمة فلا خلاص لي سوى بفدائك العظيم ورحمتك. رجلي واقفة على سهل= في السبعينية (تقف في الاستقامة). فلا تجعل نصيبي مع الشرير لأنني لا أسلك في طريقهم. هنا نرى أعماله ولكنها بدون الفداء لن تجدي نفعاً. في الجماعات أبارك الرب= نرى هنا أهمية العبادة الجماعية في الكنيسة والقداسات والاجتماعات.


المزمور التاسع والعشرون (الثامن والعشرون في الأجبية)

·    العواصف الرعدية شئ مرعب يراها كل إنسان فيخاف، ولكن داود المرتل الذي اعتاد التسبيح حَوَّل منظر عاصفة مرعبة إلى مصدر تسبيح لله، إذ رأى فيها علامة مجد وعظمة الله، فإن كان الرعد والعاصفة مرهبين هكذا فكم أنت رهيب وعظيم يا الله.

·    داود كن رقيق المشاعر مملوء حباً لله، ويعزف أنشودة حب لله تحت أي ظرف، إذا رأى السموات صافية قال "السموات تحدث بمجد الله" وإن رآها عاصفة قال هذا علامة مجد وعظمة وقوة الله. في الضيق يسبح وفي انفراج الضيق يسبح.

·    هنا نراه يصف عاصفة رعدية وأثارها، وهذه العاصفة بدأت من البحر الغربي قاطعة تلال فلسطين المكسوة بالغابات حتى براري قادش في أقصى حدود آدوم وهنا داود يدعو أبناء الله (الملائكة في السماء والمؤمنين في الأرض) أن يسبحوا الله على قوته، فهذه الطبيعة الثائرة التي يقف أمامها الإنسان عاجزاً هي تحت سيطرة الله. بل هذا الرعد هو صدى لصوت الله الذي كل الأمور بيده وفي نهاية المزمور يعلن عدم خوفه من هذه الظواهر الطبيعية إذ هي في يد الله والله يعطي عزة لشعبه وقوة، وهو يسبحه الآن ليس فقط لقدرته وقوته بل محبته وأنه قادر أن يحول كل شئ لعز شعبه.

·    ولقد بدأت العاصفة تتكون على البحر= صوت الرب على المياه. وكانت هناك سيول كثيرة على التلال الساحلية. والعواصف كسرت أغصان الأشجار العظيمة وتترك الجذوع عارية وذروة العاصفة موصوفة في صورة واضحة، أن جذوع الأشجار التي أقتلعت فتقاومها الرياح فتقفز كما يفعل العجل أو الثور البري حين يتمرغ بشدة حمقاء. ومظهر آخر ربما نتيجة البروق تخرج نيران في وسط هذه الغابات. وبسبب الخوف تلد الوعول قبل أوانها. ونتيجة كل هذا تعرت الغابات من أشجارها. هنا نجد على الأرض هذه القوة الصاخبة، وداود امتد بصره للسماء فوجد هناك الملائكة تسبح. وعلى الأرض رأى الله يريد البركة لشعبه.

·        جاء في الترجمة السبعينية أن هذا المزمور كان يرتل في عيد المظال، وفي عيد المظال كانوا يبتهجون فيه بنهاية الحصاد.

·        تكرر في هذا المزمور كلمة صوت الرب 7 مرات وكلمة الرب 18 مرة.

·    صوت الرب هو الروح القدس الذي يتكلم في قلوبنا، ويذكرنا ويعلمنا، يأخذ مما للمسيح ويعطينا، يرشدنا ويقودنا ويبكتنا لو أخطأنا. وعلى كل منا أن يدرب نفسه أن يجلس في خلوة هادئة وبروح الصلاة يتسمع لصوت الله الهادئ داخل النفس، فالصلاة حوار مع الله، ونسمع صوت الله في جلسات الاعتراف. وما يعطلنا عن سماع صوت الله هو إنشغال الإنسان بأهداف أخرى غير خلاص نفسه، أما من كان قلبه نقياً غير منقسم الاتجاه يكون جهاز استقباله الداخلي مستعداً لسماع صوت الروح القدس. ونلاحظ أن حلول الروح القدس يوم الخمسين على التلاميذ صاحبته أصوات كأنها هبوب ريح عاصفة، ثم ظهرت ألسنة نار. ثم تعمد بالمياه 3000 نفس. هنا نرى الروح القدس صوت الرب الذي نخس قلوبهم فآمنوا، ونرى صوت الرب الروح القدس على المياه التي ولدوا منها ثانية بالمعمودية، وصوت الرب كنار يحل على التلاميذ، وصوت الرب كعاصفة تزلزل قلوب غير المؤمنين فيؤمنوا. لذلك نصلي هذا المزمور في الثالثة.

 

الآيات (1،2): "قدموا للرب يا أبناء الله قدموا للرب مجداً وعزاً. قدموا للرب مجد اسمه اسجدوا للرب في زينة مقدسة."

هنا يطلب المرتل من كل أبناء الله أن يسجدوا لله ويمجدوا اسمه. وفي السجود إنسحاق وشعور بالاحتياج. وكيف نمجد اسم الله؟ بأعمالنا الصالحة ليراها الناس ويمجدوه (مت16:5). وفي الترجمة السبعينية نجد قدموا للرب مجداً وعزاً= قدموا أبناء الكباش. بمعنى أن نقدم أنفسنا ذبائح حية. والكبش وظيفته أن يتقدم القطيع وهذا عمل الرؤساء كقدوة لكل مؤمن. أسجدوا للرب في زينة مقدسة= اسجدوا للرب في دار قدسه= أي الكنيسة الواحدة الوحيدة على الأرض ليكون لنا نصيب في ديار قدسه في السماء.. إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نحسب كالقيام في السماء "قطع الثالثة".

 

آية (3): "صوت الرب على المياه. إله المجد أرعد. الرب فوق المياه الكثيرة."

هذا ما حدث يوم الخمسين. والمياه إشارة للمعمودية. وصوت العاصفة. ونرى في أول أيام الخليقة روح الرب يرف فوق المياه لتخرج حياة. وهنا خرج مؤمنين وخرجت الكنيسة. وكون أن كلمة صوت الرب تكررت 7 مرات ففي هذا إشارة لعمل الروح القدس الكامل في الكنيسة وفي السبع أسرار. وفي (رؤ1:3) نسمع عن سبع أرواح الله. كذلك نسمع عن أن اسم الرب تكرر 18 مرة 18 – 3 × 6 و(3) هي إشارة للثالوث أو الأقنوم الثالث، (6) إشارة للإنسان الذي صار هيكلاً للروح القدس. وفي معمودية المسيح حل عليه الروح القدس وسمع صوت الآب "هذا هو ابني الحبيب.. " والمياه تشير للروح القدس (يو37:7،38) لذلك صوت الرب على المياه.

 

آية (4): "صوت الرب بالقوة. صوت الرب بالجلال."

صوت الرب ليس ضعيفاً، فكلمة بطرس في هذا اليوم آمن بسببها 3000 نفس وفي العهد القديم حينما تكلم الله أرعد الجبل وخرجت نار فخاف الجميع، وحينما تكلم بولس إرتعب فيلكس الوالي، وحينما كلم المسيح السامرية تغيرت، وشاول آمن. وصوت الرب بالجلال= شعر موسى بجلال الرب وهو أمامه في العليقة، وكان المسيح بالرغم من اتضاعه في جلال عجيب فهو مولود في مزود ولكن ملائكة السماء تزفه في جلال. يهرب إلى مصر فتتحطم أصنامها، يتجلي أمام تلاميذه، يصلبونه فتظلم الشمس ويقوم الأموات، ومن يقبل صوت الله يكون له جلال، فتلاميذ المسيح أحاطهم هذا الجلال وصنعوا المعجزات، وهكذا كل القديسين.

 

آية (5): "صوت الرب مكسر الأرز ويكسر الرب أرز لبنان."

الأرز المتشامخ رمزاً للكبرياء وتشامخ الفكر، مثل من يريد أن تكون له أفكاره الخاصة بالانفصال عن الله، أو شاعراً ببره الذاتي. والأرز شجر معمّر إشارة إلى أن خطية الكبرياء مزمنة. وصوت الرب أول شئ يعمله يكسر هذا الكبرياء فتسقط معه باقي الخطايا ويبدأ الإنسان في الاستعداد لقبول مشيئة الله. الله لا يبدأ بأن يحارب الخطايا السهلة، بل يحارب الجبابرة ويخضعهم فهو ملك قوي.

 

آية(6): "ويمرحها مثل عجل لبنان وسريون مثل فريز البقر الوحشي."

يمرحها مثل عجل لبنان= أشجار الأرز الضخمة تتطاير أمامه كما يجري عجل لبنان. وسريون مثل فريز البقر الوحشي= سريون جبل في لبنان.. لا شئ يثبت أمام صوت الله مهما كانت قوته. أين كانت قوة موسى الأسود وكبريائه في مشهد استشهاده النهائي.

 

آية(7): "صوت الرب يقدح لهب نار."

هذه هي ألسنة النار التي حلَّت على التلاميذ فإلتهبوا حباً في الله، وغيرة على مجده، فتركوا كل شئ وجالوا مبشرين غير خائفين. وفي بعض الترجمات جاءت عوضاً عن يقدح يقطع لهيب نار= هنا نرى الروح القدس يطفئ لهيب الشهوة.

 

آية(8): "صوت الرب يزلزل البرية يزلزل الرب برية قادش."

البرية عادة تكون قاحلة، لا حياة فيها، وهكذا الإنسان بدون الروح القدس يكون بلا ثمار، قلبه كبرية قاحلة، وصوت الروح القدس يحوله لجنة مثمرة، حوَّل اليهود وغير المؤمنين إلى مسيحيين، فتحولت القلوب الحجرية لقلوب لحمية حية، إذ تغير الجحود والقساوة فيها إلى حب وتوبة وإشتياق لله.

 

آية(9): "صوت الرب يولد الأيل ويكشف الوعور وفي هيكله الكل قائل مجد."

يولد الأيل= الأيل نوع من الغزلان لها غريزة طبيعية عجيبة هي أنها تضع أنفها عند جحور الثعابين فتسرع هذه للخروج فتبطش بها الأيائل بحوافر أرجلها وتميتها، وهي تبدو في فرح بعد الانتصار فتسير كأنها ترقص وتتجمع بعد جهاد الحرب حول ينابيع المياه لتشرب، وصوت الرب ولَّدَ مؤمنين لهم سلطان أن يدوسوا على الحيات والعقارب، ويولد في نفس المؤمن الفرح والسلام والاشتياق إلى ينابيع المياه أي الامتلاء من الروح القدس. وهكذا فرح وتهلل الوزير الحبشي بعد معموديته وسجان فيلبي. يكشف الوعور أي الغابات الكثيفة. وهذه الغابات بسبب كثافة أشجارها يحجز عنها نور الشمس فتكون مظلمة، وأرضها موحلة تحيا فيها الثعابين والزواحف السامة، وداود رأى أن صوت الله يكشف هذه الغابات فيشرق فيها نور الشمس والمسيح هو شمس برنا. فهربت الحيات والعقارب وجفت المياه المتعفنة، وتحولت الطرق إلى طرق مستقيمة. خلال جلسات فحص النفس والاعتراف يستطيع صوت الرب أن يكشف الوعور ليصبح الداخل نقياً. وفي هيكله الكل قائل مجداً= هذه هي ثمار عمل النعمة في الشعوب وفي الأفراد حين يشرق نور المسيح فيهم. فنرى الآن الأرز قد تكسَّر= الكبرياء. وفي القديم نرى نتيجة الكبرياء بلبلة الألسن وفي يوم الخمسين حدث العكس إذ فهم الكل ما قاله بطرس، لقد اجتمعت الكنيسة كلها في لسان واحد يسبح الله وكل من قدَّم توبة ينطلق لسانه مسبحاً.

 

آية(10): "الرب بالطوفان جلس ويجلس الرب ملكاً إلى الأبد."

الرب بالطوفان جلس= نرى في الطوفان هلاك العالم القديم بسبب خطاياهم وقيامة عالم جديد ممثلاً في نوح عن طريق الفلك. والفلك رمز للكنيسة، وحادثة الطوفان رمز للمعمودية (1بط20:3،21)، وهذا ما رأيناه في كلمات هذا المزمور أن صوت الرب حطّم الإنسان العتيق بكبريائه وشهواته ليقيم إنساناً جديداً (رو3:6،4) وهذا الإنسان الجديد يملك الله علي قلبه، ويعطي مجداً لله مسبحاً الله على عمله.

 

آية(11): "الرب يعطي عزاً لشعبه. الرب يبارك شعبه بالسلام."

صوت الرب جاء ليعلن فاعليته في حياة البشر ويحول قفر العالم إلى فردوس ويعطي شعبه قوة ويمنحهم سلام "سلامي أنا أعطيكم سلامي أترك لكم"


المزمور الثلاثون (التاسع والعشرون في الأجبية)

·    وهو مزمور شكر لداود، ويقول البابا أثناسيوس الرسولي أنه قاله لما عرف أن الرب قد غفر إثمه، وتجددت بالتوبة نفسه الكائنة في بيت الرب والتي هي ذاتها بيت الله وبعد أن كان نتيجة الخطية (امرأة أوريا) مستوجباً الموت والجب، شفاه الله بتوبته وقبله ثانية. وقد يكون عنوان المزمور "تدشين البيت" قد أضيف لاحقاً بعد أن انتهى سليمان من بناء الهيكل.

·    هذا المزمور مناسب جداً وضعه هنا بعد المزمور السابق، الذي يحدثنا عن عمل الروح القدس في تجديد الإنسان وبناء إنساناً جديداً كهيكل لله، يملك الله عليه فالإنسان عموماً كان بسبب خطيته هالكاً، وبعمل المسيح وتجديد الروح القدس صار له خلاص. فداود بسقوطه يرمز لسقوط الإنسان وفي توبته وقبول الله له ثانية يرمز لعدم هلاك الإنسان نهائياً بل هناك رجاء في شفاء الإنسان من مرض الموت.

·    وترنم الكنيسة هذا المزمور في صلاة الساعة الثالثة لتذكر الأعداء الذين كانوا محيطين بالمسيح وحكموا عليه بالموت والله لم يجعلهم يشمتوا فيه بل أقامه وأصعد نفسه من الهاوية، وأصعد معه نفوس البشر الذين فداهم وأقام منهم الروح القدس كنيسة مسبحة مرتلة تحيا في سلام، لقد شفاها الله. لقد فقدنا صورتنا الأولى، صورة الله، ولكن كان عمل المخلص أن يقيم منا مسكناً له دشنه الروح القدس.

 

الآيات (1،2): "أعظمك يا رب لأنك نشلتني ولم تشمت بي أعدائي. يا رب إلهي استغثت بك فشفيتني."

هذه صلاة شكر من داود لله الذي قبل توبته. وصلاة شكر ترفعها الكنيسة والطبيعة البشرية التي خلصت من الموت ولم تعد الشياطين تشمت فيها. والشفاء هنا هو شفاء من وباء يصعب وقفه (2صم16:24).. إني أنا الرب شافيك (خر26:15) وكم من أمراض جسدية ونفسية بل الموت نفسه قد لحقت البشرية بسبب الخطية.

 

آية (3): "يا رب أصعدت من الهاوية نفسي أحييتني من بين الهابطين في الجب."

نزل المسيح إلى الجحيم لينقذ من كان فيه ساكناً على الرجاء (أف6:2).

 

الآيات (4،5): "رنموا للرب يا أتقياءه واحمدوا ذكر قدسه. لأن للحظة غضبه حيوة في رضاه. عند المساء يبيت البكاء وفي الصباح ترنم."

هنا يسأل المرتل كل من آمن بخلاص الله أن يسبح الله معه، ودعاهم داود قديسين أو أتقياء، فالله قدسهم، ومن تقدس يسبح الله فلا انفصال بين حياة القداسة وحياة التسبيح. ونرى هنا مراحم الله، فغضبه لا يمتد طويلاً= لأن للحظة غضبه= فالله يغضب ليؤدب لا لينتقم. أما السبعينية فترجمتها لأن سخطاً في غضبه وهما متكاملان. فالله في غضبه سخط على الإنسان فمات ولكن في رحمته لم يتركه طويلاً بل دبر فداءه سريعاً. وحياة في رضاه= أعطانا قيامة مع المسيح. فبموت المسيح عنا جلب علينا رضا الله ووهبنا حياة أبدية برضاه وليس باستحقاقنا.

وهذا المزمور هو تسبحة كل خاطئ تائب حتى الآن فبخطيتنا نستحق الهلاك في الجب وبتوبتنا يرضى الله علينا فننجو من الجب، ونسبح الله على قبوله لنا. والتسبيح هو عمل الروح القدس فينا الذي يدفعنا لنسبح كما عَلَّم داود المرتل لغة التسبيح. عند المساء يبيت البكاء وفي الصباح الترنم= ففي المساء دفن المسيح وبكي أحباءه وفي باكر الأحد قام فرنموا. وفي مساء هذا العالم يكون لنا ضيق وحزن وفي فجر الحياة الأبدية يحل السرور والترنم. فالعالم مساء والأبدية صباح لأن شمس البر ضياؤها. وفي مساء المسيحي (سقوطه في الخطية) بكاء وحزن وفي صباح توبته سرور وفرح.

 

الآيات (6،7): "وأنا قلت في طمأنينتي لا أتزعزع إلى الأبد. يا رب برضاك ثبت لجبلي عزاً حجبت وجهك فصرت مرتاعاً."

هنا يحدثنا المرتل عن حالته قبل الخطية إذ ظن نفسه لن يتزعزع وكان مطمئناً لذلك، وإذ إتكل على ذاته أخطأ فحجب الله وجهه عنه، فصار محروماً من نعمة الله ورحمته. ولقد حدث مع داود هذا فعلاً إذ في كبرياء قلبه أراد إحصاء الشعب فسقط سقطة عظيمة. وهنا يعترف أن كل ما كان جميلاً وعظيماً فيه إنما هو برضاء الله وليس لبر فيه= يا رب برضاك ثبت لبهائي (لجبلي) عزاً والعكس حين صرف الله وجهه عنه تحوَّل الجمال والقوة إلى قلق واضطراب. وهذا ما حدث للبشرية إذ بسقوطها فقدت سلامها وقوتها وسلطانها.

 

آية (8): "إليك يا رب أصرخ وإلى السيد أتضرع."

إذ شعر داود بحالة فقدان السلام والقلق لم يكن أمامه سوى أن يصرخ إلى الله.

 

آية (9): "ما الفائدة من دمي إذا نزلت إلى الحفرة. هل يحمدك التراب. هل يخبر بحقك."

في صراحة الحب يصرخ لله، ما المنفعة في هلاكي وفي أن تفقد يا رب أحد محبيك. هنا نجد عتاب الحب، فهو يستجدي بدالة مراحم الله ويطلب تحقيق مواعيده الإلهية.

 

آية (10): "استمع يا رب وارحمني يا رب كن معيناً لي."

جاءت في السبعينية بلغة (صيغة) الماضي. أي الله استجاب لتضرعاته.

 

آية (11): "حولت نوحي إلى رقص لي حللت مسحي ومنطقتني فرحاً."

حول الله حزنه إلى فرح [1] حينما قبل توبته شخصياً [2] بفداء المسيح للبشرية كلها. لقد أبدل داود ثوب التوبة الذي يحيط بجسده مثل مسوح بثوب عرس يتمنطق به. صارت له ثياب عيد ليشترك في احتفال بهيج ورقص روحي. فتغيير الملابس يكشف عن تغيير داخلي في نفس المرتل حيث استجيبت صلاته (لذلك في كنيستنا القبطية نرتل هذا المزمور أثناء ارتداء ملابس الخدمة البيضاء قبل صلاة القداس) والمسيح ارتدى جسدنا الخاطئ ليكون قابلاً للموت عنا ليعطينا أن نرتدي بهائه، ألبسنا المسيح، فهو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له (تسبحة يوم الجمعة).

 

آية (12): "لكي تترنم لك روحي ولا تسكت. يا رب إلهي إلى الأبد أحمدك."

التسبيح هو النتيجة الطبيعية لنعمة الله التي شملتنا.


المزمور الرابع والثلاثون (الثالث والثلاثون في الأجبية)

كتب داود هذا المزمور عندما تظاهر بالجنون أمام أبيمالك فطرده فإنطلق ونجا. ويقال هنا أبيمالك، وفي أصل القصة يقال أخيش ملك جت (1صم10:21-15) لأن أبيمالك هو اسم عام لملوك الفلسطينيين مثلما نقول فرعون في مصر.

وكان هروب داود إلى جت من أمام وجه شاول هو خطأ غير مبرر، خطأ إيماني، فإن كان الله يحميه في يهوذا، وقد رأي عنايته وحمايته مراراً فلماذا الهرب وهذا أدى به أن يتظاهر بالجنون وهذا ضد الصراحة والحق وهذا كله لا يليق برجل الله. وليس معنى أن داود أخطأ أن الله يتخلى عنه، أبداً فالله يعرف ضعف البشر وينجيهم من المؤامرات التي تحاك ضدهم من أشرار هذا العالم، وينجيهم أيضاً من نتائج أخطائهم الشخصية. وداود حين نجا لم ينسب نجاته لمقدرته في التظاهر بالجنون أو لذكائه، إنما نسب نجاته ليد الله التي أنقذته حين أخطأ بذهابه إلى هناك. وهذا المزمور تسبحة لله الذي أنقذه.

 

آية (1): "أبارك الرب في كل حين. دائماً تسبيحه في فمي."

علينا أن نسبح الله في كل حين، سواء فيما نراه خيراً أو فيما نراه شراً، فالكل يعمل معاً للخير، أي فيما يساعدنا على خلاص نفوسنا. أما الخيرات المادية فهي تأتي في يوم ولا تأتي في آخر، أما بالتسبيح فنحن نشترك مع الملائكة في عملهم.

 

آية (2): "بالرب تفتخر نفسي. يسمع الودعاء فيفرحون."

من الذي يقدر أن يسبح الرب كل حين إلا الوديع المتواضع القلب، ومن هو المتواضع إلا الذي لا يفتخر ولا يمدح نفسه بل يفتخر بالرب (هذا هو لسان حال داود الآن).

 

آية (3): "عظموا الرب معي ولنُعَلّ اسمه معاً."

الله غير محتاج لتسبيح البشر، بل نحن المحتاجين أن نعظمه ونسبحه بألسنتنا وقلوبنا فالله أعطانا كل ما لنا، فلنسبحه بما أعطاه لنا، وبكل ما له عندنا. وقوله معاً إشارة إلى وحدانية الكنيسة، وحدانية الروح في الكنيسة.

 

الآيات (4-10): "طلبت إلى الرب فاستجاب لي ومن كل مخاوفي أنقذني. نظروا إليه واستناروا ووجوههم لم تخجل. هذا المسكين صرخ والرب استمعه ومن كل ضيقاته خلصه. ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم. ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب. طوبى للرجل المتكل عليه. أتقوا الرب يا قديسيه لأنه ليس عوز لمتقيه. الأشبال احتاجت وجاعت وأما طالبوا الرب فلا يعوزهم شئ من الخير."

يبدأ المرتل هنا في سرد أسباب تسبيحه لله. [1] فالله منقذ من الضيقات= من كل مخاوفي أنقذني. ونلاحظ أنه ربما نصلي والضيقة لا تنتهي، لكن المهم أن الله سيرفع مخاوفنا ويعطينا الثقة بأنه عن يميننا فلا نتزعزع. [2] الله يهب الاستنارة= تقدموا إليه واستنيروا= الله نور وبالمعمودية نستنير وبالتناول نستنير بل نصير نور للعالم نعكس نور المسيح الذي في داخلنا. [3] من يتكل على الله لا يخجل. [4] الله يحوطنا بملائكته، وربما الملاك تعني ملاك مرسل من الله فعلاً إلينا لحمايتنا، أو هو الرب نفسه الذي أتى فادياً ومخلصاً. والله يرسل ملائكة كثيراً لحماية أولاده، كما أنقذ بطرس من السجن (عب14:1). [5] عذوبة الله، وعذوبة الله لمن اختبرها تنعش النفس وتثير شهية قوية نحو الله. [6] الله ملجأ سائله= الأشبال احتاجت= الأشبال احتاجت لأن الله أنقذ فريستها من بين يديها. وهي بالرغم من قوتها الطبيعية تحتاج، ولكن المسكين الضعيف إذا إتكل على الله لن يحتاج إلى شئ. وإذا عدنا إلى (مز13:22) نجد أن أعداء المسيح أحاطوا به كأسود والله نجاه. ونلاحظ أن المزمور يصلي في الساعة الثالثة ساعة محاكمة السيد المسيح وإصدار الحكم عليه. ولكن هناك شروط في هذه الآيات لنفرح بعطايا الرب. [1] أن نطلب طلبت إلى الرب فاستجاب لي= اسألوا تعطوا [2] ننظر له وحده كمعين= انظروا إليه [3] التواضع والشعور بالمسكنة= هذا المسكين صرخ [4] ذوقوا= لم يقل انظروا فقط فما الفائدة أن نصف للإنسان حلاوة العسل بدون أن يتذوقه، لذلك لا يكفي أن نسمع عن الرب يسوع بل أن ندخل في شركة صلاة معه لنتذوق حلاوته [5] الاتكال على الرب وحده= طوبى للرجل المتوكل عليه الذي لا يشعر بأن قوته أو قوة أي إنسان قادرة أن تعينه فيلجأ إلى الله وحده. [6] السلوك بتقوى= اتقوا الله يا جميع قديسيه= فخوف الله ينقي الإنسان من دنس الخطية. ومن يسلك في مخافة الله لن يعتاز إلى شئ وبداية مخافة الله دائماً هي مخافة من الهلاك ومن العقوبة، وكلما تقدم الإنسان يتحول خوفه لخوف كامل، خوف المحبة، الخوف من أن يحزن قلب الله الذي يحبه، ومثل هذا الإنسان هو من يتذوق حلاوة الله.

 

الآيات (11-14): "هلم أيها البنون استمعوا إلىّ فأعلمكم مخافة الرب. من هو الإنسان الذي يهوى الحيوة ويحب كثرة الأيام ليرى خيراً. صن لسانك عن الشر وشفتيك عن التكلم بالغش. حد عن الشر واصنع الخير أطلب السلامة واسع وراءها."

المرتل هنا يرسم طريق السعادة في خطوات سلبية (الامتناع عن الشر) وإيجابية (صنع الخير). وهو يركز على خطايا اللسان (يع26:1 + يع3). وفي فعل الخير يركز على أن نطلب السلامة، والمسيح هو سلامنا فلنطلبه. نجد هنا داود المعلم، يعلم شعبه كيف يستفيدون من خيرات الرب. (يع17:4 من يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل فذلك خطية له).

 

الآيات (15-22): "عينا الرب نحو الصديقين وأذناه إلى صراخهم. وجه الرب ضد عاملي الشر ليقطع من الأرض ذكرهم. أولئك صرخوا والرب سمع ومن كل شدائدهم أنقذهم. قريب هو الرب من المنكسري القلوب ويخلص المنسحقي الروح. كثيرة هي بلايا الصديق ومن جميعها ينجيه الرب. يحفظ جميع عظامه واحد منها لا ينكسر. الشر يميت الشرير ومبغضو الصديق يعاقبون. الرب فادي نفوس عبيده وكل من اتكل عليه لا يعاقب."

هنا نرى الأمان الإلهي= عينا الرب على الصديقين= فكيف نخاف والله يسمع لتضرعاتنا. وإن لم ينقذنا من الضيقة المادية التي في العالم، فهو سينقذنا روحياً ويخلص نفوسنا، وسماحه بالضيقة المادية سيكون كسماح الصائغ الذي يسمح بنار الفرن ليخرج الذهب نقياً. فلنتضع فالرب قريب من منكسري القلوب ومنكسر القلب لا يخاصم الله قائلاً لماذا سمحت بهذه الضيقة، بل يقول أنا لا استحق سوى هذا بسبب خطاياي. كثيرة هي بلايا الصديق= فمن يحبه الرب يؤدبه بعصاه، ولكنه كأب لا يضرب حتى تنكسر عظامه= يحفظ جميع عظامه، واحد منها لا ينكسر. المقصود أن الله لن يطيل التأديب حتى تنكسر عظام الإنسان الروحية ويفشل (مز3:125). ولكن ليس المقصود العظام الجسدية، فاللص اليمين كسروا عظامه وكان في الفردوس مع المسيح في نفس اليوم. والشهداء كسروا عظامهم وهم الآن في الفردوس. ولكن هذه الآية نبوة عن عدم كسر عظام المسيح (يو33:19) فالمسيح هو البار الحقيقي والكامل وحده الذي يعنيه هذا المزمور. وما هي نهاية الأشرار الشر يميت الشرير= وهذه كانت عقوبة من صلب الرب.

ونصلي هذا المزمور في الساعة الثالثة فنذكر وقت محاكمة المسيح، ونهاية الأشرار الذين أحاطوا به بل أصدروا حكم الصلب عليه ونهايته هو فلم ينكسر منه عظم، بل قام وصعد.


المزمور الحادي والأربعون (الأربعون في الأجبية)

هو مزمور نبوي يتحدث فيه داود عن مقاومة الأشرار للسيد المسيح وألامه ونصرته ولقد أشار له السيد المسيح بكونه نبوة عن خيانة يهوذا له (يو18:13 + أع16:1) ولذلك تصلي الكنيسة هذا المزمور في صلوات الساعة الثالثة.

نفهم المزمور بطريقتين

1.     تعليمية فنرى فيه مكافأة من يهتم بأخوة الرب.

2.     نبوية.

 

الآيات (1-3): "طوبى للذي ينظر إلى المسكين في يوم الشر ينجيه الرب. الرب يحفظه ويحييه. يغتبط في الأرض ولا يسلمه إلى مرام أعدائه. الرب يعضده وهو على فراش الضعف. مهدت مضجعه كله في مرضه."

المسكين هو المحتاج مادياً، المريض، الخاطئ الذي لا يعرف طريق الله.. الخ. والله يعطينا أن نهتم بكل من لا معين له بشرط أن تكون لنا هذه الرغبة أن نخدمهم، فنخدم ربنا يسوع فيهم، فهم إخوته الأصاغر (مت40:25). والمسيح في تواضع عجيب يقول أنا محتاج لخدماتكم كما قال للسامرية إعطيني لأشرب، ويقول "أنا عطشان" فهو عطشان لكل نفس لتخلص. ومن ينظر لكل محتاج ويقدم له خدمة ينقذه الله في يوم الشر. ولكن المسكين هنا إشارة ونبوة عن المسيح، الذي إفتقر ليغنينا وصُلِب في ضعف لتكون لنا نحن الضعفاء قوة، ومن ينظر إليه يستمد منه المعونة ينجيه (2كو9:8) (مت19:6،20 + لو32:12،33). ومن يقدم خدمة روحية (2كو10:6) فالله هو الذي يعطيه ليعطي لمن ليس له، ويوم الشر هو اليوم الذي يهاجمنا فيه إبليس[‡‡] (1بط8:5). وهنا يرحم الله من رحم إخوته (يع13:2 + مت7:5). ويوم الشر أيضاً يشير إلى يوم الدينونة، فيه يرحم الله من رحم إخوته، ولا يسلمه ليد أعدائه الشياطين. والرب يعضد الرحيم في هذه الحياة وفي الدهر الآتي (1تي8:4). وفي هذه الأرض يحول له الرب الأرض سماء = يجعله في الأرض مغبوطاً. ويقيم داخله ملكوته كملكوت تسبيح وتهليل وشكر على غنى نعمة الله المجانية. بل يهب الله له الصحة = يعينه على سرير وجعه وقد لا يتم الشفاء النهائي ولكن يشعر المريض بأن الله معه يقويه ويسنده وأنه ليس وحيداً كما كان المسيح مع الفتية الثلاثة في الأتون. وربما يشير السرير لفراش المرض الروحي والفتور، وهنا نجد المسيح المعين الذي ينتشلنا من هذا الفتور. ومن سرير الشهوة الزمنية ويعطينا حرية من العدو الشرير.

 

آية (4): "أنا قلت يا رب ارحمني اشف نفسي لأني قد أخطأت إليك."

ما أعذب أن يعترف الخاطئ بخطيته ويرجع إلى الله فيرجع الله إليه، فكثير من أمراضنا الروحية بل والجسدية سببها الخطية. والله قد يؤدب بالأمراض (عب6:12). والمرتل ذكر سابقاً أن الله يعين من على سرير وجعه إن كان رحيماً، لذلك يعترف بتقصيره ويطلب الرحمة.

 

آية (5): "أعدائي يتقاولون علىّ بشر متى يموت ويبيد أسمه."

في آية (4) سبق واعترف بخطيته وهنا يشتكي المقاومين الذي يطلبون إبادته. والشيطان يود لو أباد كل أولاد الله وكنيسته. ولكن هذه الآية هي صوت المسيح الذي إتهمه أعداؤه زوراً ورتبوا في هذه الساعة حكم الموت ضده حتى يباد إسمه (أع18:4). ولكن المسيح مات ولم يباد إسمه ولا باد اسم كنيسته.

 

الآيات (6-9): "وإن دخل ليراني يتكلم بالكذب. قلبه يجمع لنفسه إثماً. يخرج. في الخارج يتكلم. كل مبغضي يتناجون معاً علىّ. علىّ تفكروا بأذيتي. يقولون أمر رديء قد انسكب عليه. حيث اضطجع لا يعود يقوم. أيضاً رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي رفع عليّ عقبه."

هذا ما حدث من أخيتوفل ضد داود الذي صار رمزاً ليهوذا. وهنا نرى مؤامرات تحاك ضد المسيح من الأشرار. ومن الشيطان ضد الكنيسة. هذه الآيات تنطق بما حدث للمسيح حين إجتمع اليهود برؤساء كهنتهم وكهنتهم والفريسيين والناموسيين بل وبيلاطس وهيرودس بل الشعب كله ضده وتشاوروا عليه ليصلبوه ظناً منهم أنه إن مات لا يعود يقوم = حيث اضطجع لا يعود يقوم. إنسان سلامتي= يهوذا الذي كان تلميذا للرب من رجاله الذين وثق بهم، وأكل معه (يو6:13)

 

الآيات (10-12): "أما أنت يا رب فارحمني وأقمني فأجازيهم. بهذا علمت أنك سررت بي أنه لم يهتف علىّ عدوي. أما أنا فبكمالي دعمتني وأقمتني قدامك إلى الأبد. مبارك الرب إله إسرائيل من الأزل وإلى الأبد آمين فآمين."

المسيح مات ودفن وهنا كأنه يصرخ أقمني= وهو قام وصار له سلطاناً ليدين كل الأشرار. وفيه صرنا محل رضا الآب. سررت بي، لقد سُرَّ الآب بطاعته وفيه سُرَّ بنا إذ بدمه تبررنا. فهنا نرى نبوة عن القيامة، قيامته، وقيامة الكنيسة وتبريرها. وأن المسيح سيدين العالم (يو22:5). والكنيسة موضع سرور الآب لأن المسيح يشفع فيها للأبد أمام الآب= سررت بي... أقمتني قدامك إلى الأبد.... فهل قام داود أمام الله للأبد؟


المزمور الثالث والأربعون (الثاني والأربعون في الأجبية)

يعتقد البعض أن (مز42، مز43) يمثلان وحدة واحدة. فيهما يصرخ المرتل وغالباً هو داود في حزنه لله مشتاقاً للرجوع للعبادة في هيكل الله لينعم بالحضرة الإلهية. ولذلك اقترح البعض أن يكون داود قد كتب هذا المزمور (42،43) في فترات هروبه من أمام شاول أو أبشالوم يعبر عن إشتياقه للعودة إلى الهيكل. وفي (مز42) نراه بعنوان قصيدة لبني قروح، ويغلب أن داود كتبه وأعطاه لبني قورح لترنيمه.

·    جاء المزمور نبوة عن كل من أرغمته الظروف أن يبتعد عن أورشليم وعن الهيكل لذلك قيل أنه نبوة عن السبي. (المقصود 42،43 كلاهما كوحدة واحدة). ولذلك وبنفس المفهوم فكل من استعبد للخطية تحت يد العدو القاسي يمكنه أن يرنم بهذه الكلمات تعبيراً عن إشتياقه للعودة من السبي، والسبي هنا يشير إلى الخطية الداخلية وإلى الأعداء الخارجيين (إبليس ومن يتبعه).

·    يتخذ المزمور كنبوة عن المسيح المتألم من الأمة اليهودية غير الراحمة ومن يهوذا رجل الغش (آية1) لذلك نصلي هذا المزمور في صلاة الساعة الثالثة.

·        الترجمة السبعينية تشير صراحة أن كاتب المزمور هو داود.

 

آية (1): "اقض لي يا الله وخاصم مخاصمتي مع أمة غير راحمة ومن إنسان غش وظلم نجني."

قد يكون القائل هو المسيح، أو داود، أو الشعب في بابل يشتكون من البابليين أو أي مسيحي يشعر بألام الاستعباد لخطية ما. ولمن نلجأ سوى لله ليخلصنا ويقضي لنا.

 

آية (2): "لأنك أنت إله حصني. لماذا رفضتني. لماذا أتمشى حزيناً من مضايقة العدو."

المرتل يصرخ لله فهو وحده قوته. وقد يشعر الخاطئ أن الله رفضه إذ يفقد التعزيات وقد يشعر المريض أو المتألم أو المضطهد أن الله تركه = لماذا رفضتني. وكان هذا هو ما قاله المسيح إلهي إلهي لماذا تركتني. فهي صرخة المتألم في ألمه. ولكن يحسب للمرتل قوله أتمشى. فالضيقة لم تصبه بالشلل ولم يتوقف ولم يتراخ عن جهاده بالرغم من حزنه. والمسيح استمر في طريق الصليب ولم يتراجع بالرغم من أنه قال "نفسي حزينة جداً حتى الموت". ومضايقة العدو هنا هي الخطية الساكنة فيّ أو هو إبليس بمؤامراته فالخطية تسبب الحزن بينما البر سبب فرح.

 

آية (3): "أرسل نورك وحقك هما يهديانني ويأتيان بي إلى جبل قدسك وإلى مساكنك."

المرتل يطلب عون الله لكي يرجع من سبيه "(الخطية أو من بابل) إلى جبل قدس الله أي لأورشليم أو لعودة الخاطئ لحياة الشركة المفرحة في الكنيسة بيت الخلاص. الكنيسة هي الجبل الذي رآه دانيال حجراً صغيراً ثم نما وكبر وصار جبلاً كبيراً ملأ وجه الأرض وطلبة هذه الكنيسة لرأسها الرب يسوع هي إرسل نورك وحقك هما يهديانني= هي طلبة كل نفس حتى لا تخسر الشركة في جبل قدس الله. فالرب يسوع هو نور الآب وحقه فهو الذي قال أنا هو نور العالم. والطريق الوحيد للخلاص هو الطلب واللجاجة.

 

آية (4): "فآتي إلى مذبح الله إلى الله بهجة فرحي وأحمدك بالعود يا الله إلهي."

يقول هذا المسبيين ليرجعوا إلى مذبح الله في أورشليم. وتقولها كل نفس إنفصلت عن شركة التناول بسبب خطاياها، تعود للشركة فتعود لها أفراحها وتسابيحها فهي في فترة سبيها تركت التسبيح والقيثارة (مز137). وذبيحة التناول تعطي لمغفرة الخطايا، وفيها حياة أبدية لمن يتناول منها. إن الفرح هو سمة ملازمة للمسيحي الذي يتذوق دائماً بركات المذبح والغفران.

 

آية (5): "لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين فيّ. ترجي الله لأني بعد أحمده خلاص وجهي وإلهي."

هنا نصيحة المرتل لكل منحني النفس أن يترجوا الله، يطلبوه ويثقوا في استجابته وبعد أن يستجيب يتحول هذا لتسبيح وحمد وشكر = لأني بعد أحمده.

والقيثارة والعود يرمزان لحواس المؤمن وقواه العقلية التي يحركها الروح القدس فتعطي أنغام التسبيح من قلب محب لله طاهر وهذا يتم بطاعة الوصية.

والآن لماذا أنت منحنية يا نفسي ولماذا تئنين؟ بعد أن عرفت طريق فرحك وسلامك فقدمي توبة وارجعي إلى الله فيرجع إليك فتتحرك أوتار قيثاراتك بالتسبيح.


المزمور الخامس والأربعون (الرابع والأربعون في الأجبية)

هو مزمور تسبحة العرس للمسيح الملك المحارب، والعُرس بين المسيح العريسِ وكنيسته.

المزامير السابقة كلمتنا عن الألم سواء للفرد أو للجماعة أو للمسيح، وهنا نرى أفراح العرس فالألم هو طريق العرس والمجد الأبدي.

هنا نرى الشعب وقد اتحد بالمسيح الملك يدخل إلى مجد داخلي كعروس سماوية مزينة، يشتهي الملك جمالها الروحي، تدخل إلى قصره وتنعم به كملكة في بيت عريسها الملك، بل ونبوة عن دخول الأمم نسمع عن عذارى يأتين في إثرها.

والعريس لم يقتنيها مجاناً بل حارب جبابرة ليقتنيها. وبعد أن إقتناها يسمعها صوته إنس شعبك وبيت أبيك (العالم الذي وُلدتِ فيه) فيشتهي الملك حسنك.

المزمور أنشودة حب بين الكنيسة والمسيح، فالكنيسة تقول له "أنت أبرع جمالاً من بني البشر".

نرى هنا المسيح يُمسح بالروح القدس لحساب كنيسته وشعبه (هو بكر بين إخوة كثيرين) "مسحك الله بزيت البهجة أفضل من رفقائك" لذلك نصلي هذا المزمور في صلاة الساعة الثالثة فنذكر أن آلام المسيح إنتهت بقيامته وحلول الروح القدس في هذه الساعة على الكنيسة. هذا الروح القدس الذي يقدس النفس لتصير على صورة عريسها يأخذ مما له ويعطيها.

تستعمل الكنيسة صلوات وآيات من هذا المزمور في طقس الزواج بكون سر الزواج هو ظلاً للعرس الأبدي بين الله الكلمة والكنيسة، والعروسان يستمدان حبهما ووحدتهما من حب المسيح لكنيسته وحب الكنيسة لعريسها المسيح. ولذلك نجد عنوان المزمور ترنيمة محبة. ولذلك شبه السيد المسيح علاقته بالكنيسة بعرس (مت2:22 + 1:25).

يقول بعض الكتاب والمفسرين أن هذا المزمور يشير لعرس سليمان وهذا خطأ كبير لأن هذا المزمور يتكلم عن رجل قتال وسليمان لم يكن رجل قتال أبداً. وربما كتبه داود النبي كنبوة عن المسيح ولذلك أخذ منه بولس الرسول (عب8:1،9).

وفي أعياد القديسة العذراء مريم نرنم بآيات هذا المزمور التي تتكلم عن العروس، فالعذراء هي أم الكنيسة وشفيعتها وطهارة العذراء جعلت المسيح يشتهي حسنها، وهي مشتملة بثوب ذهب رمز طهارتها، وكل مجدها من داخل فهي يتيمة بسيطة فقيرة لكن قلبها كان سماء.

 

آية (1): "فاض قلبي بكلام صالح. متكلم أنا بإنشائي للملك. لساني قلم كاتب ماهر."

المرتل وقد رأى خلاص المسيح وحبه كعريس لعروسه، فاض قلبه بالحب له، بل فاض لسانه بكلمات حب، أعطاها له الروح القدس وكان هو مجرد كاتب لما أملاه عليه الروح القدس= لساني قلم كاتب ماهر. وهو وجد أن كلماته كفيض، يريد أن يعبر به عن محبته وحينما لم يسعفه لسانه أعطاه الروح القدس أن يفيض (يو37:7،38). وهو كاتب ماهر لا يحتاج للتفكير ولا يتوقف فالروح يملي ما يقوله. وفي السبعينية= إني أخبر الملك بأفعالي= فالحب لم يجعل لسانه فقط يتكلم بل كل أفعاله صارت تنطق بهذا الحب، لقد صارت أعضاؤه آلات بر. ويرى بعض الآباء أن عبارة فاض قلبي بكلام صالح = هي تعبير عن ولادة المسيح (كلمة الله) من الآب. فهو الكلمة الذي يفيض من قلب الآب.

 

آية (2): "أنت أبرع جمالاً من بني البشر. انسكبت النعمة على شفتيك لذلك باركك الله إلى الأبد."

هذا المولود من الآب أزلياً صار بشراً ولكنه أبرع جمالاً من بني البشر. ليس المقصود هو جمال الجسد بل لأنه كان بلا خطية لذلك أضاف إنسكبت النعمة على شفتيك لم يقل أنه أبرع جمالاً من الملائكة فهو أخذ طبيعتنا وليس طبيعة الملائكة. ولنلاحظ أن الخطية في القلب تترك بصماتها على شكل الوجه، فالغضوب والحاسد والشهواني والخبيث.. هؤلاء يظهر على وجوههم ما في قلوبهم فتصير وجوههم بلا جمال. لذلك باركك الله إلى الدهر= المسيح بحسب الناسوت كان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة (لو52:2) فهو كان يمارس هذا بكونه إنساناً حقيقياً وكان هذا يظهر فيه تدريجياً. ويقال أن الله باركه بمعنى أن ما تناله الكنيسة من بركات إلهية يكون هذا خلال الرأس وباسمه. والنعمة التي انسكبت على شفتيه هي تعاليمه، وكلمات الغفران للخطاة، والحب والشفقة لمن يحتاج. والبركة التي سمعها يوم العماد "هذا هو ابني الحبيب.. " كانت لحساب كنيسته.

 

آية (3): "تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك."

الفخذ إشارة إلى جسد الرب يسوع (تك2:24، 10:49). والسيف هو صليبه الذي حمله ليحارب به أعداء عروسته (الشياطين). ومعركة الصليب أثبتت أنه جبار فقد سحق الشيطان وكسر شوكة الموت وفتح الجحيم (1كو18:1)، بل الكرازة بالصليب صارت كسيف (مت34:10). وكلمة الله صارت سيف ذو حدين (عب12:4 + أف17:6) فهي سيف يقطع حركات الشهوة وأهواء النفس التي يثيرها فينا عدو الخير حتى الآن. والمسيح في معركته كان يبدو أمام الناس كضعيف ولكنه كان جباراً وفي جلال، فلقد إظلمت الشمس والقبور تفتحت فآمن الجندي الوثني من جلال المصلوب.

 

آية (4): "وبجلالك أقتحم اركب من أجل الحق والدعة والبر فتريك يمينك مخاوف."

بعد معركته أقام الرب مملكته المؤسسة على الحق والدعة والعدل= البر. وهذا عكس مملكة إبليس القائمة على الباطل وشهوة هذا العالم الزائفة. وحينما نقبله فينا بكونه الحق لا يجد الباطل مكاناً فينا. وحينما نقتنيه وهو الوديع يهرب منا الكبرياء. وحين نتقلد هذه الأسلحة الحق والدعة والعدل نصير أقوياء كما تقلدها فصنع أعمالاً عجيبة بيمينه= قوته. أعمالاً عجيبة أخافت الشياطين، وسقطت ممالك.

 

آية (5): "نبلك المسنونة في قلب أعداء الملك شعوب تحتك يسقطون."

نبل السيد المسيح هي كلمات الكرازة بواسطة الرسل. والشعوب هي الشياطين التي انهزمت أو الأمم التي آمنت بالسيد المسيح كالدولة الرومانية التي تحولت للمسيحية.

 

آية (6): "كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك."

ترتل هذه الآية كنيستنا القبطية في الساعة الثانية عشرة من يوم الجمعة العظيمة في لحن طويل "بيك إثرونوس" لتقول للمسيح ولو أنك صلبت ومت ودفنت إلا أنك على عرشك إلى دهر الدهور. وواضح أن هذه الكلمات لا توجه إلى ملك أرضي سواء داود أو سليمان، بل هي للمسيح ملكنا السماوي، فهو قبل أن يتأنس كان ملكاً ورباً منذ الأزل وبصليبه صار ملكاً ورباً على الكل وبعد صعوده جلس عن يمين الآب إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك= القضيب هو صولجان الملك، وهو يملك بالعدل، تارة يترفق وتارة يؤدب، هو محب للبر ومبغض للإثم، فلا شركة للنور مع الظلمة.

 

آية (7): "أحببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك."

دهن الابتهاج= إشارة لحلول الروح القدس على المسيح لحساب الكنيسة. ويسمى دهن الابتهاج فهو قبل أن يمسح بابتهاج، يمسح ليكون الملك والكاهن والذبيحة (عب2:12) ونحن رفقائه وبسبب أنه هو مُسِحَ صرنا مسيحيين لأننا به نُمسح لله وتُفرز قلوبنا لحساب ملكوته، ويسكن فينا الروح القدس (راجع أع37:10،38) ومن ثماره الفرح فنبتهج حين يسكن في أعماقنا. وتنزع عنا روح الغم، ولكن هذا لمن يحب البر ويبغض الإثم.

 

آية (8): "كل ثيابك مر وعود وسليخة من قصور العاج سَرَّتك الأوتار."

المر[§§] = مر الطعم جداً (إشارة لآلام الصليب) ولكن رائحته زكية (إشارة للطاعة) وكانوا يكفنون الموتي بالمر والصبر وهكذا عَمِلَ يوسف الرامي مع جسد المسيح.

الميعة والسليخة= أنواع من الأطياب تشير لآلام المسيح فهي مرة (الميعة) أوهي تسلخ من شجرتها فتموت الشجرة (السليخة). ولقد فاحت رائحة ألام المسيح وطاعته فهو أطاع حتى الموت موت الصليب، وفاحت الرائحة في جميع القصور= والقصور هي بيوت الله وهياكله، وقلوب قديسيه التي هي هياكل للروح القدس. وثوب المسيح هو كنيسته وحين يسكنها الروح القدس تصير لها رائحة حلوة، رائحة قبولها الألم مع مسيحها. وذكر عدة أنواع من العطور فلكل منا فضيلة معينة تختلف عن الآخر. وكنيسته هي قصر العاج والعاج لونه أبيض فالكنيسة تبررت بموت عريسها. ونلاحظ أن العاج يأخذونه من الأفيال بعد موتها، فالكنيسة قبلت الموت مع عريسها لذلك فاحت رائحتها العطرة لقبولها الصليب، وهكذا كل نفس تقبل الصليب. سَرَّتْكَ الأوتار= تسبحتها تفرحك.

 

الآيات (9-16): "بنات ملوك بين حظياتك. جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير. اسمعي يا بنت وانظري وأميلي أذنك وانسي شعبك وبيت أبيك. فيشتهي الملك حسنك لأنه هو سيدك فاسجدي له. وبنت صور أغنى الشعوب تترضى وجهك بهدية. كلها مجد ابنة الملك في خدرها. منسوجة بذهب ملابسها. بملابس مطرزة تحضر إلى الملك. في إثرها عذارى صاحباتها. مقدمات إليك. يحضرن بفرح وابتهاج. يدخلن إلى قصر الملك. عوضاً عن آبائك يكون بنوك تقيمهم رؤساء في كل الأرض."

يحدثنا المرتل هنا عن العروس. هي ملكة. عن يمينك. فهي عروس الملك. واليمين هو مكان الكرامة المعد للخراف لا للجداء. وهي في مكان الشفاعة فالكنيسة تصلي عن شعبها. وهي لها ثوب من ذهب أوفير= والذهب رمز للسماويات سمة العروس. بنات ملوك في تكريمك= بين حظياتك (نسائك المكرمين)= هم المؤمنين الذين صاروا أبناء الملك والملكة يكرمونه يومياً بتسابيحهم وأعمالهم. مزينة بأنواع كثيرة (بحسب السبعينية) والمقصود حياتها المقدسة وفضائلها وقديسيها وشهدائها وألامها وأسرارها. وبعد أن تمتعت العروس بهذا الشرف عليها أن تنسى ماضيها (وثنيتها وخطاياها) ولاحظ أنها عروس وملكة وابنة= اسمعي يا ابنتي= الله يشتاق لها لتلتصق به وتترك أهلها (العالم) وعاداتها السابقة كما ترك إبراهيم أور، وتنس خطاياها، وكل ما كانت متعلقة به سابقاً كما ترك الرسل شباكهم وتركت السامرية جرتها. وعليها كعروس أن تقدم العبادة لله= فاسجدي له. ونرى هنا أن الأمم الوثنيين= صور هي نموذج للوثنيين وكانت أغنى أمم العالم وأكثرها خطية. سيقدمون هدية للعريس، وما هي الهدية المقبولة عنده سوى إيمانهم به. ولاحظ نصيحة المرتل أو العريس لعروسه الجديدة= أميلي أذنك= أي تنفذي الوصايا. وتسمعي كل كلامه وتؤمني بقدرته. (مت21:15-28) لقد خرجت المرأة الكنعانية إلى المسيح وقدمت له هدية هي إيمانها ولاحظ أنها من نواحي صور وصيدا). والعروس كل مجدها من داخل= هذا يذكرنا بخيمة الاجتماع من داخل ذهب وشقق موشاة ومن خارج كباش محمرة وتخس. والكنيسة مجدها في مسيحها داخلها ومن خارج يوجد ألام واضطهاد. وكل نفس مسيحي مجده من داخل في قلبه الذي تقدس وفرح بعريسه. فعلاقة العروس بعريسها هي في صلاة سرية في المخدع (نش12:4).

منسوجة بذهب ملابسها= مشتملة بأطراف موشاة بالذهب (سبعينية) الأطراف كانت رمانات وأجراس تعلق بأهداب رئيس الكهنة إشارة لتعليم العروس السماوي وكرازتها. في إثرها عذارى= تجذب النفس المؤمنة غيرها للمسيح. والكل في فرح بسبب وجودهم في قصر العريس السماوي. وهي كنيسة ولود، فعوض الآباء يكون دائماً هناك أبناء. المؤمن الحقيقي لا يهتم بالخارج ولكنه يهتم بالداخل، فالعروس لا تكشف جمالها إلا لعريسها الذي أحبته، أما كشف فضائلنا لمن هم في الخارج فيوقعنا في الكبرياء. ولقد قدمت كنيستنا رؤساء كثيرين ولدتهم في معمودية (اثناسيوس/ كيرلس/ أوريجانوس..) وأنطونيوس مؤسس الرهبنة.


المزمور السادس والأربعون (الخامس والأربعون في الأجبية)

وُضِعَ هذا المزمور بسبب الخلاص الذي أعطاه الله لشعبه إثر أزمة عسكرية مع عدو. ربما خلاص أورشليم من حصار أشور أو خلاصها من أي عدو آخر، وربما كتبه داود إثر انتصاره في معركة من المعارك إذ شاهد عمل الله العجيب معه.

المزمور يعلن عن سكنى الله وسط شعبه، سر قوتهم وإحساسهم بالأمان وملجأهم.

والروح القدس حلّ على الكنيسة، وهو الآن ساكن فيها وفي أفرادها، يقودها ويعطيها روح القوة. ولذلك تصلي الكنيسة هذا المزمور في صلاة الساعة الثالثة إذ يحدثنا عن الروح القدس." نهر سواقيه تفرح مدينة الله مقدس مساكن العلي".

 

آية (1): "الله لنا ملجأ وقوة. عوناً في الضيقات وجد شديداً."

حين تشتد الآلام، نجد في الله ملجأ لنا وقوة ومعيناً، إن كنا مقدسين له، ننعم بالشركة معه: أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني". والأعداء محيطين دائماً بالكنيسة ولكن وجود الله فيها يعطيها قوة وهو حصن لها. وعلينا أن لا نلجأ لسواه.

 

الآيات (2،3): "لذلك لا نخشى ولو تزحزحت الأرض ولو انقلبت الجبال إلى قلب البحار. تعج وتجيش مياهها. تتزعزع الجبال بطموها. سلاه.

مهما اشتدت الضيقة، حتى لو تصوَّر الإنسان كأن الأرض تتزلزل تحت قدميه وحتى ما هو راسخ كالجبال لو سقط في المحيطات، علينا أن لا نخاف. البحار هنا إشارة للعالم، والجبال هنا هم الجبابرة العالميين، حتى لو نزل هؤلاء إلى العالم ليحاربوا الكنيسة فلا نخاف لأن الله وسطها. فهؤلاء الجبال غير ثابتين أما المسيح فثابت (إش2:2) وكل ما هو خارج المسيح يعج ويجيش ويضطرب ويتزعزع بسبب كبريائه= بطموها. وفي السبعينية تتزعزع الجبال بعزته= أي من تراهم جبال، إذا أظهر الله عزته وقوته تجدهم يتزعزعون. ولا ننسى أنه طالما إلهنا يسوع نائماً في سفينتا (الكنيسة) لا نخاف مهما اضطرب البحر (العالم) الهيجان ضد الكنيسة بدأ من بداية الكنيسة ولكننا مازلنا نرى الكنيسة قائمة والمسيح في وسطها.

 

آية (4): "نهر سواقيه تفرح مدينة الله مقدس مساكن العلي."

هذه نبوة عن عمل الروح القدس المعزي (يو37:7-39) الذي يعطي سلاماً لكنيسته = مدينة الله. تروى هذه المياه مدينة الله فتعطيها ثمار محبة فرح سلام.. + (يؤ18:3) هذا الروح القدس يعمله بالإضافة لهدم إنساننا العتيق وإقامة الجديد. ولنلاحظ أن العالم مشبه ببحار صاخبة متقلبة مياهها مالحة لا تروي، أما الروح القدس فمشبه بالنهر الذي مياهه مروية وهادئ (يعطي سلاماً لا قلق واضطراب). لقد قدس الروح القدس الكنيسة فصارت مقدس مساكن العلي. والروح القدس عامل في أسرار الكنيسة.

 

آية (5): "الله في وسطها فلن تتزعزع يعينها الله عند إقبال الصبح."

الله يعين كنيسته وينتشلها عند إقبال الصبح (شمس البر) بعد نهاية هذا العالم الذي هو كليل يمر بنا. ولكن الآن هو يسندنا ويعزينا إلى أن ينتشلنا نهائياً إلى السماء.

 

آية (6): "عجت الأمم. تزعزعت الممالك. أعطى صوته ذابت الأرض."

مهما اشتد صوت المقاومين، الله قادر أن يسكتهم، ولقد هاجت الدولة الرومانية ضد المسيحية، ولكن صوت الله (الكرازة) أسكتها حتى ذابت في المسيحية.

 

آية (7): "رب الجنود معنا. ملجأنا إله يعقوب. سلاه."

الله بنفسه في وسطنا ولم يرسل إلينا لا ملاك ولا رئيس ملائكة.

 

الآيات (8،9): "هلموا انظروا أعمال الله كيف جعل خرباً في الأرض. مسكن الحروب إلى أقصى الأرض. يكسر القوس ويقطع الروح. المركبات يحرقها بالنار."

الحروب التي قامت ضد الكنيسة انتهت غالباً بإيمان الأعداء (شاول الطرسوسي بل الدولة الرومانية) والله كسر قوسهم= أي قوتهم وترتيباتهم ضد الكنيسة. ومن لم يؤمن أباده الرب. ولا ننسى هلاك 185.000من رجال أشور عند أسوار أورشليم. فالله بطريقة أو بأخرى يهب كنيسته نصرة.

ونفسر الآيات السابقة أيضاً بأن ثورة الجسد علينا وهياجه في شهوة لهذا العالم، يكسر الله هذه الشهوات وهذه الأسلحة الروحية سواء خارجية أم داخلية، من إبليس المحارب ضدنا أو شهواتنا المحاربة فينا، ويجعل كل هذا خرباً ليقيم الإنسان الجديد.

 

آية (10): "كفوا واعلموا أني أنا الله. أتعالى بين الأمم أتعالى في الأرض."

كفوا وإعلموا أني أنا الله = من يريد أن يختبر سلام الله، عليه أن يكف على أن يتكل على ذراع بشر. فهو يتعالي بين الأمم يحملنا إلى السمويات، ويتعالى بنا على الأرضيات. وعلى المؤمنين أن يكفوا عن محبة العالم.


المزمور السابع والأربعون (السادس والأربعون في الأجبية)

يقول بعض الدارسين أن المزمور كُتِبَ بمناسبة صعود التابوت من بيت عوبيد أدوم إلى أورشليم، والبعض يقول أنه كُتِبَ بمناسبة عمل إلهي فائق مع الشعب.

هذا المزمور دعوة لكل إنسان أن يسبح الله كملك يملك عليه شخصياً وعلى الكل.

هذا المزمور فيه نبوة عن أن المسيح هو الملك على الأرض كلها (7) بعد أن صعد إلى السموات (أية5) وقد ملك على كل الأمم (8،9). وكان اليهود هم الوسطاء لذلك العمل العجيب (4) فالمسيح أتى من اليهود بحسب الجسد وصالح الشعوب كلها مع الله.

نرتل هذا المزمور في صلاة الساعة الثالثة فهو مزمور الصعود.

انتهى المزمور السابق بقوله "أنا الله أتعالى بين الأمم" وهنا نرى كيف تم هذا؟ بالصعود فالمسيح بعدما نزل من السماء بقوة وقدرة عظيمة ليخلص شعبه، عاد إلى عرشه.

 

آية (1): "يا جميع الأمم صفقوا بالأدياي. اهتفوا لله بصوت الابتهاج."

هي دعوة لكل الشعوب أن يسبحوا الله لعمله العجيب الفدائي. والتصوير هنا أن المسيح ملك عظيم أتى وهزم الملوك الآخرين (الشيطان/ الخطية/ الموت..) ليقيم مملكته هو. والابتهاج والتسبيح يكون بالهتاف والتسبيح. وتصفيق الأيادي= الأيادي رمز للأعمال الصالحة. الله لا يفرح بالأيادي المسترخية، ولا بالأيادي التي تشترك في الآثام.

 

آية (2): "لأن الرب علىٌ مخوف ملك كبير على كل الأرض."

من الذي ملك على كافة الأرض سوى المسيح وبصليب محبته.

 

آية (3): "يخضع الشعوب تحتنا والأمم تحت أقدامنا."

أخضع الله الشعوب الوثنية للإيمان بالمسيح، فتركوا خطاياهم وكبريائهم وإنحنوا للصليب.

 

آية (4): "يختار لنا نصيبنا فخر يعقوب الذي أحبه. سلاه."

في النص العبري= يختار لنا نصيبنا= الله يختار عبيده وميراثهم. بل هو أعطانا نفسه ميراثاً. وفي السبعينية يقول اختارنا ميراثاً له= أي لا فضل لنا في شئ، بل هو اختارنا. يعقوب الذي أحبه= لأن يعقوب أحب البكورية (السمويات) وعيسو أحب العدس (الأرضيات).

 

آية (5): "صعد الله بهتاف الرب بصوت الصور."

الصور= بوق القرن. ونجد أن التلاميذ بعد صعود المخلص عادوا لأورشليم بفرح عظيم. وكانوا كل حين يسبحون (لو51:24-53). فهم رأوا في صعود المخلص صعوداً لهم. ألم يقل لهم "حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاَ". لذلك فعلينا أن لا نكف عن التسبيح.

 

آية (9): "شرفاء الشعوب اجتمعوا شعب إله إبرايم لأن لله مجن الأرض هو متعال جداً."

يملك الله على جميع الأمم حيث تتحقق وعود الله لإبراهيم "بنسلك تتبارك جميع الأمم" وذكر إبراهيم هنا لأن كل من ترك ألهته وآمن بالمسيح اجتمع مع إبراهيم. كل من عمل أعمال إبراهيم سيكون مع إبراهيم (يو39:8).


مزامير الساعة السادسة

المزمور الرابع والخمسون (الثالث والخمسون في الأجبية)

من عنوان المزمور نفهم أن داود كتبه عندما هرب من شاول، فتآمر عليه الزيفيون ووشوا به إلى شاول (1صم19:23). فكانوا مثالاً ليهوذا الخائن. بل كان الزيفيون من سبط يهوذا.

نصلى هذا المزمور في الساعة السادسة لنذكر السيد المسيح محاطاً بأعدائه وهو على الصليب، وما لحقه من الخزي والعار، ولكن كان انتصاره محققاً "يرد الشرور على أعدائي".

 

آية (1): "اللهم باسمك خلصني وبقوتك احكم لي."

اسم الله (تعبير عن قدرات الله وقوته وشخصيته) يكون للمؤمنين نصرة وللمضادين إبادة. (أهمية صلاة يسوع، وتسبيح اسم يسوع دائماً). وباسمه أقام بطرس المقعد.

 

آية (2): "اسمع يا الله صلاتي أصغ إلى كلام فمي."

نرى هنا الإلحاح واللجاجة في الصلاة، وهنا هو يلتجئ لله في ضيقته الشديدة.

 

آية (3): "لأن غرباء قد قاموا عليّ وعتاة طلبوا نفسي. لم يجعلوا الله أمامهم. سلاه."

الغرباء= هم الزيفيون والأقويات= شاول وجنوده. والغرباء هم كل من كان على شاكلة الزيفيون في الخيانة والغش مهما كان اعتقادهم.

 

الآيات (4،5): "هوذا الله معين لي. الرب بين عاضدي نفسي. يرجع الشر على أعدائي. بحقك أفنهم."

هنا يصل المرتل في صلاته لدرجة الثقة في معونة الله، وهذه ظاهرة في مزامير داود أنه يبدأ بالسؤال والشكوى وينتهي بالثقة والتسبيح والشكر لله. الرب بين عاضدي نفسي= داود هنا لا يضع الله في نفس مستوى مؤيديه ولكنه يفتخر بأن الرب معه وإذا كان الرب في جانبه فهو لن يهتم بمن هم ضده مهما كانت قوتهم. وهؤلاء الذين هو بجانبي، هم لا شئ إذا لم يكن الله معهم، بل هو الذي جعلهم يعضدونني. ثم يتنبأ على أعدائه بأنهم سيتعرضون لعقوبة الله وسوف يرجع الشر عليهم. ولنلاحظ أنه في العهد القديم لم يكن هناك تمييز بين الخاطئ والخطية، فالله القدوس البار العادل لابد أن يجازي الخاطئ ليعلن قداسته وحقه = بحقك إفنهم= إظهر عدلك وأنك تحكم بالحق في فنائهم.

 

آية (6): "أذبح لك منتدباً. أحمد اسمك يا رب لأنه صالح."

منتدباً= طائعاً (سبعينية) أي بإرادتي ومن قلبي وبسرور وليس كفرض.

 

آية (7): "لأنه من كل ضيق نجاني وبأعدائي رأت عيني."

وبأعدائي رأت عيني= هو يقدم ذبائحه بسرور حين رأى عمل الله ضد أعدائه. ونحن حين نصلي هذا الكلام نضع في قلوبنا أن أعدائنا هم الشياطين والخطية والذات.


المزمور السابع والخمسون (السادس والخمسون في الأجبية)

في أشد أوقات داود لم يترك قيثارته ولا صلواته، وها هو هارب من شاول ولكنه لا يكف عن التسبيح والتضرع إلى الله بثقة (قارن هذا المزمور مع 2كو7:4-11).

على لا تهلك= نشيد معروف يشير إليه، ربما ليرتلونه بنفس النغمة. ومعنى لا تهلك أن لا تقابل الشر بالشر. كما عفا داود عن شاول في المغارة ولم يقتله.

نصلي هذا المزمور في الساعة السادسة، فداود كان في اضطهاد الأقوياء له رمزاً للمسيح. حفروا قدامي حفرة= هذه مؤامرة اليهود. سقطوا في وسطها= هذه نهايتهم استيقظ يا مجدي= استيقظي يا نفسي (سبعينية) هذه نصرة المسيح بالقيامة.

 

آية (1): "ارحمني يا الله ارحمني لأنه بك احتمت نفسي وبظل جناحيك أحتمي إلى أن تعبر المصائب."

تكرار ارحمني= يدل على أننا محتاجون إلى رحمة الله في الدهر الحاضر وفي الدهر الآتي. وإلى اللجاجة في الطلب. المصائب= الإثم في السبعينية إشارة للتجارب التي يثيرها الشيطان. جناحيك= إشارة لعناية الله بنا (مت37:23) والدجاجة إذا هاجمها صقر ترفرف بجناحيها وتضم فراخها تحتها.

 

آية (2): "أصرخ إلى الله العلي إلى الله المحامي عني."

الصراخ لا يعني الصوت العالي بل حرارة القلب والإرادة الأكيدة في الطلب.

 

آية (3): "يرسل من السماء ويخلصني عير الذي يتهممني. سلاه. يرسل الله رحمته وحقه."

يرسل من السماء ويخلصني= ألم يرسل الآب ابنه الوحيد من السماء ليخلصنا (يو13:3) يتهممني= يطأونني أو يضطهدونني (سبعينية). وهم الشياطين. رحمته وحقه= فعلي الصليب ظهرت رحمة الله وحقه (عدله)، هذه هي طريقة الخلاص، فالذي استوفى مطاليب الحق الإلهي هو المسيح المصلوب برحمته. فداس لنا أعدائنا.

 

آية (4): "نفسي بين الأشبال. اضطجع بين المتقدين بنى آدم أسنانهم أسنة وسهام ولسانهم سيف ماض."

الأشبال= هو الأقوياء الأعداء الذين أحاطوا بداود (شاول ورجاله) أو هم كل من اجتمع حول المسيح (الرومان واليهود) (مز13:22). إضطجع= إشارة إلى موت المسيح بالجسد. يبن المتقدين= يشبه نفسه بالتبن وأعدائه بنيران حارقة.

 

آية (5): "ارتفع اللهم على السموات ليرتفع على كل الأرض مجدك."

في هذه الإشارة نرى الله يقيم المظلوم ويرفعه، وهي نبوة عن قيام وصعود المسيح بالجسد. وفي نصرة المظلوم يرتفع مجد الله أمام أنظار الشعوب.

 

آية (6): "هيأوا شبكة لخطواتي. انحنت نفسي. حفروا قدامي حفرة. سقطوا في وسطها. سلاه."

حين رأى المرتل مؤامرات الأعداء لإصطياده (شبكة / حفرة) إنحنت نفسه من أحزانه (حفرة مخفية كشرك ليوقعوه فيها). ولكنهم سقطوا هم فيها (هامان).

وهذا ما حدث مع المسيح في هذه الساعة، إذ نجحت وقتياً خطة الأشرار وصلبوه وكان في حزن عظيم "نفسي حزينة إلى الموت". سقطوا في وسطها= وهذا ما حدث مع المسيح حين أتى إبليس وجنوده ليقبضوا علي روح المسيح فإذ به يقبض هو عليهم. ويقيدهم ألف سنة. وهذا ما حدث مع داود وشاول، فسقط شاول في يد داود.

 

آية (7): "ثابت قلبي يا الله ثابت قلبي أغنى وأرنم."

ثابت قلبي= قلبي لم يتزعزع أثناء مقاومة الأعداء لي، بل كنت أغني وأرنم. والقديس أثناسيوس الرسولي يفسر ثابت قلبي (مستعد حسب السبعينية) أنه قلبه مستعد لحلول الروح القدس الذي يعلمه الترنيم والتسبيح. والروح القدس حلّ علينا بعد أن تم عمل المسيح الفدائي.

 

آية (8): "استيقظ يا مجدي. استيقظي يا رباب ويا عود أنا أستيقظ سحراً."

استيقظ يا مجدي= استيقظي يا نفسي (سبعينية) إشارة لمجد الله الذي ظهر في إقامة المسيح، وفي معونة من ألتجأ إليه. وفي حلول الروح الذي أعطانا حياة التسبيح. أنا أستيقظ سحراً (مبكراً) سبعينية. فالمسيح قام فجر الأحد. وكل من حل عليه روح الله وإمتلأ به يستيقظ مبكراً ولا يتغافل ويقوم ليرنم.

 

الآيات (9-11): "أحمدك بين الشعوب يا رب أرنم لك بين الأمم. لأن رحمتك قد عظمت إلى السموات وإلى الغمام حقك. ارتفع اللهم على السموات. ليرتفع على كل الأرض مجدك."

أرنم لك بين الأمم= هذه بروح النبوة، فمزامير داود ترتل بها كل الأمم الآن. رحمتك عظمت إلى السموات= رحمة الله رفعت الإنسان الترابي إلى السماء فسبحت الملائكة السمائيين الله على عمله العجيب. وإلى الغمام حقك= الغمام أو السحاب يشير للقديسين (أش1:19 إشارة للعذراء + عب1:12) فكل من عاش حياة مقدسة يشبه بالسحاب لأنه أرتفع عن الأرضيات. ومراحم الله تشبه بالمطر المتساقط على البشر يعطيهم الخير. ليرتفع على كل الأرض مجدك= إيمان كل الأرض.


المزمور الحادي والستون (الستون في الأجبية)

نجد هنا مثل كثير من مزامير داود، نجده يبدأ بقلب حزين يشتكي باكياً أعدائه المتربصين به، ولكنه ينتهي بأغاني التسبيح، لأن الله رفع نفسه وأعطاه الثقة في حمايته بالرغم من قوة الأعداء حوله، وحين شعر باستجابة الله له فرح وشكر إذ رأى نصرته قادمة.

ربما كان داود حين رنم هذا المزمور هارباً من شاول أو إبشالوم والأغلب إبشالوم فهو يسمى نفسه ملكاً. ولكن هذا المزمور بشكل نبوي يحدثنا عن المسيح.

يرى القديس أثناسيوس الرسولي أن في هذا المزمور شكر لله على عودة المسبيين.

نصلى هذا المزمور في الساعة السادسة فنذكر صراخ المسيح وهو على الصليب وأن الآب استجاب له وأقامه تزيد الملك أياماً. والله استجاب له بأن أعطى ميراثاً لخائفي إسمه= كل من آمن بالمسيح صار له نصيباً في ميراثه.

 

الآيات (1،2): "اسمع يا الله صراخي وأصغ إلى صلاتي. من أقصى الأرض أدعوك إذا غشى علىّ قلبي. إلى صخرة أرفع مني تهديني."

من أقصى الأرض أدعوك= قد تشير هذه للمسبيين في بابل (قالها بروح النبوة) وقد تشير أنه الآن بعيداً عن المقادس، ولكنه حتى لو ابتعد إلى أقصى الأرض فسيظل يصرخ إلى الله، ولن تكون المسافات عائقاً، فهم طردوه وحرموه من المقادس لكنهم لن يستطيعوا أن يحرموه من الملجأ الوحيد الذي له وهو الله. وقد تعني أقصى الأرض، أنه في أهوال شديدة وشاعراً بالوحدة والعزلة، ولا يجد سوى الله بجانبه وكل من هو شاعر بأنه عبد لخطية ما أبعدته عن الله يصرخ هكذا وهو بعيداً غشى علىّ قلبي= المعنى الحرفي "طفح من الهم" أو هو يتلوى من الألم. إلى صخرة أرفع مني تهديني= الصخرة هو ربنا يسوع المسيح (1كو4:10). وقوله أرفع منى يعني أنه يتوق إلى حماية أكبر من طاقاته هو، هو شاعر أنه أضعف من الأعداء المحيطين به عاجز أن ينقذ نفسه، ويطلب أن يتحقق له الأمان والحماية، غير القادر هو أن يتوصل إليهما. أما السبعينية فترجمتها "على الصخرة رفعتني أرشدتني" بصيغة الماضي وصيغة الماضي تفيد الثقة في الأمر كأنه قد تحقق.

 

آية (3): "لأنك كنت ملجأ لي برج قوة من وجه العدو."

هنا نسمع أن الله ملجأ وبرج حصين= برج قوة لمن يلجأ إليه.

 

آية (4): "لأسْكُنَنَّ في مسكنك إلى الدهور. أحتمي بستر جناحيك. سلاه."

اشتياقه للعودة إلى أورشليم وإلى الأقداس. الجناحين هما عنايته وحمايته.

 

آية (5): "لأنك أنت يا الله استمعت نذوري. أعطيت ميراث خائفي أسمك."

استمعت نذوري= استمعت صلواتي (سبعينية). أعطيت ميراث خائفي إسمك الله أعطى اليهود ميراث، أرض كنعان. وأعطى للمؤمنين بالمسيح ميراثاً سماوياً. بالنسبة لداود، تفهم هذه الآية أنه نذر أن يكون كله لله إذا أعاده الله لميراثه (أورشليم) وبالنسبة للمسيح فلقد قدس نفسه (خصص نفسه لعمل الفداء) (يو19:17). ليعطي لمن يؤمن به ميراث الحياة الأبدية.

 

آية (6): "إلى أيام الملك تضيف أياماً. سنينه كدور فدور."

بالنسبة إلى داود تفهم هذه الآية أن إبشالوم ورجاله لن ينالوا منه ويقتلوه بل سيحيا. هذه تمت حرفياً مع حزقيا الملك من نسل داود إذ أطال الله عمره 15 سنة. وكان هذا يرمز لقيامة المسيح وأن الموت لن يسود عليه. سنينه كدور فدور= أي يزيد الله سنيه من جيل إلى جيل (سبعينية) ولأجيال عديدة (إنجليزية).

 

آية (7): "يجلس قدام الله إلى الدهر. أجعل رحمة وحقاً يحفظانه."

يجلس قدام الله إلى الدهر= عن داود تفهم هذه أن يعود إلى كرسيه كملك. ولكن كيف نفسر أن داود سيجلس إلى الأبد على كرسيه؟ قال البعض دوام مزاميره كصلوات للكنيسة حتى نهاية الأيام. ولكن هذه تفهم أيضاً عن جلوس المسيح بعد قيامته عن يمين الآب.

إجعل رحمة وحقاً يحفظانه= من أجل طاعة المسيح حتى الموت (وفيها رحمة + عدل) رفعه الله وجعل له اسماً فوق كل اسم (في8:2-11).

 

آية (8): "هكذا أرنم لاسمك إلى الأبد لوفاء نذوري يوماً فيوماً."

إذ رأي المرتل خلاص الله سبح ورتل. ونفهم أن التسبيح القلبي هو من ثمار عمل الروح القدس في النفس. والروح القدس حل على الكنيسة بعد صعود المسيح، فصارت الكنيسة كنيسة مسبحة إلى دهر الدهور. ونذر الكنيسة هي أن تعبد الله دائماً.


المزمور الثالث والستون (الثاني والستون في الأجبية)

راجع تفسيره في صلاة باكر

ونصليه في الساعة السادسة لنذكر آلام المسيح ونصرته بالرغم من أنه على الصليب.

 

المزمور السابع والستون (السادس والستون في الأجبية)

راجع تفسيره في صلاة باكر

ونصليه في الساعة السادسة، لنهتف ونرنم فرحاً بما حصلنا عليه من استحقاقات دم المسيح. والأرض أعطت ثمرتها لأن حبة الحنطة وقعت في الأرض (صلب المسيح") (يو24:12)

 

المزمور السبعون (التاسع والستون في الأجبية)

راجع تفسيره في صلاة باكر

نصلي هذا المزمور في الساعة السادسة لنذكر مدة ما لحق بسيدنا له المجد من الآلام والعار.

 


المزمور الرابع والثمانون (الثالث والثمانون في الأجبية)

تقول بعض الآراء أن هذا المزمور كُتِبَ أثناء فترة السبي أو بعدها تعبيراً عن اشتياق المسبيين للعودة، أو فرحتهم بالعودة إلى بيت الرب. ولكن رأى آخرين أن هذا المزمور هو بلسان داود إذ يحمل أنفاسه واشتياقاته لبيت الرب وقيل في هذا أنه كتبه وهو هارب من إبشالوم وقيل أيضاً أنه كتبه حين رفض الرب أن يبني هو الهيكل تاركاً هذا العمل لإبنه سليمان.

روحياً نرتل هذا المزمور ونتعلم منه الاشتياق لبيت الرب والسعادة بالسكنى فيه. وأن في العبادة شبع للروح كما يشبع الجسد بالغذاء.

ونصلي هذا المزمور في الساعة السادسة لنذكر ألام الرب يسوع وأنه انتصر بألامه على أعدائه "طوبى للرجل الذي نصرته من عندك يا رب". ونرتل نحن هذا المزمور لأننا صرنا كالعصفور الذي وجد له بيتاً، مساكين بالروح ولكننا وجدنا في الكنيسة جسد المسيح حماية وسلام دبرهم لنا بصليبه. ولكن على شعبه أن يعلم أنه خلال فترة غربته على الأرض فهو يعبر في وادي البكاء. ولكن من قوة إلى قوة.

 

الآيات (1،2): "ما أحلى مساكنك يا رب الجنود. تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار الرب. قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي."

مساكنك= هذه نبوة عن الكنيسة التي تسجد لله في كل مكان (يو20:4-24) لكن بالروح والحق، أما اليهود فلم يكن لهم سوى مسكن واحد أيام داود (الخيمة) ومسكن واحد أيام سليمان ومن بعده حتى المسيح (وهو الهيكل). أما وجود كنيسة في كل مكان فلم يحدث سوى مع المسيحية. قلبي ولحمي= قلبي وجسدي (سبعينية) فأنا أشتاق بكل كياني للوجود في مسكن الله، وهذا اشتياق كل مؤمن الآن أن ينطلق ليسكن مع الله في الحياة الأبدية "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح.. " فمعرفة الله هي الحياة الأبدية (يو3:17).

 

آية (3): "العصفور أيضاً وجد بيتاً والسنونة عشاً لنفسها حيث تضع أفراخها مذابحك يا رب الجنود ملكي وإلهي."

الأممي (الوثني) كان ضالاً مثل عصفور بلا عش، وبإيمانه صار بيت الله مسكناً له. بل صار للمؤمنين أولاداً روحيين= حيث تضع أفراخها (غل19:4). مذابحك يا رب الجنود= هي لي مثل عش العصفور والسنونة (اليمامة في السبعينية) والمؤمنين وأولادهم الروحيين يجدون غذاءهم من على مذابح رب الجنود (التناول). وفي الإشارة للطيور، ربما وجد داود أن في طيرانها فوق وحول مسكن الله ميزة لها عنه، وهو الآن بعيداً عن مسكن الله. وربما رأى فيها ضعفاً متناهياً مثل ضعفه وهو عاجز عن الدفاع عن نفسه، وبالرغم من ضعفها فالله أعطاها مسكناً، ورأى في هذا رجاءً له أن يكون له هو أيضاً مسكن الله ملجأ وحصناً له. وربما رأى المرتل أن العصفورة واليمامة وهي طيور طاهرة إشارة إلى أن من يسكن بيت الله الطاهرين.

 

آية (4): "طوبى للساكنين في بيتك أبداً يسبحونك. سلاه."

طوبى لمن ولد في الكنيسة (المعمودية) ويعيش فيها (يتغذى من مذبحها)، يحيا في طهارة فيمتلئ من الروح ويعيش مسبحاً الله كل عمره، مبتعداً عن الأرضيات.

 

آية (5): "طوبى لأناس عزهم بك. طرق بيتك في قلوبهم."

مثل من ذُكِرَ في (آية4) طوباه مثل هؤلاء عزهم بك= الله هو مصدر قوتهم طرق بيتك في قلوبهم= ما هي الطرق التي نعرفها من الكتاب المقدس التي توصلنا إلى السكني في بيت الله؟ (من يحب الله يحفظ وصاياه، ومن يحب الله يحب قريبه) وفي السبعينية ترجمت رتب في قلبه أن يصعد = فطرق الله تصعد بنا دائماً من الأرضيات إلى السمائيات.

 

آية (6): "عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعاً. أيضاً ببركات يغطون مورة."

عابرين في وادي البكاء. وادي البكاء هو طريق مؤدي لأورشليم. ولم يكن فيه آبار أولاً. فكان المسافر إلى أورشليم أثناء عبوره في هذا الوادي معرضاً للهلاك، إلا إذا حفر بئراً ليشرب، أو يحفرون حفراً لتستقبل مياه الأمطار، ويبدو أنهم حفروا هذه الحفر وتركوها تمتلئ بمياه الأمطار لمساعدة المسافرين. والكلمة الأصلية وادي البكا= تشير كلمة البكا إلى البكاء فعلاً وقد تعني شجرة البلسان وهذا البلسان يستعمل كدواء للأمراض والجروح (أر22:8). وهذا البلسان يحصلون عليه بجرح الشجرة بفأس فيخرج العصير من قشرتها فيتلقونه في أوانٍ خزفية. وكلا المعنيين له تأمل رائع. فنحن في رحلتنا لأورشليم السماوية نعبر في هذا العالم، وادي البكاء الجاف معرضين للهلاك، ولكننا بجهادنا (حفر الآبار) نمتلئ من الروح القدس، الماء المنسكب من أعلى فلا نهلك، بل هو يشفي (البلسان). ويشير البكاء للتوبة والجهاد. والذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج(مز5:126). فعلينا أن نقضي أيام غربتنا في بكاء على خطايانا، والله يملأنا هو بفرح حقيقي من عنده. ومن يبكي هكذا على خطاياه يحول الوادي إلى ينبوع تعزيات. ببركات يغطون مورة= راجع الكتاب المقدس بشواهد فهذه الآية مترجمة ترجمة أخرى "أيضاً ببركات يكسبه المطر المبكر" وفي الإنجليزية" الأمطار تملأ البرك (الحُفَرْ). وغالباً مورة كان وادي جاف والمعنى أنه حين يبارك الله يتحول الجفاف إلى بركة ونعمة من الروح القدس.

 

آية (7): "يذهبون من قوة إلى قوة يرون قدام الله في صهيون."

هؤلاء الذين ينمون سائرين في طريق أورشليم يذهبون من قوة إلى قوة. أي من فضيلة إلى فضيلة، ومن خطية إلى بر. ومن هذا العالم إلى الحياة الأبدية.

 

آية (8): "يا رب إله الجنود اسمع صلاتي وأصغ يا إله يعقوب. سلاه."

يا إله يعقوب= المسيحية هي عبادة إله يعقوب وليس إلهاً آخر.

 

آية (9): "يا مجننا انظر يا الله والتفت إلى وجه مسيحك."

مجننا= الله لنا كمجن أي ترس حماية. التفت إلى وجه مسيحك= نحن بدون شفاعة المسيح عنا نكون غير مقبولين أمام الآب، ولا يستجاب لنا إلا إن طلبنا باسمه ويصير معنى الآية استجب لنا من أجل مسيحك.

 

آية (10): "لأن يوماً واحداً في ديارك خير من ألف. أخترت الوقوف على العتبة في بيت إلهي على السكن في خيام الأشرار."

يوم واحد في مسكنك يا رب خير من ألف في مساكن الأشرار بعيداً عنك.


المزمور الخامس والثمانون (الرابع والثمانون في الأجبية)

هذا المزمور يكلمنا عن عودة الشعب من السبي. ولأن عودة الشعب من سبي بابل هي رمز لعودة الإنسان من سبي إبليس بعد أن حرره المسيح بصليبه نصلي هذا المزمور في صلاة الساعة السادسة وفي الساعة السادسة صُلِب المسيح على الصليب. وعلى الصليب تحققت هذه الآية "الرحمة والحق إلتقيا" وبالصليب رضى الله عن شعبه وغفر إثمهم، وتكلم عنهم بالسلام.

 

آية (1): "رضيت يا رب على أرضك. أرجعت سبي يعقوب."

الله بسبب أثام اليهود غضب عليهم وعلى أرض مسكنهم (هو1:4-3). ولقد خربت أرضهم وحُرِق الهيكل ودُمِّرَ تماماً، وذهب الشعب للسبي. ولما رجعوا سبحوا الله. وكل خاطئ يعرض نفسه للخراب وحينما يتوب يرضى الله عنه فتثمر أرضه (جسده).

 

آية (2): "غفرت إثم شعبك. سترت كل خطيتهم. سلاه."

هذه الآية لم تتحقق إلا بشفاعة المسيح الكفارية (1يو8:1). وغفران الخطية. لم يحدث للشعب حين خرجوا من مصر فلقد ماتوا في البرية. ولا حدث في رجوعهم من بابل.

 

آية (3): "حجزت كل رجزك. رجعت عن حمو غضبك."

حين غفرت خطايانا بدم المسيح سكن غضب الله.

 

الآيات (4-7): "أرجعنا يا إله خلاصنا وأنف غضبك عنا. هل إلى الدهر تسخط علينا. هل تطيل غضبك إلى دور فدور. ألا تعود أنت فتحيينا فيفرح بك شعبك. أرنا يا رب رحمتك وأعطنا خلاصك."

قد تكون هذه الآيات طب مزيد من الرحمة، لأننا نجد في هذه الآيات أنها تتغير من صيغة الماضي (رضيت/ أرجعت..) إلى صيغة الرجاء ليعطي الله في المستقبل (ارجعنا/ أنفِ غضبك..) ويكون المرتل بهذا كأنه يطلب من شعبه ألا يكفوا عن التضرعات. فأورشليم مازالت مهدومة والهيكل مهدوم والأعداء مازالوا محيطين بأورشليم (راجع نحميا). وكل من عاد بالتوبة إلى الله عليه حتى وإن شعر بأن الله قد رضى عنه، ألا يكف عن التضرع أن تستمر مراحم الله، فالأعداء (إبليس والجسد والذات والموت..) مازالوا موجودين. والمسيح بصليبه سكَّن غضب الآب ولكننا مازال علينا أن لا نكف عن التضرع فهؤلاء الأعداء مازالوا محيطين بنا. إلا أن الآباء رأوا أن المرتل كتب هذا بروح النبوة إذ رأى أن هذا الصلح وهذا الرضا من الله على كل العالم تم بواسطة شر اليهود الذي اكتمل في الصليب فصرخ إلى الله أن يقبل اليهود ولا يرذلهم للأبد فهم شعبه. أي يطلب إيمانهم بالمسيح.

 

آية (8): "إني أسمع ما يتكلم به الله الرب. لأنه يتكلم بالسلام لشعبه ولأتقيائه فلا يرجعن إلى الحماقة."

هكذا قال المسيح "سلامي أترك لكم.. " فهو ملك السلام. أتي بالسلام بين الله والإنسان وبين الإنسان والإنسان وبين الإنسان ونفسه. وهذا السلام مشروط بأن لا يرجع الإنسان إلى الحماقة (الخطية). إني أسمع= الله أخبره بخطته للخلاص.

 

آية (9): "لأن خلاصه قريب من خائفيه ليسكن المجد في أرضنا."

خلاصه قريب= لقد عرفه الله بأن المسيح سيأتي قريباً للعالم. ليسكن المجد في أرضنا المسيح أتي وسكن في إسرائيل. وهو يسكن الآن فينا وفي كنيستنا.

 

آية (10): "الرحمة والحق التقيا. البر والسلام تلاثما."

الله عادل ويحكم بالحق. والحكم الحق هو الموت على الخاطئ. والله رحيم لذلك جاء المسيح ليصلب بدلاً منَّا. لذلك الرحمة والحق إلتقيا على الصليب. البر والسلام تلاثما= البر يعني العدل. وكيف يتلاقي العدل أو البر (وهذا يطلب الموت للخاطئ) مع السلام (وهل من هو محكوم عليه بالموت يكون له سلام؟! هذا لم يحدث إلا بالصليب. وكل من يريد أن يحيا في سلام فليحيا في بر وحق.

 

آية (11): "الحق من الأرض ينبت والبر من السماء يطلع."

الحق من الأرض ينبت= هذا هو جسد المسيح الذي أخذ جسدنا من العذراء مريم. ويسميه هنا الحق، فكل نسل المرأة كان باطلاً فنحن بالخطية نولد، إلا المسيح فهو لم يكن من زرع بشر بل هو البر من السماء يطلع= فهو البر والعدل الذي طأطأ السموات ونزل ليأخذ جسداً بشرياً. "أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (يو17:1).

 

آية (12): "أيضاً الرب يعطي الخير وأرضنا تعطي غلتها."

المسيح هو حبة الحنطة التي دفنت في الأرض (يو24:12) فأعطت الأرض غلتها أي خرجت الكنيسة كلها من ذلك الجنب المطعون الذي أخرج دم وماء.

 

آية (13): "البر قدامه يسلك ويطأ في طريق خطواته."

المسيح شمس يرنا سيقودنا وهو يقودنا للآب، ويضعنا على الطريق إلى الآب ويطأ في طريق خطواته= هو يقودنا في الطريق. ونسير في طريق خطواته، نحتمل ألام العالم، يثبتنا فيه فنكون أبرار أمام الآب ويكون لنا ميراثاً معه.


المزمور السادس والثمانون (الخامس والثمانون في الأجبية)

هو صلاة لداود، وهي صلاة نموذجية نتعلم منها الاتضاع، فهو يقول أنه مسكين وبائس بينما هو الملك العظيم. نشعر في صلاته بأنه في ضيقة، وعلى كل من في ضيقة أن يلجأ لله هكذا وبتواضع. وداود هنا في ضيقته هو رمز للمسيح الذي في أيام جسده صرخ (عب7:5) فاستجابه الرب. وهنا نرى استجابة الرب "وقد نجيت نفسي من الجحيم السفلي. فالمسيح نزل إلى الجحيم من قبل الصليب. وبعد هذا قام ظافراً على الشيطان والموت. ولذلك نصلي هذا المزمور في الساعة السادسة لنذكر آلام المسيح ونصرته.

 

آية (1): "أمل يا رب أذنك. استجب لي. لأتي مسكين وبائس أنا."

أمل يا رب أذنك= تواضع يا رب وأنظر لي أنا الخاطئ، وإقبل صلاتي. أنت يا رب عظيم وجبار، وأنا مسكين وبائس (بسبب خطيتي) فتواضع وإقبل أن تسمعني.

 

آية (2): "احفظ نفسي أني تقي يا إلهي خلص أنت عبدك المتكل عليك."

لأني تقي= المقصود أنني عبدك المتكل عليك (هذا هو سبب أنني بار) ولست مثل الأشرار الذين يضطهدونني بلا سبب.

 

الآيات (3،4): "ارحمني يا رب لأنني أصرخ اليوم كله. فرح نفس عبدك لأنني إليك يا رب أرفع نفسي."

إليك أصرخ اليوم كله= هذه مثل صلوا بلا انقطاع (1تس17:5). فالأعداء لن يكفوا عن الحرب ليلاً أو نهاراً. فرح نفس عبدك لأني إليك يا رب أرفع نفسي= كل من يرفع نفسه عن ملذات الدنيا يحصل على فرح روحي.

 

آية (8): "لا مثل لك بين الآلهة يا رب ولا مثل أعمالك."

جدف ربشاقي على الله قائلاً "آلهة الأمم لم تقدر أن تخلص شعوبها فكيف يقدر إلهكم أن يخلصكم من ملك أشور" وفي هذه الليلة أهلك ملاك الرب 185.000 من جيش أشور وظهر أن الرب ليس له مثيل في العالم وآلهته. داود هنا لا يعترف بأن هناك آلهة أخرى ولكنه يستعمل اسم آلهة كما تسميها شعوبها.

 

الآيات (9،10): "كل الأمم الذين صنعتم يأتون ويسجدون أمامك يا رب ويمجدون اسمك. لأنك عظيم أنت وصانع عجائب. أنت الله وحدك."

نبوة عن دخول الأمم إلى الإيمان. يأتون= باقتراب قلبهم للإيمان. صانع عجائب= العجائب هي تجسد المسيح ومعجزاته وقيامته وصعوده ومحبته العجيبة.

 

آية (11): "علمني يا رب طريقك أسلك في حقك. وحد قلبي لخوف اسمك."

علمني يا رب طريقك= طريق الله هو ترك وتجنب كل المعاصي وملازمة الفضائل ولن نستطيع السلوك في هذا الطريق بدون معونة الله "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً" (راجع أيضاً يو6:14). وحد قلبي= ليصير قلبي بسيطاً غير منقسم بين محبة الله ومحبة العالم. ورأس الحكمة مخافة الله. فبداية أي طريق يكون بخوف الله.

 

آية (12): "أحمدك يا رب إلهي من كل قلبي وأمجد اسمك إلى الدهر."

حين يتوحد القلب في مخافة الله يصير كله لله فيقدم له الحمد والتمجيد إلى الدهر.

 

آية (13): "لأن رحمتك عظيمة نحوي وقد نجيت نفسي من الهاوية السفلي."

قارن مع (1بط19:3،20). فالمسيح نزل إلى الجحيم ليخلص من كان فيه موجوداً على الرجاء.

 

الآيات (14-17): "اللهم المتكبرين قد قاموا عليّ وجماعة العتاة طلبوا نفسي ولم يجعلوك أمامهم. أما أنت يا رب فإله رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة والحق. التفت إلىّ وارحمني. أعط عبدك قوتك وخلص بن أمتك. أصنع معي آية للخير فيرى ذلك مبغضي فيخزوا لأنك أنت يا رب أعنتني وعزيتني."

قد تكون تصويراً للأعداء المحيطين بداود، أو الأشرار المحيطين بالمسيح يوم الصليب. أو هو إبليس وجنوده حين حاولوا أن يقبضوا على روح المسيح، هؤلاء هم المتكبرون وجماعة العتاة طلبوا نفسي. ولم يقدروا بل قبض هو عليهم خلص ابن أمتك= تقال عن المسيح ابن العذراء مريم بالجسد، إذ لم يكن له أب بالجسد. إصنع معي آية للخير= لقد ظهرت آيات كثيرة مع المسيح منذ ولادته من عذراء ثم معجزات وحتى يوم الصليب، إظلمت الشمس وقام الأموات. ثم بعد الموت ظهرت قوته حقيقة وأمسك بإبليس، إذ كان قد دفع الدين وإفتدانا من يده.


المزمور السابع والثمانون (السادس والثمانون في الأجبية)

هذا المزمور هو مديح لصهيون كرمز للكنيسة. بل ما ذُكِرَ في هذا المزمور لا ينطبق بالكامل إلا على كنيسة المسيح. ونجد في المزمور أن صهيون مفضلة عن باقي أرض إسرائيل. لأن الهيكل مؤسس هناك، وهناك العبادة لله.

يرى البعض أن المزمور كُتِبَ في فترة إزدهار أورشليم، أيام داود أو سليمان ويقول أصحاب هذا الرأي أنه كُتِبَ أثناء نقل التابوت من بيت عوبيد أدوم إلى صهيون، أو أثناء تدشين هيكل سليمان. وهناك من قال أنه كُتِبَ بعد السبي أثناء خراب أورشليم لتشجيع المسبيين على العودة إلى أورشليم لتعميرها، بناءً على الوعود التي قيلت عنها ومحبة الله لها. فبالرغم من أن أورشليم خربة ولا أحد يهتم بها، لكن الله قال عنها أشياء مجيدة. وهذا ينطبق على كنيسة المسيح التي صار لها الأمجاد تحت راية المسيح. (سواء الكنيسة على الأرض أو في السماء).

 

آية (1): "أساسه في الجبال المقدسة."

أساسه= يتكلم المرتل هنا عن هيكل تأسس على الجبال المقدسة. وهو مؤسس بقوة وهذا ما تشير إليه كلمة الجبال المقدسة. ولأن الهيكل مؤسس على الجبال فهو ثابت، عكس المسكونة المؤسسة على البحار، إذاً هي متقلبة (مز2:24) والهيكل قد يكون هيكل سليمان، أو الكنيسة هيكل المسيح (يو21:2). والكنيسة مؤسسة على الرسل والأنبياء والمسيح هو حجر الزاوية (اف20:2). والهيكل كان مبنياً على جبل المريا في صهيون. وطالما الكنيسة مؤسسة على المسيح (جبل بيت الرب) الثابت في رأس الجبال (الرسل والأنبياء) (أش2:2) فهي لن تسقط أبداً، وهي عالية شامخة. وهي جبال مقدسة، فالقداسة هي التي أعطت قوة للبناء.

 

آية (2): "الرب أحب أبواب صهيون أكثر من جميع مساكن يعقوب."

صهيون= هي أورشليم عاصمة إسرائيل، وهناك كان الهيكل لذلك تعظمت على باقي مدن إسرائيل= مساكن يعقوب. خصوصاً بعد إنفصال العشرة أسباط عن يهوذا وعبادتهم للبعل. وصهيون كلمة عبرية معناها حصن. وكان هذا الحصن قائماً على جبل إسمه صهيون. وأورشليم ضمت هذا الجبل مع الجبال المحيطة وهم ثلاثة آخر (المريا واكرا والبيزيتا). وكان أورشليم عاصمة أعظم ملوك إسرائيل وهم داود وسليمان. وكان الهيكل فيها وفي الهيكل تابوت العهد. بل كان ملكي صادق رمز المسيح الكاهن والملك حاكماً على أورشليم. وعلى جبل المريا قدم إبراهيم ابنه اسحق ذبيحة وعاد حياً رمزاً لما حدث مع المسيح. الرب أحب أبواب صهيون= الله أحَّب صهيون ففيها الهيكل والعبادة وفيها كرسي داود الذي أحبه الله. والله أحب أبواب صهيون لأن من هذه الأبواب يدخل المؤمنين ليعبدوا في الهيكل. وبالنسبة للكنيسة فأبوابها الآن هي الإيمان المسلم مرة للقديسين (يه3) والمعمودية والتوبة.

 

آية (3): "قد قيل بك أمجاد يا مدينة الله. سلاه."

هناك أمجاد كثيرة ونبوات مجيدة عن أورشليم لأن الله ساكن فيها (مر11:9) وكما سكن الله في أورشليم سكن في بطن العذراء مريم. لذلك ترتل الكنيسة هذه الآية عشية عيد ميلاد السيدة العذراء ومع هذه الآية أجزاء أخرى "أعمال مجيدة قد قيلت لأجلك يا مدينة الله وهو العلي الذي أسسها إلى الأبد لأن سكنى الفرحين جميعهم فيك" فالمزمور يشيد بصهيون الأم والذي ولد فيها هو الإنسان وهو نفسه العلي الذي أسسها. وأورشليم أيضاً هي الكنيسة جسد المسيح (سواء على الأرض أو في السماء) (عب22:12 + رؤ2:21-4) وما هي الأشياء المجيدة التي قيلت عن كنيسة المسيح؟ أنها عروس المسيح وأن أبواب الجحيم لن تقوى عليها وأنه اشتراها بدمه وأنها كنيسة ملوك وكهنة.

 

آية (4): "أذكر رهب وبابل عارفتي. هوذا فلسطين وصور مع كوش. هذا ولد هناك."

رَهَب= هي مصر ومعنى الكلمة كبرياء. بابل= مركز عبادة الأصنام. صور= حيث الغني والمال والخطايا البشعة كوش= اللون الأسود رمز الخطية (أر23:13). واللون الأسود يشير لظلام النفس والقلب. هؤلاء كانوا عابدي أوثان مع فلسطين. وبعد مجيء المسيح دخل الأمم للإيمان لذلك قيل عن مصر وبابل عارفتيَّ وبعد أن كانت مصر رمز للكبرياء صارت بعد المسيح من المؤمنين وقيل عنها مبارك شعبي مصر (أش25:19). هذا ولد هناك= هؤلاء ولدوا هناك (سبعينية) فهذه الشعوب بالمعمودية ولدت هناك، أي في صهيون أي الكنيسة.

 

آية (5): "ولصهيون يقال هذا الإنسان وهذا الإنسان ولد فيها وهي العلي يثبتها."

الإنسان الذي ولد في صهيون هو المسيح الذي بصليبه صار لنا ولادة ثانية بالمعمودية فتصير صهيون الكنيسة أمنا حينما نولد من الماء والروح. وهي العلي يثبتها= المسيح المولود في صهيون هو العليُّ الذي يثبت كنيسته.

 

آية (6): "الرب يعد في كتابة الشعوب أن هذا ولد هناك. سلاه."

كل من ولد بالمعمودية يعده الله من المكتوبين في السماوات (لو20:10).

 

آية (7): "ومغنون كعازفين كل السكان فيك."

هذا حال المؤمنين في الكنيسة، التسبيح والفرح بسبب ما هم فيه من سلام.

·    والكنيسة تصلي هذا المزمور طوال الصوم الأربعيني المقدس بعد أن يفرغ الكاهن من انتقاء الحمل ووضعه في الصينية وبعد أن يصب الخمر في الكأس، إشارة للكنيسة التي تأسست بذبيحة المسيح (التي يقدمها على المذبح)، والكنيسة التي صار يسوع المسيح ساكناً فيها، وهو معنا على المذبح، فبعد أن سكن في بطن العذراء، هو الآن ساكن وسط كنيسته يثبتها. كنيسته المولودة في المعمودية. ونصلي بالمزمور في أثناء فترة الأربعين المقدسة لأنها تنتهي بأسبوع الآلام الذي فيه صُلِب رب المجد ومات وقام، هذه الأمور التي قامت عليها الكنيسة الجديدة.

·    ونصلي بهذا المزمور في الساعة السادسة، ففي هذه الساعة صُلِب رب المجد ليجمع كل الشعوب المتفرقة إلى واحد. ولن يكتب في سفر الحياة إلا الذين وُلِدوا في الكنيسة المقدسة، هؤلاء هم الفرحون الذين يسكنون فيها إلى الأبد.


المزمور الحادي والتسعون (التسعون في الأجبية)

المزمور السابق لهذا المزمور مكتوب عنه أنه لموسى النبي، لذلك قال كثير من الدارسين أن هذا المزمور أيضاً لموسى النبي. وقال الآخرين بل هو لداود.

هذا المزمور نرى فيه عناية الله وحمايته لأولاده المؤمنين به. وقيل أن كلمات هذا المزمور موجهة للسيد المسيح نفسه في آلامه، خصوصاً أن إبليس في تجربته للسيد استخدم آية من هذا المزمور "لأنه يوصي ملائكته بك.." وإبليس لم يكمل المزمور لأن فيه نبوة ضده وهذا ما صنعه السيد المسيح إذ داسه فعلاً بقدميه "تطأ الأفعى وملك الحيات، وتسحق الأسد والتنين". ونصلي هذا المزمور في الساعة السادسة لنذكر أنه مع أن السيد معلقاً على الصليب إلا أنه سينتصر ويدوس إبليس الحية القديمة.

عموماً نرى في هذا المزمور انتصار المسيح على إبليس ومؤامراته، وإبليس كُنِّيَ عنه هنا بعدة أسماء، فهو الصياد الذي يضع فخاً في طريق المؤمنين، ويأتي بالوبأ الخطر بل هو نفسه الوبأ الخطر[***]، وهو سهم يطير في النهار وهو خوف الليل وهلاك يفسد في الظهيرة وهو الأسد والصل والشبل والثعبان ولكنه مع كل هذا قد داسه السيد لحساب شعبه فقيل هنا يسقط عن جانبك ألوف وربوات (لو19:10). هو مزمور يعطي لكل منا إطمئنان وينزع كل خوف من أي مؤامرة شيطانية، أن الله سيعطي نصرة لنا ولكنيسته.. كثيرين يصلون هذا المزمور دائماً وليس في الساعة السادسة فقط.

 

آية (1): "الساكن في ستر العلي في ظل القدير يبيت."

من يسلم نفسه لله يحفظه من كل ضرر، ومن كل مؤامرة شيطانية، أو هجوم لأي عدو.

 

آية (2): "أقول للرب ملجأي وحصني إلهي فأتكل عليه."

الله لنا سور من نار (زك5:2). هو لنا مدينة ملجأ. فلا نثق في قوتنا بل فيه.

 

آية (3): "لأنه ينجيك من فخ الصياد ومن الوبأ الخطر."

الوبأ الخطر= مترجمة كلام باطل. فإبليس أوقع أبائنا آدم وحواء بكلامه المميت فألاعيب إبليس وكلامه المضل يسقطنا في الانفصال عن الله وهذا هو الموت. وهكذا كل تعاليم الهراطقة، هي فخ صياد ونوع من الموت المبيد. الفخ عادة يوضع بحيث يكون مخفياً عن عين الفريسة ولكن لنثق فالله لا يخفي عليه شئ. ولكن لنثبت في الله والله فينا فيكشف لنا عن الفخاخ المنصوبة (هرطقات، تشويه لتعليم الله/ خطايا وشهوات/ شكوك).

 

آية (4): "بخوافيه يظللك وتحت أجنحته تحتمي. ترس ومجن حقه."

هذا ما قاله موسى النبي في (تث11:32). خوافيه= ريش الأجنحة. ترس ومجن حقه= عدله يحيط بك كالسلاح (سبعينية). هذا هو الصليب الذي يحمينا.

 

الآيات (5-8): "لا تخشى من خوف الليل ولا من سهم يطير في النهار. ولا من وباءٍ يسلك في الدجى ولا من هلاك يفسد في الظهيرة. يسقط عن جانبك ألف وربوات عن يمينك. إليك لا يقرب. إنما بعينيك تنظر وترى مجازاة الأشرار."

هنا نرى المناعة ضد الأخطار المذكورة. وهنا يذكر المرتل عناية الله بشعبه في مصر ونجاتهم من كل مؤامرات واضطهادات فرعون (رمز لإبليس) ونجاتهم من الضربات التي لحقت بالمصريين. خوف الليل= الخيانة المجهولة. سهم يطير في النهار= المقاومة الظاهرة. وباء يسلك في الدجي= القوات الشريرة المضادة. هلاك يفسد في الظهيرة= تراخي الإنسان واستلامه للشبع واللذات وشهوة الجسد. ومن يحتمي بالله يسقط كل مقاوميه عن يساره وعن يمينه، فهناك ضربات يسارية (شهوات وخطايا) وهناك ضربات يمينية (بر ذاتي).

 

الآيات (9،10): "لأنك قلت أنت يا رب ملجأي. جعلت العلي مسكنك. لا يلاقيك شر ولا تدنو ضربة من خيمتك."

جعلت العلي مسكنك= إن من يسكن حصناً يكون مطمئناً فكم وكم من يجعل العلي مسكنه. لا يلاقيك شر= قد تصادفنا تجارب (أيوب مثلاً) ولكنها للخير وليس الشر.

 

الآيات (11،12): "لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك. على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك."

نرى هنا حراسة الملائكة لنا (عب14:1). وحاول إبليس بهذه الآية أن يستدرج مخلصنا لفخ الكبرياء فيطرح ذاته من جناح الهيكل إلى أسفل. ورد عليه المخلص "لا تجرب الرب إلهك". وعموماً فالمسيح لا يحتاج لمعونة الملائكة فهو ربهم، ولكن هذه الآية مفيدة للقديسين، هؤلاء يحتاجون لحماية الملائكة.

 

آية (13): "على الأسد والصل تطأ. الشبل والثعبان تدوس."

هي (لو19:10). فالأسد هو الشيطان في قوته والثعبان هو الشيطان في مكره وخبثه. وراجع (أف12:6). وكيف ندوسه [1] بالتواضع [2] ضبط النفس [3] التعفف.. هذا هو جهادنا. ولكننا ندوسه بقوة المسيح ونعمته حينما يكون لنا جهاد (عب4:12).


المزمور الثالث والتسعون (الثاني والتسعون في الأجبية)

الترجمة السبعينية تشير أن داود هو كاتب هذا المزمور.

هذا المزمور يضع أمامنا كرامة وعظمة مملكة الله، ورعب أعدائه وتعزية المؤمنين به. والله هو ملك العالم كله، سواء المؤمنين أو غير المؤمنين، من يعرفوه أو من ينكروا وجوده أو حتى الوثنين، هو يشرق شمسه على الأبرار والأشرار، الله هو الذي خلق المسكونة وثبتها. ولكننا نسمع هنا الرب قد ملك= وحرفياً قد صار ملكاً وفي هذا إشارة لأن المسيح ملك على كنيسته وعلى قلوب شعبه بصليبه. لذلك فهذا المزمور يحدثنا عن ملك الله على العالم كله، ثم ملكه على كنيسته، يقدسها ويحفظها وملك المملكتين دُفِعَ إلى المسيح.

ونصلي هذا المزمور في الساعة السادسة التي صُلِبَ فيها المسيح فبصليبه ملك علينا. ولبس الجلال وسحق الشيطان وكل جنوده. هذا المزمور لا يتكلم عن الآلام التي لحقت برب المجد ولكنه يتكلم عن الأمجاد خصوصاً بعد القيامة.

 

آية (1): "الرب قد ملك. لس الجلال. لبس الرب القدرة. ائتزر بها. أيضاً تثبتت المسكونة لا تتزعزع."

الرب قد ملك= قبل الصليب كان الشيطان قد استعبد البشر، وبعد الصليب استرد المسيح شعبه واشتراه بدمه ليحررهم من إبليس ويملك هو عليهم. وهذا غير ملكه الأزلى على كل العالم. ليس الجلال. لبس القدرة= حين أظهر قوته في خلاص أتباعه، تحقق الكل أنه ملك. والجلال الذل لبسه هو جسده الممجد الذي قام به من الأموات ثم صعد به إلى السموات ليجلس به عن يمين الآب. لقد ظهر الآن قوة لاهوته في جسده بعد أن كان قد أخلى ذاته أخذاً صورة عبد. وثبت كنيسته حتى لا تتزعزع= تثبتت المسكونة= بعد أن انتشرت الكنيسة في كل المسكونة. وكان المسكونة أي كل بنى آدم مضطربين كالعميان يتخبطون في الضلال الذي زرعه إبليس فثبت المسيح كنيسته على صخرة الإيمان به، ولن تقدر أبواب الجحيم أن تزعزعها. الله أعطى آدم جسداً له جلال وبهاء، ولكنه بالخطية تعرى وفقد جلاله، فجاء المسيح وأخذ جسده من آدم ليتعرى هو ثم يلبس الجلال ليلبسنا نحن إياه بعد أن فقدناه. ولم يلبس فقط جسداً ممجداً بل قدير قادراً على أن يرعب أعدائه.

 

آية (2): "كرسيك مثبتة منذ القدم. منذ الأزل أنت."

كرسيك مثبتة منذ القدم. منذ الأزل أنت= هذا الكلام موجه لمن قيل له في آية (1) أنه صار ملكاً، فمع أنه تنازل وأخلى ذاته أخذاً صورة عبد، لكنه هو يهوه، الله الذي كرسيه= عرشه ثابت من قبل تجسده وهو أزلي لا بداية له، وأيضاً أبدي. وهذه الآية نفسها تقريباً في (مز6:45 + عب8:1 وبنفس المفهوم 1يو1:1،2) ونصلي بهذه الآية في الساعة الثانية عشرة من يوم الجمعة العظيمة، ساعة دفن المسيح لنذكر أنه هو الله الأزلي الأبدي الجالس على عرشه.

 

آية (3): "رفعت الأنهار يا رب رفعت الأنهار صوتها ترفع الأنهار عجيجها."

الأنهار= تشير للروح القدس (يو37:7-39). الذي عَمِلَ في الرسل فارتفعت أصواتهم في كل المسكونة= ترفع الأنهار عجيجها. لتنتشر مملكة المسيح لقد انتشر تلاميذ المسيح في كل المسكونة، وكل منهم يفيض من بطنه نهر ماء ليحيي المائتين من غير المؤمنين الوثنيين.

 

آية (4): "من أصوات مياه كثيرة من غمار أمواج البحر الرب في العلى أقدر."

لم يسكت إبليس أمام انتشار ملكوت الله، بل هاج وأهاج العالم ضد الكنيسة، وثار الاضطهاد ضد الكنيسة= غمار أمواج البحر. ولكن هنا آية تعطي إطمئنان= في العُلى أقدر. أي الله في العلى هو أقدر وأعظم من مؤامرات إبليس وحروبه. والدليل استمرار الكنيسة بعد كل هذه المؤامرات الشيطانية. البحر هو إشارة للعالم باضطرابه وشدائده ومحنه وشهواته (الماء المالح).

 

آية (5): "شهاداتك ثابتة جداً ببيتك تليق القداسة يا رب إلى طول الأيام."

شهاداتك ثابتة جداً= كل النبوات التي قيلت عن المسيح تحققت تماماً. ببيتك تليق القداسة= لقد حررنا المسيح واشترانا وملك علينا وصرنا شعبه فما هو واجبنا؟ أن نسلك بقداسة وطهارة كل أيامنا. حتى يستمر علينا ذلك الثوب الذي أخذناه في المعمودية ولا نوجد عراة فنطرد إلى خارج (راجع مثل عرس ابن الملك) فمن لم يوجد عليه ثوب العرس طردوه (مت1:22-14).

 

ونصلي بهذا المزمور أثناء ارتداء الملابس البيضاء (ملابس الخدمة في الهيكل) لنذكر أن المسيح بفدائه سترنا وألبسنا ثوب بره.


مزامير الساعة التاسعة

في هذه الساعة أكمل يسوع عمله الخلاصي على الصليب واسلم الروح بعد أن قال "قد أكمل" وما بين الساعة السادسة والساعة التاسعة سادت الظلمة على الأرض، فيها تصوَّر الشيطان أن مكيدته قد نجحت وأنه تخلص من يسوع وهذا ما قاله السيد المسيح للجموع التي أتت للقبض عليه "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" ولما أكمل يسوع كل شئ وأسلم الروح وقبض على الشيطان أشرقت الشمس لتعلن للجالسين في ظلال الموت بدء حياة جديدة في أحضان شمس البر يسوع، وزوال العداوة بين الله والبشر وعلامة ذلك إنشقاق حجاب الهيكل وقيام الأموات كان ليعلن أن بموت المسيح صار للبشر إمكانية القيامة، فيسوع هو القيامة والحياة وهو سيقيمنا معه متى جاء في مجده.

لذلكم تصلي الكنيسة في هذه الساعة مزامير التسبيح (96،97،98،99) وموضوعها التسبيح فالرب قد ملك. فالمرنم يهيب بالشعوب أن ترنم على الخلاص الذي حصلت عليه بموت المسيح وترنم لأن الرب قد ملك عليها.

والمزامير (95-100) عموماً هي مزامير تسبيح. وهناك مجموعة أخرى وهي المزامير (113-118)، أخذت الكنيسة منها بعضها هنا لأنها مزامير تسبيح أيضاً، وهذه المزامير هي (113،116). هذه المزامير تسمى لحن التسبيح العظيم لإلهنا وملكنا.


المزمور السادس والتسعون (الخامس والتسعون في الأجبية)

كلمات هذا المزمور تتشابه جداً مع تسبحة داود بمناسبة صعود التابوت إلى أورشليم (1أي7:16-36). وربما كانت تسبحة داود هذه هي الأساس وبعد ذلك تم بعض التعديلات فيها. فنجد أن (أش10:42) هو نفس الآية الأولى من هذا المزمور. والآيات في (1أي23:16-33) هي نفسها تقريباً كلمات هذا المزمور، لذلك نقول أن كاتب هذا المزمور هو داود، ثم أحدثوا بعض تعديلات طفيفة عليه مأخوذة أيضاً من أقوال أنبياء مثل إشعياء ليرنموا به.

 

الآيات (1-3): "رنموا للرب ترنيمة جديدة رنمي للرب يا كل الأرض. رنموا للرب باركوا اسمه بشروا من يوم إلى يوم خلاصه. حدثوا بين الأمم بمجده بين جميع الشعوب بعجائبه."

أمام عمل المسيح الخلاصي علينا أن نشكر ونسبح. فالمسيح حين شفى العشرة البرص وعاد واحد منهم ليشكره سأل عن التسعة الباقين. واليهود سبحوا الله بسبب كل العجائب التي صنعها معهم. ونحن نسبحه بسبب الخلاص الذي أكمله لنا على الصليب. ويود كل مرنم أن يصل تسبيحه لكل الأرض وكل الشعوب ليعرف الكل عمل الله معه. وهذا ما صنعه الرسل والكنيسة بعدهم أنهم بشروا من يوم إلى يوم بخلاصه، وحدثوا بين الأمم بمجده. ونلاحظ تكرار اسم الرب ثلاث مرات، نبوة وإشارة عن الثالوث الذي لم يعرف عنه إلا في العهد الجديد. وهي تسبحة جديدة = ترنيمة جديدة أيضاً لأنها تخص العهد الجديد، الذي فيه آمنت الأرض كلها بالله ولم يعد الإيمان قاصراً على الشعب اليهودي فقط.

 

الآيات (4،5): "لأن الرب عظيم وحميد جداً مهوب هو على كل الآلهة. لأن كل آلهة الشعوب أصنام أما الرب فقد صنع السموات."

هذا التسبيح موجه للرب المصلوب، إذ تؤمن أنه ولو أنه مصلوب إلا أنه مهوب على كل الآلهة (من تسميهم شعوبهم آلهة).

 

آية (6): "مجد وجلال قدامه. العز والجمال في مقدسه."

لذلك لا يقف الخطاة أمام الله ولكن يقف أمامه من تبرر بدم المسيح وامتلك فضيلة.

 

الآيات (7،8): "قدموا للرب يا قبائل الشعوب قدموا للرب مجداً وقوة. قدموا للرب مجد اسمه هاتوا تقدمة وادخلوا دياره."

هذه الكلمات لا تقال إلا عن كنيسة العهد الجديد، ففي أيام اليهود، كانوا ملزمين بتقديم الذبائح في هيكل أورشليم فقط، ويقول هنا= هاتوا تقدمة وأدخلوا دياره. وتقدمة مترجمة في السبعينية ذبائح. وقوله دياره دل على الكنائس العديدة في كل العالم، وليس هيكل أورشليم. وفي كل قداس تقدم ذبيحة. وإذا فهمناها تقدمة، يكون المقصود أعمالنا الحسنة نمجد بها أبونا السماوي.

 

آية (9): "اسجدوا للرب في زينة مقدسة. ارتعدي قدامه يا كل الأرض."

الزينة المقدسة= هي الفضائل، هي أن نلبس الرب يسوع. ونسجد بخشوع.

 

آية (10): "قولوا بين الأمم الرب قد ملك. أيضاً تثبتت المسكونة فلا تتزعزع. يدين الشعوب بالاستقامة."

ما هي البشرى التي نبشر بها الشعوب (الأمم)؟ أن الرب قد ملك= وفي الترجمة السبعينية الرب قد ملك على خشبة. فالرب ملك بصليبه. وثبت كنيسته= تثبتت المسكونة. فبعد أن كان الناس في اضطراب أعطاهم سلام وثبتهم على صخرة. يدين الشعوب بالاستقامة= هذا عمل المسيح في المجيء الثاني، سيكون المسيح هو الديان.

 

آية (11): "لتفرح السموات ولتبتهج الأرض ليعج البحر وملؤه."

خلاص البشر صار موضوع تسبيح الملائكة (سفر الرؤيا). وبه صارت السماء والأرض مملكة واحدة. وجاءت الملائكة على الأرض (يو51:1). والبحر يشير للعالم وبعد أن آمن العالم سبحوا لله = ليعج البحر وملؤه.

 

آية (12): "ليجذل الحقل وكل ما فيه لتترنم حينئذ كل أشجار الوعر."

ليجذل الحقل= صرنا أرضاً بذر فيها المسيح كلمته لنعطي ثماراً. كل أشجار الوعر أشجار الوعر بلا ثمر، وهذه تحولت لأشجار مثمرة (الأمم الوثنيين صاروا مؤمنين).

 

آية (13): "أمام الرب لأنه جاء. جاء ليدين الأرض. يدين المسكونة بالعدل والشعوب بأمانته."

ليدين الأرض= المسيح في مجيئه الأول جاء ليعطينا معرفة الحق. وسيأتي ثانية في المجيء الثاني ليدين العالم. وتكرار كلمة جاء مرتين لتشير للمجيء الأول والثاني.


المزمور السابع والتسعون (السادس والتسعون في الأجبية)

بحسب السبعينية، عنوان المزمرو "لداود لما ارتدت له الأرض" أي بعد أن ارتاح من الحروب ومقاومة الأعداء، وصارت له المملكة.

والمسيح بصليبه إمتلك أرضنا أي جسدنا، فبعد أن كنا متمردين على الله، خضعنا له، وصارت أرضنا ملكه، وأرسل روح قدسه على أرضنا فأثمرت (ثمار الروح) ولذلك نجد هذا المزمور ينقسم إلى قسمين:-

o       الأول: الآيات (1-6) يصور هياج العالم الطبيعي ولكنه تحت سيطرة الله.

o       الثاني: الآيات (7-12) يصور النتائج الروحية لمجيء المسيح وعمله الخلاصي وخضوع الكل له.

 

آية (1): "الرب قد ملك فلتبتهج الأرض ولتفرح الجزائر الكثيرة."

الله هو خالق وملك الأرض كلها. فقوله الرب قد ملك= يشير لملكه الجديد بصليبه. وكل خاطئ يتوب ويرجع إلى الله يملك عليه. لتبتهج الأرض= أي الإنسان الذي حرره الرب وتفرح الجزائر= إشارة للأمم (تك5:10) الساكنين في الجزائر البعيدة. وروحياً فالجزيرة تشير للمؤمن الثابت الذي تحيط به الأمواج من كل ناحية.

 

آية (2): "السحاب والضباب حوله. العدل والحق قاعدة كرسيه."

السحاب= إشارة لأن الله يحجب نفسه فنحن لا نستطيع أن نعاين مجده (أع9:1). والضباب= إشارة لأن معلوماتنا عن الله ضئيلة جداً. ولكن نعلم أن العدل قاعدة كرسيه.

 

آية (3): "قدامه تذهب نار وتحرق أعداءه حوله."

الله في عدله هو نار آكلة تحرق أعدائه المتمردون عليه (لا1:10،2 +عد35:16 + تك24:19). وقدامه تذهب نار= فإلهنا نار آكلة. والروح القدس حل على التلاميذ على هيئة ألسنة نار. وإلهنا سور من نار حولنا يحفظنا (زك5:2). والروح القدس يشعل نار المحبة في قلوبنا لله (رو12:11 + رو5:5 + مت14:24 + لو32:24 + تث24:4 + عب29:12). وهي نار إحراق وروح إحراق (أش4:4) يحرق خطايانا.

 

آية (4): "أضاءت بروقه المسكونة. رأت الأرض وارتعدت."

أضاءت بروقه المسكونة= تفهم بمعنيين مثل النار: فتفهم أولاً بأن الله يخيف أعداؤه بالبروق التي تحرق وتدمر. وتفهم أن نور الكرازة شمل العالم كله وأناره.

 

آية (5): "ذابت الجبال مثل الشمع قدام الرب قدام سيد الأرض كلها."

أمام الله تذوب الجبال. فالشعوب الوثنية (الرومان) ذابت في الكنيسة.

 

آية (6): "أخبرت السموات بعدله ورأي جميع الشعوب مجده."

يوم عماد المسيح انفتحت السموات وشهد الآب له. ويوم ميلاده سبحت الملائكة ولقد ذاع خبره بالكرازة، ورأي جميع الشعوب مجده. بالإيمان.

 

الآيات (7،8): "يخزي كل عابدي تمثال منحوت المفتخرين بالأصنام. اسجدوا له يا جميع الآلهة. سمعت صهيون ففرحت وابتهجت بنات يهوذا من أجل أحكامك يا رب."

هنا نرى إيمان الأمم = يخزي كل عابدي تمثال.. وإيمان اليهود= سمعت صهيون ففرحت. لقد جمع المسيح كرأس للزاوية الأمم واليهود في جسده الواحد.

 

آية (9): "لأنك أنت يا رب علىّ على كل الأرض. علوت جداً على كل الآلهة."

علوت جداً= الله عالي دائماً. ولكنه حينما ارتفع على الصليب مجدته كل الأرض.

 

آية (11): "نور قد زرع للصديق وفرح للمستقيمي القلب."

نور قد زُرِعَ= نور قد أشرق.. هو المسيح نور العالم


المزمور الثامن والتسعون (السابع والتسعون في الأجبية)

هذا المزمور يفتتح ويختم بنفس العبارات التي يفتتح بها (مز96) ويختم. ويشابهه مشابهة كبرى على طول الخط. وله نفس هدف المزمورين السابقين، فهو نبوة عن مملكة المسيح وأنها أقيمت في العالم ودخول الأمم فيها. ودعوة الجميع لتسبيح الرب على عمله وإقامة مملكته. فإن كان من لم يعرف المسيح وعاشوا في العهد القديم مدعوين للتسبيح فنحن بالأولى علينا أن نسبح بعد أن خلصنا المسيح بصليبه فعلاً.

 

آية (1): "رنموا للرب ترنيمة جديدة لأنه صنع عجائب. خلصته يمينه وذراع قدسه."

ذراع قدسه= إشارة للمسيح قوة الله التي عملت الخلاص (أش10:40،11+ 9:51 + أش1:53 + يو38:12). والرب صنع عجائب كثيرة لشعب إسرائيل خصوصاً في خروجهم من مصر. ولكن قوله ترنيمة جديدة= فهذا يعبر عن عمله الجديد الذي لم يكن قد قام به بعد وهو فداء الصليب. خلصته يمينه= اليمين هي القوة. والمسيح صار ضعيفاً، جسداً بشرياً، ومات، لكنه يمينه أي قوة لاهوته أقامته ولم يستطع الموت أن يمسكه. صانعه عجائب= إذ بقيامته أقام معه كنيسته في كل العالم.

 

آية (2): "أعلن الرب خلاصه. لعيون الأمم كشف بره."

أعلن الرب خلاصه= خلاص لكل البشرية من يد إبليس. لعيون الأمم كشف بره= لقد ظهر على الصليب أن المسيح لم يصلب لخطية فعلها، بل كان باراً. لكنه صُلِب بسبب عدل الله الذي استوجب أن يموت هو عوضاً عن الإنسان الخاطئ.

 

آية (3): "ذكر رحمته وأمانته لبيت إسرائيل. رأت كل أقاصي الأرض خلاص إلهنا."

هذا الخلاص المقدم كان لبيت إسرائيل وللأمم حتى كل أقاصي الأرض.

 

الآيات (4-9): "اهتفي للرب يا كل الأرض اهتفوا ورنموا وغنوا. رنموا للرب بعود. بعود وصوت نشيد، بالأبواق وصوت الصور اهتفوا قدام الملك الرب. ليعج البحر وملؤه المسكونة والساكنون فيها. الأنهار لتصفق بالأيادي الجبال لترنم معاً. أما الرب لأنه جاء ليدين الأرض. يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالاستقامة."

بعد الخلاص الذي رأيناه، ماذا نقدم لله سوى الشكر والتسبيح. وكانوا في العهد القديم يستخدمون آلات كثيرة موسيقية، ولكن كنيستنا تفضل الحنجرة البشرية على كل الآلات الموسيقية. ومع التأمل في هذه الآلات نفهم كيف نرتل. الأبواق= إشارة للكرازة بالكتاب المقدس ونحن نرتل مستخدمين كلمات الكتاب المقدس. (أش1:58). والعود= له أوتار مشدودة. إشارة لأن من يسبح عليه أن يكون مستعداً، فالوتر المرتخي لا يعطي صوتاً. الصور= هو نوع من الأبواق أشبه ما يمكن بالمزمار. ثم ينتقل للخليقة المادية، فهو يطلب من البحر والأنهار والجبال أن تسبح= فهذه بعظمتها وروعة خلقتها تشهد لمن خلقها، ولو استطاعت لتكلمت وسبحت. وروحياً البحر= يشير لشعوب العالم الذين كانوا متقلقلين بسبب شرورهم فكانوا يعجون ويصدرون أصوات الخلاعة، والآن بعد إيمانهم ليعجوا بأصوات التسبيح لمن خلصهم. المسكونة والساكنون فيها= كل الشعوب المؤمنة. الأنهار= هم المملوئين بالروح القدس ويفيضوا بتعاليمهم على كل المسكونة كالرسل والمبشرين وتصفيق الأيادي= هو علامة فرح هؤلاء بإيمان تلاميذهم. الجبال= المؤمنين ذوي الإيمان العالي، القديسين. وقد تشير للملائكة.


المزمور التاسع والتسعون (الثامن والتسعون في الأجبية)

هذا المزمور مثل ما سبقه، تسبيح لله الذي أقام مملكته بصليبه على الأرض. وهذا المزمور يشير لأن عمل الله الذي كمل على الصليب بدأ منذ زمان طويل في العهد القديم. وأن الله الذي أظهر مراحمه على الصليب أظهرها بصور أخرى مع شعب العهد القديم، فالله لم يترك شعبه بل تعهدهم بأنبيائه وأخيراً أرسل ابنه "يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد" (عب8:13) مراحم الله ثابتة لا تتغير ولكنها تجلت بصورة عجيبة على الصليب.

هذا المزمور هو واحد من 3 مزامير تبدأ بأن الرب قد ملك، وتهلل بالمسيح الذي سيملك بصليبه. ولكنه منذ الأزل هو ملك بدليل أنه جالس على الكروبيم وأنه يثبت الاستقامة والحق ومنه ترتعد الشعوب.

 

آية (1): "الرب قد ملك. ترتعد الشعوب. هو جالس على الكروبيم. تتزلزل الأرض."

ترتعد الشعوب= فالمسيح هو الديان الذي دان إبليس على الصليب وبعدله سيدين كل من يتبعه. بل بعمل روحه القدوس في الكرازة، كان من يسمع يرتعد (أع25:24 + أع11:5). فعمل الله بقوة، والكلام الذي من الروح القدس له قوة ترهب من يسمع. والله جالس على الكروبيم= ملكه أزلى، هو أعلى من الملائكة وكاروب تعني معرفة، فهم مملوئين أعيناً، أي مملوئين حكمة ومعرفة لله وأموره. وقوله جالس تفيد سموه عنهم، وتشير لراحة الله فيهم، إذ هم يعرفونه كملك السماء والأرض. ومن يعرف الله يحبه ومن يرفض الله سيرتعد من أحكامه. تتزلزل الأرض   = الأرض الجماد، لا تحتمل مجد الله فتتزلزل (خر18:19 + 1مل11:19). وهكذا كل نفس حين تسمع صوت الروح القدس تتزلزل، ومن يستجيب تتغير حياته بالتوبة، ومن لا يستجيب سيجد رعباً.

 

آية (2): "الرب عظيم في صهيون وعالٍ هو على كل الشعوب."

هذا لأن معرفة الله وناموسه وشرائعه بدأت مع شعب اليهود. وبالمسيح اجتمع اليهود مع الأمم وصار الله عالٍ على كل الشعوب= الكل آمنوا بالله.

 

آية (4): "وعز الملك أن يحب الحق. أنت ثبت الاستقامة أنت أجريت حقاً وعدلاً في يعقوب."

عز الملك أن يحب الحق= كرامة الملك أن يحب العدل (سبعينية). والعدل يقول أن الخاطئ يموت، وهذا صنعه المسيح بدلاً عنا وسط يعقوب أي في أورشليم.

 

آية (5): "علوا الرب إلهنا واسجدوا عند موطئ قدميه. قدوس هو."

علوا الرب إلهنا= علوه ومجده بالرغم من أنكم ترونه الآن متواضعاً على الصليب. لذلك فتسبحة البصخة "لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد.." اسجدوا عند موطئ قدميه= يفهم اليهود أن موطئ قدمي الله هو هيكل سليمان (مرا 1:2) وفي العهد الجديد نفهم أن هيكل سليمان يشير لجسد المسيح (يو21:2). فموطئ قدمي الله هو جسد المسيح، فرأس المسيح هو لاهوته لارتفاع علوه وسيادته، وأما قدميه فهو الجسد الذي لبسه ليسير به على الأرض. وصار مكان صليبه هو موطئ قدميه. ومهما حاولنا أن نرفع عقولنا لندرك علو إرتفاعه سنفشل، وعلنا أن نتواضع ونسجد أمامه، أمام سر تجسده ومحبته التي بهما كان يسير على الأرض حباً لنا.

 

الآيات (6،7): "موسى وهرون بين كهنته وصموئيل بين الذين يدعون باسمه. دعوا الرب وهو استجاب لهم. بعمود السحاب كلمهم. حفظوا شهاداته والفريضة التي أعطاهم."

يسوع هذا الذي نراه مصلوباً، هو من تنبأ عنه الأنبياء، بل هو الذي أرسلهم حباً لشعبه، ليعلموا شعبه الوصايا، فلا يهلك الشعب، بل هم كانوا رجال صلاة يتشفعون عن الشعب، وكان يصلون له، وهو يستجيب. هم كانوا كهنة يقدمون ذبائح رمزاً للذبيح الأعظم الذي استجاب أخيراً لصلواتهم وقدم نفسه.

 

آية (8): "أيها الرب إلهنا أنت استجبت لهم. إلهاً غفوراً كنت لهم ومنتقماً على أفعالهم."

كان الله يستجيب لهم في شفاعاتهم عن الشعب، وينتقم من أعداء الشعب وكل من قاومهم (قورح/داثان.. العماليق..). وقد استجاب أخيراً بصليبه الذي به غفر فعلاً كل خطايا المؤمنين، وبه انتقم من إبليس وأتباعه.


المزمور المئة (التاسع والتسعون في الأجبية)

هو مزمور حمد وشكر على مراحم الله المستمرة منذ البدء وحتى الآن وإلى الأبد. فهو صنعنا، وجعلنا قطيعه، واهتم بنا كراعٍ صالح. لذلك نجد نغمة الفرح في هذا المزمور فنحن عبيد الله الواحد القدير وحده، وهو يعتبرنا خاصته لذلك نفرح ونشكر.

 

الآيات (1-5): "اهتفي للرب يا كل الأرض. اعبدوا الرب بفرح. ادخلوا إلى حضرته بترنم. اعلموا أن الرب هو الله. هو صنعنا وله نحن شعبه وغنم مرعاه. ادخلوا أبوابه بحمد دياره بالتسبيح احمدوه باركوا اسمه. لأن الرب صالح. إلى الأبد رحمته وإلى دور فدور أمانته."

عمل القديسين هو التسبيح. وعلى كل الأرض أن تسبح لأن الله غلب لنا عدو كل البشر، إي إبليس. وصيرنا أبناء لله، فلهذا نفرح ونسبح. ادخلوا أبوابه= الأبواب التي تدخلنا لله هي الإيمان ثم المعمودية ثم التوبة ثم الدخول للكنيسة للصلاة والتناول لنثبت فيه، ثم بأعمالنا الصالحة التي تمجده وتشهد له أمام العالم. ورحمة الله ثابتة إلى الأبد لكل قديسيه المؤمنين به الذين دخلوا من أبوابه.