رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس

 

 

كنيسة السيدة العذراء بالفجالة

 

المقدمة. 1

الإصحاح الأول. 28

الإصحاح الثاني. 39

الإصحاح الثالث.. 48

الإصحاح الرابع. 65

الإصحاح الخامس.. 74

الإصحاح السادس.. 80

الإصحاح السابع. 94

الإصحاح الثامن. 107

الإصحاح التاسع. 114

الإصحاح العاشر. 123

الإصحاح الحادي عشر. 136

الإصحاح الثاني عشر. 151

الإصحاح الثالث عشر. 161

الإصحاح الرابع عشر. 172

الإصحاح الخامس عشر. 185

الإصحاح السادس عشر. 215


المقدمة

تقع كورنثوس على برزخ ضيق بين خليجين ولذلك لها مينائين، ميناء على كل خليج.

ميناء (1) يُدعى كنخريا وميناء (2) ويُدعى ليجيوم. وبلاد اليونان تنقسم لإقليمين:

أ‌-      الشمالي هو مقدونية

ب‌- 


والجنوبي هو إخائية. وعاصمة الإقليم الجنوبي كورنثوس وتقع على بعد 40 ميلاً غرب أثينا.

كورنثوس

وبها مينائين يطلان على بحرين تربط بهما الشرق والغرب، مشهورة بغناها وعظمتها وبكونها مدينة صناعية ضخمة خاصة فى بناء السفن. وهى مركز للفنون المختلفة خاصة الفن المعماري. وهى مدينة مفتوحة على العالم فى التجارة والدورات الرياضية. وكمدينة مفتوحة ضمت ديانات كثيرة، وضمت كثيرين من اليهود الذين طردهم كلوديوس قيصر من روما مثل اكيلا وبريسكلا. وجاءها اليهود أيضاً من فلسطين للتجارة، وكانت مملوءة آلهة مصرية ويونانية ورومانية وبها هيكل للإلهة الإغريقية الزهرة إلهة العشق والشهوة وهيكل لإفروديت إلهة الحب عند اليونان وكانت هذه الهياكل مملوءة غانيات وراقصات (1000 لمعبد إفروديت فقط) تخصصوا للطقوس الوثنية الفاجرة. وبسبب إنفتاحها صارت مثلاًً للفساد الخلقي والزنا، وصار مثلاً "عش كورنثياً" أي عش فاسداً، وكانت كلمة فتاة كورنثية تعنى فتاة داعرة. ولقد أسماها الفيلسوف شيشرون " نور بلاد اليونان" ولقد ضمت المدينة عدد كبير من العبيد فكان بها (200.000 إنسان حر + 400.000 عبد)، وكان اليونانيون والوثنيون عموماً يعتبرون العبيد أفضل قليلاً من البهائم، وكان من حق السيد أن يقتل عبده دون مساءلة. وفى حوالي سنة 51 – سنة 52 م أتى إليها بولس الرسول ضمن رحلته التبشيرية الثانية وكرز فيها لمدة 18 شهراً، وكان ذلك بأوامر من الرب مباشرة (أع 18 : 9، 10) فتحولت المدينة بإعجاز، بعمل الروح القدس وغيرة بولس للمسيحية. وزارها الرسول فيما بين سنة 54 م، 57 م. وفى هذه الفترة كتب رسالة رومية (1كو16: 6، 7 + 2كو 12 : 14، 13 :1 + رو 16 : 27).

 

زيارات بولس الرسول لكورنثوس ورسائله لها

·        يرى كثيرين من الدارسين أن الرسول بولس قد زار كورنثوس 3 مرات على الأقل.

·        ويرى البعض أن الرسول كتب 4 رسائل إلى كورنثوس هم:

1.  الرسالة السابقة وهى ما أشير إليها فى (1كو 5 : 9). ويقولون أن الرسول كتبها قبل الرسالة الأولى لكورنثوس (الرسالة القانونية).

2.     رسالة كورنثوس الأولى والتي وردت بالكتاب المقدس.

3.     الرسالة المحزنة (2كو2 : 4).

4.     رسالة كورنثوس الثانية والتي وردت بالكتاب المقدس.

وأغلب الظن كما يرى البعض الآخر، وهذا هو الأرجح أن ما يسمى الرسالة السابقة وما يسمى الرسالة المحزنة هما إشارة للرسالة الأولى لكورنثوس وبالتالي فلا يوجد سوى رسالتين لكورنثوس هما اللتان وردتا بالكتاب المقدس.

وأصحاب رأى الأربع الرسائل يقولون أن الرسالة السابقة كتبها بولس الرسول قبل الرسالة الأولى القانونية ليحذر المؤمنين من الشركة مع المؤمنين الأشرار، ويقولون أن هذه الرسالة مفقودة. ويعتمدون على الآية (1كو 5 : 9) " كتبت إليكم فى الرسالة أن لا تخالطوا الزناة ". ولكن بالرجوع للآية (1كو 5 : 1) نجد أن بولس الرسول يتكلم بحزن أنهم تركوا فى وسطهم هذا الخاطئ الزانى. وبالتالي يكون في (آية 9) المقصود بالرسالة هو الرسالة الأولى لكورنثوس، ولا داعي أن يكون هناك رسالة خاصة تحمل هذا المعنى، فهو موجود فى نفس الإصحاح. وأصحاب رأى الأربع الرسائل يقولون أن هناك رسالة محزنة إعتماداً على قول الرسول فى (2كو2 : 4) " لأنى من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم.... ". ولكن من يقرأ الرسالة الأولى لكورنثوس يجد هذا المعنى أن الرسول كتب الرسالة الأولى وهو حزين بسبب حالة الزنا التي وجدت في كورنثوس، ونجد كلامه معهم بطريقة عنيفة، وفيها نجد حرمانه للزانى. وبالتالي فالأرجح أن بولس كتب لأهل كورنثوس رسالتين فقط هما اللتان وردتا بالكتاب المقدس.

 

لماذا كتب بولس الرسول الرسالة الأولى؟

إذ كان الرسول فى أفسس جاءته أخبار من عبيد سيدة شريفة تُدعى خُلوى (1 : 11)، كان فى بيتها الكثير من العبيد الذين آمنوا. كما جاء إليه مندوبون من قادة كورنثوس هم استفاناس وفرتوناتوس وإخائيكوس (16 : 17) يحملون تساؤلات كنسية وعقائدية. وكانت الأخبار التي وصلته من عبيد خُلوى أخباراً مزعجة عن إنقسامات حادثة فى كنيسة كورنثوس وتشيع البعض لبولس والبعض لأبلوس فأرسل الرسول رسالته الأولى ليصحح هذه الأوضاع ويرد على التساؤلات. وأرسل رسالته غالباً مع تلميذه تيموثاوس لكي يصلح تيموثاوس أيضاً الأوضاع (4 :17 + 16 : 10). وكان هذا غالباً سنة 57 م. ولقد عانت الكنيسة فى كورنثوس من الخصومات والفساد وعبادة الأوثان والإباحية، وثورة بعض النساء على العادات الموجودة فأرادت بعض النساء خلع غطاء الرأس الذي كانت تلبسه النساء الشريفات علامة خضوعهن لأزواجهن، وأراد بعض الرجال أن يطلقوا شعورهم. وكانت بعض النساء يرفعن أصواتهن في الكنيسة تباهياً بمراكزهن الإجتماعية، وأساء البعض فهم موهبة التكلم بألسنة فتحولت الكنيسة لنوع من التشويش (14 : 33، 40). لذلك أتت الرسالة تحوى تقريباً نظاماً متكاملاً لحياة المسيحي بعد المعمودية يحدد سلوكه فيما يخص التحزبات وخطورة الإنقسام (ص1 – ص4). وفى (ص5) نرى سلطة الكنيسة فى عقوبة الزانى وفى (ص6 – ص 7) نرى تعاليم خاصة بالزواج والبتولية والتحذير من الزنا. وفى (ص 8 – ص 10) تعاليم خاصة بالأكل مما ذبح للأوثان موضحاً أهمية عدم إعثار الآخرين رغم الحرية التي لنا في المسيح. وفى (ص 11) يصحح الرسول بعض العادات الإجتماعية فى آداب الحضور للكنيسة والعشاء السابق للقداس، وإظهار قدسية التناول وأهمية الإستعداد له. وفى (ص 12 – ص 14) يناقش موضوع المواهب الروحية، وفى (ص 15) يتحدث عن عقيدة القيامة مؤكداً قيامة المسيح التي كانت طريقاً لقيامتنا. وفى (ص 16) ينظم الرسول خدمة الفقراء ويختم بنصائحه الرسولية لهم.

 

لماذا كتب بولس الرسول الرسالة الثانية؟

بعد أن كتب الرسول رسالته الأولى والتي كان عنيفاً فيها، وقطع الزانى من شركة الكنيسة، خالجه نوعان من المشاعر، فهو ندم على رسالته، ولكنه أيضاً كان يشعر أنه أرضى ضميره وكتب ما أملاه عليه الروح القدس (2كو 7 : 8). فهو ندم إذ خاف أن تكون رسالته العنيفة الأولى قد تسببت فى أن يترك البعض إيمانه. ومحبة الرسول هذه وخوفه على أولاده جعله يُرسل تيطس تلميذه لكورنثوس ليطمئن على أثار رسالته الأولى بينهم. وإستمر ينتظر حضور تيطس ليطمئن منه على أخبار شعب كورنثوس، لكنه لم يستطع الإنتظار بل ذهب من أفسس إلى مكدونية ليقابل تيطس ليسمع منه أخباراً تطمئنه على أهل كورنثوس (2كو 2 : 12، 13 + 2كو 7 : 5). ولما تقابل مع تيطس وسمع عن أخبار توبتهم فرح وتعزى (2كو 7 : 9). وكتب لهم هذه الرسالة الثانية ليعبر فيها عن إرتياحه لنجاح رسالته الأولى.

وهذه الرسالة الثانية هي رسالة نموذجية للخدام، فبولس هنا يمثل الخادم المثالي، فبالرغم من أنهم شككوا فى رسوليته لأنه ليس من الإثنى عشر، بل طلب البعض منهم أن يأتى بولس برسائل توصية من أورشليم، والبعض أشاع أنه خائف من مواجهتهم إذ قال أنه سيأتي ولم يأتى، وإتهمه البعض بأنه يعتمد على الكنائس لكي تعوله. ولكن نجد بولس الرسول مع كل هذا يفيض حباً لهم، ويستعبد نفسه لهم لأجل خلاص كل نفس.

إضطرار الرسول بولس أن يدافع عن رسوليته ليس إعجاباً بنفسه، ولكن لإثبات صدق تعاليمه حتى لا يرتدوا عن الإيمان الصحيح.

ويبدو أن المعلمين المتهودين قدموا رسائل توصية من أورشليم (2كو 3 : 1، 2) فطلبوا من بولس أن يقدم هو أيضاً رسالة توصية من أورشليم، ورأى بولس أن فى هذا غباوة، فخدمته فى كورنثوس وإيمان أهلها والتغيير الذي حدث فيهم والمواهب التي صارت لهم هو خير شهادة لصحة رسوليته. هم خيرٌ من أي رسالة مكتوبة، فهو الذي علمهم وبشرهم.

ونرى الرسول هنا بما له (وللكنيسة) من سلطان الحل والربط أنه يحل زانى كورنثوس بعد أن كان قد قطعه، فهو قطعه وأسلمه للشيطان لا ليحطمه بل كان قاصداً توبته وخلاص نفسه.

جزء كبير من الرسالة الثانية هو سيرة شخصية للرسول، لكنه أستخدمها ليظهر إحتماله وصدق رسوليته، وعواطفه ومحبته تجاههم.

وهو يشرح فيها لماذا تعوق عن الحضور حسب وعده فى (1كو 16 : 2، 5، 7) فهو إذ لم يستطع أن يأتى إتهموه بالخفة (2كو 1 : 17) أي يقول ولا ينفذ أو ربما إتهموه بأنه خائف من المواجهة (2كو 10 : 10).

ولقد كتب بولس الرسول الرسالة الثانية من فيلبى (مقاطعة مكدونية) بعد أن جاءه تيطس حاملاً أخبار ردود فعل الرسالة الأولى. وكان ذلك خلال عام من كتابته لرسالته الأولى. ولقد أرسلها بولس الرسول مع تيطس (2كو 8 : 16، 17).

 

نشأة الكنيسة فى كورنثوس

كان غالبية شعب كورنثوس من الأمم (12 : 2) وكان بها عدد لا بأس به من اليهود، كان الرسول يخاطبهم بقوله عن أبائهم.. أبائنا (1كو 10 : 1 – 11) ولقد بدأ بولس خدمته فى المجمع اليهودي، كارزاً لليهود والأمم الدخلاء، وكان يقيم مع أكيلا وبريسكلا ويعمل معهما فى صناعة الخيام، ولما قاومه اليهود ذهب للأمم. ضمت الكنيسة عدداً كبيراً من العبيد (1كو 1 : 26 + 7 : 21) على أنه كان بينهم شرفاء مثل تيطس (راجع 1كو 11 : 21 – 32).

وبعد أن ترك بولس المدينة زارها أبلوس وكان يهودياً إسكندرياً ذا ثقافة يونانية عالية وفصيحاً. وقََبِِلَ أبلوس المسيحية وصار يكرز وكانت خدمته ناجحة (1كو 3 : 5 – 9)، غير أن البعض أساء إستخدام إسمه فظهرت خصومات فى الكنيسة فتشيع البعض لبولس كأول كارز للمدينة، وتشيع البعض لأبلوس من أجل إقتداره وحكمته، وتشيع البعض لبطرس (صفا) ربما لأنهم إعتمدوا على يديه فى أورشليم، والبعض نادوا بأنهم أتباع المسيح غالباً رغبة منهم فى التحرر من كل إلتزام ليسلك كل واحد على هواه بحجة أنهم لا ينتسبون لقيادات بشرية. وهؤلاء أساءوا فهم الحرية المسيحية.

 

قوة الله ظهرت فى تغيير شعب كورنثوس

يظن البعض أن قوة الله لابد أن تظهر فى شفاء أمراضنا أو إنتقاماً فورياً من أعداء يسيئون لنا، أو حل مشكلة مادية مستعصية، ومع أن هذا وارد، إلاّ أن قوة الله تظهر حقيقة فى تحويل الفاجر إلى قديس. ولاحظ عمل الله فى كورنثوس المشهورة بالزنا في المعابد الوثنية التي تحتوى على ألاف من الفتيات (بل الرجال المأبونون) المخصصون للزنا كطقس من طقوس العبادة والتي تشمل أيضاً طقوساً مثيرة وموسيقى صاخبة وفجر متفشى، إذا بهذه المدينة تتحول إلى حياة القداسة المسيحية، وكان هذا على يد بولس الرسول الضعيف جسدياً والمصاب بشوكة فى الجسد، والذي كان يبشر بنجار مات مصلوباً وسط شعب يعبد القوة والفلسفة ويعيش فى فجر وفساد. وإذا بهذا الشعب يترك فساده وخطيته ليؤمن بهذا المصلوب. هنا نرى حقيقة قوة الله فى التغيير، والتي غيرت هذه المدينة الوثنية المنحلة إلى أقوى كنيسة (1كو 2 : 4، 5).

 

العقائد المسيحية الأساسية فى رسالتى كورنثوس

بولس الرسول فى رسائله عموماً لا يقدم بحوثاً نظرية فى العقيدة. لكن العقائد المسيحية صارت له حياة يحيا بها. ومن خلال كلماته التي يكتبها في رسائله نجد العقائد التي آمن بها وصارت تشكل وجدانه وحياته تخرج مع كلماته بعفوية دون أن يقصد أن يقدم بحثاً نظرياً فى رسائله وهذه مثل أي مسيحي منا حينما يقول لأحد أحبائه " الله يحفظك " وفى يوم آخر يردد " المسيح يحفظك " فهو بهذا يعبر عن إيمانه بأن المسيح هو نفسه الله، لقد صارت هذه العقيدة تشكل وجدانه فأصبح لا يجد فرقاً بين أن يقول المسيح أو يقول الله. ولنأخذ فيما يلي أمثلة على العقائد التي وردت وسط كلمات الرسول فى رسالتي كورنثوس:-

 

1- لاهوت المسيح وأزليته

·    " نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح 1كو (1 : 3 + 2كو 1 : 2)" هنا نرى التساوي بين الله الآب والمسيح فكلاهما مصدر للنعمة والسلام.

·        وفى (1كو 1 : 3، 7، 8، 9، 10....... الخ) نجد تكرار قول الرسول ربنا يسوع المسيح.

·    وأمّا للمدعوين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله (1كو 1 : 24) وهذه تثبت أزلية السيد المسيح وكونه واحداً مع الله. فلو كان المسيح مخلوقاً كما يقول البعض، فكيف خلق الله لنفسه قوة، وكيف خلق لنفسه حكمة. مستحيل أن يكون هناك زمان لم يكن فيه الإبن قوة الله وحكمة الله، وبذلك فالمسيح أزلي. وصفة الأزلية لاتقال سوى لله.

·        الرسول يسمى المسيح رب المجد (1كو 2 : 8). وهذه لا تقال سوى عن الله.

·    " ربٌ واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء ونحن به " (1كو 8 : 6) إذاَ المسيح هو خالق كل شئ. وهذه تتفق مع (يو 1 :3) والله هو الخالق.

·    ولا نجرب المسيح كما جرب أناسٌ منهم فأهلكتهم الحيات (1كو 10 : 9) هو يقصد تجربة اليهود ليهوة في العهد القديم، وبهذا نرى أن المسيح هو يهوة. المسيح هو إبن الله (2كو 1 : 3 + 2كو 1 :19 + 2كو 11 : 31) المسيح يدين العالم (2كو 5 : 10) " إننا جميعاً نظهر أمام كرسى المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً ".

 

2- لاهوت الروح القدس

قارن الآيات " أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم " (1كو 3 : 16) مع " ألستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس " (1كو 6 : 19)

فالرسول لإيمانه أن الروح القدس هو الله لا يجد فرقاً أن يقول أن جسدنا هو هيكل لله أو أن جسدنا هو هيكل للروح القدس.

وراجع الآيات (1كو 2 :10 – 13) فنجد أن الروح القدس يعرف أمور الله ويفحص كل شئ حتى أعماق الله ويعلن لنا ما يريده من أسرار السماء وهو بالنسبة لله كمثل روح الإنسان للإنسان.

 

3- عقيدة الفداء

" لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا (1 كو 5 : 7)

" لأنكم قد إشتريتم بثمن. فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التي هي لله " (1كو 6 : 20) " قد إشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيداً للناس " (1كو 7 : 23)

" فيهلك بسبب علمك الأخ الضعيف الذي مات المسيح من أجله " (1كو 8 : 11)

" المسيح مات من أجل خطايانا " (1كو 15 : 3 + 1كو 15 : 4). كان موته ليصالحنا مع الله (2كو 5 : 18 – 21).

من هو الفادى فى العهد القديم ؟ كان هو من يسدد الدين الذي على أحد أقربائه فيحرره من العبودية التي وقع تحتها إذ كان غير قادر على تسديد دينه. ونحن بسبب خطايانا صرنا عبيداً فإشترانا المسيح بدمه وسدد ما علينا لله وصالحنا مع الله، ومن يرجع لخطيته ثانية فهو يعود للعبودية ثانية.

 

4- عقيدة الثالوث الأقدس

" لكن إغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم بإسم الرب يسوع وبروح إلهنا " (1كو 6 : 11) هنا نرى عمل الثالوث فى المعمودية

بإسم الرب يسوع (الإبن) وبروح (الروح القدس) إلهنا (الآب)

وهذا ما علمه السيد المسيح " عمدوهم بإسم الآب والإبن والروح القدس " (مت 28 : 19). ولماذا تكون المعمودية عمل للثالوث الأقدس ؟ الخلق عموماً هو عمل الثالوث الأقدس. " وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تك 1 : 26) وقولـه نعمل، صورتنا، شبهنا بصورة الجمع هو إشارة للثالوث، فالعبرية لا تعرف صيغة التفخيم، فالفرد مهما كان عظيماً لا يقول عن نفسه نحن بل يقول أنا. ولما سقط الإنسان وتشوهت صورته، كان الحل الذي رآه الله، أن يعيد خلقة الإنسان. وكان ذلك بالفداء، ثم المعمودية، لذلك ظهر الثالوث يوم عماد السيد المسيح، فالخليقة الجديدة هي عمل الثالوث، كما أن الخلقة الأولى هي عمل الثالوث. وقول السيد المسيح عمدوهم بإسم الآب والإبن والروح القدس، يعنى بقوة ومقدرة الآب والإبن والروح القدس، وعملهم فى المعمودية ليعاد خلق المعمد من جديد. فالآب يريد والإبن يترجم إرادة الآب إلى عمل الفداء، فيموت بالصليب ويقوم. والروح القدس عمله أن يثبتنا فى المسيح، وإذا كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة (2كو 5 : 17). ولاحظ أن نزول المسيح لنهر الأردن ليُعَمَّدْ هو إعلان منه عن قبوله الموت عنا. وهذا هو الطريق الوحيد لنموت نحن عن الإنسان العتيق وتغفر خطايانا. وبالمعمودية نعود ونتجدد بحسب صورة خالقنا بعد أن نخلع الإنسان العتيق (كو 3 : 9، 10). وكان حلول الروح القدس يوم العماد على المسيح هو حلول الروح القدس على الكنيسة جسد المسيح ليبدأ عمل الروح القدس مع كل معمد ليجعله يموت ويُدفن مع المسيح ويقوم متحداً معهُ ثابتاً فيه (رو 6 : 3 – 7). ولاحظ قول الرسول " إغتسلتم " إشارة لأن المعمودية بالماء... وقولـه " وبروح إلهنا " إشارة لأن المعمودية هي من الماء والروح كما قال السيد المسيح لنيقوديموس (يو 3 : 5).

والآية الثانية " ولكن الذي يثبتنا معكم فى المسيح وقد مسحنا هو الله " (2كو 1 : 21) وفيها نرى أن الله بروحه القدوس يثبتنا فى المسيح الإبن لنصبح أبناء الله.

والآية الثالثة التي نسمع فيها عن الثالوث والتي يتكلم فيها بولس الرسول عن المواهب وينسبها أيضاً للثالوث (1كو 12 : 4 – 6) " فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل فى الكل ". فالثالوث كما قلنا فى المعمودية يخلق المعمد ليصير خليقة جديدة، وهنا يخلق جسد المسيح أي الكنيسة خلقة جديدة لتكون جسد المسيح، لكل عضو عمل، فنحن أعضاء جسد المسيح، لكل عضو عمله الذي يحدده الآب، أما الروح القدس فهو الذي يعطى الموهبة أو الإمكانيات أو القدرة على العمل، هو ينفذ إرادة الآب بأن يعطى الموهبة التي يحتاجها العضو (الأفراد) ليقوم بعمله. وبثباتنا في المسيح نصير أعضاء حية، فلا حياة لعضو خارجاً عن جسد المسيح. وبهذا نستطيع أن نقوم بالخدمة الموكلة لنا. لذلك نجد الرسول ينسب :-

العمل........ للآب

والخدمة........ للإبن الذي أتى ليَخْدِمْ لا ليُخْدَمْ

والموهبة........ للروح القدس

مثال :- فالعين البشرية لها عمل محدد.. هو النظر أو الإبصار. ولكنها لا يمكن أن تقوم بعملها إن لم تكن ثابتة فى الجسم بأوردة وأعصاب. وأيضاً يجب أن تكون سليمة لتقوم بعملها. فى هذه الآية الثالثة نرى عمل الثالوث فى تكوين جسد المسيح أي الكنيسة، بأعضاء (أفراد) عملهم يتكامل معاً.

والآية الرابعة نرى فيها أيضاً عمل الثالوث فى بركة الكنيسة " نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم (2كو 13 : 14). فالله الآب أعلن محبته بتجسد وفداء إبنه ربنا يسوع المسيح وإرسال روحه القدوس ليشترك معنا فى عمل صالح (أوشية المسافرين)

 

5- عقيدة الكنيسة فى سلطان الحل والربط

هذا ما عمله بولس الرسول فى (1كو 5 : 5) إذ أسلم الزانى للشيطان أي قطعه وحرمه من شركة الكنيسة وفى (2كو 2 : 6، 10) إذ أحله من هذا الحرمان وسامحه. وهذا يتفق مع قول المسيح لتلاميذه " إقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أمسكت (يو 20 : 22، 23 + مت 16 : 19 + مت 18 : 18)

 

6- عقيدة القيامة من الأموات

يراجع فى هذا إصحاح (1كو 15 بأكمله + 1كو 6 : 14)" والله قد أقام الرب وسيقيمنا نحن أيضاً بقوته " + (2 كو 4 : 14).

وسنحصل على جسد ممجد فى السماء (1كو 15 + 2كو 5 : 1) " لأننا نعلم أنه أن نقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السموات بناء من الله بيت غير مصنوع بيد أبدى "

 

7- الأسرار الكنسية

أ‌-      المعمودية :- (1كو 6 :11) (راجع ص 12) + (1كو 1 : 13 – 17)

ب‌-  الإفخارستيا :- (1كو 10 : 15 – 21 + 1كو 11 : 23 – 31)

ج - الميرون :- وهو سر حلول الروح القدس في المؤمن المعمد.

راجع الآيات (1 كو 2 :10 – 13) فالروح القدس يحل فينا. وهو الذي يثبتنا في المسيح (2كو 1 : 21، 22). ولكن ما نحصل عليه فى الأرض هنا هو عربون الروح (2كو 5: 5)

د - الكهنوت :- بولس يسمى نفسه والخدام الذين مثله" وكلاء سرائر الله" (1 كو4 :1) وسرائر هنا جاءت ميستيريون بمعنى أسرار الكنيسة.

0الآية (2كو 1 : 21) تشير أيضاً للثالوث " الذي يثبتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله "

هكذا يعيش الإنسان المؤمن، العقيدة عنده حياة يحياها وليست موضوعات للمناقشة والجدل، ليست موضوعات نظرية بل حياة. فالمؤمن يذكر آيات الكتاب المقدس ويقول المسيح يقول كذا وكذا وقد يقول ربنا يقول كذا وكذا، لا فرق فهو يؤمن بأن المسيح هو الله، وهذا ليس موضوعاً للمناقشة والإثباتات.

وعقيدة الشفاعة التي نؤمن بها فأغلبية المسيحيين قد لا يعرفون إثباتاً لها ولكنهم يحيون حياة شركة مع السمائيين، وحياة صداقة ودالة، وإن أثبت هذا شئ فهو يثبت أن المسيح قد صالح السمائيين على

الأرضيين وجعل الإثنين واحداً. سمعت هذا السؤال يوماً من بنت صغيرة فى مدارس الأحد " هل يمكن أن يكون لي أصدقاء في السماء كما لي أصدقاء في المدرسة " هذه قد تحولت لها عقيدة الشفاعة لحياة تحياها.

وعقيدة أن الله أب لنا يحبنا حباً لا يوصف تظهر فى تسليم كل أمورنا لهُ حتى ولو كانت تجارب أليمة، وهذا ما عَََبَّرَ عنه الرسول هنا فى (1كو 3 : 22) " أبولس أم أبلوس أم صفا أم العالم أم الحيوة أم الموت أم الأشياء الحاضرة أم المستقبلة كل شئ لكم "

هذا ما حدث مع فلاحين بسطاء فى روسيا. فبعد أن قامت الثورة الشيوعية أتى الثوار الملحدين ببعض رجال الدين الفاسدين أمام جماهير الفلاحين البسطاء. ودخلوا مع رجال الدين فى حوار لإثبات أنه لا يوجد إله. وطبعاً فبسطاء الفلاحين لم يفهموا هذا الحوار الفلسفي خصوصاً مع تقاعس رجال الدين الفاسدين عن الرد فما كان من الفلاحين إلاّ أنهم وقفوا يصرخون " إخرستوس آنستى" لقد كانت عقيدة قيامة المسيح والوهيته بالنسبة لهم ليست موضوعاً للحوار والمناقشة بل حياة يحيونها

 

الصليب والآلام عند بولس الرسول من خلال رسالتي كورنثوس

لاحظ بولس الرسول إنتفاخ أهل كورنثوس بسبب مواهبهم وسعيهم للحصول على مواهب فيها مظهرية وأنهم يسعون لكرامات زمنية فأرسل لهم معاتباً " إنكم قد شبعتم (مواهب) قد إستغنيتم. ملكتم بدوننا وقطعاً فهذا أسلوب ساخر يعبر به عن سعيهم وراء الكرامات الزمنية ثم يقول عن نفسه ليخجلهم " نحن جهال / ضعفاء / بلا كرامة... نجوع ونعطش ونعرى ونلكم.. صرنا كأقذار العالم ووسخ كل شئ " (1كو 4 : 8 – 13). ويقول عن نفسه حين تحزب البعض له والبعض لأبلوس " فليحسبنا الإنسان كخدام للمسيح " (1كو 4 : 1) وجاءت كلمة خدام بمعنى عبيد. ومعنى ما قاله الرسول هنا أنه لا يجب علينا وعلى الخدام بالذات أن نبحث عن كرامات زمنية، بل هو يرى أن كرامة الخادم هي في حمل الصليب كسيده.

 

لماذا يحتمل الرسول كل هذا ؟

لماذا لم يترك الرسول هذه الخدمة الشاقة ؟

1- الرسول يرى أن الخدمة هي تكليف إلهي :- " لأنه إن كنت أبشر فليس لي فخر إذ الضرورة موضوعة علىَّ. فويلٌ لي إن كنت لا أبشر. فإنه إن كنت أفعل هذا طوعاً فلي أجر. ولكن إن كان كرهاً فقد استؤمنت على وكالة " (1كو 9 : 16، 17). هنا يظهر الرسول أن هناك نوعين من الخدام 1) من يخدم بفرح 2) من يخدم بتغصب. وسواء هذا أو ذاك فمن يخدم فله أجر، ومن يمتتع فويلٌ له. أمّا من يهرب كيونان فسيبتلعه حوت. فالخادم الذي يترك خدمته تبتلعه هموم العالم، أما من يستمر فى خدمة الرب ويعمل العمل الذي كلفه به الرب فسلام الله الذي فيه يبتلع هموم العالم. والله يرسل خدامه كبولس ويونان إلى شعبه فهو يهتم بخلاص كل نفس، النفس غالية جداً عند الله. لذلك فمن يترك خدمته أو يستعفى من الخدمة يغيظ الله جداً (خر 4 : 14)

2- الخدمة كرامة :- ليست كرامة يسعى إليها الخادم فهذا مرفوض. ولكن هي كرامة يعطيها الله لمن يعمل معه " نحن عاملان مع الله " (1كو 3 : 9) والله من محبته لخدامه الأمناء يعطيهم كرامة ونعمة ومحبة فى أعين الناس دون أن يسعوا هم إليها ولاحظ محبة الناس لبولس الرسول وما حصل عليه من كرامات.

أ) وكان بكاء عظيم من الجميع ووقعوا على عنق بولس يقبلونه متوجعين ولاسيما من الكلمة التي قالها أنهم لن يروا وجهه أيضاً (أع 20 : 37، 38 + أع 21 : 13)

ب) تجربتى التي في جسدي لم تزدروا بها ولا كرهتموها بل كملاك من الله قبلتموني كالمسيح يسوع، فماذا كان إذاً تطويبكم. لأنى أشهد أنه لو أمكن لقلعتم عيونكم وأعطيتموني (غل 4 : 14، 15)

ج) عومل كإله فى لسترة إذ أقام عاجز الرجلين (أع 14 : 8 – 15)

ء) صنع معجزات (2كو 12 : 12) حتى بالمناديل من على جسده (أع 19 : 12)

هـ) أقام ميت (أع 20 : 9 – 11)

و) إختطف إلى الفردوس

ز) كان له مناظر وإعلانات وبوفرة (2كو 12 : 1 – 7) " بفرط الإعلانات "

ح) كانت دعوته عن طريق المسيح شخصياً (أع 9 : 1 – 9 + غل 2 : 11، 12)

ط) كان خادم للعهد الجديد الذي تفوق كرامته العهد القديم بما لا يقاس (2كو 3 : 6 – 11، 18 + 4 : 1). ويكفيه فخراً أنه يعمل مع الله (1كو 3 : 9)

3 – لكن الخدمة صليب وهوان أيضاً

راجع (1كو 4 : 10 – 13 + 2كو 6 : 3 – 10)

فلماذا الصليب ؟

فى (1 كو 4 : 11) يقول إلى هذه الساعة ويعنى ذلك أن الصليب للكنيسة فى كل زمان ومكان.

 

 

لماذا الصليب فى حياتنا ؟

المبدأ الذي وضعه بولس الرسول نفسه

مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىَّ (غل 2 : 20) والصليب نوعان

أ) موضوع علىَّ :-

1 – إضطهاد اليهود والأمم لهُ

2 – المسيحيون يغيظونه بينما هو فى سلاسل وحبس (فيلبى 1 : 14 – 16)

3 - عدم محبة البعض " كلما أحبكم أكثر أحب أقل" (2كو 12 : 15)

4- شوكة جسده (غل 4 : 14، 15 + غل 6 : 11 + أع 19 : 12) وهذه يمكن فهمها أنها ضعف شديد في النظر وقروح متقيحة في جسده.

5 – راجع (1كو 4 : 8 – 13 + 2كو 11 : 23 – 27)

6 – قالوا عنه أ) خفيف (2كو 1 : 17) يتكلم ويعد ولا يوفى

 ب) يحتاج لرسائل توصية وفى هذا إنكار لرسوليته (2كو 3 : 1)

 ج) أنه يفسد ويظلم (يأخذ أموالهم) (2كو 7 : 2، 5). ولذلك وحتى لا يعثر أحد كان

 لا يحمل أموالاً بل يرسل رسلاً للجمع (1كو 16 : 3، 4 + 2كو 8 : 16 – 24)

 ء) أنه ليس رسول (1كو 9 : 2)

7 – الهرطقات التي واجهها والضعفات التي كانوا فيها والحالة الروحية المتردية جعلته فى حزن " لأني من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة " (2كو 2 : 4)... " من يضعف وأنا لا أضعف ".. (2 كو 11 : 29)

8 – نرى مقدار شدة التجارب التي وصلت به لحد الموت واليأس (2كو 1 : 8، 9)

ب) صليب إختيارى

"أقمع جسدي وأستعبده" (1كو 9 : 27) + كل من يجاهد يضبط نفسه فى كل شئ (1كو 9 : 25) ومن لا يفعل يصير مرفوضاً (1كو 9 : 27)

 

كيف فهم بولس الرسول أهمية الألم والصليب

Ι) حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع لكي تظهر حيوة يسوع أيضاً في جسدنا." لأننا نحن الأحياء نسلم دائماً للموت من أجل يسوع لكي تظهر حيوة يسوع أيضاً في جسدنا المائت " (2كو 4 : 10، 11). وهذه تناظر " مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ " (غل 2: 20) فلكي يحيا المسيح فيّ يجب أن أقبل الصليب الموضوع علىَّ أو الإختيارى فالمسيح لم يقم إلاّ بعد أن صلب ومات. ولكي يحيا المسيح فيّ، وتكون لي حياة المسيح يجب أن أقبل الطريق من أوله وهو الصليب، ومن يقبل الصليب يحيا المسيح فيه. ومن لا يستطيع أن يفرض صليباً على نفسه إختيارياً يساعده المسيح لمحبته فيه ويعطيه صليباً من عنده. فلنقبل الصليب لتكون لنا حياة المسيح القائم من الأموات.

أمّا منطق الشيطان فهو رفض الصليب والسعى وراء ملذات العالم، لذلك حين أراد بطرس أن يبعد المسيح عن الصليب قال له " إذهب عنى يا شيطان " (مت 16 : 23). وكان هو أيضاً صوت الشيطان يدعو المسيح أن إنزل عن الصليب إن كنت إبن الله (مت 27 : 40 – 43). ولذلك كان منطق كنيستنا زيادة الأصوام والدعوة لشكر الله حتى فى الضيقات والتجارب.

وما هو فهم بولس الرسول لأن يحيا المسيح فىّ ؟

1- أما نحن فلنا فكر المسيح (1كو2 : 16) + نتكلم فى المسيح (2كو 2 : 17).

2- ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح. أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية (1كو 6 : 15).

3- يسلم عليكم فى الرب + محبتي مع جميعكم فى المسيح يسوع (1كو 16 : 19، 24) فحتى السلام والمحبة لا تكون خالصة أمينة إن لم تكن لي حياة المسيح.

4- طالما كانت لي حياة المسيح فلقد صرنا " جسد المسيح " (1كو 12 : 27).

5- وصار لبولس وداعة المسيح وحلمه (صفاته) (2كو 10 : 1) فحينما صارت لبولس حياة المسيح صار المسيح يحيا فيه، ويعطيه فكره وصارت أعضاؤه هي أعضاء المسيح، ويملى المسيح علي ما يقولـه وما يفعله " نتكلم فى المسيح ". بل هو يعطيه أن يحب الناس محبة صادقة وليست غاشة.

 

П) بولس فهم أن الألم يأتى من الشيطان " أعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان ليلطمني لئلا أرتفع " (2كو 12 : 7) ولكن بولس يعلم أنه في يد الله ضابط الكل وأن محبة المسيح تحصره (2كو 5 : 14). فكيف يستطيع الشيطان أن يؤذيه ؟ لاحظ أن بولس يؤمن أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله (رو 8 : 28) ويعلم أن كل الأشياء الحياة / الموت / العالم / الأمور الحاضرة أم المستقبلة... كل شئ لكم (1كو 3 : 22) أي كل ما يسمح به الله هو من أجل خلاص نفوس أولاده. فإستنتج بولس أن هذا الأذى من الشيطان هو للخير، فبالنسبة لبولس كان غرضه أن لا ينتفخ ويرتفع. الله سمح للشيطان أن يؤذيه لكن كان هذا لخلاص نفسه فإستخدم بولس نفس الأسلوب مع زانى كورنثوس " قد حكمت.. أن يُسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع " (1كو 5 : 5). فهنا الشيطان يؤذى هذا الشاب جسدياً ليكره الخطية ويتوب فتخلص الروح في يوم الرب. فالآلام إذاً هي نيران أفران بابل التي لم تؤذى الفتية الثلاثة لكن أربطتهم إحترقت، فالله يسمح ببعض الآلام من محبته حتى تحترق الرباطات التي تربطنا بالخطية. وكان هذا معنى الحوار الذي دار بين السيد المسيح وبين بطرس (يو 21) أنه إن كنت تحبني فإقبل الصليب الذي أسمح به. وإن كنت غير فاهم الآن ما أنا أصنع لكنك ستفهم فيما بعد (يو 13 : 7).

 

Ш) الله يريد أن يملأ خدامه بركات ومواهب، ولكنه يخاف عليهم من الإنتفاخ، ولاحظ كم حظي بولس الرسول بمواهب وعمل معجزات وتأثير جبار في خدمة أوروبا كلها، وصار له أولاد يحبونه في كل مكان، وكم رأى من رؤى وإعلانات. ولذلك فمن محبة الله وحتى لا ينتفخ هذا الخادم الأمين سمح الله بهذه التجارب له لتموت الأنا (شماله تحت رأسي) ولكن لم يتركه الله وحده في هذه الآلام بل إزدادت له التعزيات (يمينه تعانقني نش 2 : 6). ولاحظ قول بولس الرسول " كما تكثر ألام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزياتنا أيضاً " (2كو 1 : 5).

فكلما إزدادت المواهب والعطايا إزدادت التجارب والآلام.

وكلما إزدادت التجارب والآلام إزدادت التعزيات.

فالتجارب والآلام تحمى الخادم من الإنتفاخ والكبرياء.

والتعزيات تحمى الخادم من الإنكسار تحت وطأة ثقل الصليب وراجع (2كو 1 : 3 – 10) تجد أن كلمة تعزية وردت 10 مرات وكلمة ضيقة ومرادفاتها وردت 10 مرات. فالتعزية بقدر الألم.

 

ІV) الخادم المتألم المملوء تعزية قادر أن يعزى الآخرين، هو أولاً قادر على الإقناع إذ هو واقع تحت نفس الآلام، وهو إذ يراه الناس مملوء تعزية، يتعزون. وهذا معنى قول الرسول " فإن كنا نتضايق فلأجل تعزيتكم وخلاصكم العامل في إحتمال نفس الآلام التي نتألم بها نحن أيضاً أو نتعزى فلأجل تعزيتكم وخلاصكم (2كو 1 : 6)

ولذلك إختار الله دانيال ليكلم الملوك، لكنه كان لا يقدر أن يكلم الشعب فالذي يعيش في القصور لن يكون مقنعاً للشعب. وإختار الله حزقيال ليكلم الشعب إذ هو واقع تحت الآلام مثلهم، آلام السبي والفقر.

وهذا معنى ما قيل عن السيد المسيح " يكمل رئيس خلاصهم بالآلام " أي يشابهنا في كل شئ حتى الآلام. ولماذا ؟ " لأنه فى ما هو قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين " (عب 2 : 18) وأيضاً " لأن ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثى لضعفاتنا بل مجرَّب في كل شئ مثلنا بلا خطية " (عب 4 : 15).

 

V) "وإن كان إنساننا الخارج يفنى (بالآلام) فالداخل يتجدد يوماً فيوم" (2كو 4 : 16) وكم من مريض بمرض صعب تنقى تماماً بسبب مرضه، وكانت تجربته سبب خلاص نفسه (أيوب).

 

VI) الآلام سبب للمجد الأبدي "خفة ضيقتنا الوقتية تنشى لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديا" (2 كو 4: 17) فمهما كانت ضيقتنا الآن صعبة لكنها خفيفة بالنسبة للمجد الأبدي.

1)     يصاحب الآلام تعزيات.

2)     مدة الضيقة الآن هي بالقياس للأبدية لاشيء.

3)  المجد المعد لو وضع في كفة والآلام في كفة لظهر خفة ألآمنا بجانب المجد وهذا ما قاله الرسول أيضا في (رو 8 : 17) " إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضا معه ". " وسنأخذ إكليلا لايفني " (1كو 9 : 25). لكن المهم أن ننظر للسماء والأمجاد المنتظرة " ونحن غير ناظرين للأشياء التي تري بل إلي التي لا تري " (2كو4: 18) فهذا يعطي المتألم الصبر والإحتمال.

 

VII) الرسول بولس يَُّسَّرْ بضعفاته إذ يشعر أنه كلما ظهر ضعفه كان عمل الله معه بزيادة " أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والضيقات والإضطهادات لأجل المسيح لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي " (2 كو 12 : 8 – 10) + " أفتخر في ضعفاتي لكي تحل عليَّ قوة المسيح " والسبب بسيط فلو كنت أشعر بقوتي أو فلسفتي، أي بقوة عضلية أو قوة ذهنية من عندي فسأعطل عمل الله، وأفسد خطة الله بتدبيراتي البشرية. وحين أشعر بأنني لا شيء وفي منتهى الضعف تعمل فيَّ قوة الله. ولاحظ أن المسيح لو أظهر قوته وأتي بملائكته لتضرب صالبيه وتبعدهم عنه ماتم الخلاص، لكن الخلاص تم بصورة ضعف المسيح. " لأنه وإن كان قد صلب من ضعف لكنه حيٌ بقوة الله. فنحن أيضاً ضعفاء فيه لكننا سنحيا معه بقوة الله من جهتكم " (2 كو 13 : 4) ولاحظ أن بولس الرسول في ضعفه ظهرت قوة المسيح في كرازته وتعاليمه وفي ظهور مواهب وقوات في شعب كورنثوس، وفي عقاب المخطئ أيضاً ظهر سلطانه وقوته.

 

VIII) أدرك بولس الرسول أن تعزيات الله للمتألم ليس معناها أنه ينزع عنه الألم فلا يعود يشعر به بل أنه سيكون هناك ألام في الخارج وتعزيات الروح القدس في الداخل، فمجال عمل الروح القدس في القلب، فهو الروح المعزي " (2 كو 4 : 7 – 10) + (2 كو 6 : 8 – 10) مكتئبين في كل شيء لكن غير متضايقين. متحيرين لكن غير يائسين.مضطهدين لكن غير متروكين... كحزانى ونحن دائماً فرحون... "

من أجل كل بركات الصليب هذه فرض بولس الرسول علي نفسه صليباً إختيارياً إذ كان يقمع جسده ويستعبده فوق كل ما كان يعاني منه من ألام وتجارب.

بولس الرسول كخادم في رسالتي كورنثوس

1-  إستخدم بولس الرسول أسلوباً مشابهاً لأسلوب السيد المسيح مع أهل كورنثوس، فهو يشجع ويلاطف قبل أن يعاتب. ولاحظ قوله أشكر إلهي في كل حين من جهتكم... (1كو 1 : 4 – 9). وقارن مع (رؤ 2 : 2 – 4) " أنا عارف أعمالك وتعبك... لكن عندي عليك..."

2-  " نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة (1كو 1 : 23) " والكرازة بالصليب ليست فقط بالكلام بل بإحتمال آلام الصليب بشكر، بل وبقمع الجسد بفرح، وذلك لإيماننا بأن هناك مجد معه بعد القيامة، لذلك تصلي الكنيسة " بموتك يارب نبشر وبقيامتك نعترف " فالبشارة بموت المسيح هي القبول بأن نموت مع المسيح عن العالم لإعترافنا بحقيقة القيامة. والموت عن ملذات العالم هو ضد فلسفات هذا العالم التي تؤمن بأن نعطي للجسد كل الملذات الممكنة " نأكل ونشرب لأننا غداً نموت (1كو 15 : 32)

3-  كيف فهم بولس الرسول مبدأ " ليس الغارس شيئاً ولا الساقي بل الله الذي ينمي " (1 كو 3 : 7) وهل قصد بهذا أنه لا قيمة لعمل الخدام طالما أن الله هو الذي ينمي، هل معني هذا أن لا نعمل ونترك الله يعمل وحده.

أ – أولاً كيف ينمي الله الزرع دون أن يغرسه أحد ويرويه آخر لذلك قال الرسول " فإننا عاملان مع الله وأنتم فلاحة الله " (1 كو 3 : 9) وكان طلب السيد المسيح " الحصاد كثير والفعلة قليلون فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلي حصاده " (مت 9 : 37، 38) بل إن الرسول فهم الخدمة علي أنها خدمة المصالحة مع الله (2 كو 5 : 18 – 20) فكم من أولاد الله في حالة خصام وتصادم مع الله لأنهم لا يفهمون أحكامه، لأنهم لا يدركون محبته.

ب – مع أن الخدمة هي عمل مهم لكن علي الخادم أن يشعر في نفسه أنه لاشيء، وأن الله هو الذي أعطاه هذه النعمة حتى يعمل، والله أعطاه الموهبة التي يخدم بها، فلماذا يفتخر " أي شيء لك لم تأخذه، وإن كنت قد أخذت فلماذا تفتخر كأنك لم تأخذ " (1 كو 4 : 7) + " لا أنا بل نعمة الله التي معي " (1 كو 15 : 10). وعلي الخادم أن لا ينتظر المديح من الناس بل من الله " حينئذ يكون المدح لكل واحد من الله " (1 كو 4 : 5) وذلك يوم الدينونة.

ج – علي الخادم أن يكون أميناً حتى أخر لحظة (1كو 4 : 2).

د – علي الخادم أن لا يسعى وراء المواهب للمجد الباطل ولو فعل يكون هذا كعبادة الأوثان " فالنحاس الذي يطن والصنج الذي يرن " (1كو 13 : 1، 2) لايستعملوا إلاّ في هياكل الأوثان. لكن علي الخادم أن يسعى للمواهب لا لمجد نفسه بل لبنيان الكنيسة ولمجد الله " أطلبوا لأجل بنيان الكنيسة أن تزدادوا " (1كو 14 : 12). أما أهل كورنثوس فطلبوا الألسنة للمجد الباطل. وبمناسبة الألسنة فنحن نحتاج في الكنيسة لمواهب ألسنة، لا ألسنة تتكلم لغات غير مفهومة بل نحتاج لمن له لسان يبكت به المستهتر ويوبخه، ولمن له لسان يشجع اليائس ويعطي تعزية للمتألم والمريض والحزين فهذه الألسنة تبني.

هـ – علي الخادم أن يخدم بطريقة روحية، ليعرف الناس شخص المسيح، وأهمية الصليب في حياة المؤمن، وكيفية التعزية، حتى لو جاءت التجربة لا ينهار المؤمن تاركاً إيمانه. لأن هناك خدام يركزون علي الأنشطة الإجتماعية والموسيقية والرحلات تاركين الأهم وهو معرفة شخص المسيح. هؤلاء يقول عنهم بولس الرسول " النار ستمتحن عمل كل واحد " (1 كو 3 : 13) فالنار هي التجارب، ومن يحتمل التجربة هو من كان قد إختبر شخص المسيح.

و – إنكار الخادم لذاته كما قال يوحنا المعمدان " ينبغي أن هذا يزيد وإني أنا أنقص " (يو 3 : 30) وراجع قول بولس الرسول (1 كو 1 : 12 – 14). ونجد أن أبلوس رفض الحضور إلي كورنثوس لما عرف أن هناك من تحزب لهُ (1 كو 16 : 12). ولا حظ قول بولس الرسول أن من يتكلم عن نفسه يصير غبياً (2 كو 11 : 1، 16). ولذلك فمن يريد أن يفتخر فليفتخر بالرب الذي يعمل كل شيء فينا وبنا (1 كو 1 : 31 + 2 كو 10 : 17، 18).

ز – الخادم يحتاج لحكمة إلهية في كلامه وفي وعظه وفي إرشاداته " أبشر لا بحكمة كلام، فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة (1 كو 1 : 17) " المسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة " (1 كو 1 : 30)." كلامي وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية بل ببرهان الروح والقوة " (1 كو 2 : 4) + " نتكلم بحكمة الله " (1 كو 2 : 7).

 

فكيف تكون لنا حكمة الله ؟

أ‌-      بأن يحيا المسيح فيَّ فيكون لي فكر المسيح (غل 2 : 20 + 1 كو 2 : 16)

ب‌- بأن أثبت في المسيح (بالمعمودية والميرون والتوبة والإعتراف والتناول) فيصير لي المسيح حكمة من الله.هذه بركة من بركات التجسد، فالمسيح رأس الكنيسة حلّ فيه كل ملء اللاهوت جسدياً (كو 2 : 9) والمسيح بتجسده إتحد بنا جسدياً فصارت لنا كل بركات الله بقدر ما نحتمل، بركات وحكمة وقداسة وبر. ما يحدد عطايا الله لنا هو محدوديتنا.

 

 

 

 

 

 

 

 


4 - الخادم قدوة للآخرين

" بل في كل شئ نظهر أنفسنا كخدام الله فى صبر كثيرفى شدائد.. " (2كو 6 : 4 – 10)

" صرنا منظراً للعالم للملائكة والناس " (1كو 4 : 9)

" كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء توافق " (1كو 6 : 12)

" كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء تبنى " (1كو 10 : 23)

" كل الأشياء تحل لي لكن لا يتسلط علىَّ شئ " (1كو 6 : 12)

" كونوا بلا عثرة لليهود ولليونانيين " (1كو 10 :32)

" فإذ نحن عالمون مخافة الرب نقنع الناس. وأما الله فقد صرنا ظاهرين لهُ وأرجو أننا قد صرنا ظاهرين فى ضمائركم أيضاً " (2كو 5 :11)

" يظهر بنا رائحة معرفته فى كل مكان " (2كو 2 : 14)

لأننا رائحة المسيح الزكية.. رائحة حياة لحياة.. (2كو 2 : 16)

 

5 – محبة بولس الرسول وحزمه مع أولاده

نجد بولس الرسول يفيض من محبته على أولاده فى كورنثوس، ولكن وفى نفس الوقت كان حازماً جداً فى مواجهة الأخطاء.

" إنكم فى قلوبنا لنموت ونعيش معكم " (2كو 7 : 3) وهذه تعنى أنني أحبكم وأتمنى أن أعيش معكم العمر كله. ولاحظ حزنه بسبب رسالته الأولى وخوفه عليهم (2كو 2 : 12، 13 + 2كو 7 : 5 – 10). وبالرغم من كل ما قاله أهل كورنثوس ضده يقول لهم " فمنا مفتوح إليكم أيها الكورنثيون. قلبنا متسع (2كو 6 : 11) أي هو مستمر فى تعليمه وكرازته لهم. وراجع الآيات (1كو 16 : 24 + 2كو 2 : 4 + 2كو 4 : 5 + 2كو 11 : 11 + 2كو 12 : 14، 15 + 2كو 11 : 29 + 2كو 11 : 2 + 2كو 10 :1 + 2كو 12 : 20، 21 + 2كو 13 : 9). ومن محبته لهم وإهتمامه بخلاص نفوسهم لم يثقل على أحد فى ماديات (2كو 11 : 7 – 11). وراجع أيضاً (1كو 4 : 21 + 1كو 5 : 1- 8 +1كو 3 : 1- 4 +1كو 6 : 1 – 11) لنرى حزم بولس الرسول معهم. فمحبة الرسول محبة حازمة.

 

سلم الدرجات الروحية في (1 كو 5 – 7)

بدأ الرسول في إصحاح (5) بمعالجة الشاب الذي زني مع إمرأة أبيه. وكان هذا المستوي أسفل السلم، بل هناك ما هو أحط أي مضاجعو الذكور. وحين ذكر الرسول هذا المستوي تعجب أن هناك من يوجد فيه والطريق مفتوح أمامه للدرجات الروحية العالية، فإمتد ببصره عبر الإصحاحات (6، 7) ليحدثنا عن الدرجات العالية

1 – أحط الدرجات هي الشذوذ الجنسي أي مضاجعو الذكور والمأبونون (1 كو 6 : 9) وقال عنهم " أسلمهم الله لذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق ليهينوا أنفسهم " (رو 1 : 24 – 28)

2 – درجة الزنا وهذه قال عنها أن من إلتصق بزانية هو جسد واحد (1 كو 6 : 16) فالزاني صار جسداني يجري وراء شهواته، كأنه جسد بلا روح، وحد نفسه مع زانية.

 وهذه الدرجات المنحطة من السلم لا يرثون ملكوت الله (1 كو 6 : 9)

3 – تأتي بعد هذا درجة المتزوج الذي ماتت إمرأته (أرمل) ويريد أن يتزوج ثانية لأنه غير قادر أن يضبط نفسه، فالرسول يبيح هذا الزواج (1 كو 7 : 8، 9) ولو أنه لا يفضله، ويفضل عليه أن يحيا المؤمن مكرساً قلبه وعواطفه لله.

4 – الزواج الأول، وأيضاً فالرسول يفضل عليه البتولية وتكريس القلب لله فحينما يعطي المؤمن كل قلبه وعواطفه لله يتذوق طعم السمائيات. لذلك وحتى لا يحرم المتزوج من تذوق السمائيات طلب الرسول أن يمتنع الطرفان عن ممارسة العلاقات الجسدية لفترات يصومون فيها ويصلون، بعدها يعودون ليمارسوا علاقاتهم الجسدية بطريقة طبيعية (1 كو 7 : 2 – 5) ولكن هناك من يرفض أن يمتنع عن العلاقات الجسدية وقت الأصوام، وهؤلاء يقول لهم الرسول أن الإمتناع له شرط موافقة الطرفين، وذلك حتى لا تفقد الأسر سلامها إذ يمتنع أحد الطرفين، إلا ّ أن من يرفض الامتناع يبقي في درجة أقل، لا يتذوق طعم الحياة السمائية، ومن يمتنع وقت الأصوام عن علاقاته الجسدية مع الطرف الآخر يبقي في درجة أعلي، لأنه يكرس كل عواطفه لله.

5 – هناك درجة أعلي للمتزوجين، وهؤلاء من إستطاعوا ضبط شهواتهم وعاشوا في تعفف لا يبحثون إلا ّعن السمائيات إذ شعروا بإقتراب الأيام وأن أيام غربتهم علي الأرض قد إقتربت نهايتها (1 كو 7 : 29).

6 – والدرجة الأعلى هي البتولية (1 كو 7 : 1، 32 – 34، 38) هي درجة يصلب فيها الإنسان شهواته، هي درجة قمع الجسد وإستعباده (1 كو 9 : 24 – 27). وقارن مع (مت 19 : 12) " هؤلاء خصوا أنفسهم لأجل الملكوت "

7 – والدرجات العليا في السلم هي درجات يقترب فيها الإنسان من أن يكون روحاً بلا جسد " وأما من إلتصق بالرب فهو روح واحد " (1 كو 6 : 17). وكلما مارس المؤمن عملية صلب أهواؤه وشهواته، كلما مارس عملية الإماتة لجسده يرتفع في درجات هذا السلم، بل أن المسيح يساعد مثل هذا الإنسان بوضع صليب عليه يزيد من عملية إماتة الجسد لتسمو الروح. والسبب بسيط كما شرحه بولس الرسول في (غل 5 : 17) لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد. وهذان يقاوم أحدهما الآخر. وكلما ضعف الجسد، تستطيع الروح أن تحلق في السماويات. وهذا ما عَبَّرَ عنه بولس الرسول حينما أختطف للسماء الثالثة وقال " أفي الجسد أم خارج الجسد لست أعلم (2 كو 12 : 1 – 4). وحتى هذه الدرجات الروحية العالية فيها درجات. فنسمع قول يوحنا اللاهوتي " كنت في الروح " (رؤ 1 : 10) ثم نسمع عن درجة أعلي " صرت في الروح " (رؤ 4 : 2). في الدرجة الأولي إستلم يوحنا بعض الرسائل من المسيح لبعض الكنائس. أما في الدرجة الثانية فلقد رأي عرش الله ورأي رؤى عجيبة.

 

النمو في الحياة الروحية أو صعود درجات السلم الروحي

يشبه الرسول الحياة الروحية بالزرع " إن كنا زرعنا لكم الروحيات أفعظيم إن حصدنا منكم الجسديات " (1كو 9 : 11) " أنا غرست وأبلوس سقي " (1 كو 3 : 6). وبالتالي يمكننا أن نفهم أنه كما أن الزرع ينمو هكذا روحياتنا تنمو أي يمكننا أن نرتقي درجات هذا السلم ونفهم أيضاً أنه بقدر ما نزرع بقدر ما نحصد، فمن بذر قليل من البذور في حقله عليه أن لا يتوقع محصول كبير. لذلك يقول الرسول " من يزرع بالشح فبالشح أيضاً يحصد. ومن يزرع بالبركات فبالبركات أيضاً يحصد " (2 كو 9 : 6). لذلك وحتى ننمو علينا : -

1 – أن نزرع بالبركات، أي نقضي أوقاتاً طويلة ملتصقين بالله في صلاة [ " متي إجتمعتم فليكن لكل واحد مزمور " (1 كو 14 : 26). " وأنتم أيضاً مساعدون بالصلاة لأجلنا " (2 كو 1 : 11). ] ودراسة كتاب وخدمة وتسابيح وقداسات، المهم أن نلتصق بالله ومن يفعل يصير روحاً واحداً مع الله (1 كو 6 : 17).

2 – التأمل المستمر في السماويات " غير ناظرين إلي الأشياء التي تري بل التي لا تري " (2 كو 4 : 18) " عالمين أن الوقت مقصَّر " (1 كو 7 : 29).

3 – إعتزال الشر " إعتزلوا لا تمسوا نجساً " (2 كو 6 : 14 – 7 : 1). فلا شركة للنور مع الظلمة ولا للمسيح مع بليعال (2 كو 6 : 14، 15).

4 – قبول الصليب بشكر ليتجدد الداخل (2 كو 4 : 16، 17). بل أن نقمع الجسد ونستعبده في سهر الليالي في الصلاة.. وفي أصوام (1كو 9 : 27) + (2 كو 11 : 27).

5 – بلا خصام مع الإخوة حتى لا نكون جسديين (1 كو 3 : 1- 4). بل نسلك في محبة (1 كو 13) فينسكب علينا الروح القدس (مزمور 133 : 1 – 3).

6 – أن نحذر لئلا نسقط، وأن لا نرضي عن أنفسنا " من هو قائم فلينظر أن لا يسقط " (1 كو 10 : 12).

7 – أن نعمل كل شيء لمجد الله (1 كو 10 : 31) + (1 كو 6 : 20).

8 – أن نحزن حزناً مقدساً أي علي خطايانا، ولا نحزن علي خسارة أي شيء في العالم، وأيضاً لا نفرح بأي شيء في العالم، فهو عالم باطل فاني، ولقد قربت ساعة لقائنا مع المسيح (1 كو 7 : 29 – 31).

ومن يفعل ينمو روحياً فينتقل من مجد إلي مجد (2 كو 3 : 18) ويرتقي درجات السلم. ويتحول من طفل روحي إلي ناضج روحياً " لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر. ولكن لما صرت رجلا ًأبطلت ما للطفل " (1كو 13 : 11). وكان الرسول يعني بهذا أننا علي الأرض إدراكنا محدود كأطفال ولكن في السماء سيكون إدراكنا كامل كإدراك رجل ناضج. ولكننا يمكن أن نطبق هذه الآية علي ثلاثة مراحل :-

 1) الطفولة الروحية علي الأرض

2) النضج الروحي علي الأرض

3) الإدراك الكامل في السماء.

ولنأخذ مثال فالطفل غير الناضج روحياً حين تقع عليه تجربة يظن أن الله غير راضٍ عنه ويظل يردد هذا شاكياً قسوة الله عليه، ومع النضج تنفتح عين المؤمن ويدرك في رجولته الروحية محبة الله وأن هذه التجربة هي لصالح خلاص نفسه فيشكر الله عليها. وفي هذه الآية نجد 3 كلمات:

1) أفطن أي أفهم.

2) وأفكر تعني الإستنتاجات المبنية علي ما فهمته.

3) أتكلم أي ما أردده.

 

 

 

 

 طفل

رجل

فى السماء

أفطن

الله تركني

الله يحبني فهو لا يسمح بشر لأولاده

رؤية الله عياناً وإدراك محبته، بل سنفهم لماذا

أدرك

هو تركني فلأتركه

هو سمح بهذا لكي أَكْمُلْ

سمح ببعض الآلام على الأرض

أتكلم

تذمر على الله

شكر الله

تسبيح مستمر ودائم

 

مرحلة الطفولة الروحية : - تتميز مرحلة الطفولة بالأنا. فالطفل لا يفهم إلاّ أن كل شيء له حتى أبيه وأمه. بل أن العالم كله يدور حول محور هو هذا الأنا. والطفل الروحي يفكر بنفس الأسلوب ماذا يفرحني ويعطيني لذة وراحة. وإذا حدث أن كانت إرادة الله مخالفة لهذا الإنسان يحدث تصادم بينه وبين الله، ويتذمر علي الله ويتمرد علي الله وعلي إرادته، ويتساءل لماذا تسمح بهذا يا رب.

مرحلة النضج الروحي : - في مرحلة النضج يظهر الآخر في حياة الإنسان وفي مرحلة النضج الروحي يبدأ الله في الظهور في حياة هذا الإنسان فيتعرف عليه ويدرك محبته، وتختفي الأنا تدريجياً، ويبدأ المؤمن البحث عما يرضي الله. وكلما نضج المؤمن إزداد إكتشافه لوجود الله وإدراكه لمحبته، وتتضاءل الأنا، " ينبغي أن هذا يزيد وإنى أنا أنقص " ويختفي التمرد تدريجياً ويبدأ التسليم لإرادة الله عن حب.

في السماء : - النضج الكامل، هناك سأعرف الله كما عُرِفْتْ (1 كو 13 : 12) فتختفي الأنا تماماً ويصبح الله الكل في الكل (1 كو 15 : 28) ويحدث الخضوع الكامل لله (1 كو 15 : 24 – 28) وينتهي التمرد. ومع إكتشاف مجد الله ومحبته لن يكون هناك سوي التسبيح. بل أن إدراكنا سيتسع يوماً فيوم في السماء. فكل يوم سأعرف عن الله ما هو جديد. وهذا لن ينتهي لأن الله غير محدود. (بل أن بعض البشر لا تعرفهم إلاّ بعد إنقضاء سنين طويلة وحينما تكتشف حلاوة عشرتهم يفرحك هذا) وهذا ما سيحدث مع الله الحلو الصفات، فكل ما أعرف عنه جديداً سيعطيني هذا فرحاً، وهذه المعرفة لن تنتهي وبالتالي فالأفراح لن تتوقف في الأبدية. ولأن طاقة الإنسان النفسية محدودة فسيطلب الإتساع ليتحمل كل هذا الفرح، فيعرف أكثر ويفرح أكثر، ويتسع ليعرف المزيد، وذلك لمزيد من الفرح. فالحياة في السماء معرفة والمعرفة تتحول لفرح أبدي لا نهائي " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي... " (يو 17 : 3).


الإصحاح الأول

 

آية 1 :- بولس المدعو رسولا ليسوع المسيح بمشيئة الله وسوستانيس الأخ.

شكك الإخوة الكذبة (المتهودين) في صحة رسولية بولس الرسول حتى يثبتوا صدق تعاليمهم الغاشة والمخالفة لتعاليم بولس، وهنا يؤكد بولس صدق إرساليته، وطالما هو رسول لله فعليهم طاعة الأوامر والتعاليم التي سيقولها في هذه الرسالة والتي سبق وعلمها لهم. ولأنه يعالج مشكلة كبريائهم قال المدعو رسولاً = أي هو ليس له فضل في ذلك فينتفخ بل هي دعوة إلهية. وسوستانيس = ورد ذكره في (أع 18 : 17) كرئيس لمجمع اليهود وهو قد تعرض للضرب من ِقَبَل اليونانيين الذين يكرهون اليهود، وبعد أن كان يقف موقفاً معادياً للمسيحية صار مسيحياً، والرسول يذكره في مقدمة الرسالة لأنه كان معروفاً عند أهل كورنثوس، وذكِره فيه أهمية إظهار عمل الله الخلاصي، فهذا الذي كان مقاوماً للمسيحية صار كارزاً بها.

 

آية 2 :- إلى كنيسة الله التي في كورنثوس المقدسين في المسيح يسوع المدعوين قديسين مع جميع الذين يدعون باسم ربنا يسوع المسيح في كل مكان لهم ولنا.

إلى كنيسة الله = إذاً هي ليست كنيسة بولس ولا أبلوس ولا صفا، هنا نجد إحتجاج صامت على التحزبات. ولاحظ أن الكنائس كلها لله ونحن نطلق أسماء القديسين عليها إكراماً لهم. المقدسين = أي المفرزين أو المكرسين المخصصين للرب، وهذا التقديس يتم بواسطة الاتحاد مع المسيح يسوع بالإيمان به وبالمعمودية التي هي ميلاد ثانٍ من الماء والروح، لذلك أعطانا الله الروح القدس ليساعدنا أن نتقدس وهذا يتم بواسطة أسرار الكنيسة. فالخطية تفصل بيننا وبين الله ولكن الروح القدس الذي يبكت على الخطية (يو 16 : 8) ويعين ضعفاتنا (رو 8 : 26) ويعطينا الغفران في سر التوبة والاعتراف ويعطينا الثبات في جسد المسيح في سر الإفخارستيا يعيدنا للثبات والإتحاد مع المسيح يسوع. وبهذا تصبح الكنيسة كلها مشتركة مع المسيح في جسد واحد، ولكن علينا أن نسلك في قداسة يعيننا عليها الروح القدس ونسلك بجهاد ضد الخطية. المقدسين في المسيح = فمفتاح بركات العهد الجديد هو إتحادنا بشخص المسيح. المدعوين قديسين = أي لا فضل في ذلك لا لأنفسهم ولا لبولس، بل المسيح هو الذي دعاهم، فلماذا التحزب لشخص ما. جميع الذين يَدْعون = وترجمت يبتهلون ويصلون باسم ربنا يسوع. في كل مكان = إشارة لوحدة الكنيسة. لهم ولنا = قد تفهم بأنهم يبتهلون لهم ولنا. وقد تفهم أن المسيح رب لهم ولنا.

 

آية 3 :- نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح.

النعمة أولاً ثم السلام، فالنعمة هي التي تملأ القلب سلاماً. والرسول ينسبها لله الآب والإبن يسوع دليل وحدة الجوهر والتساوى بين يسوع والله. والنعمة هي كل هبات الله للإنسان (الفداء، الروح القدس الساكن فينا..) وتسمى خاريزما أي عطية مجانية ليست بسبب إستحقاق الإنسان.

 

آية 4 :- اشكر الهي في كل حين من جهتكم على نعمة الله المعطاة لكم في يسوع المسيح.

أشكر ألهى على النعمة التي حصلتم عليها كثمر لاتحادكم بالمسيح = في المسيح

 

آية 5:- إنكم في كل شيء استغنيتم فيه في كل كلمة وكل علم.

نجد الرسول هنا يمدحهم قبل أن يلومهم. وهذا أسلوب السيد المسيح (رؤ 2: 2 – 4). استغنيتم فيه = كان غناهم في المواهب باتحادهم وشركتهم مع المسيح، فلا بركة خارجة عن المسيح. وإذا كان الله قد أغناهم بمواهب كثيرة فعليهم أن يستغلوها لمجد أسمه عوض التحزب والشقاق ولكن هناك مشكلة أن يشعر أحد بأن غناه في المواهب راجع لاستحقاقه ويشعر أنه ما عاد محتاجاً للمسيح (رؤ 3 : 17)، مثل الإنسان الفاتر نجد أن الله يقول عنه أنه مزمع أن يتقيأهُ. ولكن من يشعر أن الكل من الله وأنه عطشان، ويلجأ للمسيح ليحصل على المزيد، مثل هذا فطوباه (مت 5 : 6) ومثل هذا يمتلئ ويفيض (يو 7 : 37 – 39).

كل علم = معرفة حقائق الخلاص، هذه تشير للمعرفة والفهم.

كل كلمة = هؤلاء لهم موهبة الشرح والتفسير للكتب المقدسة. والرد على الهراطقة هؤلاء قادرين على التعبير عما يعرفون

 

آية 6 :- كما ثبتت فيكم شهادة المسيح.

أي أن شهادتنا للمسيح التي كرزنا بها في وسطكم قد ثبتت صحتها وتأكدت حقيقتها بهذه النعم والمواهب التي حصلتم عليها، والقوة التي غيرت حياتكم.

ثبتت فيكم = confirmed in you

 

آية 7 :- حتى أنكم لستم ناقصين في موهبة ما وانتم متوقعون استعلان ربنا يسوع المسيح.

إنكم هكذا قد استغنيتم حتى لم يعد ينقصكم شئ من مواهب الروح القدس وعطاياه. وأنتم تنتظرون بإيمان ورجاء يوم الدينونة الذي سيظهر فيه المسيح. وعلامة المسيحي الحقيقي هي اشتياقه لسرعة مجيء المسيح.

 

آية 8 :- الذي سيثبتكم أيضا إلى النهاية بلا لوم في يوم ربنا يسوع المسيح.

سيثبتكم = المسيح سوف يثبت أرواحكم ونفوسكم وأجسادكم حتى النهاية لكي تصيروا غير ملومين في شئ وغير ناقصين في حياة القداسة حتى يوم مجيء الرب، فالله لا يتركنا وحدنا في صراعنا مع العالم والخطية والشيطان.

بلا لوم = حياة عدم اللوم تساوى حياة القداسة.

 

آية 9 :- آمين هو الله الذي به دعيتم إلى شركة ابنه يسوع المسيح ربنا.

آمين = الله يفي بكل ما وعد به، وهو أن نشترك في مجد إبنه، فهو إذ دعاهم = الذي به دعيتم = فهو من المؤكد أنه سيحقق لهم حياة الشركة في إبنه لينالوا كل النعم السابقة، والله سيعطيهم كل ما يلزم لخلاصهم ويقويهم للثبات في القداسة للنهاية. هذا طبعاً لمن يريد ولا يرفض عمل الله.

 

آية 10 :- ولكنني اطلب إليكم أيها الاخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تقولوا جميعكم قولا واحدا ولا يكون بينكم انشقا قات بل كونوا كاملين في فكر واحد ورأي واحد.

أطلب = في اليونانية أرجوكم وأتوسل إليكم. كاملين = في اليونانية تلاحموا معاً وارتبطوا معاً perfectly joined together فالكنيسة جسد واحد هو جسد المسيح، وهناك تكامل بين أعضاء الجسد الواحد. وإنه ليسهل على من تجددت أذهانهم في المسيح أن يكونوا لهم الفكر الواحد أي التوافق في الأفكار. فالتحزبات لا تخدم سوى عدو الخير. قارن مع (أف 4 : 1 – 7) ومع (يو 17 : 21 – 23). فالمطلوب إذاً أن تكونوا متكاملين. فالكل جسد واحد، وإذا كان هناك شقاق فكيف نكون متكاملين. عموماً لا يمكننا أن نكون رأى واحد وفكر واحد إلاّ إذا كان المسيح فينا والروح القدس يملأنا، وما عدنا نهتم بالذات، حين يتجدد ذهننا وهذا يكون بأن يعطينا الروح القدس أن يكون لنا اهتماما واحداً هو مجد المسيح. ولكن سبب الشقاقات دائماً هو الأنا أي كل واحد يبحث عن مجد نفسه. فإذا تنازلنا عن الأنا لما صار هناك شقاقات. بل أن الأنا حالت دون إيمان اليهود بالمسيح، إذ تعارض وجوده مع مصالحهم، فهم أسلموه حسداً (مر 15 : 10)، وثاروا عليه إذ رأوا الكل وراءه (يو 12 : 19 + يو 11 : 47 – 50)

 

آية 11 :- اني أخبرت عنكم يا اخوتي من أهل خلوي أن بينكم خصومات.

هو يطلب الوحدة لأنه سمع من عبيد السيدة التي تُدعى خلوى أن هناك خصومات بينهم.

 

آية 12 :- فأنا اعني هذا أن كل واحد منكم يقول أنا لبولس وأنا لا بلوس وأنا لصفا وأنا للمسيح.

صارت هناك أحزاب. فبولس تبعه من عرفوه أولاً ككارز لهم. وأبلوس تشيع له اليهود الذين أعجبهم معرفته بالكتاب المقدس، واليونانيين الذين أعجبتهم فصاحته. وربما تشيع لبطرس من عمَدّه بطرس في أورشليم أو من يدعو للتهود ولا تعجبه أراء بولس في التحرر من فرائض الناموس كالختان. وهناك من قال أنا أتبع المسيح حتى لا يلتزم بأي ترتيبات كنسية، مثل هذا لا يريد أن يخضع للكنيسة، وهذا سبب معظم الهرطقات والإنشقاقات عن الكنيسة. ولاحظ أن وراء كل هذا أيضاً الأنا. فمن يتبع بولس يظن أن بولس الأعظم وبهذا يصير هو الأعظم لأنه يتبع بولس الأعظم. ومن يقول أنا أتبع المسيح ليتحرر من سلطان الكنيسة فهو كأنه يقول أنا حر ولا أحد له سلطان عليَّ ولا حتى الكنيسة.

 

آية 13 :- هل انقسم المسيح العل بولس صلب لاجلكم أم باسم بولس اعتمدتم.

هل أنقسم المسيح = الكنيسة كلها جسد واحد هو جسد المسيح فالانقسامات تعنى تقسيم جسد المسيح الواحد الذي كل أعضاؤه مرتبطة بالمسيح الرأس.

أم باسم بولس اعتمدتم = المعمودية هي عمل الثالوث وبإسم الثالوث (مت 28 : 19 + 1كو 6 : 11). وقولـه بإسم أي بقدرة وقوة الثالوث الذي يعمل على تجديد المُعمّد المؤمن. وقطعاً هذا ليس عمل بولس أو أي إنسان. وقطعاً إذا كانت المعمودية بإسم الثالوث فهو الذي إمتلكنا وصرنا ملكاً لهُ، به وحده نتعلق.

 

آية 14 :- اشكر الله اني لم اعمد أحدا منكم إلا كريسبس وغايس.

أشكر الله لأنكم لو كنتم إعتمدتم على يديَّ لأسأتم إستخدام إسمى أكثر وأكثر، أو لصار لكم سبباً في أن تتحزبوا لي.

 

آية 16و15 :- حتى لا يقول أحد اني عمدت باسمي. و عمدت ايضا بيت استفانوس عدا ذلك لست اعلم هل عمدت احدا اخر.

بولس يرفض تكوين حزب باسمه في الكنيسة.

 

آية 17 :- إن المسيح لم يرسلني لاعمد بل لابشر لا بحكمة كلام لئلا يتعطل صليب المسيح.

لم يرسلني لأعمد = هذا من باب التخصيص في العمل، فالعماد يمكن أن يقوم به أي أحد غير بولس. بل لأبشر = فالبشارة والكرازة فيها مخاطر أكبر وتتطلب إمكانيات أكبر. لا بحكمة كلام = لم تكن كرازتى بفلسفة من عندي ولا بحلاوة لسان :- 1) فلو كانوا قد آمنوا بسبب فصاحته ربما كان لهم بعض الحق أن يتحزبوا لهُ. 2) من المؤكد أنه تكلم بحكمة إلهية وكلام ألهي، فلا يوجد كلام بشرى قادر أن يقنع أحد أن الله يتجسد ويُصلب ويموت، لو كانت الكرازة بحكمة بشرية فسوف يتعطل صليب المسيح = أي تفقد الكرازة قوتها التي تقنع الناس بإله مصلوب، مات وقام ليخلص. بل هل الحكمة البشرية كانت قادرة على تحويلهم لقديسين لهم مواهب. إذاً فليتحزبوا لله فقط.

 

آية 18 :- فان كلمة الصليب عند الهالكين جهالة واما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله.

كلمة الصليب = الكرازة بالخلاص الذي تحقق بالصليب. عند الهالكين = لا يوجد من دُعِىَ للهلاك ولكن الهالكين هم من ازدروا بالصليب واعتبروه جهالة. فهي قوة الله = قوة الله العاملة فينا للخلاص بالصليب موضوع كرازتنا، فالكرازة كانت بقوة إلهية أقنعت الناس، بل وغيرت حياتهم بقوة من مسار الهلاك إلى مسار الخلاص. فالمسيحية تمتاز بما فيها من فاعلية وقوة وتأثير على حياة الذين يعتنقونها، فهي ليست إقناع فقط بل قوة تغيير من حياة الخطية إلى حياة مقدسة. ومن يعيش هذه الحياة المقدسة يخلص. لذلك فمن يرفض المسيحية يرفض قوة التغيير فيهلك. ولاحظ أن الرسول يضع في مقابل كلمة الجهالة ليس كلمة الحكمة بل كلمة القوة = قوة الله. فالمسيحية ليست حواراً عقلياً بل قوة إلهية للتغيير.

 

آية 19 :- انه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وارفض فهم الفهماء.

لأنه مكتوب = (أي 5 : 12، 13 + أر 8 : 9 + أش 29 : 14). سأبيد حكمة = الله ليس ضد الحكمة ليبيدها، بل هو الذي أعطى الحكمة للإنسان، ولأن الإنسان أساء إستخدام ماوهبه الله من حكمة وفهم فإنتفخ بحكمته أراد الله كعقاب للإنسان أن يزدرى بحكمة الإنسان. ويبيد هنا بمعنى أن الله أظهر عجزها عن أن تخلص، فهي قد فشلت في خلاص الإنسان، وخلص البشرية بجهالة الكرازة أي كرازة البسطاء والجهلاء وبمنطق ضد حكمة العالم الذي يعبد القوة والعظمة. فالله خلص العالم بالمسيح المصلوب في ضعف ولكنه قام بقوة. ولكن ما ظهر للناس هو ضعف المسيح المصلوب. والقوة، قوة القيامة ظهرت في حياة الذين آمنوا. الحكماء = حكماء هذا العالم الذين رفضوا الطاعة لكلمة الله (رو 1: 21، 22). وأرفض فهم الفهماء = أكثر الناس ذكاءاً لن يدرك سر الصليب بل يدركهُ المؤمن المتضع. نعم إن كلمة الصليب قد بدت للهالكين جهالة لأنهم لم يستطيعوا أن يدركوا قوة الكرازة ومع ذلك يَدَّعون أنهم حكماء، ومثل هذه الحكمة المزعومة التي لا تحمل أي نفع للبشرية والتي تعطل الإيمان قد سبق ووعد الله أنه سيبيدها. الله يرفض الحكمة البشرية التي تنفخ ويكون هو نفسه مصدراً للحكمة للمتضعين والبسطاء.

 

آية 20 :- أين الحكيم أين الكاتب أين مباحث هذا الدهر ألم يجهل الله حكمة هذا العالم.

هذا سؤال استنكاري أراد منه الرسول أن يعلن فشل كل عظماء اليهود والأمم في تخليص الإنسان من خطاياه وإصلاح أثار الخطية أي الألم الذي تعانى منه البشرية عموماً، هم فشلوا أيضاً في إصلاح فساد البشرية. أين الحكيم = الفيلسوف اليوناني. أين الكاتب = الكتبة هم دارسي الكتاب المقدس. أين مباحث هذا الدهر = المجادل والعالم في الطبيعيات فهي محل بحث دائم. ألم يجهل الله حكمة هذا العالم = حكمة الله التي أعلنت في الخلاص بالصليب كشفت جهل حكمة هذا العالم بالطريق الحقيقي للخلاص. الله كشف جهل كل حكمة بشرية وعجزها عن أن تخلص. كل كتب أفلاطون وغيرها هي لا شئ، فلم نعرف الله سوى بالمسيح. ولم تكن هناك قوة لتغيير طبيعة البشر سوى قوة الصليب. الأمم بفلسفاتهم واليهود بتمسكهم بطقوس ناموسهم وإنتفاخهم ببرهم الذاتي عجزوا عن أن يدركوا الحقائق المعلنة، وأن يصلحوا من حال البشرية وبؤسها. أما قوة المسيح فحولت الخطاة إلى قديسين (موسى الأسود).

 

آية 21 :- انه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة.

إذ كان العالم في حكمة الله = الله هو مصدر كل عطية صالحة (يع 1 : 17). إذاً الحكمة الموجودة في العالم مصدرها هو الله. والله أعطى للإنسان هذه الحكمة التي بها يدرك وجود الله فيعبده (رو 1 : 18 - 32). فالإنسان قادر أن يُدرك وجود الله من خلال خليقة الله. ولأن الإنسان أحب الخطية تشوهت حكمته فصارت حكمة نفسانية شيطانية (يع 3 : 15) وأصبح لا يُدرك الله. هذه الحكمة المشوهة التي لا تدرك الله من خلال أعماله هي التي يرفضها الله لذلك رأى الله أن يخلص العالم بالكرازة التي بدت لحكماء هذا العالم كما لو كانت جهالة = يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة.


آية 22 :- إن اليهود يسألون آية واليونانيين يطلبون حكمة.

آية = اليهود طلبوا معجزات خارقة للطبيعة لكي يؤمنوا (يو 6 : 30 + مت 12 : 38 + لو 11 : 29). يطلبون حكمة = هذه عن اليونانيين الذين يطلبون فلسفات جديدة وأراء جديدة للمناقشة (أع 17 : 20، 21). هؤلاء أرادوا إخضاع الإيمان لحكمتهم البشرية التي ظنوا فيها خلاصهم

 

آية 23 :- ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا لليهود عثرة ولليونانيين جهالة.

نحن نكرز بالمسيح مصلوباً = (راجع المقدمة – بولس الرسول كخادم في رسالتي كورنثوس)

لليهود عثرة = ففي شريعة اليهود " ملعون من علق على خشبة " (تث 21 : 23) كما أن اليهود إنتظروا المسيا كملك أرضى يخلصهم من الرومان وليس من الخطية وهذا لا يتحقق في نظرهم سوى بالقوة. ولليونانيين جهالة = فالمسيح في نظرهم لم يهزم أعدائه ويتغلب عليهم في مناقشات فلسفية، ولم يكن له مظهر العظمة. بل أن صليب المسيح في نظهرهم خالٍ من أي عظمة وحكمة. أما قوة الصليب فقد ظهرت في خضوع العالم كله لهُ، وعلى يد صيادين بسطاء فقراء وبالصليب غلب العالم والخطية وإبليس والموت، وبه إحتمل الشهداء كل أنواع الآلام وما لا تحتمله الطبيعة البشرية. والرسل بشروا بمسيح مصلوب عمل نجاراً بسيطاً، وكان هذا ضد أفكار وحكمة العالم.

 

آية 24 :- واما للمدعوين يهودا ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله.

أما للمسيحيين سواء من كان منهم من اليهود أو اليونانيين فإن المسيح المكروز به هو قوة الله التي تخلقنا من جديد (2كو 5 : 17) وتقدسنا. وهو حكمة الله التي تنير ذهن المؤمن. وهذه الآية فيها إثبات للاهوت المسيح راجع المقدمة(لاهوت المسيح وأزليته). فهذه الآية تثبت أن المسيح هو غير مخلوق، فإذا كان هو قوة الله، فكيف خلق الله لنفسه قوة وهو بغير قوة، أي بأي قوة وبأي حكمة خلق الله لنفسه قوة وحكمة. لا يمكن إلاّ أن يكون المسيح أزلياً كائناً في الآب غير منفصل عنه.

 

آية 25 :- إن جهالة الله احكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس.

ما يبدو في نظر غير المؤمنين جهالة لهو في الواقع حكمة تفوق حكمة الناس. والصليب الذي يبدو في الظاهر ضعفاً لهو قوة تفوق كل قوة الناس.

 

آية 26 :- فانظروا دعوتكم أيها الاخوة أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ليس كثيرون أقوياء ليس كثيرون شرفاء.

الدليل على ما أقول تجدونه في أنفسكم، أنتم الذين دعاكم الله للخلاص فإن دعوتكم لم تكن مبنية على أساس ما لكم من حكمة بشرية أو مراكز سامية = ليس كثيرون شرفاء = فكثيرون من مؤمني كورنثوس كانوا من العبيد، فكلمة شرفاء تعنى السادة ذوى المراكز السامية في المجتمع. والله لا يدعونا لسابق مراكزنا العالمية ولا لشرف نسبتنا الأرضي، بل الله يعلم القلب الذي هو مستعد لقبول عمله. ومن يقبل دعوة الله يختبر قوة خلاصه. فأنظروا لأنفسكم يا أهل كورنثوس وأحكموا، لأنكم وحدكم الذين تعرفون ولقد اختبرتم قوة الخلاص عاملة فيكم، ماذا كنتم وكيف أصبحتم.

 

آية 27 :- بل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء.

الله أظهر في حياة المؤمنين البسطاء فشل الذين اعتمدوا على حكمتهم في الحصول على الخلاص. الله أستخدم تلاميذ كانوا صيادين وخضع العالم لهم. وبعظة واحدة آمن 3000 على يد بطرس (مز 19 : 3، 4). الله إختار هؤلاء الذين يحتقرهم العالم وينظر لهم كجهلاء لكي يخزى الحكماء في نظر العالم، وذلك ليفهم العالم أن الحكمة ليست إنسانية بل عطية إلهية.

 

آية 28 :- و اختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود.

الله أختار من ينظر لهم العالم في ازدراء واحتقار كما لو كانوا غير موجودين، أي ليس لهم شأن يُذكر = غير الموجود. وكان اليهود يدعون الأمم " غير الموجودين " إشارة لمنتهى الاحتقار. وأنظر لنسب السيد المسيح (راحاب وراعوث وثامار)، ليوبخ هؤلاء الذين ينظر لهم العالم نظرة تقدير وتعظيم (هيرودس ونيرون وقيافا) = ليبطل الموجود فالخلاص ليس بقوة بشرية بل بقوة الله. فلو أختار الله العظماء والشرفاء لظنوا أن الله أختارهم لماهم فيه من علو الشأن، ويرجعوا القوة لأنفسهم، بل هم أصلاً في كبريائهم كانوا سيرفضوا دعوة الله. ولاحظ أن هذا الكلام درس في التواضع يلقنه الرسول لأهل كورنثوس المنتفخين بمواهبهم ويطالبوا بالمزيد (مثل الألسنة) لتعظيم أنفسهم.

 

آية 29 :- لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه.

لقد فعل الله هكذا حتى لا يكون هناك مبرر لأن يفتخر أحد أمامه بنسبه أو ماله أو فلسفته كما يفعل اليونانيين أو ببره وقداسته كما يفعل اليهود.

 

آية 30 :- ومنه انتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرا وقداسة وفداء.

ومنه أنتم = عائدة على أختار الله في آيات 27، 28. بالمسيح يسوع = صرتم أبناء الله بالمسيح يسوع

صار لنا حكمة = (راجع المقدمة – كيف تكون لنا حكمة الله ؟). فالمسيح رأس الكنيسة حل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً (كو 2 : 9) وبإتحادنا بالمسيح، صار لنا المسيح مصدراً لكل الخيرات، حياة وقداسة وحكمة وبر... هذا من بركات التجسد أن نتحد بالمسيح ونصير ثابتين فيه (هذا لمن يحيا في قداسة وطهارة) فيكون المسيح مصدراً لكل هذه البركات لهُ، فالمسيح مصدر لا نهائي للحياة والقداسة والحكمة بسبب حلول اللاهوت فيه، أي في جسده. ولذلك فنحن في المسيح نكون قادرين أن نقتنى الحكمة التي بها نعرف الآب وندرك الأمور الروحية العالية ونفهم وصاياه ونعمل بها.

براً = هو حمل خطايانا لنصير نحن بر الله فيه، وبطاعته أو في كل ما علينا من مطالب الشريعة، هو يكمل ضعفاتنا، نستتر فيه فنصير أبراراً أمام الآب.

قداسة = المسيح هو القدوس وأعطانا روحه القدوس ليقودنا للقداسة.

وفداء = المسيح هو الذي حمل عنا كل عقوبة الخطية، وحررنا من كل عبودية. وفى المجيء الثاني سيفتدى أجسادنا لنقوم معه في المجد بأجساد ممجدة.

 

آية 31 :- حتى كما هو مكتوب من افتخر فليفتخر بالرب

لأن كل ما فينا من صلاح هو هبة من الرب، فهو مصدر غنانا الروحي لذلك فلنفتخر به، دون تفكير في خصومات، ولا نفتخر فيما بعد ببولس أو أبلوس (أر 9 : 23، 24)


الإصحاح الثاني

 

بولس هنا يُظهر أنه منقاد بالروح القدس، ويدعونا أن نعطى فرصة للروح القدس أن يقودنا ويعلمنا ويعمل فينا.

آية 1 :- وأنا لما أتيت إليكم أيها الاخوة أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة مناديا لكم بشهادة الله.

سبق في (1 : 28) أن قال أن الله إختار المزدرى وغير الموجود ليعمل بهم. وهو هنا يحسب نفسه من بين المزدرى وغير الموجود الذي أرسله الله ليكرز. وبولس لم يأتى بفلسفات عالية عالمية أو بشرية، فأية حكمة أو فلسفة عالمية هذه القادرة أن تجعل أحداُ يؤمن بإله هو نجار صُلِبَ ومات ويقول بولس أنه قام. هذا يحتاج لقوة عمل الله الذي عمل في بولس فتكلم، وعمل في أهل كورنثوس فتحركت قلوبهم وآمنوا. ولاحظ أنه يكلم اليونانيين وهؤلاء قد إشتهروا بالفلسفة والحكمة. وهناك أنواع من الحكمة 1) حكمة عالمية يحصل عليها الإنسان من خبراته في هذه الحياة وهى تفيد في هذه الحياة لكنها لا تصلح للكرازة 2) حكمة شيطانية، وهذه نجد الإنسان فيها يكذب ويحتال ويغش ليصل إلى ما يريده، وهذه مرفوضة تماماً. 3) حكمة يعطيها الروح القدس، وهذه هي التي تكلم بها بولس في كرازته وهذه الحكمة طالما هي من الروح القدس تكون مصحوبة بقوة تؤثر في السامع.

 

آية 2 :- اني لم اعزم أن اعرف شيئا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبا.

الصليب هو علامة حب الله غير المحدود لنا " ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه " (يو 15 : 13). والتأمل فيه يلهب النفس بحب الله إذ نكتشف محبته. لذلك كان موضوع كرازة بولس هو الصليب ولم يترك هذا الموضوع، فجوهر الحياة المسيحية هو الصليب، والمسيح المصلوب الذي دفع ثمن خطايانا... " بموتك يارب نبشر " ولذلك نجد الصليب في كل مكان في الكنيسة. ومن ينشغل بحب المسيح الظاهر على الصليب فهو لن يلتفت لشيء آخر مثل الخصومات، بل أن الصليب له قوة تأثير على النفس فينسى الإنسان كل ما عداه. إذ لا يؤثر في الخاطئ فلسفات الكلام ولا السفسطة بل أن الله أحبه ومات لأجل أن يغفر له.

 

آيه 3 :- وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة.

الرسول كان في ضعف وخوف.. 1) واجه مقاومة شديدة من اليهود واليونانيين دون أي حماية مادية 2) كان خائفاً على من آمنوا أن يضعفوا فيتركوا الإيمان " من يضعف وأنا لا أضعف " (2كو 11 : 29) 3) كان خائفاً أن لا تنجح رسالته. ولكنه لم يأتى بشجاعته الشخصية ولا معتمداً على فلسفته أو قوته، بل كان معتمداً على قوة الله، فالقوة والشجاعة تناسب إنساناً يعتمد على نفسه. ولذلك نجد في (أع 18 : 9) أن الله يشجعه قائلاً " لا تخف بل تكلم ولا تسكت لأني أنا معك ولا يقع بك أحد ليؤذيك " (أع 18 : 9، 10). والخوف طبيعي ناشئ من ضعف الطبيعة البشرية.

 

آية 4 :- وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة.

لم أعتمد في كلامي وكرازتى على إثباتات عقلية بل على عمل الروح القدس الذي أقنع السامعين فتركوا شهواتهم الماضية وتابوا بل صارت لهم مواهب وعمل عجائب. وعلى كل منهم أن ينظر داخله ليرى ثمار الروح = برهان الروح والقوة = قوة تغييرهم من حال إلى حال. فإذا كان الله هو الذي عمل فيه وفيهم فلماذا يتحزبوا له أو لغيره ويكون هناك شقاق.

 

آية 5 :- لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله.

لم يستعمل بولس الحكمة البشرية لئلا يُنْسَبْ إيمانهم لفضل بشرى فيتعطل صليب المسيح. فكل حكمة بشرية هي متزعزعة غير ثابتة. بينما قوة الله فثابتة والروح القدس يُعطى الإقناع للسامع، ويُعطى الكارز قوة عمل المعجزات.

 

آية 6 :- لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون.

الكاملين = الناضجين روحياً أي المتقدمين في حياتهم الروحية، الذين إختبروا المسيحية كقوة تغيير في حياتهم تجعلهم مولودين من جديد بحياة جديدة وليس كعلم ونظريات فقط. لكننا نتكلم بحكمة = سبق في آية 4 وقال أنه لا يتكلم بحكمة وكان يقصد بذلك الحكمة الإنسانية. وهنا يقول أنه يتكلم بحكمة أعطاها له الروح القدس. وهذه الحكمة يفهمها الكاملين.

حكمة ليست من هذا الدهر = حكمة هذا الدهر لا تستطيع أن تقنع أحد بالمسيحية، بل لها ميول وإتجاهات خاطئة من غش وتحايل وكذب ولا من عظماء هذا الدهر= مثل مجمع السنهدريم ورؤساء الكهنة عند اليهود ومثل هيرودس وبيلاطس وملوك الرومان، فهؤلاء قادتهم حكمتهم لأن يصلبوا الرب يسوع، وهؤلاء العظماء يبطلون = مصيرهم الزوال وسلطانهم مؤقت، لذلك ففي كرازتى أنا بولس لا أعتمد على هؤلاء بل على قوة الله.

 

آية 7 :- بل نتكلم بحكمة الله في سر الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا.

بحكمة الله في سر = حكمة الله هي تدبير الله للخلاص أي تجسد وفداء المسيح، وبالصليب تم خلاص اليهود والأمم، وصار لهم ميراث السماء = لمجدنا. وهذا هو الإنجيل الذي يبشر به بولس. وكان هذا سراً مكتوماً منذ الأزل، لم يُكشف لا لليهود ولا للأمم بل ولا للملائكة. وإحتفظ به الله سراً حتى لا يفسد الشيطان خطة الصليب (آية 8). وما زال هذا الأمر سراً على غير المؤمنين وعلى الأشرار والأطفال في الإيمان. هو سر لا يدركه العقل البشرى وحده دون أن يستنير بنعمة الروح القدس. وبالروح نكتشف ما أعده الله لنا من مجد. وتدبير الخلاص أزلي أي أنه غير مستحدث. والله كضابط الكل يجعل الأمور تسير بحرية الناس ولكن يتم من خلال هذا قصد الله.

 

 آية 8 :- التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر لان لو عرفوا لما صلبوا رب المجد.

هنا مقارنة بين الكاملين الذين إنكشفت لهم أسرار المجد الأبدي، وبين عظماء هذا الدهر الذين في عماهم الروحي لم يكتشفوا شخص المسيح فصلبوه. وهذه لنا دعوة للتواضع وعدم الشعور بالعظمة، فهذا يطمس العيون، ونعيش في حسد وخصام. لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد

= هذه تنطبق أيضاً على الشياطين، إذ أنهم لو عرفوا حقيقة الفداء، ومن هو المسيح لما حركوا يهوذا ولا رؤساء الكهنة ولا اليهود، بل لعمل الشيطان أن يوقف الصليب. ولاحظ أن المسيح قال عن الشيطان " رئيس هذا العالم " (يو 14 : 30) فهم عظماء هذا الدهر.

 

آية 9 :- بل كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه.

كانت حكمة الله المكتومة في سر ليست فقط في الفداء بل في أنه أعد أمجاد أبدية للإنسان. هنا يظهر الرسول أن حكمة الله التي وهبها لنا، بها نعرف الأمجاد التي أعدها الله لنا في المسيح يسوع. وما أعده الله لنا كان سراً مخفياً قبل المسيح، والآن فالروح يعلنه لنا. ولا توجد آية صريحة إقتبسها بولس الرسول بهذا المعنى. ولكن بولس فهم هذا من (أش 64 : 4 + 65 : 17 + أر 3 : 16). فبولس إستعان بهذه الآيات وأعاد صياغتها بإرشاد الروح القدس.

 

آية 10 :- فاعلنه الله لنا نحن بروحه لان الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله.

الله أظهر لنا هذه الأشياء المكتومة بواسطة روحه الذي يفحص كل شئ حتى أعماق الله = قوله يفحص إشارة للمعرفة الدقيقة الكاملة، فهو يعرف الأشياء العميقة والسرية التي تختص بالله، وبالتالي يعرف مقدار حب الله لنا وما أعده لنا من أمجاد، هو يعرف فكر الله وقصده وتدبيراته. هنا نرى تمايز الروح القدس عن الآب كأقنوم. والله يعلن لنا هذه الحقائق السماوية حتى نشتهيها. ونحن في المسيح إقتنينا حواس روحية يفتحها الروح القدس ويدربها (عب 5 : 14) وهذه غير الحواس الجسدية، وبهذه الحواس تكون لنا القدرة أن نلتقط ونعرف إعلان الروح لنا. والخطية تطمس هذه الحواس الروحية، لذلك فالإنسان الطبيعي(المولود بحسب الجسد يو 1 : 12، 13) لا توجد له هذه الحواس الروحية، وبالتالي لا يستطيع أن يحكم على الروحيات، أمّا المولود من الله فله هذه الحواس. ومن طمست الخطية حواسه الروحية يقول عنه الكتاب " لك إسم أنك حي (بحواسك الجسدية) ولكنك ميت (بدون حواس روحية) (رؤ 3 : 1)" أمثلة للحواس الروحية :- النظر :- طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله (مت 5 : 8) السمع :- من له أذنان للسمع فليسمع ما يقوله الروح للكنائس (رؤ 3 : 6) التذوق :- ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب (مز 34 : 8) اللمس :- جاءت من ورائه ومست هُدْب ثوبه (مت 9 : 20) + قال يسوع من الذي لمسني (لو 8 : 45) " هذه لمسة كلها إيمان " لذلك قال " قوة خرجت منى " (لو 8 : 46).

 

آية 11 :- لأن من من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه هكذا أيضا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله.

نستطيع أن نفهم أن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله بالنظر لأنفسنا فلا يوجد من يعرف ما في داخلي سوى نفسي، خفايا قلبي لا يعلمها سواي، هكذا لا يعلم أمور الله سوى روح الله. لذلك نفهم أننا بالعقل يستحيل أن ندرك أمور الله أو نعرف الله، ما لم يعلن الروح لنا " ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس "(1كو 12 : 3).

 

آية 12 :- ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله.

روح العالم = قد تعنى الروح التي إتخذت معرفتها وحكمتها من هذا العالم الغريب عن الله. وقد تعنى الروح التي لم تتجدد بعد ويسود عليها الشيطان الذي يطمس بصيرتها فلا يمكن أن تفهم أو تقبل البركات الروحية المذخرة لنا في الصليب (2كو 4 : 4 + أف 6 : 11، 12). وقد تعنى روح العالم روح إبليس الذي قيل عنه " الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية " (أف 2 : 2). بل الروح الذي من الله = نحن أخذنا نعمة الروح الذي أعطى لنا من الله لكي نعرف ما وهبه لنا الله، بل أصبحنا نفهم أسرار الله بسهولة كسر الفداء والتجسد

 

آية 13 :- التي نتكلم بها أيضا لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدس قارنين الروحيات بالروحيات.

التي نتكلم بها = بحكمة من الروح القدس نتكلم في الروحيات وليس بحكمة بشرية كالتى يستخدمها البشر في تعاليمهم. الأشياء التي وهبت لنا من الله هي التي نفتخر بها ونعلم بها، ولكن طالما هي روحيات فالأمر متروك لا لحكمتنا البشرية، بل لما يرشدنا إليه الروح القدس ويضعه في أفواهنا. قارنين الروحيات بالروحيات = بالروح القدس ننعم بمقاييس روحيه صادقة فلا نحكم على الروحيات بمقاييس بشرية زمنية، بل نقارن الأفكار الروحية بأفكار روحية والحقائق الروحية نفسرها بحقائق روحية بإرشاد الروح القدس. فبالمقاييس الروحية فمن يترك العالم ويبيع كل ما يملك ويوزعه على الفقراء ويذهب للدير، هذا يعتبر نوع من الجنون، ولكن بالمقاييس التي يعطيها الروح القدس أن مثل هذا الإنسان، إذ عرف الرب يسوع ومحبته حسب كل الأشياء نفاية (في 3 : 8). وبالمقاييس البشرية فلا أحد يقبل الآلام والصليب، أما بالمقاييس الروحية فالمؤمن يفرح بها فهي الطريق الوحيد ليحيا فىّ المسيح (غل 2 : 20). ومن هذه الآية نفهم خطورة إستخدام الآية الواحدة. فإن أردت أن تفهم موضوع إجمع كل الآيات حول هذا الموضوع

 

آية 14 :- ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لانه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لانه إنما يحكم فيه روحيا.

الإنسان الطبيعي = هو الإنسان المولود بحسب الطبيعة من أب وأم، وُلِدَ من دم ومن مشيئة جسد، مشيئة رجل (يو 1 : 13). مثل هذا الإنسان يقول عنه (المزمور 51 : 5) " هانذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي " ويسميه الرسول هنا " الجسدي " (1كو 3 : 1 – 4) ويسميهم في (رو 8 : 5 – 8) الذين هم حسب الجسد. والإنسان الجسدي هو من لم تتجدد طبيعته ولم يولد من جديد، ولم يحل عليه الروح القدس، ولم تعمل فيه نعمة الروح القدس فلم يتجدد قلبياً وذهنياً، يعيش فقط لحياته الجسدية وشهواته، مثل هذا الإنسان تكون كل مقاييسه مادية ولا يفهم الروحيات. لا يقبل التعاليم الروحية التي يعلم بها روح الله، بل تبدو أمامه كما لو كانت غير منطقية أو كأنها جهالات (1كو 1 : 23). فالمرأة ساكبة الطيب تصور البعض أن ما عملته هو إتلاف. والولادة الثانية من الماء والروح لم يستطع نيقوديموس أن يفهم معناها. هذا الإنسان الجسدي لا قدرة له على فهم الأمور الروحية فهذه لا يمكن فهمها إلاّ بواسطة الإستنارة التي يعطيها الروح القدس وهذه ليست موجودة عند الإنسان الطبيعي. مثل هذا الإنسان الطبيعي من طبيعته أنه بسبب الأنا الموجودة فيه يدخل في خصومات وشقاقات ويكون كثير المشاكل (1 كو 3 : 1 – 4). هذا الإنسان يكون غير خاضع لعمل الروح القدس الذي يملأ القلب محبة. هذا الإنسان الطبيعي يريد إثبات ذاته فيتشاجر ويحسد، والحسد فكر داخلي يترجم لعمل خارجي هو الخصومات. لأنه عنده جهالة = الإنسان الطبيعي يعتبر التجسد والفداء والقيامة جهل. يحكم فيه روحياً = كل مالروح الله لا يميزه إلاّ من يسكن عنده روح الله فيعطيه إستنارة ويحرك ذهنه ليقتنع، وحينئذ يطيع الإنسان الوصية بالفكر والإرادة والعاطفة.

 

آية 15 :- واما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يحكم فيه من أحد.

وأمّا الروحي = الإنسان الروحي هو من آمن وإعتمد وحل عليه الروح القدس، ويحيا في توبة ونقاوة، فتكون حواسه الروحية مفتوحة. هذا الإنسان الروحي لم يعد إنسانا طبيعياً بل صار مولوداً من الله (يو 1 : 12). هذا عملت فيه النعمة فجددت ذهنه وفتحت حواسه، صار خليقة جديدة في المسيح (2 كو 5 : 17). لقد أعاد الروح القدس تشكيله من جديد. وهناك مشكلة فإن بعض المؤمنين إذ يسقطون في خطايا كثيرة يعطون لأنفسهم العذر، أنهم مثل باقي البشر، وهذا فيه إنكار لعمل الفداء وتجديد الروح القدس. ولنعلم أن من لا يصير خليقة جديدة تختلف عن العالم فلا نصيب له في السماء (غل 6 : 15). الإنسان الروحي لو أهين سيسمع صوت الروح القدس " لا تنتقم لنفسك " فيقول لمن أهانه " الله يسامحك ". مثل هذا الإنسان يسمع عظة أو يقرأ في الكتاب المقدس فيتزلزل داخله، صارت له حساسية لصوت الله، ولو دعاه أحد لخطية ينفر نفوراً شديداً.

وكيف نكون روحيين ؟ بأن نمتلئ من الروح. وكيف نمتلئ من الروح ؟ بالصلاة والطلب بلجاجة أن نمتلئ (لو 11: 13، 9) + (لو 18 : 1 – 8) ولاحظ أن الإنسان الطبيعي أقصي ما يصل إليه أن يعيش بحسب حكمة هذا العالم، لكنه لا يستطيع أن يمتد ببصره إلي السماء، يفرح بها أو يشتهيها أو يراها. أما الروحي فيستطيع أن يرى السماويات ولكن قطعاً كما في لغز كما في مرآة (1 كو 13 : 12). فالروحي حصل علي الروح القدس الذي يفحص كل شيء حتى أعماق الله. ولكن عمل الروح القدس يبدأ بالتبكيت علي الخطية وعلي البر.. ومن يستجيب يبدأ الروح يعلمه، فهو يعلم ويذكر بما قاله المسيح وبعد هذا يخبرنا عن المسيح فنحبه ومن يمتلئ قلبه حبا تنكشف له السماويات (يو 16 : 8 – 10) + (يو 14 : 26) + (يو 16 : 14) + (1 كو 2 : 10)

ولاحظ أن الرسول هنا يعاتب أهل كورنثوس علي التحزبات والشقاقات بينهم (من يتبع بولس ومن يتبع أبلوس، ولكن وراء كل هذا الأنا). ومعني كلام الرسول أن من لا يزال في شقاق فهو جسداني. أمّا الروحاني الذي إنكشفت له أمجاد السماء، فهو في فرح بما إنكشف له، وما عاد منشغلاً بأي تفاهات في هذا العالم، بل ما عاد منشغلاً بذاته ولا بهذه الأنا.

ولاحظ السلم الروحي الذي في هذه الآيات. فقاع السلم، من فقدوا الحواس الروحية، ولم يعرفوا المسيح فصلبوه.ومثل هؤلاء اليوم من لا يوافق علي أحكام الله ويصطدم به. وقمة السلم الإنسان الروحاني وعينه مفتوحة علي السماء، أحب المسيح وشبع به، ورأي أمجاد السماء.

هذا الإنسان الروحي الذي تجدد بالروح القدس ويقوده روح الله. فهذا تكون له الإمكانية أن يحكم في كل شيء، فهو يستطيع أن يحكم علي الأشياء المادية بحكم أنه إنسان. ويستطيع أيضاً أن يحكم في الروحيات بفاعلية الروح القدس الذي يسكن فيه. لقد صار له روح التمييز. أما الإنسان الطبيعي فلا يُدرك حقيقة الإنسان الروحي ولا الأمور الروحية.

 

آية 16 : - لأنه من عرف فكر الرب فيعلمه وأما نحن فلنا فكر المسيح

لأن من عرف فكر الرب فيعلمه = الاقتباس من (أش 40 : 13) أي الإنسان الطبيعي لا يُدرك ولا يستطيع أن يدرك الإنسان الروحي، فهو غير مستنير بروح الله، وهذا لا يستطيع أن يعرف فكر الله ومشيئته. مثل هذا الإنسان ليس من حقه أن يحكم علينا أو يعلمنا لأنه لا يعرف فكر المسيح. ما يُريد الرسول أن يقوله أن حُكم الفلاسفة على تعليمي باطل فهم لا يعرفون فكر الله. أمّا من عَرِف فكر الرب فهذا يستطيع وله الحق أن يُعَلِّمَهُ للناس، وهذا ما يعمله الرسول. وأمّا نحن فلنا فكر المسيح = الله في محبته حين رآنا غير قادرين أن نقترب إليه بسبب آثامنا، إقترب هو إلينا ليخلصنا، ووضع فينا أن نثبت في المسيح وتكون لنا الحياة هي المسيح (في 1 : 21) (راجع في المقدمة - نقطه (Ι) في "كيف فهم بولس الرسول أهمية الألم والصليب") وبهذا وضع الله فينا كل ما للمسيح حتى فكر المسيح، وفكر المسيح هو فكر باذل وليس فكر شقاق وخصومات. وإن كان الله يعطينا فكره فكيف ننحاز لأشخاص. وهذا هو موضوع الإصحاح القادم الذي يتكلم عن الشقاقات.

 

ملحوظة :- من له فكر المسيح كيف يحكم فيه من أحد.

ولا يعنى هنا أننا صرنا نعرف كل ما يعرفه المسيح، بل أن ما نعرفه هو من عنده.


الإصحاح الثالث

 

آية 1 :- وأنا أيها الاخوة لم استطع أن اكلمكم كروحيين بل كجسديين كأطفال في المسيح.

وإذا كانت الروحيات لا تفهم إلاّ من الروحيين، فأنى أجد نفسي عاجزاً عن أن أخاطبكم كمسيحيين روحيين متقدمين في الروحيات. ولكنى أكلمكم كما أكلم أناساً لا يزالون بعد في حالتهم الطبيعية (لم تصلحهم النعمة)، ولم يتركوا تماماً الإهتمامات الجسدية، كأطفال في الروحانيات، لأنكم لازلتم متعلقين بالأمور الجسدية والدليل ما بينكم من حسد وخصام وشقاق

 

آية 2 :- سقيتكم لبنا لا طعاما لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الآن أيضا لا تستطيعون.

اللبن = الكرازة بالتجسد وبيسوع المسيح المصلوب كفارة لنا وبها نصير أبراراً.

الطعام = هو الشيء المشبع، هو عمق الحياة الروحية، هو اكتشاف شخص المسيح وعمق المحبة له وبالتالي إنفتاح العيون على ما أعده الله في المجد لمحبيه والتي بها يحتقر الإنسان المسيحي العالم بما فيه ويحسبه نفاية. وهذا الطعام هو لمن له القوة الروحية الكافية. وهم لا يستطيعون ذلك بسبب نقص محبتهم والذي ظهر في شقاقاتهم وخصوماتهم. وكل ما يتغذى على اللبن يحكم على الخدام أيهم أعظم.

تأمل للخدام :- الأم تأكل وتحول الطعام إلى لبن بعد أن هضمته وعاشت به وتحول إلى شئ يسري في دمها، وأعطت الخلاصة لطفلها. ويفهم من هذا أنه على الخادم أن ينفذ الوصايا ويشبع بالمسيح ويفرح به ثم يعلم أولاده بعد أن تتحول الوصايا والممارسات الروحية إلى حياة، كما تحول الطعام لحياة تحيا بها الأم أولاً.

 

آية 3 :- لأنكم بعد جسديون فانه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر.

هم جسديون والدليل أن بينهم حسد أدى لخصام وهذا أدى لإنشقاق والحسد هو مجرد مشاعر ولكنها حينما تنتقل للأقوال تجد أن كل شخص يريد أن ينتصر لرأيه فيتولد الخصام. ويتولد عن الخصام الإنشقاق، هنا خرج الخصام من حيز الأقوال لحيز الأعمال. وكل هذا معناه أنهم يسلكون بحسب أهوائهم الجسدية لم يولدوا بعد من الروح، فالمولود من الروح يندفع لحب السلام مع الآخرين ويتغلب على أنانيته وشهواته. عموماً كيف يتحزب إنسان روحي عرف المسيح وأحبه وشبع به لإنسان، أو حتى لرأيه ويحدث بسبب هذا شقاق وخصام.

 

آية 4 :- لأنه متى قال واحد أنا لبولس واخر أنا لابلوس أفلستم جسديين.

تحزبهم لأشخاص دليل أنهم مازالوا جسدانيين لم يتجدد داخلهم بعد. فيما يلي نجد الرسول قد إستخدم ثلاثة تشبيهات للكنيسة :-

1 – أنها فلاحة الله = غرس وسقى. وهذا التشبيه نجده أيضاً في (عب 6 : 7)

2 – أنها بناء الله = ونحن أحجار حية في البناء (أف 2 : 20 – 22 + ابط 2 : 5)

3 – أنها هيكل الله = آية 16

 

آية 5 :- فمن هو بولس ومن هو ابلوس بل خادمان آمنتم بواسطتهما وكما أعطى الرب لكل واحد.

فيما يلي يثبت الرسول أن الفضل في الكرازة ليس للكارز بل الله هو الذي يعمل في النفوس لتؤمن. فلماذا التحيز وراء الخدام. فبولس سبق وبذر كلمة الكرازة أي علم الإيمان بالمسيح وفدائه. ثم أتى أبلوس ورواها بتعاليمه أي علم الجهاد والنمو وحب المسيح. ولكن بدون الأساس الذي غرسه بولس، ما كان عمل أبلوس سيثمر شئ. عموماً لكلٍ دوره في الخدمة، ولكن الله هو الذي ينمى الكلمة في قلوبهم أي يعطى قوة التغيير في قلوبهم والإقناع. وكما أن بولس أكمل أبلوس عمله، أي إحتاج بولس لأبلوس وإحتاج ابلوس لبولس ليكمل العمل هكذا ومع أن الله هو الذي ينمى لكن الله يحتاج لمن يغرس ويروى، ولذلك طلب السيد المسيح منا أن نصلى ليعطى الله فعلة لحصاده (مت 9 : 37، 38). فعمل الله لا يظهر إلاّ بخدام يظهرونه. فالكنيسة هي جسد المسيح، والمسيح هو رأس الكنيسة، ولا يوجد جسد بدون رأس، وأيضاً لا يوجد رأس بدون جسد، فلا يصح أن ننام ونقول الله يعمل، فالله خلقنا لأعمال صالحة (أف 2 : 10). بل منذ البدء خلق الله آدم ليعمل (تك 2 : 5، 15). بهذا نرى أهمية عمل الخدام. والله سيعطى كل واحد بحسب تعبه (آية 8). ومن هنا نرى أهمية الجهاد والتعب. ولكن قول الرسول إذاً ليس الغارس شيئاً (آية 7) يريد به أن يظهر أن نجاح الخدمة سببه هو الله الذي يعمل في الخادم وفى السامع، يعمل مع الخادم ولذلك يقول الرسول " لا أنا بل نعمة الله " (1كو 15 : 10) ويعمل في السامع وينمى (آية 7). وهدف الرسول أن يقول لأهل كورنثوس إن كان الله هو الذي يعمل فينا كخدام وفيكم كمؤمنين فلماذا التحزب لبولس أو أبلوس. الله هو صاحب الفضل في نمو بذرة الإيمان في قلوبكم. بل أن الرسول في نهاية هذا الإصحاح نراه في الآية (22) يرى أن كل الأمور الحادثة في حياتنا هدفها هو خلاص نفوسنا، الله سمح بها لأنها تساعدنا على خلاص نفوسنا، إذاً الخدام الذين علمونا طريق الإيمان مثل بولس وأبلوس وضعهم الله في طريقنا لأجل خلاص نفوسنا، لذلك فلا نفتخر بهم بل بالله الذي أرسلهم لنا والذي أحبنا وبحث عن خلاص نفوسنا وإهتم بنا (آية 21) فأرسل لنا خدامه، بل أتى هو وتجسد ومات عنا ومازال يعمل في قلوبنا لنؤمن وننمو فلنفتخر به وبمحبته.

 

الآيات 6، 7 :- أنا غرست وابلوس سقى لكن الله كان ينمي. والغارس والساقي هما واحد ولكن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه.

لكل خادم عمله ودوره، ولكن الله هو الذي ينمى الإيمان، وبدون عمل الله يصبح عمل كل الكارزين والخدام بلا فائدة وبلا ثمر، أي بدون قوة الإنماء التي يهبها الله. والرسول لا يقلل من شأن عمل الخادم في الخدمة لكنه يرد نجاح الخدمة إلى الله أولاً الذي يعمل مع الخادم ومع السامع. وعمل الكرازة أمر مهم وضروري كما أن الغرس والسقى مهمان للإنبات، فلن يكون هناك زرع وثمار بدون غرس وسقى. لكن الله هو الذي يعطى قوة لنمو الغرس.

 

آية 8 :- والغارس والساقي هما واحد ولكن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه. الغارس والساقي هما واحد = أي عملنا نحن الإثنين (بولس وأبلوس) هو عمل متكامل، كل منا يكمل عمل الآخر، فالجسم يتكون من آلاف الأعضاء ولكنهم كلهم واحد هو الإنسان. وعملنا هو عمل واحد وهدفنا واحد هو خلاص النفوس، حقاً نحن قناتين مختلفتين بعملين مختلفين (غرس وسقى)، ولكن يجرى في القناتين نعمة الله الواحدة، ونحن نقوم بعملين مختلفين لكن الثمر واحد. ليس المهم حياة كل منّا الخاصة، بل المهم أننا أدوات في يد الله الواحد ولهدف واحد، لذلك فلا معنى للإنقسام أو تفضيل أحدنا عن الآخر. ولكن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه = الله هو الذي سيجازى كل واحد بحسب تعبه وهذا ليس شأنكم، فلا تحكموا على أيٍ منا قبل الوقت. ولاحظ أنه قال بحسب تعبه ولم يقل بحسب نجاحه في العمل، فالنجاح هو عمل الله والخادم وسيلة، ومثال لذلك أرمياء النبي الذي تعب كثيراً ولم يكن لخدمته ثمر، لكن الله سيكافئه بحسب جهاده وتعبه.

 

آية 9 :- فأننا نحن عاملان مع الله وانتم فلاحة الله بناء الله.

نحن عاملان مع الله = ما أعظم هذه الكرامة أن يعمل إنسان مع الله.

فلاحة الله. بناء الله = إذاً نحن ملك الله ولسنا ملك رسول أو خادم معين. البناء هو الكنيسة التي يربط الروح القدس بين أعضائها بالمحبة. والله مَالِكْ البناء.

 

آية 10 :- حسب نعمة الله المعطاة لي كبناء حكيم قد وضعت أساسا واخر يبني عليه ولكن فلينظر كل واحد كيف يبني عليه.

حسب نعمة الله المعطاة لي (أي موهبة الرسولية والكرازة) كبناء حكيم = نعمة الله صيرته بناء حكيم يؤسس كنائس بين الأمم. قد وضعت أساساً = كل ما يتعلق بالرب يسوع من حقائق، ليقبلوا الرب يسوع كأساس يفهمون به كل ما يقدم لهم من تعاليم فيما بعد. وبولس وضع الأساس أي الإيمان بالمسيح المخلص وجاء أبلوس كآخر يبنى عليه. وكل من يأتى ليبنى يبنى على هذا الأساس.

ولكن فلينظر كل واحد كيف يبنى عليه = يجب على كل من يأتى ليبنى أن يحترس كيف يبنى على هذا الأساس. هذا الكلام موجه لكل معلم ولكل خادم، فكثيرين بدأوا بالروح وأكملوا بالجسد (غل 3 : 3). فعلى كل من يبنى أن يفهم أن الأساس هو المسيح. الأساس هو الإيمان بالمسيح والبناء هو التعرف على شخص المسيح والشبع بشخص المسيح، وبهذا يفرح المخدوم بشخص المسيح ولا يجد تعزية سوى في شخص المسيح، يكتشف محبة المسيح المتناهية، والتي تحصرنا (2كو 5 : 14). وأنه صانع خيرات ولا يبخل علينا بشيء، فإنه إذ بذل نفسه لأجلنا كيف لا يعود يعطينا ما نريده (رو 8 : 32) هذه المفاهيم تسندنا في أي تجربة (وهناك تجارب كأنها نار). وفى وسط هذه التجارب تأتى الشكوك التي يثيرها عدو الخير بأن الله لا يحبنا. لكن من عرف المسيح حقيقة لن يشك فيه ولن يصطدم به ولن يضعف إيمانه إذ سيجد في المسيح تعزيته، وسيسمع صوت الروح القدس أن كل الأمور تعمل معاً للخير (حتى هذه التجربة) (رو 8 : 28) فيسلم أمره للمسيح، والمسيح يحمل عنه نيره وألمه ولكن هناك أشكال خطأ للخدمة، فهناك خدام لا يهتمون سوى بجذب أكبر عدد بأي وسيلة (خدمات إجتماعية ورياضية وترفيهية.... الخ) وهذه مع أنها مهمة لكن الأساس هو اكتشاف شخص المسيح. وشرح أن العالم سيكون فيه ضيق (يو 16 : 33) ولكن المسيح قادر أن يحمل عنا النير فيصبح هين على الخادم 1) أن يقدم شخص المسيح المشبع لشعبه، ويعلمهم كيف يفرحوا بالمسيح.

2) أن يقدم لهم الحقائق، وأن التجارب والآلام لابد وستأتى وهذا هو أسلوب المسيح الذي لم يخدعنا وقال " في العالم سيكون لكم ضيق ".

3) أن الطريق الوحيد للتعزية وسط الضيق هو الله وليس سواه. هذا هو طريق الخدمة الصحيح، وطريقة البناء الصحيحة. ومن فهم هذا يكون كمن بنى البيت على الصخر، فإذا جاءت الرياح.. (التجارب) لا ينهار البيت (مت 7 : 24 – 27). والكنيسة بناء يبنيها الله المهندس الأعظم وفق خطة وضعها هو.

 

آية 11 :- فانه لا يستطيع أحد أن يضع أساسا آخر غير الذي وضع الذي هو يسوع المسيح.

المسيح هو الأساس، هو صخرة الدهور وحجر الزاوية (مت 16 : 16 – 18 + اش 28 : 16). كل آخر يبنى، يجب أن تكون كل تعاليمه مؤسسة على شخص المسيح وعلى ألوهيته وتجسده وموته وقيامته وفدائه الذي قدمه لنا. هذه هي القواعد التي ينبغى أن يقام على أساسها أي تعاليم. لا يستطيع أحد = تعنى ليس من حق أحد أن يبنى على أساس آخر سوى المسيح. والله يبنى البناء وليسكن فيه. الكنيسة هى بناء، مهندس البناء وواضع التصميم هو الله، وبولس وأبلوس عمال، والمجد كله لمن صمم البناء.

 

تعليق على الآيات 12 – 15 من كتاب المطهر

لقداسة البابا شنودة

 

في (الآية 13) إشارة لنار تمتحن عمل كل واحد فهمها الإخوة الكاثوليك أنها نار المطهر. ولكن النار هنا ليست نار مطهر كما فهموها لأن الرسول لم يقل يخلص في نار أو في النار وإنما كما بنار، فإن كلمة نار إستخدمت هنا بطريقة مجازية وليست حرفية، فهي تشير للضيقات والتجارب التي يُمتحن بها عمل الخادم، أي أنها ليست للتعذيب كنار المطهر، إنها تحرق نوعيات معينة من الخدمة ولا تطهرها. وضياع عمل الخادم وإحتراقه يكون بالنسبة له كالنار التي إذا إجتازها بثبات في الرب ولم يفقد رجاؤه في المسيح فإنه سيخلص بالرغم من فشله في الخدمة. وهناك عدة ملاحظات :-

1 – هذه الآيات قيلت أثناء الحديث عن الخدمة والخدام وليست في مجال الدينونة والعقاب، فلا نفصل الآية عن المناسبة التي قيلت فيها، فبولس وضع أساس الخدمة أي الإيمان بالمسيح وسيترك البناء لباقي الخدام البنائين، ويرى كيف يبنون عليه. وبولس بشر أهل كورنثوس ولكن ماذا حدث بعد ذلك ؟ لقد حدث إنقسام يهدد العمل كله وقال البعض أنا لبولس والبعض أنا لأبلوس فما هو مصير العمل الكرازى ؟ يقول الرسول.. إن من يبنى فوق الأساس الذي وضعه يبنى إمّا ذهب أو... قش. والنار تظهر ماذا يُبنى. إذاً هو يتكلم عن العمل وليس الأشخاص، يتكلم عن خدمة الخدام وليس عن عامة الناس. وهناك من يحترق بسرعة كالقش ولا يمكن إنقاذه، ومنهم من يمكن إنقاذه كالخشب. ومنهم من يتنقى بالنار كالذهب (1بط 1 : 7). إذاً بولس لم يقل أن الأشخاص سيحترقون بنار بل أن عملهم سيحترق.

2) من يخدم بطريقة روحية وهدفه الوحيد هو الله وملكوته ويشجع الناس على الصلاة ويشرح لهم التجارب الروحية ويثبتهم على الإيمان ويصلى عنهم، فهذا يبنى ذهب وفضة لا تتزعزع لأنه يربط النفوس بالله.

3) النار هي نار التجارب والإختبارات الروحية والضيقات هنا على الأرض وعلى الأرض سيظهر عمل كل خادم، واليوم هنا هو يوم التجربة. والنار أيضاً هي نار العدل الإلهي واليوم هنا هو يوم الدينونة. ونار العدل الإلهي ستظهر طبيعية وحقيقة كل نفس. والنار هي إشارة لحريق يقوم في مدينة بعض بيوتها من حجارة (رخام) ومغشاة بذهب، وهذه تقاوم عمل النار وبعضها من قش وطين فستحترق.

4) هناك خدام يبنون ويخدمون بأسلوب خاطئ فهم يعطون معرفة بلا روح، وهؤلاء نجد تلاميذهم مملوئين معرفة بلا روح. وهذا الأسلوب تحاشاه بولس الرسول (1كو 2 : 1، 4 + 1كو 1 : 17). وهذا العمل يمكن أن يحترق فهو بفلسفة وحكمة الناس، فصاحة الخادم تعجب السامعين ولكنهم لا يتعرفون على الله، فإذا صادفتهم التجارب يفشلون، ويجد الخادم أن عمله قد إحترق فيخسر تعبه ويخسر مخدوميه ويخسر مكافأته ولكنه يخلص كما بنار.

5) هناك خدام يحولون خدمتهم لأنشطة وعمل كثير دون التركيز على الجانب الروحي، وهؤلاء ممكن أن يحترق عملهم.

6) يخلص كما بنار = أي يخلص بصعوبة كبيرة، وبجهد كمن يمر في نار ينتشله الله منها قبل أن يحترق (وفى هذا يقول بولس الرسول من يضعف وأنا لا أضعف، من يعثر وأنا لا ألتهب) عمل الخادم الذي يخدم بطريقة خاطئة يحترق، ولكن الله لا ينسى تعبه وينتشله من النار ولا يسمح له بأن يحترق. والنار هنا ليست نار مطهر، لأنه لم يقل يخلص في نار أو في النار، وإنما كما بنار، فالنار هنا لم تكن له وإنما كانت لعمله (آية 13). يخلص كما بناركما إنتشل الرب يهوشع من النار(زك 3 : 1، 2). وهذا مثل قطعة خشب وقعت في النار ولكن رحمة الله تدخلت وإنتشلتها وهى مشتعلة في النار قبل أن تحترق ومنحتها حياة. ولم تكن النار التي إنتشل منها يهوشع نيراناً مطهرية، إذ كان حياً على الأرض ولم يمت بعد، ولكنها الإثم الذي تعرض له، أو تعرضت له الأمة كلها ممثلة في شخصه (زك 3 : 4، 9). والخادم يخلص هنا إذا إنسحق قلبه وقدم توبة بسبب خدمته التي ضاعت وندم على الوسائل الخاطئة التي إتبعها ويخلص كما بنار إشارة لآلامه إذ يرى هلاك من خدمهم. وبنفس المعنى يقول يهوذا " خلصوا البعض بالخوف مختطفين من نار " (آية 22، 23).

7) الكاثوليك يقولون أن البعض يذهب للمطهر، وهذا ضد الآية التي نرى فيها الكل يتعرض للنار، إن كان ذهب أو فضة (قديسين) أو خشب أو قش (أناس عاديين).

8) هذه النار التي يشير لها الرسول هي للإمتحان ليظهر قيمة العمل وليست نيراناً للعذاب.

9) النار هنا تحرق البعض وتبيده، بينما المفروض أن نار المطهر تطهر وتنقى، فكيف تنقى النار القش، هذا لا يمكن تطهيره بالنار، أمّا الذهب فلا يحتاج لتطهير النار.

10) نار المطهر لها تأثير واحد وهو التطهير. بعكس النار في هذا المثل التي تنقى الذهب وتحرق القش.

تعليق على فكرة المطهر :- هل ما لم ينقيه دم المسيح ستنقيه بعض النيران، ألم يكن دم المسيح كافياً. والرسول يقول دم المسيح يطهرنا من كل خطية (1 يو 1 : 7) ونرى في (رؤ 7 :14) أن من يلبسون ثياباً بيض (أي تم تبريرهم) كان هذا بأنهم غسلوا ثيابهم وبيضوا ثيابهم في دم المسيح. لذلك هناك طريقين فقط إمّا السماء لمن كان يسير مع الله، طالباً الله، وإمّا الهلاك لمن رفض الله. والله ليس بمنتقم يأخذ حقه بنيران مطهرية، هل ينتقم منى الله بعد أن مات لأجلى.

 

آيات 12، 13 :- ولكن إن كان أحد يبني على هذا الأساس ذهبا فضة حجارة كريمة خشبا عشبا قشا. فعمل كل واحد سيصير ظاهرا لان اليوم سيبينه لانه بنار يستعلن وستمتحن النار عمل كل واحد ما هو.

ذهباً فضة حجارة كريمة (رخام وجرانيت) = إذاً هذا إشارة لنوعية عمل الخادم. وليفكر كل خادم يبنى على أساس المسيح، هل سيحتمل بناؤه نار التجارب والضيقات الكثيرة التي في هذا العالم. والذهب والفضة والحجارة الكريمة إستعملت في بناء هيكل الله، أما العشب والقش فلقد إستعملت في المباني الوقتية الحقيرة، وبيت الله هو هيكل سليمان. لأن اليوم سيبنيه = يوم التجربة في هذا العالم، أو دينونة اليوم الأخير. لأنه بنار = تجارب هذا العالم أو نار الأبدية. عموماً قيل عن الله " الهنا نار آكلة ". فهي تنقى المخدومين (العينات الجيدة كالذهب والفضة) وتحرق القش منهم (مز 50 : 3 + ملا 3 : 2، 3 + ملا 4 : 1). وهنا في (ملا 3 : 2، 3) يذكر بنى لاوى إذ هم خدام الهيكل. وقد يخدع الخادم الكل بخدمته لكنه لن يخدع الله الذي هو كنار يكشف عمل كل واحدٍ. وإمّا ينقى وإما يبيد. ولاحظ أن الرسول يقصد بالقش والعشب المخدومين الذين بسبب ريائنا في الخدمة صار لهم صورة التدين وهم غير مثمرين، هذا يحدث مع الخادم الذي يجمع الثمر لحساب نفسه، وهؤلاء سيحترقون. يمتحن عمل كل واحد = ولم يقل يمتحن كل واحد، فالنار هي إختبار لعمل الخادم.

 

آية 14 :- إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسيأخذ أجرة.

مكافأة الله للخادم الذي يبنى على أساس المسيح هي مكافأة إضافية علاوة على مكافأته لأجل جهاده لخلاص نفسه.

 

آية 15 :- إن احترق عمل أحد فسيخسر وأما هو فسيخلص ولكن كما بنار.

إن إحترق عمل أحد فسيخسر = يخسر المكافأة أو الأجر الإضافي عن خدمته

سيخلص كما بنار = نار حزنه وآلامه على هلاك مخدوميه. ويخلص بصعوبة كبيرة، وجهاده لكي يخلص، وهو على الأرض، سيكون صعباً جداً، ففي حياة الخادم لا فصل بين حياته الشخصية وخدمته، فالخادم المهمل يصعب خلاصه. هو يكون كإنسان شب حريق في بيته، فخرج بملابسه فقط وبصعوبة كبيرة نجا هارباً من النيران ولكنه فقد كل ما لهُ. سيخلص هذا الخادم إن ثبت هو لنيران التجارب ثم نيران الدينونة. النار هنا نوعان :-

1) حزنه علي ضياع خدمته كذاك الذي حزن علي خسارة كل ما في بيته إذ أكلته النيران.

2) نيران الدينونة أي إمتحانه هو إن كان مخلصاً لله أم لا.

 

أية 16 : - أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم.

ينتقل الرسول من الكلام عن مسئولية الخدام إلي مسئولية كل فرد. فهناك من يفسد البناء، أي يفسد نفسه، بعد أن تعب الخدام في بنائه.

أما تعلمون = من خبراتكم المسيحية ألا تعلمون أنكم أنتم كنيسة الله وروح الله يسكن فيكم. الخبرة الشخصية تعطيني أن أعرف أن الروح القدس ساكن فيَّ فهو يبكت بشدة إن إرتكبت خطية، ويمنعني أن أعمل الخطية (راجع رؤيا حزقيال والنهر حز 47 : 1 – 5). الروح يضع فينا ثماره فيدفعنا أن نحب أعدائنا، ونمتلئ سلام حتى لو كان الآخرين منزعجين. وهنا الرسول يستشهد بخبراتهم الشخصية ويقول أما شعرتم بعمل الروح القدس فيكم.

هيكل الله = الكلمة الأصلية تشير لقدس الأقداس. إذاً الكنيسة هي قدس الأقداس الذي يسكنه الرب. نحن لسنا فقط فلاحة الله وبناء الله بل مسكن الله. شهوة قلب الله أن يرتاح فينا ويستقر بالحب فينا. والقديس كيرلس الكبير يرى أن آدم كان فيه الروح القدس نفخة الله، وبعد السقوط حُرِمَ الإنسان من الروح القدس حتى يوم الخمسين. وهذا معني " فقال الرب لا يدين روحي في الإنسان (تك 6 : 3) " وكان ذلك بسبب إنتشار الخطية. ولكن كانت هناك حالات خاصة يحل فيها الروح القدس علي بعض الأشخاص من شعب الله وهم رؤساء الكهنة والأنبياء والملوك. وأمّا الآن فصار الروح القدس يسكن في كل المسيحيين ولهذا نجد أن الأطفال يتقبلون الحقائق الإيمانية بسهولة. والروح القدس الساكن فينا يكشف لنا فكر الله وأمجاد السماء، ولكن هذا لمن هو ممتلئ من الروح، أما من يقاوم عمل الروح، نجد أن الروح القدس ينطفئ فيه (1تس 5 : 19) فلا يعود يشعر بوجوده أو عمله بل أنه يفسد. كما سنرى. وهذه الآية مع (1كو 6 : 19) تثبت لاهوت الروح القدس كما رأينا (في المقدمة – في " لاهوت الروح القدس").

 

آية 17 :- إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لان هيكل الله مقدس الذي انتم هو.

تأمل في (رو 1 : 21 – 32) :- في (رو 1 : 21 – 25) نرى الناس يحزنون الروح بأفعالهم وذلك بإهانة أجسادهم بالزنا والنجاسة وعبادة آخر غير الله. ونأتى إلى (رو 1 : 26، 27) لنرى أن الله أسلمهم لأهواء الهوان وهنا إنطفأ الروح وفى (رو 1 : 28) نرى فساد الهيكل إذ أسلمهم الله لذهن مرفوض لأنهم رفضوا الله وطردوه من معرفتهم ولم يسروا بطريقه، وبسبب هذا العناد تركهم الله دون رغبة منه، لعنادهم ولفكرهم العاصي المرفوض أمام الله، وبسبب كبريائهم. والنتيجة إرتكاب مالا يليق بكرامة الهيكل وبالتالي فساده، (رو 1 : 29 – 31) بل في (رو 1 : 32) نراهم وقد تحولوا إلى فساد متنقل، وتجاهلوا نهايتهم وموتهم.

إن كان أحد يفسد = بالجري وراء شهواته، ومنها شهوة الحسد الذي يسبب الخصام والشقاق والتحزب، أو أي خطايا أخرى فلا شركة للنور مع الظلمة.

إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله = أفضل شرح لهذه الآية هو ما حدث فعلاً لهيكل الله. فحينما تم بناؤه حل عليه مجد الرب (1 مل 8 : 10، 11) ولكن إذ أفسد الكهنة الهيكل بعباداتهم الوثنية (حز 8 : 3، 4) (نلاحظ هنا أنهم وضعوا تمثالاً وثنياً داخل الهيكل لكن مجد الرب مازال في هيكله فهو يطيل أناته) + (حز 8 : 9 – 12، 16)... لكن بعد هذا فارق مجد الرب الهيكل ولكن على مراحل، كأنه لا يريد أن يفارق شعبه (حز 10 : 18، 19 + حز 11 : 22، 23). وحينما غادر مجد الرب الهيكل لم يعد الهيكل سوى مجموعة من الحجارة لذلك إستطاع البابليون أن يهدموه ويحرقوه سنة 586 ق. م، (2 أى 36 : 19). إن هيكل الله الذي يسكن فيه الله، يجب أن تقدم فيه ذبائح لله. لكن هؤلاء قدموا ذبائحهم لغير الله فأفسدوا الهيكل. فأفسد الله لهم هيكلهم وأحرقه البابليون. ونحن هيكل الله فلننشغل بتقديم ذبائح التسابيح والإنسحاق وفعل الخير والصلوات ونقدم أجسادنا ذبائح حية فبهذا يسر الله ويستمر ساكناً فينا (عب 13 : 15، 16 + مز 51 : 17 + مز 141 : 2 + رو 12 : 1) ولكن من يفعل العكس يحزن روح الله (أف 4 : 30) فينطفئ فيه روح الله (1تس 5 : 19). وإذا فارق الرب الإنسان الخاطئ يصبح بلا حماية، فيهاجمه الشياطين ويفسدوه، يفسدوا صحته وأمواله، بل يخسر حياته الأبدية فمن يحيا مع الله ويسكن الله فيه يملأه الله من بركاته وخيراته الروحية والمادية. ومن يترك الله ويسعى وراء شهواته يتركه الله فلا شركة للنور مع الظلمة (2كو 6 : 14) تخربه الشياطين. ولنرى كيف كان شعب الله يحترم قدس الأقداس ويقدسه، وهكذا ينبغى لنا أن نتعامل مع أجسادنا.

ولاحظ أن الخطية تحزن الروح، ثم تطفئ الروح، وقد تصل لأن ينزع الروح القدس من الخاطئ لذلك نصلى " روحك القدوس لا تنزعه منى " ومفارقة الروح أو إطفاؤه تعنى فساداً، كما لو فارق الروح الإنساني الجسد فإنه يفسد. هذا ما يحدث إذا فارق الروح القدس الإنسان فإنه يفسد وقوله يفسده الله تعنى أن الله يترك الإنسان لعناد قلبه، يجنى ثمار ضلاله، ويصبح خلاصه أمراً عسيراً (راجع ما حدث مع زانى كورنثوس).

لأن هيكل الله مقدس = تعنى مخصص لله، ومكرس لله، وهذا تم لنا حين مسحنا بزيت الميرون، فصار علينا ختم ملكية، صار الله يمتلكنا. وزانى كورنثوس إذ أفسد هيكل الله بزناه أسلمه بولس الرسول للشيطان لهلاك الجسد (1كو 5 : 5) وهذا يعنى أن الشيطان ضربه في جسده وأفسد جسده إذ أفسد هو هيكل الله أى جسده حين سمح لنفسه بأن يزنى مع زوجة أبيه.

 

آية 18 :- لا يخدعن أحد نفسه إن كان أحد يظن انه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلا لكي يصير حكيما.

فلا يحاول أحد أن يخدع نفسه ويحاول أن يجمع بين لذة الخطية وبركات الله. لا يحاول أحد أن يخدع نفسه فيعتقد أن الله لن يفسده إذا أفسد هو هيكل الله. ومن الذي يفسد هيكل الله:

1)     الإنسان يفسد هيكل الله (جسده) بإصراره على الخطية.

2)     الكنيسة ككل يفسدها أفرادها بالشقاق والنزاع والحسد والهرطقات ووراء كل هذا الأنا أو الذات.

الإنسان عموماً يفسد هيكل الله بأفكاره وخططه الرديئة. وإذا كان أحد يعتقد أنه حكيم في تصرفه هذا وهو يبتعد عن الله، فهو في الواقع يخدع نفسه، ومن الأفضل لهُ أن يصير جاهلاً في نظر العالم ويتوقف عن الثقة في حكمته، وليقف عن التصرف بحسب الحكمة العالمية، وليقترب إلى الله فإن في هذا الإقتراب الحكمة الحقيقية. الحكيم حقيقة هو من يصلب ذاته وشهواته والجاهل حقيقة هو من يسير وراء شهواته، ووراء ذاته المنتفخة. هذه الآية تساوى " الله لا يشمخ عليه " (غل 6 : 7 – 9) فمن يظن أنه يقدر أن يجمع بين ملذات الجسد وبركات الله فإنه يخدع نفسه. أمّا من يصلب نفسه ولا يتلذذ بخطايا العالم يصير في نظر العالم جاهلاً (ففي ليلة رأس السنة مثلاً يظن العالم أن من يترك الحفلات الصاخبة ويذهب للكنيسة أنه جاهل) ولكن من يفعل هذا يكون حكيماً حقيقة إذ سيتمتع ببركات الله وبأبديته. وقد تعنى الآية لشعب كورنثوس الذي يتفاخر بالمواهب ويتحزب للحكمة البشرية والفصاحة اللغوية... أنكم رأيتم ما يكون للمعلمين من جزاء تعاليمهم (يخلصوا كما بنار..) فإحرصوا على أنفسكم ولا تفتخروا بحكمة عالمية أو فصاحة بشرية بل ميلوا إلى الحكمة الإلهية. والحكيم في نظر الله هو من يقبل الصليب، أما حكمة العالم فهي ترفض الصليب وتعتبره جهالة. وهذا ينطبق على من يقبل أن يصلب شهواته فيصير جاهلاً في نظر العالم لكنه يصير حكيما في نظر الله.

 

آية 19 :- لأن حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله لانه مكتوب الآخذ الحكماء بمكرهم.

حكمة العالم لا توازى شيئاً بجانب حكمة الله غير المحدودة، وحكمة العالم جهالة عند الله، إذ هي تتأثر بأخلاقهم وسلوكهم وتخدم إتجاهاتهم غير الأخلاقية. ولذلك فإن الله يسخر بهذه الحكمة ويبطل عملها ويقضى على مشورات الأشرار، والله لا يهاجم كل حكيم، بل من عن عمد يفسد عمل الله بحكمته العالمية. مكتوب = (أى 5 : 13) الآخذ الحكماء بمكرهم = مهما بلغ الحكماء من فطنة وإحتيال في مؤامراتهم فهم لا يستطيعون أن يبطلوا مقاصد الله، بل أن الله سوف يسخر منهم ويُبطل كل مشوراتهم، وهذا ماعمله الله مع هامان ومع فرعون إذ أغرقه في البحر وجعل إخوة يوسف يسجدون له. وقد ينتصر الشر مؤقتاً ولكن في النهاية نجده يخدم مقاصد الله ويحققها (مز 2 : 1 – 5). ولذلك فالمؤمن لا يخاف من مؤامرات الأشرار ويقول داخل نفسه إنهم سوف يحققون مقاصد الله ليَّ، فلا أحد يستطيع أن يؤذيني مالم يعط سلطان من فوق (يو 19 : 11).

 

آية 20 :- وأيضا الرب يعلم أفكار الحكماء أنها باطلة.

الإقتباس من (مز 94 : 11). وكما يقول في المزامير أن الله يعرف جيداً أفكار الحكماء بأنها عديمة الفائدة وغير مجدية. أمّا المنفعة الحقيقية فهي في الكتاب المقدس. باطلة = بلا نفع ولا تسبب راحة أو خلاص. ولا تسبب ضرراً لأولاد الله، فلا سلطان لأحد علينا إن لم نخطئ.

 

 

 

آية 21 :- اذا لا يفتخرن أحد بالناس فان كل شيء لكم.

كل شئ لكم = كل ما يضعه الله في طريقكم من ظروف أو من خدام فهو وضعه لخلاص نفوسكم. فالله وضعني أنا بولس وأبلوس في طريقكم لنخدمكم فلماذا تفتخروا بإنسان وضعه الله في طريقكم ولأجل خلاص نفوسكم.

 

آية 22 :- ابولس أم ابلوس أم صفا أم العالم أم الحياة أم الموت أم الأشياء الحاضرة أم المستقبلة كل شيء لكم.

هذه الآية تماثل تماماً " كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله (رو 8 : 28)" ولكنها هنا مفصلة. ففي رومية قال كل الأشياء وهنا فصلها بولس وأبلوس والعالم والحياة والموت... وفى رومية قال للخير ولكن ما هو الخير ؟ هل هو الصحة أو المال ؟ لا بل هو خلاص النفوس، وهذا معنى قولـه كل شئ لكم. " فماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه " بل ما نفهمه من هذه الآية أن كل الأمور التي تصادفنا في حياتنا حتى لو كانت خسارة صحة أو أموال.. هي أيضاً لخلاص نفوسنا. بولس بدأ الآية بأن الله وضع في طريقكم بولس وأبلوس وصفا (بطرس) ليعلموكم الإيمان أى لخلاص نفوسكم، ثم إمتد بصره ليرى أن كل شئ وكل الأمور هي لأجل خلاص نفوسنا. فما يريده الله لي هو خلاص نفسي، ولكن كيف السبيل إلى ذلك ؟ الله وحده يعلم. وهو يدبر كل الأمور لأجل هذا الهدف. فهناك من الظروف ما هو مفرح وهذا يشجعني، ومنها ما هو مؤلم وهذا ينقينى، ويؤدبني. وربما يسمح الله بوجود رئيس في العمل، يكون متعباً لي، أو جار في السكن أو.. كل هؤلاء ما هم إلاّ أدوات تهذبنى لأصل للسماء. لو فهمنا هذه الحقيقة البسيطة لن نعود نشتكى أو نتذمر فنحن لسنا في يد إنسان بل في يد الله، والأمور التي تحدث في حياتنا هي بسماح منه، ومن يفهم هذا لن يفكر في المستقبل، فهو أيضاً في يد الله، وأحداث المستقبل هي لخلاص نفسي. قد يسمح الله بمرض خطير ولكن هدف الله أن أصل للسماء، فما الفائدة من أن أعيش عشرة سنوات زيادة في عمري وتضيع مني السماء. فلنثق أننا في يد الله الحنون الذي لن يسمح إلاّ بما يوصلني للسماء، بل الله لو سمح بتجربة مؤلمة يكون معها العزاء (شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني). ولذلك فالنصرة في المسيحية ليست أن أعيش بلا تجربة، بل أن أمر في التجربة وأنا مملوء تعزية. وما يفتح طريق هذه التعزيات هو الإيمان والثقة بأن الله خير وأن ما يسمح به هو طريقي للسماء. بل هو بجانبي، بل هو الطريق، فهو إجتاز قبلي طريق الألم والموت، وهو قادر أن يحملني فيه ماراً بالتجربة وبالموت إلى السماء. ووجود المسيح بجانبي هو مصدر التعزية، لذلك فمن هم من خارج إذ يرونني في ألمي يستغربون كيف أحتمل هذا الألم، إذ هم لا يشعرون بما أشعر به من تعزية، لذلك فحمل المسيح هين وخفيف.

ومن لا يؤمن بأن ما يحدث له هو من محبة الله، وأن الله صانع خيرات سيشعر بمرارة وسط آلامه، ويظل يصرخ لماذا سمحت بهذا يارب ؟!! مع أنني إبنك وأحيا معك في كنيستك ؟! وهذه هي الهزيمة. والسبب أن من يردد هذا لم يفهم هذه الآية الهامة جداً.

أبولس أم أبلوس أم صفا = كلنا خدام وضعهم الله في طريقكم لخلاصكم.

أم العالم = العالم مسخر لنا لكي نستعمله ولا يستعبدنا، نعيش في العالم ولا يعيش فينا العالم. والله خلق آدم أولاً سيداً للعالم والعالم لا يسود عليه. الله خلق العالم وسيلة نحيا بها إلى أن نصل إليه، لكنه للأسف صار هدفاً فالمال صار هدف والمراكز صارت هدف. فلا مانع أن أملك مالاً ولكن إذا ضاع المال علىَّ ألاّ أحزن.

أم الحياة = فبدون أن أخلق وأحيا ما كان سيكون لي حياة وما كنت سأذهب للسماء. فحياتي تبدأ هنا على الأرض وتكمل للأبد في السماء.

أم الموت = حتى الموت هو لأجل خلاص نفوسنا، فبه نتخلص من جسد هذا الموت الذي سكنت فيه الخطية (رو 7 : 17، 20، 24) إستعداداً لنأخذ الجسد الممجد الذي به سنرى الله. أما هذا الجسد، اللحم والدم لن يستطيع أن يرى الله بسبب الخطية (1كو 15 : 50). وبهذا يصير هذا الجسد حاجز بيني وبين أمجاد السماء، بيني وبين أن أرى الله. لذلك أطلق الأباء على الموت " القنطرة الذهبية للسماء " وهذا ما جعل القديسين يشتهون الموت (رو 7 : 24 + فى 1 : 23). فهو بداية طريق الفرح والمجد.

الأشياء الحاضرة = كل ما يحدث، إذا آمنت بهذا يمتلئ القلب سلاماً. ولا نضطرب لأجل أى حادثة (فهناك من يضطرب إذا تأخر عليه تاكسي أو أى وسيلة مواصلات، فعليه أن يردد أن كل الأمور للخير).

الأشياء المستقبلة = علينا أن نؤمن أن حياتنا فى يد الله، فلماذا نخاف من الغد، الله ستر علىَّ من قبل وسيفعل فى المستقبل " فيسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد " (عب 13 : 8). ومن يخاف يغلق طريق التعزيات فهذا ضد الإيمان والله لا يمكن إرضاؤه إلاّ بالإيمان (عب 11 : 6)

كل شئ = الماضي والحاضر والمستقبل. يعود هنا ليجمع كل الأمور.

لكم = لأجل خلاص نفوسكم، فهذا هو غاية إيماننا (1بط 1 : 9). ولاحظ أن السيد المسيح لم يعدنا نحن المؤمنين به بصحة أو مال... بل بضيق فى هذا العالم (يو 15 : 20 + يو 16 : 33). ولكنه قادر أن يخرج من الجافى حلاوة فهذا الضيق هو الذي يعدنا للسماء.

 

آية 23 :- وأما انتم فللمسيح والمسيح لله

أمّا انتم فللمسيح = من يفهم أن المسيح يدبر كل الأمور لخلاص نفسه، وأنه تجسد ومات وقام وصعد للسماء ليعد لنا مكاناً، فأقل ما نعمله له هو أن نعطيه أنفسنا ونقول له نحن لك يارب، نخدمك العمر كله ونعمل لأجل مجد إسمك. ليس هناك من أحبني مثلك فسأعطيك نفسي، جسدي الذي هو هيكلك سأستعمله إستعمال مقدس " مجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التي هي لله " (1كو 6 : 20) يارب سأضيع نفسي لأجلك، سأبيع كل شئ لأجلك، كل ما تعطيه ليَّ سأخدمك به

والمسيح لله = المسيح تجسد وكان هدفه أن يمجد الله " أنا مجدتك على الأرض " (يو 17 : 4). فالناس لم تكن تعرف الآب وكانت تجدف عليه. وكان المسيح يعلن حب الآب (يو 16 : 26، 27). فكان المسيح يشفى الأعمى ليعلن أن الآب يريد لنا أن تنفتح بصيرتنا الروحية ونرى أمجاد السماء، وكان يقيم الموتى ليعلن أن إرادة الآب أن تكون لنا حياة أبدية فى السماء، ويشفى الأصم ليعلن أن الآب يريد لنا أن نسمع صوت الله. فالمسيح أعلن محبة الآب وإرادة الآب ومن هو الآب ليحب الناس الآب وليمجدوه، فالآب يريد لنا المجد. المسيح كان هو صوت الآب، كلمنا الآب فيه فعرفنا الآب ومجدناه، بفداء المسيح صار أغلب العالم مسيحيين يمجدون الآب. والمسيح جعل الكنيسة جسده وبهذا الجسد سيقدم الخضوع للآب بعد أن كان العالم متمرداً على الآب (1كو 15 : 28). المسيح كرأس لهذا الجسد سيقدم الخضوع للآب وبهذا يتمجد الآب لكي يكون الله الكل في الكل (1كو 15 : 28). والآن غرض كل خدمة هو مجد الله. والمسيح كإبن لله ونحن فيه مارس نوعاً من الطاعة للآب، فهو أطاع حتى الموت موت الصليب (في 2 : 8). وهذه هي الصورة التي خلق الله الإنسان عليها، صورة الحب، حب الله للإنسان وهذا يظهر في عطاياه. وحب الإنسان لله وهذا يظهر في طاعته وخضوعه لله. وهذه الصورة تشوهت بالخطية وأصبحنا لا نرى الكل خاضعاً لله (عب 2 : 8). ولكن المسيح تجسد لكي يجمع الكنيسة كلها في جسده ويعيد الصورة التي أرادها الله منذ البدء، صورة طاعة الكنيسة وخضوعها لله الآب وبهذا يتمجد الآب ويصير الله الكل في الكل هذا هو عمل المسيح وهذا معنى المسيح لله.


الإصحاح الرابع

 

راجع موضوع الصليب والآلام عند بولس الرسول فى المقدمة. ولقد لاحظ بولس الرسول أن أهل كورنثوس يسعون وراء المواهب ليحصلوا على كرامات زمنية. وفى هذا الإصحاح نرى مفهوم بولس الرسول أن الكرامة الحقيقية ليست في المواهب بل في حمل الصليب مع المسيح، ونراه يقول عن نفسه نحن جهال / ضعفاء / بلا كرامة / ُنشتَم / ُيفتَرى علينا / صرنا أقذار العالم.... فهو يقبل أن يهان في خدمته من أجل المسيح. ألم يهان المسيح لأجله. وبولس الرسول رأى في شقاقاتهم وتحزباتهم وراءه ووراء أبلوس أن ذاتهم (الأنا) متضخمة. وكان رأيه أن لا ينتفخوا ويتشيعوا وراء خادم معين، بل يتركوا الحكم لله. فكما رأينا أن الله يضع الخدام فى طريقنا لأجل خلاص نفوسنا.

 

آية 1 :- هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء سرائر الله.

إذاً لا تنظروا إلينا كرؤساء وسادة، بل انظروا إلى كل واحد منا كخادم للمسيح وكمؤتمن على الحقائق السماوية غير المعروفة والتي كشفها الله لنا.

كخدام = أصلها اليونانى عبيد، فنحن عبيد لله ننفذ أوامره. ولا نطلب إلاّ مجده

فليحسبنا = لا تنظروا إلى شعبيتي أو خلافه، فأنا لست شيئاً بل مجرد عبد لله.

وكلاء = إستلم أمانة من الله ليعمل في كرمه (لو 12 : 41 – 47). والوكالة ليست في أشياء مادية بل على سرائر الله = جاءت سرائر باليونانية ميستريون mystries وتعنى قوة خفية، أو معتقد أو مبدأ خفى. وهى تنطبق على الأسرار الكنسية اللازمة لتقديس الإنسان، وتجعله عضواً حياً في جسد المسيح، وتهيأه لحياة الشركة مع الرب الإله. إذاً كلمة وكيل سرائر الله تشير لعمله ككاهن يخدم أسرار الله (رو 15 : 16).

 

آية 2 :- ثم يسال في الوكلاء لكي يوجد الانسان امينا.

ثم يسأل moreover it is required أي أن ما هو مطلوب من الوكلاء أن يكونوا أمناء ومخلصين فيما أوكل إليهم. هو يبدأ هنا في إعطاء درس عن كيفية التعامل مع الخدام بعيداً عن روح التعصب والتحزب. ونراه هنا يقول أن تعاليم الخدام يجب أن تفحص لنرى هل هي متفقة مع تعاليم الكنيسة أو أن هناك شذوذ عن تعاليم الكنيسة. ُيسأل = تفحص نوعية تعاليمهم.

 

آية 3 :- واما أنا فاقل شيء عندي أن يحكم في منكم أو من يوم بشر بل لست احكم في نفسي أيضا.

يوم بشر = هو أطلق على المحكمة البشرية يوم بشر بالمقارنة مع يوم المحكمة الإلهية (يوم الدينونة) المسمى يوم الرب. وليس معنى كلام الرسول هنا هو عدم الإهتمام بكلام الناس بصورة مطلقة، فالسيد المسيح طلب منا أن يرى الناس أعمالنا الصالحة ويمجدوا أبونا الذي في السموات. لكن المقصود هو أن نهتم أولاً بحكم الله وبأن نرضى الله، لا بأن نحوز رضا الناس، فالناس أحكامهم وقتية، وهى حسب الظاهر ولا تخلو من التعصب والجهل بأمور الخدمة. وأحكام الناس تأثيرها لا يمتد طويلاً. ومن يبحث عن رضا الناس وبالتالى عن أن يكون لهُ شعبية كبيرة سيكون بالتالي يبحث عن مجد ذاته. وفى آية 2 نجده يقول أنه يجب أن يفحص الناس في تعليم الخادم، وفى آية 3 يقول أنه لا يهتم بما يقوله الناس والحل سهل، فما يهتم به الخادم بالدرجة الأولي هو أن ُيرضى الله، أما لو إهتم بأن يرضى الناس فسيحاول أن يجد ويقول ما يعجبهم ليحوز على إعجابهم، وهذا فخ للخدام. المهم أن يبحث الخادم عن صوت الله داخله ويردده. بل هو حتى لا يهتم بحكم نفسه على نفسه، فضمير الإنسان لا يخلو من خطأ وهو غير معصوم، ومصيره النهائي لن يتقرر بحكمه على نفسه. بل أن الرسول حين حكم على نفسه قال " الخطاة الذين أولهم أنا " (1 تى 1 : 15) وحين تكلم عن خدمته قال " لا أنا بل نعمة الله التي معي " (1كو 15 : 10) هو في الآية السابقة قال لهم أنه مستعد أن يحاسبوه، ولكنه هنا يحذرهم أن يكون حكمهم خاطئاً وعلى سبيل الإدانة، لأن الناس تعودوا أن يحاسبوا ويدينوا الخدام، وقد يخطئوا فيوبخوا من يستحق الكرامة أو العكس. بل نجد الرسول هنا لا يحاول أن يبرئ نفسه، هو يترك من يتكلم ويدين ليفعل ما يريده ويترك التصرف لله الذي يرى كل شئ.

 

 

آية 4 :- فاني لست اشعر بشيء في ذاتي لكنني لست بذلك مبررا ولكن الذي يحكم في هو الرب.

بالرغم من أن ضميري لا يؤنبني على تقصير ما فى خدمتي فهذا لا يعنى كمال أمانتي " فالله ينسب لملائكته حماقة " (آي 4 : 18). هنا يلجأ لشهادة ضميره وهو كثيراً ما كان يفعل ذلك (أع 23 : 1 + 2كو 1 : 12). ولكن حتى يصلح الضمير للحكم ينبغى أن يسلك الإنسان كما يرضى الله، ومع شهادة ضميره أنه لم يخطئ وجد أن هذا لا يبرره أيضاً، وهذا ما علم به رب المجد " متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون. لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا " (لو 17 : 10) هذا هو الشعور المفروض أن يكون داخل كل خادم، أنه عبد بطال، تاركاً الحكم لله.

 

آية 5 :- اذا لا تحكموا في شيء قبل الوقت حتى ياتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر اراء القلوب وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله.

لا تستعجلوا في إصدار الأحكام على أي منا (بولس أو أبلوس) فهذا من حق الرب وحده، وحتى لا تسقطوا في خطية الإدانة، حتى يأتي الرب = أي يوم الدينونة حين ينير الرب خفايا الظلام = أي يظهر الأفكار الداخلية. أما الناس فيحكموا على الخادم من المظهر الخارجي، كلامه ووعظه. عموماً ماذا يفيد الخادم من قول الناس عنه أنه ليس مثله، المهم رأى الله فيه في يوم الرب.

 

آية 6 :- فهذا ايها الاخوة حولته تشبيها الى نفسي والى ابلوس من اجلكم لكي تتعلموا فينا ان لا تفتكروا فوق ما هو مكتوب كي لا ينتفخ احد لاجل الواحد على الاخر.

حولته تشبيها إلى نفسي وإلى أبلوس = أنا تكلمت عن نفسي وعن أبلوس مع أنني أقصد أن جميع الخدام عليهم أن لا يحسبوا أنفسهم سوى أنهم خدام للمسيح فقط ولا أزيد، هو لا يريد أن يجرح خدام كنيسة كورنثوس لكنه لم يأتى بسيرتهم حتى لا يغتاظوا أو يغضبوا.

فوق ما هو مكتوب = قد يكون المكتوب " سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء " (1كو 1 : 19). لأن من يدين ويحكم على غيره فهو قد إعتبر نفسه حكيماً فهيماً، والإدانة هي أن أسلب الله حقه كديان. وقد يكون الرسول بقوله هذا " ما هو مكتوب " لا يقصد آية معينة، بل يقصد أن هذا ما تعلمناه من الكتاب المقدس عموماً أن ننظر إلى أنفسنا وإلى الآخرين بشيء من التواضع، إذاً علينا ألاّ ننتفخ بروح التبعية والتحزب والتفاخر بإنسان، بولس أم أبلوس أم صفا...

 

آية 7 :- لأنه من يميزك واي شيء لك لم تاخذه وان كنت قد اخذت فلماذا تفتخر كانك لم تاخذ.

لأنه من يميزك = هذه للمعلمين الذين كانوا يطلبون الثناء ويفتخرون بأنفسهم ويؤلفون أحزاباً تدين لهم. وهو يقول لهم لماذا تفتخرون بأنفسكم فكل شئ حسن أخذناه من الله " لا تضلوا يا أخوتي كل عطية صالحة هي نازلة من فوق " (يع 1 : 17). فلماذا تفتخر بما أخذته من الله كأنه من عندك. وما يوجه للناس هو أن كل خادم مميزاته التي عنده هي من الله فلماذا تفتخرون بمعلم أو بخادم وكل ما عنده هو من الله. وعلى كل واحد أن لا يفتخر بموهبته فلا يوجد إنسان خلق موهبته، لكن الموهبة هي من عند الله (1 بط 4 : 10). فلماذا تفتخر بموهبتك كأنك لم تأخذها من الله. وأهل كورنثوس كانت لهم مواهب يفتخرون بها. وعلى كل إنسان أن يفكر هكذا، أن أي ميزة عنده (ذكاء / مال / مركز...) هي من الله، وليشكر الله على ما أعطاه، وأن ينظر لمن ليس عنده ويطلب من الله أن يعطيه، بل يطلب من الله أن يرشده كيف يخدمه ويمجد إسمه بالعطية التي أعطاها لهُ. ولاحظ أن الشيطان إذ لم يفعل سقط من كثرة ما عنده فقال ليس مثلى (أش 14 : 12 – 16). فلنفتخر بالله ليس بما نملكه.

 

آية 8 :- انكم قد شبعتم قد استغنيتم ملكتم بدوننا وليتكم ملكتم لنملك نحن ايضا معكم.

بولس هنا وضع يده على خطية أهل كورنثوس ألا وهى الكبرياء الذي أخذ شكل التدين المريض والتعصب الأعمى. لقد شعروا بسبب المواهب التي أعطاها الله لهم أنهم شبعوا وإستغنوا عن الله سريعاً، وهذا خداع من إبليس أن ُيسقط حديثي الإيمان في خطية الكبرياء والبر الذاتي، هذه ضربة يمينية لكل مبتدئ (قارن مع في 3 : 12 – 14). فهم شعروا أنهم وصلوا لقامات عالية جداً، بل إمتلكوا السماء بينما الرسل أنفسهم مازالوا يجاهدون. بل سعوا للمواهب التي فيها مظهريات ومجد ذاتي كالألسنة ليتفاخروا بها. أما التدين السليم، فمن عنده موهبة يشعر أنه لا يستحقها لخطيته. ولذلك فالله لا يعطينا مواهب كثيرة حتى لا ننتفخ ونتكبر فنضيع، بل في أحيان كثيرة يؤخر التعزيات مع كل جهادنا لخوفه علينا من خطية الكبرياء.

شبعتم = في خيالكم. ملكتم بدوننا = استحوذتم على ملكوت السموات بمفردكم دون أن تشركوننا معكم نحن معلميكم، وهذه سخرية من بولس عليهم، إذ هم تصورا أنهم سبقوا معلميهم كبولس نفسه، فكأن بولس مازال يجاهد ليحصل على ملكوت السموات، أما هم فوصلوا إليه. وليتكم ملكتم لنملك =فوصول المخدوم للمسيح هو تاج مجد للخادم، فلو كانوا قد ملكوا لكان بولس قد شعر ببركات هذا الملك، فله الفضل في هذا الملك. هنا نجد دعوة من بولس لهم ليتضعوا ويشعروا بشعور دائم بالحاجة إلى الله، فالكبرياء هي أن أشعر أنني شئ بدون الرب يسوع(رؤ 3 : 17).

 

آية 9 :- فاني ارى ان الله ابرزنا نحن الرسل اخرين كاننا محكوم علينا بالموت لاننا صرنا منظرا للعالم للملائكة والناس.

آخرين = أنتم تشعرون شعوراً زائفاً أنكم شبعتم وصرتم في المقدمة، أما نحن قد أظهرنا الله أمام أعين الناس كما لو كنا في المؤخرة (وكان الرومان يضعون الأسرى المحكوم عليهم بالموت في آخر موكب النصرة الذي يتصدره القائد المنتصر وجنوده) = كأننا محكوم علينا بالموت = نظهر

كمتهمين حُكِمَ عليهم بالموت " نُمات كل النهار، حسبنا كغنم للذبح " معرضين لأخطار رهيبة بسبب كرازتنا، أما أنتم فلا تواجهون هذه الأخطار. وهذا درس من الرسول أن الشبع الحقيقي ليس هو في المواهب بل في إحتمال هذه الضيقات والإضطهادات، بل درس في إتضاع الرسول إذ يضع نفسه في مؤخرة الصفوف كمن هو غير مستحق الوقوف معهم. وبهذا يعطيهم درساً. فهم تصوروا أنهم ملكوا وهو يقف في الآخِر لا ينتظر كرامة من أحد، صرنا منظراً للعالم للملائكة والناس = أعمالنا تنال تقدير الملائكة وألامنا تنال إشفاقهم وهم يتمنون ظفرنا، أما الناس فيحتقروننا ويتمنون فشلنا، هو قد صار منظراً رديئاً بالنسبة للأشرار، وصار منظراً مكرماً من الملائكة الأخيار.

 

آية 10 : - نحن جهال من اجل المسيح واما انتم فحكماء في المسيح نحن ضعفاء واما انتم فاقوياء انتم مكرمون واما نحن فبلا كرامة.

هذه الآية سخرية منهم علي تخيلاتهم ومقارنة بالواقع الذي يجب أن يروه في حياة الرسول. فهم يبحثون عن الكرامة في العالم، ولكن عليهم أن يتشبهوا بالرسل الذين يبحثون عن الصليب الذي فيه كرامة لله. مشكلة أهل كورنثوس أنهم كانوا بلا ألام فإنتفخوا، أما من يحمل صليبه فلا يصاب بالكبرياء (2 كو 12 : 7) نحن جهال = كما يرانا غير المؤمنين. أما أنتم فحكماء = كما ترون أنفسكم، في نظرة افتخار و غرور، وفي حقيقة الأمر أنتم تجهلون الحقائق الروحية. بل هم إدعوا الحكمة ونسبوا للرسل الجهل إذ أدانوهم.

 

آية 11 : - الى هذه الساعة نجوع ونعطش ونعرى ونلكم وليس لنا اقامة.

هذه هي أوسمة الشرف الحقيقية للخادم وليس كما يتصور الكورنثيون أنها المواهب والإنتفاخ بها. ألام الكرازة هي المجد الحقيقي. نلكم = هذه للعبيد. في مقابل شعورهم بأنهم ملكوا. ليس لنا إقامة = فهو يجول يكرز في كل مكان، دائم التنقل، قد لا يجد ثيابا كافية في برد الشتاء = نَعْري.

 

آية 12 : - ونتعب عاملين بايدينا نشتم فنبارك نضطهد فنحتمل.

هو في كرازته لا يثقل علي أحد. بل يتحمل سخرية غير المؤمنين و شتائمهم ولا يقابل الشر بالشر. نشتم فنبارك = يصلي لأجل من يشتموه. نضطهد فنحتمل = الكلمة الأصلية لنحتمل سائلين الخير لمن يضطهدنا.

 

آية 13 : - يفترى علينا فنعظ صرنا كاقذار العالم ووسخ كل شيء الى الان.

بينما يتكلمون علينا بالكلام الرديء وينسبون إلينا أشياء غير صحيحة فإننا نقابلهم بالكلام الطيب والإرشاد والوعظ. صرنا كأقذار = أصبحنا في نظر من نكرز لهم محتقرين مرذولين ومتهمين ومفترى علينا، ويسيء غير المؤمنين إلي سمعتنا = صرنا وسخ كل شيء إلي الآن. هو يفتخر بهذه الآلام فيها يشارك المسيح.

 

آية 14 : - ليس لكي اخجلكم اكتب بهذا بل كاولادي الاحباء انذركم.

لم أذكر آلامي وأقارن بينها وبين ما تدعونه من غني مواهبكم لأخجلكم بل قصدت أن أنصحكم وأرشدكم وأنبهكم، فلا أقصد الإشارة إلي نقائصكم بل أقصد نصحكم بما فيه خيركم. وبعد ما قال بدأ يُظهر محبته وأبوته فيما يلي.

 

آية 15 : - لأنه وان كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس اباء كثيرون لاني انا ولدتكم في المسيح يسوع بالانجيل.

 ربوات = إشارة للكثرة (الربوة = 10.000). المرشدين = في اليونانية المرشد هو الذي يوكل له بالطفل فيصحبه للمدرسة و يدربه علي الأخلاق الحميدة. أباء = الأب له ميزة علي المرشد قطعا. وبولس ولدهم إذ آمنوا علي يديه فعليهم أن يطيعوه واثقين في أنه يحبهم كأب، فهو الذي بذر بذرة الإيمان، ومن أتي بعده كان يهتم بالتوجيه والتعليم (غل 4 : 19). ونري هنا بولس يقول أنه أب لهم إذ ولدهم في المسيح. وهذا رد علي من يفهمون قول السيد المسيح " لا تدعوا لكم أبا علي الأرض " (مت 23 : 9) بطريقة خاطئة، ويرفضون الأبوة في الكهنوت. فحين قال السيد المسيح هذا، كان يقصد اليهود الذين يظنون أنهم يفتخرون بالألقاب ويسمون أنفسهم هكذا، وأن هذا لفضل فيهم ولعلمهم. ولكن المسيحية تفهم الأبوة الروحية والبنوة الروحية كما قال بولس الرسول هنا تماما أنها في المسيح أي أن الكاهن في المسيح والمولود منه في المعمودية وفي الإيمان هو أيضا في المسيح. كلاهما في المسيح، فلا أبوة خارج عن المسيح، والكاهن يثبت أولاده في المسيح.

 

آية 16 : - فاطلب اليكم ان تكونوا متمثلين بي.

قارن مع (اتس 2 : 5 – 12 + اتس 1 : 6، 7). كأولادي تمثلوا بي كما يتمثل الإبن بأبيه. وهذا يلقي حملاً كبيراً علي الخدام، فهم قدوة. ولذلك نصلي " نجني من الدماء يا الله... " فكم نفس تهلك بسبب قدوتنا السيئة لهم.

 

 

آية 17 : - لذلك ارسلت اليكم تيموثاوس الذي هو ابني الحبيب والامين في الرب الذي يذكركم بطرقي في المسيح كما اعلم في كل مكان في كل كنيسة.

هدف إرسال تيموثاوس أن يصلح طرقهم وحياتهم بأن يذكرهم بالطريقة التي كان بولس يكرز بها في كل مكان وفي كل كنيسة ليتمثلوا به (ببولس).

 

آية 18 : - فانتفخ قوم كاني لست اتيا اليكم.

علي أن بعضاً منكم كانوا يكذبون حقيقة مجييء إليكم، ومن إنتفخوا ومن تمادوا في خطيتهم كمن زني مع إمرأة أبيه ظنوا أنني لن أجيء وأعاقب.

 

آية 19 : - ولكني ساتي اليكم سريعا ان شاء الرب فساعرف ليس كلام الذين انتفخوا بل قوتهم.

حين يأتي الرسول سيختبر قوة هؤلاء الذين كانوا يتكلمون وهل لهم قوة حقيقية من الروح القدس أو مجرد كلمات إنتفاخ وذلك من ثمارهم أو العكس أي تدينهم الظاهري وجدلهم العقيم وإحتقارهم للسلطان الرسولي.

 

آية 20 : - لأن ملكوت الله ليس بكلام بل بقوة.

ملكوت الله ليس كلاماً جميلاً نردده بل هو حياة نعيشها بقوة الله. وهو يتأسس في النفوس ليس بالكلام، إنما بقوة عمل الله في النفوس التي تجذب القلوب وتدفعها للإيمان بالمسيح، فتعيش هذه النفوس بالتقوى بقوة معونة الله، ولنري في حياة القديسين أمثلة جبارة، فهذا شاب يربطونه إلي عامود ويدخلوا إليه إمرأة عاهرة لتسقطه فتخرج من عنده مؤمنة بالمسيح.

 

آية 21 : - ماذا تريدون ابعصا آتى إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة

هو يطلب إليهم أن يصلحوا أحوالهم حتى لا يأتي إليهم بعصا = تأديب وتأنيب ولوم. بل يرونه كأب محب في وداعة. وبولس بحكمة الروح القدس عَرِف متي يستخدم العصا ومتي يستخدم الوداعة مع خاطئ كورنثوس، هذه الآية مقدمة لإصحاح (5) الذي فيه نري الرسول يستخدم العصا. وهو عموما كأب حكيم يعرف متي يستخدم العصا ومتي يستخدم المحبة ليجذب النفوس لله. ولكننا رأينا في سفر الأعمال كيف أن بطرس عاقب حنانيا وسفيرة بالموت وهنا نري بولس يُسلم الزاني للشيطان لهلاك الجسد. فكانت العقوبات في بداية المسيحية لإظهار أن الله قدوس لا يحتمل الخطية، وحتى لا يشعر الناس في البداية أن الحرية في المسيحية معناها فوضي. فالعصا كانت هي السلطان الرسولى والذي به يعاقب الرسل الخطاة.


الإصحاح الخامس

 

[راجع في المقدمة " سلم الدرجات الروحية" وهي في الإصحاحات (5 – 7)] فإذ تحدث هنا عن الزاني الذي زني مع إمرأة أبيه و صار جسداً واحداً مع زانية، كأنه جسد بلا روح، بلا نصيب في الحياة الأبدية، فهو أطفأ الروح القدس الذي فيه، تعجب الرسول أن هناك من لا يزال في قاع السلم بينما أن الطريق مفتوح لكل واحد أن يكون روحاً واحداً مع الله، هذا إذا التصق بالله. لذلك جاء في هذه الإصحاحات كل هذه الدرجات الروحية.

و بولس الرسول بدأ هنا في علاج كبريائهم بأن يفضح الخطية التي في وسطهم، فهو يقول أن الكبرياء الذي فيكم و الغرور الذي ملأكم أعماكم عن الخطية التي في وسطكم و بدلاً من أن تنشغلوا بالتحزب والإدانة و المشاحنات فلتنظروا للفساد الذي دخل فيكم و بدأ يقوض إمكانية تغييركم للقداسة. و هو يشير هنا لشخص يزني مع زوجة أبيه وإشتهرت القصة ولم يلومه أحد، فربما كانوا معجبين بفصاحته و بلاغته. و يقول ذهبي الفم أن هذا الزاني كان رجلاً معروفاً ومن الأعيان. و أنه كان يعيش في زنا مع زوجة أبيه بينما كان أباه ما زال حياً (2 كو 7 : 12) (فيكون المذنب إليه في هذه الآية هو الأب نفسه الذي تخونه زوجته مع إبنه). و هم سكتوا عن هذه الخطية لأن كبريائهم أعمي عيونهم، فهم كانوا شاعرين بأنهم قد إستغنوا و فيما كانوا يزعمون أنهم قديسين كانت الخطية تعبث داخلهم

 

ملخص سلم الدرجات الروحية.

1-   مربع نص: هؤلاء لا يرثون ملكوت الله.

 

مربع نص: {

 

مضاجعو الذكور

2-   الزناة

3-   أصحاب الزواج الثاني

4-   أصحاب الزواج الأول و لكن بلا ضوابط للعلاقات الجسدية حتى في الصوم

5-   أصحاب الزواج الأول و هؤلاء يضبطون أنفسهم في الأصوام فيمتنعون عن العلاقات الجسدية علي أن يكون ذلك بموافقة الطرفين

6-   من يعيش في تعفف كأنهم بلا زواج

7-   البتوليون الذين يرفضون الزواج حبا في الله و لتذوق السمائيات و حتى لا تشغلهم أمور الزواج عن الله

8-   كلما قمع الإنسان جسده وإستعبده يرتفع في درجات السلم، بشرط أن يلتصق بالله

 

آية 1 : - يسمع مطلقا ان بينكم زنى و زنى هكذا لا يسمى بين الأمم حتى أن تكون للإنسان امرأة أبيه.

مطلقًًاً = ACTUALLY REPORTED. قد شاع فعلاً بينكم = ترجمة أخرى. أي أن الكل قد عَرِف، والموضوع صار معلناً. هكذا لا يسمي بين الأمم = هذا أمر تعف عنه حتى أخلاق الأمميين أن تكون لإنسان إمرأة أبيه.

 

آية 2 : - فانتم منتفخون وبالحري لم تنوحوا حتى يرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل.

أفأنتم مفتخرون = بهذا وضع الرسول يده علي المشكلة، لقد صاروا عميانا بسبب إنتفاخهم. وبدلاً من أن يخجلوا بسبب هذا التصرف فهم يمتلئون غروراً بحكمتهم ومعرفتهم ومواهبهم، وربما تفاخروا بهذا الزاني، إذ كان بليغاً. ولم يظهروا رفضاً لهذا التصرف وحزناً وخوفاً من غضب الله والخراب الآتي بسبب غضب الله = لم تنوحوا. فبسبب خطية عاخان إنهزم الشعب في عاى وقيل " في وسطك حرام ياإسرائيل "، وبسبب هذا الحرام تخرب الحياة أو الكنيسة. وبعد ذلك إذ أدان الشعب عاخان إنتصروا. وكلام الرسول يعني لومهم أن قلوبهم لم تتحرك لتنقية مجتمعهم المسيحي وعزل هذا الخاطئ. فالكنيسة كلها جسد واحد، ولو حدث فساد لعضو (غرغرينا) سيموت الجسد كله إن لم يقطع العضو الفاسد.

 

آية 3 : - فاني أنا كأني غائب بالجسد ولكن حاضر بالروح قد حكمت كأني حاضر في الذي فعل هذا هكذا.

كأني غائب بالجسد = فهو في أفسس. نري الرسول هنا يستخدم السلطان الممنوح له من الله ليؤدب الخاطئ، وهو مع أنه غير موجود معهم بالجسد إلاّ أنه موجود معهم بعقله وروحه، وبهذا يحكم كما لو كان حاضراً فعلاً.

 

آيات 4، 5 : - باسم ربنا يسوع المسيح إذ انتم وروحي مجتمعون مع قوة ربنا يسوع المسيح. ان يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع.

هنا نري بولس يعقد مجمعاً، من الكنيسة كلها ومنه كرسول ولدهم في المسيح، وله سلطان رسولي. بإسم ربنا يسوع = كرأس للكنيسة، وهو مصدر قوة الكنيسة وهو مصدر قوة وسلطان بولس كرسول للكنيسة. وهذه تشير لحضور المسيح المستمر في كنيسته. والروح القدس هو الذي يعطي الإرشاد في القرار. وهذه الكنيسة المجتمعة لها سلطان للعقوبة أعطاه الرب يسوع للكنيسة ممثلة في أساقفتها (مت 16 : 19 + مت 18 : 18 + يو20 : 22، 23) وما هي العقوبة ؟. أن يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد = حرمان أو قطع الخاطئ الشرير من الكنيسة هو تسليمه في يد الشيطان، إذ قد فقد الحماية التي يحميها المسيح للكنيسة عروسه، مثل خروف أُبْعِدَ عن القطيع فيسلَّم للذئاب. وهذا يحدث مع كل خاطئ يستمر في خطيته فينفصل عن الكنيسة جسد المسيح ويكون عرضة لضربات إبليس. إذاً العقوبة هي القطع من الكنيسة حتى يعاقب الخاطئ علي فعلته، وحتى يكون في هذا تأديب لجسده فيمكن أن تخلص نفسه في يوم مجيء الرب الثاني = لكي تخلص الروح والمقصود أن يؤدًّب هذا الإنسان بأمراض في جسده وبأتعاب وضيقات حتى يندم و يعود طالباً المغفرة (2 كو 2 : 6 – 8). و الله إستخدم الأسلوب نفسه مع أيوب لينقيه من خطية البر الذاتي، بل إستخدم هذا الأسلوب مع بولس نفسه حتى يحميه من الإنتفاخ (2 كو 12 : 7). ولكن العقوبة الجسدية لا تعفي الإنسان من الهلاك الأبدي إن لم يقدم توبة. ولو قدم الإنسان توبة حتى بعد أن خسر يد أو رجل فهو سيدخل السماء بجسد كامل وليس ناقصاً. والعقوبات تتصاعد تدريجياً. ولكن إن قدم توبة تتوقف عند هذا الحد، وهذا ما حدث مع الإبن الضال ومع يونان.

 

آية 6 : - ليس افتخاركم حسنا ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله.

ليس إفتخاركم حسناً = قال ذهبي الفم أن هذا الزاني كان من ذوي الحكمة العالمية فكانوا يفتخرون به، وهم إفتخروا أيضاً بمواهبهم. ولكن الرسول يقول لهم لا تفتخروا بمثل هذا الخاطئ فوجوده بينكم سيفسد الكنيسة كلها، كالخميرة التي تعمل في العجين كله، عمل الخطية في إفساد الطبيعة البشرية. الخطية ترعي كآكلة (غرغرينا)لا تكتفي بحد طالما لا تجد من يقاوم إمتدادها. ولا ينفع معها أن يتجاهلها الإنسان بل الواجب قطعها وهذا ماعمله الرسول. وإذا فهمنا أن الإفتخار الذي يشير إليه الرسول هنا بقوله ليس إفتخاركم حسناً هو إفتخارهم بمواهبهم فالمعني أن إفتخارهم جعلهم لا يهتمون بمثل هذه الخطايا، ولم يدركوا أثارها السيئة وأنها ستؤثر علي الآخرين. وكلمة خميرة إستخدمت بالمعني السيئ أي إنتشار الشر في (مت 16 : 6 + مر 8 : 15 + لو 12 : 1 + غل 5 : 9) وإستخدم المسيح معني الخميرة بالمعني الصالح أي إمتداد وانتشار ملكوت السموات في (مت 13 : 33 + لو 13 : 21).

 

آية 7 : - إذا نقوا منكم الخميرة العتيقة لكي تكونوا عجينا جديدا كما انتم فطير لان فصحنا أيضا المسيح قد ذبح لاجلنا.

نصيحة بولس الرسول لأهل كورنثوس أن يستأصلوا الشر وذلك بإستبعاد الشخص الذي أخطأ، لان قبولـه في الكنيسة سيؤثر علي بقية الأعضاء مثل تأثير الخميرة في العجين كله، وكما أن اليهود بحسب الشريعة كانوا يعيدون الفصح بالفطير ثم يعيدون 7 أيام عيد الفطير يأكلون فيها فطير دون خمير. وكانوا في تدقيق شديد يفتشون بيوتهم قبل ذبح الفصح حتى يضمنوا خلوها تماماً من أي خمير طوال أيام الفطير السبعة، والتي تأتى بعد الفصح (خر 12 : 15 + 13 : 6، 7) هكذا نحن أيضاً وقد صار المسيح فصحنا، إذ قد ذبح لأجلنا فحررنا من الخطية، يجب علينا أن ننقي أنفسنا من أي شر ونسلك بما يليق بأولاد الله، إذ قد أصبحنا عجيناً جديداً بالمعمودية لنعيد الفصح الإلهي وحياتنا كالفطير لا يوجد بها شراً وخبث. ورقم (7) هو رقم الكمال إشارة للحياة كلها التي يجب أن نقضيها بلا خطية. فلا فرح ولا عيد إن كان هناك شر وفساد.

الخميرة العتيقة = سواء خطية أو خطاة (كالزاني الذي كان يجب عزله عن الكنيسة) والمعمودية لنا هي عبور، هي عيد الفصح، عبور من الخطية للحياة الجديدة. إذاً لابد أن نحيا 7 أيام (العمر كله فرقم 7 يشير للكمال) علي الفطير(بلا خطية)

 

آية 8 : - إذا لنعيد ليس بخميرة عتيقة ولا بخميرة الشر والخبث بل بفطير الاخلاص والحق.

إذاً لنعيد = ربما كان الوقت عيد الفصح أو أن الرسول يحسب أن الحياة الكنسية هي كحياة مقامة في الرب يسوع هي عيد فصح مستمر، نحتفل بلا إنقطاع بممارسة الحياة النقية المقامة مع الرب فصحنا، أو هو العيد الدائم للكنيسة أي القداس والتناول، وما يجب أن يسبقها من توبة وإعتراف. إن الحياة المسيحية تُشَبَّهْ بعيد دائم. ولنعيد بدون خطية أي بدون خميرة الشر = فالعيد والفرح لا يكونان إلاّ إذا إمتنعنا عن الشر والخبث. إخلاص = تشير للسلوك والتصرف الخير الفاضل. والحق = تشير إلي المعرفة أي إلي الحقائق والعقائد السليمة. فعلي المسيحي إذن أن يسلك حياة خيرة فاضلة تتفق مع الحقيقة الإلهية.

 

آية 9 : - كتبت إليكم في الرسالة ان لا تخالطوا الزناة.

في الرسالة = يقول ذهبي الفم أن الرسول يقصد نفس هذه الرسالة أي الرسالة الأولي لكورنثوس، حيث طلب منهم في هذا الإصحاح بالذات ومن أول آية أن يرفعوا من وسطهم الذي فعل هذا الفعل الرديء. والبعض يقول أن هناك رسالة مفقودة قال لهم فيها هذا، وهذا رأي مستبعد.

 

آية 10 : - وليس مطلقا زناة هذا العالم أو الطماعين أو الخاطفين أو عبدة الأوثان و إلا فيلزمكم ان تخرجوا من العالم.

و ليس مطلقاً = لا أعني علي وجه الإطلاق. أي الرسول لا يقصد قطع كل علاقة بأي خاطئ من غير المؤمنين، وإلاّ ستنقطع علاقتنا بالمجتمع البشري كله، فالعالم مملوء زناة و طماعين وخاطفين وعبدة أوثان. وبهذا المفهوم قال السيد المسيح " لست أسألك أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير " (يو 17 : 15)

 

آيـة 11 : - واما الان فكتبت إليكم ان كان أحد مدعو أخا زانيا أو طماعا أو عابد وثن أو شتاما أو سكيرا أو خاطفا ان لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا.

إن كان أحد مدعو أخاً = أي المقصود عزل المسيحي الذي يشتهر بخطيته وحرمانه من الشركة الكنسية، وهذا سلطان الكنيسة أن تعزل من الشركة وبالذات من سر الإفخارستيا. فموضوع العزل والمقاطعة خاص بالمؤمنين.

أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا = قوله لا تؤاكلوا قد تفهم لا تشتركوا معهم في طعامهم وبالأولى لا تشركوهم معكم في مائدة الإفخارستيا التي يجب أن يمنع عنها الخطاة، وذلك حتى يتوبوا. ويكون هدف القطع هو حثهم على التوبة.

 

آيـة 12 :- لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج ألستم انتم تدينون الذين من داخل.

ماذا لي أن أدين الذين من خارج = أي لا سلطان للكنيسة على غير المؤمنين، ولكن فقط على المؤمنين، ليس من عمل الكنيسة أن تدين أحداً من غير المؤمنين. ألستم أنتم تدينون الذين من داخل = أنا كما أنتم أحكم وأدين وأعاقب الذين هم مؤمنين. وليس المقصود هو الإدانة بمنطق أنني الأفضل، لكن بدافع المحبة الأخوية، وخوفاً على نفس الخاطئ من الهلاك وكمحاولة لإصلاحه، وخوفاً على الكنيسة من غضب الله. إذاً على الكنيسة أن تحرص بإستمرار على تنقية نفسها من أي فساد للعالم يتسلل إليها عن طريق أي عضو فيها.

 

آيـة 13 :- أما الذين من خارج فالله يدينهم فاعزلوا الخبيث من بينكم

الله يدين الجميع لكن من هم بالداخل أي المؤمنين، فالسلطان الكهنوتي له أن يطبق عقوبات وتأديبات عليهم. فإعزلوا الخبيث من بينكم = هذه هي العقوبة التي توقعها الكنيسة على كل مؤمن شرير.

الرسول في حديثه يقصد قرار الكنيسة بإدانة الأشخاص وقطعاً لا يقصد أن ندين بعضنا بعضاً كأفراد، فهذا ينطبق عليه " لا تدينوا لكي لا تدانوا ".


الإصحاح السادس

 

يناقش الرسول هنا قضيتين

 1) التقاضى أمام المحاكم الوثنية.

 2) الهروب من الزنا المحيط بهم.

 

آية 1 :- أيتجاسر منكم أحد له دعوى على آخر أن يحاكم عند الظالمين وليس عند القديسين.

إذا كان المؤمنين لهم حق أن يحكموا ويدينوا الإخوة الذين من داخل الكنيسة، لذلك فإنني أتساءل كيف يجرؤ أي شخص منكم يكون له شكاية على شخص آخر، أن يحاكمه أمام المحاكم الوثنية = عند الظالمين = وهم القضاة الوثنيين عبدة الأوثان، وليس عندهم فكرة سليمة عن العدالة. أليس الأفضل أن تذهبوا لرجال الكنيسة = القديسين = هؤلاء يسكن فيهم الروح القدس. وبولس لا يعنى بصفة مطلقة أن كل قانون مدني هو ظالم لأنه هو نفسه التجأ للقانون المدني ليحميه (أع 18 : 12 وما يليه + أع 22 : 25 + أع 25 : 10 – 12) لكنه يرى أن إلتجاء أخوين مسيحيين لمحاكم وثنية هو فشل للكنيسة وهو عيب فبولس لجأ للقضاء حينما كانت المشاكل بينه وبين الرومان، ولكن حينما إضطهده إخوته اليهود لم يلجأ للقضاء.

 

آية 2 :- ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم فان كان العالم يدان بكم افانتم غير مستاهلين للمحاكم الصغرى.

قارن مع (مت 19 : 28) سيدينون العالم = لكن كيف ندين العالم ؟

أ‌)        في هذه الآية نرى قمة تحقيق الوحدة بين المسيح الديان كرأس لكنيسته وبين كنيسته المنتصرة.

ب‌)    سلوكنا البار سيكون كنقطة بيضاء وسط سواد العالم الخاطئ فيفتضحون

ج‌)     سيدين القديسون بتعاليمهم التي ملأت الدنيا، ورَفَضَها الخطاة.

ء) وفى اليوم الأخير سيمتلئ المؤمنون من الروح القدس وهو سيعطيهم حكمة غير عادية وإستنارة فيدركوا حكمة أحكام المسيح على الأشرار ويوافقون عليها، ويعطونه المجد على كل أحكامه التي يظهر فيها العدالة الإلهية وسيتطابق حكمهم مع حكم المسيح. وحتى على الأرض فالإنسان الروحي المملوء من الروح يحكم في كل شئ حكم صائب (1كو 2 : 15).

وإذا كنتم تستعملون كمثال ومقياس يحاكم على أساسه البعيدون عن الله وإذا كنتم ستدينون العالم وتقاضون الآخرين، أفلستم مستحقون لأن تقيموا محاكمات تقاضون فيها هذه الأمور الصغيرة.

 

آية 3 :- ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة فبالأولى أمور هذه الحياة.

سندين ملائكة = المقصود الملائكة الساقطين (الشياطين) الذين سوف ندينهم بحياتنا الطاهرة بالرغم من محاولاتهم إسقاطنا في الخطية، هؤلاء لم يحفظوا رياستهم وهم دون حروب من الخارج، بينما نحن حفظنا طهارتنا ونحن في حرب مستمرة منهم.

 

آية 4 :- فان كان لكم محاكم في أمور هذه الحياة فاجلسوا المحتقرين في الكنيسة قضاة.

المحتقرين = أي من تنظرون إليهم في إحتقار، وهم من رجال الكنيسة والمعنى أن أحقر من في الكنيسة لهو أفضل من الظالمين فهو مرتشد بالروح القدس. إذاً إتخذوا قضاتكم من رجال الكنيسة فهذا أفضل من عُباد الأوثان.

فإن كان لكم محاكم = أي إن كان بينكم قضايا تستحق الذهاب للمحاكم.

 

آية 5 :- لتخجيلكم أقول اهكذا ليس بينكم حكيم ولا واحد يقدر أن يقضي بين اخوته.

ليس بينكم حكيم = إشارة لاذعة للكورنثيين الذين يدّعون الحكمة (1كو4 : 10). هم لكبريائهم فقدوا البصيرة فلم يعد بينهم حكماء يحكمون لإخوتهم، وهذا ما يخجل أنهم وصلوا إلى هذا الحال = لتخجيلكم.

 

آية 6 :- لكن الأخ يحاكم الأخ وذلك عند غير المؤمنين.

مما يخجل أن الأخ المسيحي يحاكم أخاه المسيحي عند قضاة غير مؤمنين.

 

آية 7 :- فالان فيكم عيب مطلقا لان عندكم محاكمات بعضكم مع بعض لماذا لا تظلمون بالحري لماذا لا تسلبون بالحري.

فيكم عيب مطلقاً = عيب على الإطلاق أن يكون فيكم كذا وكذا.. أي لا إستثناءات فى هذا الموضوع. لماذا لا تُظْلمون = هذا مبدأ وضعه السيد المسيح نفسه (مت 5 : 39، 40). فالمؤمن الحقيقي يقبل الظلم والضيق بفرح، فلماذا يلجأ إلى محاكمة أخيه حيث يمكن أن يُحكَمَ على أخيه ظلماً. هذه المحاكمات بينكم علامة أنكم بعيدين عن روح الحب = عيب = بعيدين عن روح إحتمال بعضكم بعضاً، وإن كان المفروض أن نحب المسيئين إلينا فكم بالأولى إخوتنا ومن يُظلَمْ ينصفه الله ويكافأه ومن يظلم يدينه الله، فإختاروا الأحسن أي أن تقبلوا الظلم = لماذا لا تظلمون بالحرى = عموماً من يؤمن أن له ميراث سماوي لن يهتم بأن يُظْلَمْ. ومن يخاف من أن يلجأ لحكم الكنيسة في قضية ما، هو خائف أن يُظْلَمْ. وبولس يقول له ولماذا لا تقبل أن تُظْلَمْ، والله قادر أن يعوضك إذا إلتجأت إليه وإلى كنيسته. وأيهما أفضل أن تُظْلَمْ من ناس مملوئين من الروح القدس ويعوضك الله، أو يظلمك القاضي الوثني (وهذا جائز جداً فكل إنسان معرض للخطأ)، ولكن هنا لن يعوضني الله لأنني رفضت الكنيسة وحكمها.

 

آية 8 :- لكن انتم تظلمون وتسلبون وذلك للاخوة.

بدلاً من أن نقبل الظلم نظلم نحن إخوتنا. فقد تحكم لنا المحاكم بأكثر من إستحقاقنا فكأننا سلبنا أخوتنا وبهذا نحرم من ميراث ملكوت الله. ومن (مت 18 : 15 – 17) نفهم أنه علينا أن نتعاتب ونشتكى للكنيسة ولا نسكت على الظلم ولكن في إطار المحبة داخل الكنيسة ومن يرفض حكم الكنيسة نختصره ولا نكرهه بل نصلى لأجله.

 

آيات 9، 10 :- أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مابونون ولا مضاجعو ذكور. ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله.

لا تضلوا = لا تنخدعوا، لا تخدعكم قلوبكم أو أفكاركم الخاصة. إن هذا الذي تفعلونه إنما تفعلونه عن جهل. ألا تعلمون أن الذين يسلبون غيرهم لا يرثون ملكوت الله فأحذروا من أن تنخدعوا لأن هناك أعمالاًً شريرة تمنع الإنسان عن أن يكون له الحق في ميراث ملكوت السموات. ومن سلسلة الخطايا التي أوردها الرسول نفهم أن الظلم يتساوى بالزنا، وهنا تحذير من الخطايا المنتشرة في كورنثوس بين الوثنيين، ووضع عبادة الأوثان وسط خطايا الزنا، فعبادة الأوثان إرتبطت بالزنا في هياكل الأوثان، وأيضاً بالشذوذ الجنسي = مأبونون = مخنثون شواذ جنسياً يُسْتَعْمَلون كالأنثى. وهم موجودون في الهياكل الوثنية مع العاهرات. وكل هذه الخطايا المذكورة تمنع من ملكوت السموات، ومعها الظلم الذي هو عبادة أوثان (كو 3 : 5). فالطماع يريد أن يزيد دخله ليؤمن مستقبله بينما أن تأمين المستقبل وتدبيره هو عمل الله، والطماع صار العالم هدفاً لهُ، إلهاً يسعى لإرضائه بدلاً من أن يكون وسيلة يعيش بها

 

آية 11 :- وهكذا كان أناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح الهنا.

وأنتم أيها الكورنثيون كنتم تمارسون هذه الخطايا قبل إيمانكم وقبل معموديتكم = إغتسلتم وبها غُفرت خطاياكم وإنقطعت علاقتكم بهذه الخطايا

إغتسلتم = غُفرت خطاياكم السابقة، بموتكم مع المسيح

تقدستم = صرتم مخصصين ومكرسين للرب

تبررتم = التبرير ليس فقط هو غفران الخطايا بل أن نحيا في أعمال بر يعطيها لنا المسيح الذي يحيا فينا (غل 2 : 20) والمقصود هو أنه قد إنقطعت كل علاقة لكم بشروركم الماضية وصارت لكم حياة بارة، وصرتم مخصصين للرب يسوع

بإسم الرب يسوع وبروح إلهنا = (راجع المقدمة). وهذا تعبير عفوي عن الثالوث، فالمعمودية هي بإسم الثالوث (مت 28 : 19) والخلاص هو عمل الثالوث =(إلهنا =الآب

الرب يسوع =الابن روح = الروح القدس)

 

آية 12 :- كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء توافق كل الأشياء تحل لي لكن لا يتسلط علي شيء.

يبدأ من هنا مناقشة قضية الزنا، ولاحظ أن الزنا كان منتشراً جداً في كورنثوس، وللأسف تسلل هذا الفكر الرديء للكنيسة، فتصوروا أن الحرية في المسيحية تسمح بالزنا. والرسول في رده قال هذه القوانين :-

كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء توافق

كل الأشياء تحل لي لكن لا يتسلط على شئ

وبالإضافة لما ورد في (1كو 10 : 23) "كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء تبنى" نرى أمامنا قانون المسيحية. هو يبدأ بهذه الآية (1كو 6 : 12) حديثاً عن تقديس الجسد، ويركز حديثه على الإمتناع عن الزنا. وربما يوجه الرسول هذه الآيات للأمم ليعلن لهم أنهم غير مرتبطين بالطقوس اليهودية ولا سيما ما يتعلق بالأطعمة. ولكن هذه الآيات هي القاعدة المسيحية للسلوك. ونحن نردد هذه القوانين بدلاً من قولنا " حرام وحلال " هذه هي مبادئ الأخلاق المسيحية، إذاً ليسأل كل واحد نفسه حسب هذه الكلمات

1)  هل هذا التصرف يوافقني كإبن لله صارت له الحياة هي المسيح (فى 1 : 21) ؟ هل لو كان المسيح مكاني كان سيفعل هذا التصرف أم لا ؟. وقد يقول أحد أنا لست المسيح. وهذا خطأ، فالمسيح أعطاني حياته. مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فى (غل 2 : 20) فالمسيح نور للعالم ونحن صرنا نور للعالم (يو 8 : 12 + مت 5 : 14). ولاحظ أننا أحرار لنبقى على صورة المسيح أو نرفضها. ولكن من يرفض المسيح ويعود لخطاياه يستلمه الشيطان ويستعبده.

2)     هل هذا الشيء أو هذا التصرف يبنى ويزداد به ثباتي فى المسيح وتزداد علاقتي بالله، ويزداد حبي له فأقترب إليه ويقربني له

3)  هل مثل هذه التصرفات ستجعلني عبداً لعادة ما، أو هل هذا الشيء سيتسلط علىَّ ويستعبدني بعد أن حررني المسيح. إذاً فلأترك هذه العادة وأحذر لئلا يتسلط علىّ عادة جديدة (مثال :- فنجان قهوة فى الصباح تعودت عليه قد يمنعني من الصيام).

ولاحظ أن الروح القدس يرشد لما يوافق ويبنى. حقاً لقد صرنا أحراراً، ولكن يجب أن تتقيد حريتي بقواعد روحية أخلاقية، ولا يكون شعاري هو الحرية لأجل الحرية، بل أن أختار من الأفعال ما هو خير وأرفض ما هو شرير. فإن بعض الناس يسيئون إستخدام معنى الحرية ويخضعون بإسم الحرية لما يستعبدهم (السجائر مثلاً). وطبعاً فالرسول يبدأ كلامه عن تقديس الجسد بهذه القوانين ليقول، هل الزنا يوافق ويبنى ؟!

 

آية 13 :- الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة والله سيبيد هذا وتلك ولكن الجسد ليس للزنا بل للرب والرب للجسد.

الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة والله سيبيد هذا وتلك = غالباً هذا مثل شعبي فى كورنثوس، والمقصود بالجوف هو شهوة التلذذ بالأطعمة. وأهل كورنثوس حاولوا تطبيق المثل الشعبي على الزنا بقولهم " الجسد للزنا والزنا للجسد والله سيبيد هذا وذاك. والرسول يرد " ولكن الجسد ليس للزنا فهو يعترض على ما يقولونه شارحاً لماذا يرفض هذا الكلام. ويقول حقاً إن الأطعمة وضعت من أجل أن تؤكل، وكذلك الجوف هو من أجل الأطعمة وفى حياتنا الأبدية لن يكون هناك حاجة لهذه أو تلك، أي الأطعمة وشهوتها أي شهوة الجوف. وقوله الله سيبيد هذا وتلك نلمح فيه أنه علينا عدم الإهتمام الشديد بالطعام، فالجسد كله سيباد. وفى الحياة الأبدية سنتحرر من شهوة الطعام حيث لا جوع ولا عطش (رؤ 7 : 16). وعلينا من الآن أن نحيا هذه الحياة السمائية فلا نصير عبيداً للجوف والأطعمة كما تفعل كنيستنا بزيادة مدة الأصوام. ولكن عموماً فشهوة الطعام شئ والزنا شئ آخر، فالطعام مهما كان لن يدنس الجسد أما الزنا فسيدنس الجسد، والله لم يخلق الجسد للزنى ولكنه خلقه لأجله أي لأجل الرب، ليصبح ملكاً لهُ ويسكن فيه، وهدف خلقة الجسد أن نمجد الله بأجسادنا وحياتنا، ومن عاش يمجد الرب فى جسده سيعطيه الله جسداً ممجداً فى السماء، وسيقيم الله جسده ليتم إتحاد جسده بالمسيح.

ولكن الجسد ليس للزنا = لأن الجسد الآن فى المسيح ونحن هيكل الله. فلا ضرر من الأطعمة، ففي الحياة الأخرى الأبدية سيكون لنا جسداً روحانياً أما من يترك جسده للزنى الآن فهو لا يحقق الغرض الذي خلق الله جسده لأجله بل هو يترك جسده ليحتله إبليس ويعرضه للفساد. وهنا نطبق ما قاله الرسول من قبل " من يفسد هيكل الله يفسده الله " (1كو 3 : 17). فالجسد لن يباد ولكنه سيقوم فى غير فساد ولذلك يجب أن نحرص على تقديسه ولا نسمح بأن يلحق به دنس حتى لا يُفسد الله أجسادنا أي لا يكون لنا نصيب فى أمجاد الحياة الأبدية، ونفقد حياة البركة والفرح على الأرض.

الجسد للرب = الرب إفتداه بالصليب، وبالتالي هو يملكه جسداً ونفساً وروحاً إذاً ليس من حق الإنسان أن يستخدم جسده فى الزنا. ويقصد الرسول من الآية ككل أنه ليس من حق إبن الله أن يستخدم جسده فى الزنا كما صنع المعدة للأطعمة. وكلمة الجسد جاءت هنا " سوما " أي كياننا كله وشخصيتنا الظاهرة التي نتعامل بها مع الآخرين بكل ما فيها من عواطف ومشاعر وأفكار. أما كلمة جسد بمعنى لحم ودم فهي فى اليونانية " ساركس " إذاً بولس يقصد أن الزنا لن يؤثر فقط فى لحم ودم الإنسان بل فى أخلاقياته وكيانه، إنه سيتلوث جسداً ونفساً وروحاً. فبالزنا يخطئ الإنسان إلى نفسه. وتفيد عبارة الجسد للرب أنه كما أن المعدة تحتاج للطعام لتقوم بوظيفتها الصحيحة هكذا فإن الجسد يحتاج للرب ليتمم غرض الله الذي خلقه لأجله. ولا يستطيع أن يشبع ويرتوي سوي بالله، أما من يزني فهو يظن أنه يرتوي ولكنه يكون كمن يبحث عن ماء في أبار مشققة لا تضبط ماء (أر 2 : 13). هذا هو الماء الذي من يشرب منه يعطش. فمن يجري وراء شهوات العالم لا يشبع بل يمتلئ غماً ويظل يجري وراء نفس الشيء العمر كله دون أن يرتوى، بل كل يوم يزداد غماً نتيجة إستعباد الشياطين له، فمن يفسد هيكل الله يُفسده الله بالأمراض وسوء حالته النفسية، وينتقل من فساد لفساد، ونهايته فساد أبدي. أما من يذهب لله ينبوع الماء الحي يشبعه الله ويرويه، فيفرح ويشتاق للمزيد وطوبى للجياع والعطاش للبر لأنهم يُشبعون (مت 5 : 6) ومثل هذا يزداد فرحاً يوماً عن يوم. وينتقل من مجد إلي مجد حتى يحصل علي الجسد الممجد أبدياً. الرب للجسد = الله سيسكن هذا الجسد (1 كو 3 : 16). هو إشتراه بدمه وامتلكه ليسكن فيه. والمسيح جاء ليرفع من شأن الجسد وليجعلنا خداماً له نكرمه في أجسادنا. والرب يعتني بأجسادنا حتى وإن متنا تكون أجسادنا وديعة عنده يقيمها في جسد ممجد (2 تي 1 : 12).

 

آية 14 : - والله قد أقام الرب وسيقيمنا نحن أيضا بقوته.

ليس معني أننا نموت الآن أن هذه هي النهاية بل الله سيقيمنا كما أقام المسيح. أجسادنا لن تفني بل الله سيقيمها بقوته. فالمسيح بقيامته وهب أجسادنا قوة القيامة فسنحيا للأبد في غير فساد. وفي الحياة بعد القيامة سينتهي دور الطعام والمعدة (الجوف) ولكن الجسد سيقام في مجد إن عشنا به غير دنساً. الجوف والأطعمة سيبطلان أما الجسد فلن يبطل ولن يفني. ومن يخضع لأهوائه الآن يُحَقّر جسده الذي يريد أن يمجده الله، فيفقد من يُحَقّر جسده هذا المجد.

 

آية 15 : - ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح افاخذ أعضاء المسيح واجعلها أعضاء زانية حاشا.

لقد صرنا متحدين مع المسيح وصرنا أعضاء جسده، لحم من لحمه وعظم من عظامه (أف 5 : 30) وهذا تم بالمعمودية والتناول. فأنظر إذن إلي أي حد عندما نهين ونحتقر أجسادنا (عندما نُخضعها للشهوات). أنظر إلى أي حد نهين ونحتقر في الوقت نفسه أعضاء جسد المسيح، ومعني كل ذلك أننا لا يجب أن نتصرف في أجسادنا كما لو كانت في ملكيتنا أو حيازتنا. نحن لسنا نملك الجسد أي ليس من حقنا حرية التصرف في أجسادنا. أما من يقول أنا حر وسأفعل بجسدي ما أريد، فالله سيحاول معه في البداية منعه من طريق الإنحراف ولكن أمام إصراره ينفصل عنه الله. في البداية يضيق الله عليه الطريق كما فعل مع الإبن الضال حتى يعود تائباً، ولكن أمام إصرار الإنسان علي الخطية فالله لا يقيد حريته فيتركه الله وبذلك يصير عرضة لذل وإستعباد إبليس وهذا هو الخراب والفساد. والجسد هنا ليس اللحم والدم بل كيان الإنسان كله، لأن أعضاء المسيح ليست فقط لحم ودم، بل أعضاء حية تلتصق بالرب، بالكيان كله روحاً ونفساً وجسداً. لأن اللحم والدم فقط لا يرثان ملكوت السموات ولا يلبس الفاسد (المعرض للفساد) عدم فساد (الملكوت) (1كو15: 50). ونحن سنرث الملكوت بعد أن نخلع الفاسد. فكيف نستخدم أجسادنا إستخدام سيئ يهين إنتسابنا وإنتمائنا لجسد المسيح السري وذلك بالزنا. أجعلها أعضاء زانِيَةٍ = لاحظ أن كلمتي أعضاء وزانية جاءتا علي شكل مضاف ومضاف إليه. أي أجعل أعضاء المسيح (التي هي جسدي) أعضاء إمرأة زانية PROSTITUTE أوHARLOT .

آية 16 : - أم لستم تعلمون أن من التصق بزانية هو جسد واحد لانه يقول يكون الاثنان جسدا واحدا.

ما الذي يجعل أعضاء المسيح أعضاء إمرأة زانية في حالة الزنا ؟ يقول الرسول ألا تعلمون أن ذلك الذي يزني مع إمرأة زانية يكون هو وهي جسداً واحداً، أي أنه ينتج عن هذا الإرتباط شخصية واحدة هي خلاصة هذا الإتحاد بين الرجل الزاني والمرأة الزانية. وحيث إن المسيح لن يقبل علي نفسه هذا فلا شركة للنور مع الظلمة. (2 كو6 : 14، 15) فيحدث أن المسيح لا يثبت في الزاني أو الزانية وهذا عكس " إثبتوا فيّ وأنا فيكم " وهذا الإنفصال معناه عدم إتحاد وبالتالي موت، فالمسيح هو القيامة والحياة ومن لا يثبت في المسيح يموت:-

1) يُحرم هنا من البركات الإلهية.

2) يُحرم من الحياة الأبدية.

والمعني أن الله سيفسده. فإتحادنا بالمسيح لا يجيء إلاّ إذا كانت لنا الأجساد الطاهرة النقية، فكيف يمكن أن يتحد الدنس أي الجسد الملوث بالزنا بجسد المسيح ونحن نعلم أنه في الإتحاد يكون الإثنان واحداً.

 

آية 17 :- واما من التصق بالرب فهو روح واحد.

(قارن مع" سلم الدرجات الروحية " في المقدمة)

الإنسان حر أن يختار بين أن يصعد لمستويات روحية أو ينحدر للجسدانيات. فهو روح واحد = هذه عكس الحالة السابقة التي فيها صار الإنسان جسداً واحداً مع زانية (هذه كانت قاع الدرجات الروحية) أمّا من إختار الإلتصاق بالله فينطلق لمستويات الروح العالية، فهو يتحد بالله روحياً بمعني أن روحه تمتلئ بروح الله، وتسلك في طاعة كاملة لهُ، إذ تقتني بالروح فكر المسيح.

وهذا يتم بأن يوجه الإنسان المؤمن قلبه وإرادته لله. والزواج يجعل الزوجين جسداً واحداً، كذلك الروح بإقترانها بالمسيح بالإيمان والمحبة صارت معه روحاً واحداً. إن ذلك الإنسان الذي يخضع للرب يسوع ويتصل به والذي يملأه روح الرب ويوجهه، أي الذي يخضع خضوعاً تاماً لروح الرب وإرشاداته يصبح مع الرب روحاً واحداً، أي أن الاتحاد بين المؤمن وبين المسيح ينتهي إلي أنه تمتلئ روح الإنسان بروح الرب و إلي أن يوجه الإنسان كله بواسطة الرب يسوع، فإذا كان الإتحاد مع الشر هو إتحاد جسدي، فإن الإتحاد مع الرب يسوع علي عكس ذلك هو إتحاد روحي فبينما أن الإلتصاق بالزانية يؤدى إلي أن يكون الإثنان جسداً واحداً لأنه إلتصاق شهواني مادي، فإن الإلتصاق بالمسيح يؤدي إلي أن يكون الإنسان والمسيح روحاً واحداً لأن الإتحاد هنا إتحاد روحي فيكون لنا فكر المسيح (1 كو 2 : 16).

درجات السلم الروحي : - (راجع في المقدمة "سلم الدرجات الروحية")

الإنسان حر في أن ينحدر و يهبط لمستوي الجسدانيات أو يرتفع لمستوى روحي عالٍ.

1 – الهبوط لمستوى الجسدانيات = هذا الإنسان يسير وراء شهواته كأنه في غيبوبة لا تحركه سوي شهواته، فهو يزني وبهذا يتحد بزانية ويصير جسد شهواني. هو لا يتحرك سوى وراء شهواته. في البداية يسمع صوت الروح القدس يبكته علي ما يفعل، ولكنه يقاوم الصوت فينطفئ الروح فيه وينحدر ليصير كأنه جسد بلا روح.

2 – الإنطلاق لمستويات الروح العالية = هذا يسمع صوت الروح القدس ويتجاوب ويشعر بصراع بين الروح والجسد فيقمع جسده ويستعبده، صائماً مصلياً، يسبح الله دائماً، فيضمحل جسده وشهواته ويصير كأنه روح بلا جسد. ولأنه يسمع لصوت الروح ويتجاوب معه يمتلئ من الروح، وتموت شهواته الجسدية. وكلما إزداد قمعاً لجسده يفني الجسد يوماً فيوماً ويتجدد الروحاني يوماً فيوماً. وهذا ما جعل الكنيسة تزيد في الأصوام. والله يساعد مثل هذا ببعض الأمراض والتجارب ليضمحل الجسد فتنمو الروح، قارن مع (2 كو 4 : 16).

لماذا كان الزنا محرما ؟

الزنا لا يعبر عن حب عفيف طاهر، ولكنه يعبر عن شهوة دنيئة يستغل فيها أحد الطرفين الطرف الآخر لإشباع لذاته بلا تقدير لإنسانيته. في الزنا ليس التصاق بين روح وروح ولا بين فكر وفكر بل بين شهوة وشهوة، بين جسد وجسد. فلا إتحاد روحي بين الإثنين. هذا الاتحاد لا يستمر إلا في الصلة الشرعية أي الزواج الذي هدفه تكوين أسرة فيها يبذل كل واحد نفسه لأجل الآخر في محبة وفي لقاء فكري وعواطف سامية لذلك فمضجع الزواج غير دنس (عب 13 : 4)

الفرق بين الحب والزنا (الشهوة)

الحب هو ما شابه حب المسيح أي الحب المنطلق من الذات نحو الأخر.

 

أما الشهوة فهي انحصار و أنانية و تقوقع حول الذات.

 

الحب هو بذل كما بذل المسيح ذاته فمن يتشبه بالمسيح و ينطلق من ذاته و يبحث عن الآخر تكون له حياة، أمّا من ينغلق علي ذاته في شهوانية فهو يتقوقع حول ذاته فيموت. فالتشبه بالله فيه حياة والعكس هو موت. و للأسف فلقد أنتشر في الغرب الآن تعبير TO MAKE LOVE عن ممارسة الجنس و هذا خداع شيطاني فشتان الفرق بين الحب و الشهوة الجنسية.

 

آية 18 : - اهربوا من الزنى كل خطية يفعلها الانسان هي خارجة عن الجسد لكن الذي يزني يخطئ إلي جسده.

اهربوا من الزنا = رأينا بشاعة خطية الزنا و هولها. فبسببها لا يمكن الإتحاد بالمسيح و بالتالي فساد الإنسان. لذلك وصية الرسول كانت اهربوا من الزنا، هي وصية أب يخاف علي أولاده. إن كان الله يعاقب من يخطئ إلي هيكل الله أو الكنيسة، فسيعاقب الزاني لأنه أخطأ في حق جسده الذي هو هيكل الله. و إن كنا نقدس و نحترم الكأس و الصينية اللذان يوضع فيهما الجسد و الدم، ألا نقدس جسدنا الذي هو هيكل الله. والذى إتحد بالجسد والدم.

وربما تفهم الآية علي أن من يزني يخطئ إلي جسده فيصيبه بالأمراض وهذا صحيح. لكن كلمة جسد هنا تعبر عن الشخصية والكيان وليس اللحم والدم فقط. فالزنا يجعل الإنسان في إتحاد مع من يلتصق به، و بذلك ينفصل عن المسيح و يُحرم من الإتحاد به سواء علي الأرض أو في الأبدية = يخطئ إلي جسده.

هي خارجة عن الجسد = الجسد هنا بكونه عضو في جسد المسيح. فالزنا بالذات يلحق إهانة بجسد المسيح إذ يجعل أعضاؤه أعضاء إمرأة زانية. و ذلك بسبب الوحدة التي تمت بيننا و بين المسيح في المعمودية، أما أي خطية أخري فهي خارج الجسد هذه الآية تعني ببساطة أن خطية الزنا كوم وبقية الخطايا كوم آخر.

 

آية 19 : - ام لستم تعلمون ان جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وانكم لستم لانفسكم.

جسدكم هو هيكل للروح القدس.

أ) كيف نقدم أجسادنا للزنا و نحن نعرف أنه بواسطة المعمودية أصبحت أجسادنا هيكل للروح القدس يسكن فيها، و هذا أخذناه من الله. فبالزنا نهين هيكل الله.

ب) بهذا نتحول إلي سماء، فالسماء هي حيث يسكن الله، فهل بعد أن نتصور هذا العلو الذي وضعنا الله فيه، هل نخطيء لأجسادنا ونحزن قلب الله.

ج) يقول القديس أغسطينوس أن حياة الجسد هي الروح، و حياة الروح هو الله، فروح الله يحل في النفس و بها يحل في الجسد فيصير جسدنا هيكل للروح القدس المعطي لنا من الله.

د) جسدنا ليس ملكاً لنا لنهينه و نلوثه بخطية الزنا. ومن يزني يحزن الروح القدس لأنه يهين هيكله، و يحزن المسيح فهو بجسده عضو في المسيح، ويحزن الآب الذي فداه بإبنه وأسكن فيه روحه.

ه) في (1 كو 3 : 16) قال إننا هيكل لله، وهنا يقول أننا هيكل للروح القدس ومن هذا نفهم أن الروح القدس هو الله. و من (2 كو 6 : 16) نفهم أننا هيكل الله الحي. فالروح القدس هو الإله الحي.

 

آية 20 : - لأنكم قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله في اجسادكم و في ارواحكم التي هي لله

لأنكم قد اُشتريتم = الكلمة اليونانية هي شراء من سوق العبيد فقد كنا عبيد للخطية و السيد هو إبليس. وحينما اشترانا الله صرنا لسنا ملكاً لأنفسنا. بثمن = دم المسيح. وعلي هذا ينبغي أن نطيع وصية هذا الذي صرنا ملكاً له إذ اشترانا. والمسيح سدد الدين للآب وليس لإبليس. فهو مات كمطلب للعدل الإلهي. نحن كنا عبيد مسروقون من بيت ملك عظيم سرقهم سيد قاس ليذلهم ويغيظ بهم أبيهم الملك، فنزل إبن الملك و حجب مجده في جسد كالعبيد، و جاهر بأنه سيموت عنهم ليدفع ثمن حريتهم ففرح السيد القاسي بأنه سيضم لسجنه هذا أيضاً ففاجأهُ المسيح بقوة لاهوته. لقد صارت أجسادنا ملكاً لله الذي خلقها ثم فداها.

 

مجدوا الله في أجسادكم = بالبعد عن الخطية، وحفظ جسدنا طاهراً، منضبطاً، خادماً لله بكل طاقاته، بل خادماً للجميع ليشابه سيده الذي أتي ليَخْدِمْ لا ليُخْدَمْ. عابداً. محتملاً للآلام بشكر وغير مكتئب في ضيقة. صائماً غير ساعياً وراء ملذات الدنيا. الله أعطانا جسده طعاماً فلنعطه جسدنا هيكلاً لهُ.

و في أرواحكم = بالالتصاق بالله والسلوك بالروح، خاضعين للروح القدس، أي لا نقاوم صوته حتى لا ينطفئ، بل نتجاوب معهُ فنمتلئ. لنخضع أجسادنا لأرواحنا و أرواحنا للروح القدس.

والمقصود عموماً أن نبتعد عن كل سلوك رديء خصوصاً الزنا، و لنحرص علي الإتحاد به، وذلك بالبعد عن أي شيء يفقدنا نقاوتنا و يدنس أفكارنا و إيجابياً بعمل البر. و قد يعني مجدوا الله في أجسادكم = أي البعد عن خطايا الجسد كالزنا. وفي أرواحكم = أي البعد عن خطايا الروح كالكبرياء.

ومن يمجد الله بجسده يمجد الله له جسده (رو 8 : 30 + 2 كو 3 : 18). ونمجد الله بجسدنا حين لا نهتم بملذات الدنيا و نميت الجسد بأصوام كثيرة لتسمو الروح.


الإصحاح السابع

 

إعتباراً من هذا الإصحاح يجيب الرسول على الأسئلة التي وجهت إليه ولمعالجة كثير من المشاكل. ومنها أن المسيحيين توقعوا في بداية المسيحية سرعة مجيء السيد المسيح، فظن كثيرون أنه من الواجب أن يتركوا ممتلكاتهم وزوجاتهم وبيوتهم مِمَّا كان سيقوض البيوت المسيحية لولا انتباه الرسل. وهنا الرسول يرد على تساؤلات بخصوص الزواج والطلاق والبتولية. ولقد ثارت هرطقات كثيرة تدعو لنجاسة الزواج وربما تأثر بها الكورنثيون. وكان لهم تساؤلات عن العلاقات الزوجية. ونفهم من ردود الرسول أن العلاقات الجسدية من خلال سر الزواج علاقات طاهرة، فالله خلقنا هكذا. ولكن نجد الرسول يفضل البتولية على الزواج، فالموضوع درجات، فهناك درجة أعلى من درجة. وكل له طريقه الذي رسمه له الله، ولنتصور أن الشعب المسيحي كله إختار طريق الرهبنة أو البتولية، بهذا ستنقرض الكنيسة كلها خلال عدة سنوات والله هو الذي أسس سر الزواج حين قال الله لآدم "يلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً" (تك 2 : 24). والبتولية ليست هدفاً في حد ذاتها، بل المطلوب تكريس الطاقات كلها لعبادة الله. وبولس يوصى المتزوجون أن يمتنعوا عن العلاقات الجسدية لفترات يتفرغون فيها للصوم والصلاة فقط فلوإنشغل المتزوج بشهواته ينخفض مستواه الروحي. وحين يتفرغ المتزوج للصوم والصلاة فقط دون الانشغال بالشهوات الجسدية يتدرب على الحياة السمائية ففي السماء لا توجد علاقات جسدية. على أن الرسول يشترط موافقة الطرفين (الزوج والزوجة) على هذا الامتناع حتى لا تفقد الأسرة سلامها. أي من حق طرف أن يمارس العلاقات الجسدية حتى في وقت الصوم " فالزواج أصلح من التحرق " ولكن يبقى من يفعل ذلك في درجة روحية أقل. وقطعاً فمن يرفض الامتناع عن العلاقات الجسدية فهذا راجع لأنه في مستوى روحي ضعيف، ولكنه حين يرتفع مستواه الروحي نجده قادراً على الامتناع. فالمسألة مستويات. ولا يصح أن يجبر ذو المستوى العالي روحياً، الطرف الآخر ذو المستوى الأقل على الامتناع. عموماً كلما ننمو في الروحيات نزهد في الجسديات حتى المحلل منها. وكلما ننمو في الروحيات تاركين شهواتنا متفرغين لعبادة الرب نتذوق طعم السمائيات والحياة السمائية، والتعزيات السمائية، و هذا ما يطلبه الرسول. لذلك نجده في آية 29 يطلب من المتزوجين أن يعيشوا كأنهم بلا زوجات، فبهذا فقط ينتصروا علي ضيق هذا العالم (آية 26). فمن يحيا حياة اللذات الحسية و تأتي عليه ضيقات هذا العالم نجده ينهار، أما من يحيا متذوقاً طعم اللذة الروحية ينتصر علي التجربة و لا ينهار. ولقد فهم البعض قول الرسول أنه علي المؤمنين ألاً يتزوجوا و ينجبوا بسبب الإضطهاد الروماني، حتى لا يتألموا لألام زوجاتهم و أولادهم وهذا تفسير عجيب وغير صحيح بالمرة. لأنه وإن لم يتزوج الشخص، فهل لا يتألم لألام أبوه وأمه وأخوه وأخته وقريبه وجيرانه..

 

آية 1 : - و اما من جهة الامور التي كتبتم لي عنها فحسن للرجل ان لا يمس امراة.

لا يمس امرأة = المقصود الاتصال الجنسي أي الزواج. و من هنا نفهم أن الرسول يفضل البتولية علي الزواج.

 

آية 2 : - و لكن لسبب الزنى ليكن لكل واحد امراته و ليكن لكل واحدة رجلها.

قد لا يستطيع كل إنسان أن يحيا حياة بتولية، إذاً فليتزوج، لأن الزواج حصن للحياة الطاهرة ضد الزنا = ولكن لسبب الزنا = إذاً نري أنه من ضمن دوافع الزواج المحافظة علي الحياة الطاهرة الغير دنسة. و هناك تعليم خاطئ أن الزواج فقط للإنجاب. و هذا مخالف لهذه الآية. و نلاحظ أن الزواج مقدس في نظر الرسول (عب 13 : 4) بل أنه شبه الزواج بعلاقة المسيح بكنيسته (أف 5 : 25 – 27). و لكن الموضوع درجات.

 

آية 3 : - ليوف الرجل المراة حقها الواجب و كذلك المراة ايضا الرجل.

هم تصوروا أنه مع اقتراب مجيء المسيح، علي الرجل أن يترك امرأته. و لكن هنا يشرح بولس الرسول عكس هذا، فلا يجب أن يمتنع طرف عن أن يعطي الآخر حقه، فالمضجع غير دنس (عب 13 : 4). و الله هو الذي أسس الزواج (تك 2)

 

آية 4 : - ليس للمراة تسلط على جسدها بل للرجل و كذلك الرجل ايضا ليس له تسلط على جسده بل للمراة.

بالنسبة للعلاقات الخاصة بين الرجل و المرأة فعلي المرأة أن تعرف أنها ليست صاحبة السلطان علي جسدها بل السلطان للرجل و العكس صحيح.

 

آية 5 : - لا يسلب احدكم الاخر الا ان يكون على موافقة الى حين لكي تتفرغوا للصوم و الصلاة ثم تجتمعوا ايضا معا لكي لا يجريكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم.

لا يسلب أحدكم الآخر = لا يمتنع أحد الزوجين عن الآخر. إلاّ أن يكون بموافقة الطرف الآخر. كأن يمتنع الطرفين عن علاقتهما لقضاء فرصة روحية أطول في الصوم و الصلاة يكون فيها سمو عن العلاقات الجسدية. علي أن تعود العلاقات الجسدية مرة أخري حتى لا يتعرض أحد الطرفين إلي تجربة الشيطان بسبب الامتناع عن هذه العلاقة = لسبب عدم نزاهتكم = الأصل يعني عدم ضبط النفس و الانقياد للشهوة الجنسية فيسقط طرف في الزنا. و لاحظ أن الرسول لم يقل هنا امتنعوا من أجل الصلاة و الصوم، وإلاّ صارت العلاقات الجسدية خطية لأنها تمنعنا عن الصلاة و الصوم. لكنه قال لكي تتفرغوا للصلاة و الصوم، أي تزداد أوقاتكم التي تقضونها مع الله. و يزداد تكريس القلب والعواطف لله، فتزداد التعزيات الإلهية.

 

آية 6 : - و لكن اقول هذا على سبيل الاذن لا على سبيل الامر.

علي سبيل الإذن = موضوع التفرغ للصلاة و إبتعاد طرف عن آخر ليس أمراً أو وصية إلهية، بل الرسول يعطي إذن بذلك، و الرسول يقول هذا حتى لا يظن من لا ينفذ ذلك أنه قد كسر وصية إلهية. الأمر متروك لمستوي النضج الروحي، فهذا طريق الكمال للقادرين.

 

 آية 7 : - لأني اريد ان يكون جميع الناس كما انا لكن كل واحد له موهبته الخاصة من الله الواحد هكذا و الاخر هكذا.

بولس يفضل أن يكون الجميع بتوليين مثله، لكنه يرجع فيقول أن البتولية موهبة معطاة من الله لا يقدر عليها كل واحد. و ليس سمو مرتبة البتولية معناه رفض الزواج، فكما قلنا أن الذي أسس سر الزواج هو الله نفسه (تك 2 : 24) + " ما جمعه الله لا يفرقه إنسان " (مت 19 : 6). و المسيح علي جبل التجلي كان معه موسى المتزوج و إيليا البتول. فالله إختار للبعض أن يحيا في بتولية وإختار للبعض أن يتزوج لينجب أطفال، و إلاّ لتوقف العالم.

 

آية 8 : - و لكن اقول لغير المتزوجين و للارامل انه حسن لهم اذا لبثوا كما انا.

مرة أخري نراه يفضل البتولية. وللأرمل أن لا يتزوج ثانية.

 

آية 9 : - و لكن ان لم يضبطوا انفسهم فليتزوجوا لان التزوج اصلح من التحرق.

مرة أخري نراه يقول هذا هو الأفضل أن لا يتزوج الأرمل أوغير المتزوج ولكن إن لم يستطع فليتزوج، فالاستحسان في آية 8 لا يرقي لمرتبة الأمر. التحرق = الاشتعال بنار الشهوة، و خيرٌ من ذلك الزواج.

 

آية 10 : - و اما المتزوجون فاوصيهم لا انا بل الرب ان لا تفارق المراة رجلها.

أوصيهم لا أنا بل الرب = يقصد الرسول أن المسيح سبق و علم بهذا، أن لا تنفصل المرأة عن رجلها. فالمسيح علم بأنه لا طلاق إلاّ لعلة الزنا (مت 5 : 32) + (مر 10 : 1 – 12) + (لو 16 : 18). وبولس لم يشير لموضوع الزنا كعلة للطلاق، فهو لا يقدم بحثاً كاملاً عن الموضوع.

 

آية 11 : - و ان فارقته فلتلبث غير متزوجة او لتصالح رجلها و لا يترك الرجل امراته.

كثيراً ما تحدث منازعات بين الرجل و امرأته ليس لعلة الزنا، بل لأي سبب آخر، فتترك الزوجة منزل رجلها = فارقته وهنا لا يسمح بالطلاق لكن يظلوا منفصلين. فإن لم تستطع الزوجة أن تضبط نفسها فلتعود إلي زوجها فهذا أفضل، و علي الرجل أن لا يترك امرأته تفارق بيتها بل عليه أن يحاول أن يصلحها.

 

 آية 12 : - و اما الباقون فاقول لهم انا لا الرب ان كان اخ له امراة غير مؤمنة و هي ترتضي ان تسكن معه فلا يتركها.

الباقون = هنا سؤال مهم وجهه أهل كورنثوس لبولس الرسول. إن كان هناك زوجين وثنيين وقَبِلَ أحدهم الإيمان، فهل ينفصل المؤمن عن الطرف غير المؤمن بسبب عدم إيمانه. الرسول يوصي بأن لا يفارق، حتى لا تنهار البيوت و يتشرد الأطفال. أنا لا الرب = أي أن الرب يسوع لم يناقش هذا الموضوع، ولم يذكر وصايا في هذا الموضوع.الدعوة المسيحية إذن لا تحل الزواج القائم بل تزيده حباً وإرتباطاً. أمّا إذا شاء غير المؤمن أن يفارق ليرتبط بطرف آخر فينطبق عليه وضع الزاني، ويسمح للطرف المؤمن بالزواج ثانية، علي أن يتزوج من مؤمن في هذه الحال كما قال في آية 39 " لكي تتزوج بمن تريد في الرب فقط".

 

آية 13 : - و المراة التي لها رجل غير مؤمن و هو يرتضي ان يسكن معها فلا تتركه.

الوضع للرجل كما للمرأة.

 

آية 14 : - لان الرجل غير المؤمن مقدس في المراة و المراة غير المؤمنة مقدسة في الرجل والا فاولادكم نجسون و اما الان فهم مقدسون.

مقدس في المرأة = أي له فرصة الإيمان بمعاشرة الطرف المؤمن وبصلواته. و طهارة الطرف المؤمن تغلب الدنس الذي في الطرف غير المؤمن. لقد توهم الطرف الذي آمن أنه يتنجس بمعاشرة الطرف الذي لم يؤمن، والرسول رفض هذا المبدأ، فإن الذي يراه الرسول أن الطرف المؤمن لن يتنجس بل سيقدس غير المؤمن وسيؤثر فيه. وإذا كانت الأسرة مستقرة في ظل الناموس الوثني فهل دخول المسيحية إليها يزعزعها ؟ قطعاً لا. فإستقرار الأسرة و الأطفال مطلب مسيحي. أمّا الآن فأولادكم مقدسون

 1) هم لهم فرصة الإيمان من الطرف المؤمن، بل ربما قام الطرف المؤمن بتعميد الطفل

 2) هم ليسوا أولاد زنا بل ثمرة علاقة شرعية هي الزواج.

 3) الروح القدس سمح بهذا. أليس هو الذي أوحي لبولس بما قال.

وهذا ما حدث في الإتحاد السوفيتي حين إنتشرت دعوة الإلحاد الماركسي بين الأباء و الأمهات إلاّ أن الذي كان يربي الأطفال الصغار هم جداتهم الكبارا لذين علموا الأطفال كيف يحبون المسيح. و لقد رأيت هؤلاء الجدات الكبار يأخذون الأطفال الصغار للكنائس و يطلبون منهم تقبيل الأيقونات ويشرحون لهم. وهذا الزواج المختلط كان وضع استثنائي في بداية المسيحية، و قد يتكرر في بلد تدخل فيه المسيحية الآن. و لكن للأسف فقد طبق الإخوة الكاثوليك هذه الآية بطريقة خطأ و سمحوا بالزواج مع غير المؤمنين وهذا مردود عليه : -

1) كان هذا وضعاً إستثنائياً.

2) هو قال " إن كان أخ له امرأة غير مؤمنة آية 12 ". و لم يقل إن أراد أحد أن يأخذ زوجة غير مؤمنة. فالمقصود أن هناك زواج قائم بالفعل بين طرفين وثنيين، ثم آمن أحدهما. و ليس الأمر إقامة زواج جديد بين طرف مؤمن و طرف غير مؤمن.

3) منع الرسول الارتباط بين مؤمن وغير مؤمن (2 كو 6 : 14 – 18)

4) في نهاية الإصحاح (7) و في آية 39 ينص صراحة علي أن من يريد أن يتزوج فليكن هذا في الرب فقط (للأرملة التي مات رجلها).

 

آية 15 : - و لكن ان فارق غير المؤمن فليفارق ليس الاخ او الاخت مستعبدا في مثل هذه الاحوال و لكن الله قد دعانا في السلام.

إن آمن طرف فأراد الطرف الآخر أن يفارق فليفارق، فإن عاشوا في سلام يكون أفضل، وأما إن رفض غير المؤمن فليفارق لأنه لن يكون سلام بين الطرفين، و سيكون هناك صراع مستمر بين المسيحي والوثني والمهم أن يكون هناك سلام في البيوت. و لكننا نري أن بولس غير مهتم ببقاء هذا الزواج فهو عقد بدون صلوات لله، فالله لم يجمع هذين الزوجين، و بالتالي يصير هذا الزواج غير ملزم.

 

آية 16 : - لانه كيف تعلمين ايتها المراة هل تخلصين الرجل او كيف تعلم ايها الرجل هل تخلص المراة.

إن أمكن أن يحيا الطرفين في سلام فهذا أفضل. و لكن إن أراد طرف الانفصال فلينفصل في هدوء، فربما يتصور الطرف المؤمن أنه عليه أن يجبر غير المؤمن علي الإيمان فيتمسك ببقائه و لا يتركه، و الرسول يقول كيف تعلمين أيتها المرأة هل تخلصين الرجل = أي هل تضمنين أيتها المرأة المؤمنة أن تخلصي زوجك إن أبقيتنه معك عنوة، الإيمان ليس بالإجبار، بل أن العنف لن يأتي بشيء إلا بزيادة عناد الطرف الآخر.

 

آية 17 : - غير انه كما قسم الله لكل واحد كما دعا الرب كل واحد هكذا ليسلك وهكذا انا امر في جميع الكنائس.

الله حينما يدعو ويقسم لا يظلم أحد، بل هو يعلم استجابة الإنسان لدعوته وبناء علي سابق علمه بميول الإنسان ورغباته واستجابته، و في عدل مطلق يعطي الله الفرصة للجميع لكي يتوبوا و يؤمنوا و إن فعلوا يخلصوا.

كما قسم الله لكل واحد كما دعا الرب كل واحد هكذا ليسلك = إن دعا الله أحد وهو متزوج فلا يترك زواجه حتى و إن كان من غير مؤمن، وإن دعا الله عبد فلا يهرب من سيده بدعوى أن المسيح حرره، و إنما كل مؤمن يسلك بحسب الحالة التي كان فيها عند قبوله الإيمان. و علي كل واحد فينا أن يقتنع ويكون راضياً بما قسم الله له. المؤمن الحقيقي دائم الشكر علي ما هو عليه، لا يتذمر طالباً تغيير وضعه فالله يستغل الظروف الخارجية أي الأمور الحاضرة و الأمور المستقبلة ليوصلنا للسماء (1 كو 3 : 22). فالله قادر أن يوصلك للكمال من خلال وضعك أياً كان وضعك و مهما كانت ظروفك. و في مثل الوزنات نجد أن الله أعطي لواحد 10 وزنات ولآخر 5 وزنات و لثالث وزنة واحدة، والله سيحاسب كل واحد بحسبما أعطاه. فليبق كل واحد في عمله و ليكن أميناً فيه، عبداً كان أم حراً، متزوجاً أو بتولاً.. و الرسول يقول هذا حتى لا يترك المؤمنين أعمالهم فينقلب النظام الاجتماعي للكنيسة و للمجتمع. فلنشكر الله علي ما أعطانا فلن نعرف ما ينفعنا أكثر منه، ولن نعرف طريق خلاصنا أكثر منه.

 

آية 18، 19: - دعي احد و هو مختون فلا يصر اغلف دعي احد في الغرلة فلا يختتن. ليس الختان شيئا و ليست الغرلة شيئا بل حفظ وصايا الله.

المسيحية لا تتطلب تغييرات شكلية كالختان، بل تغيير قلبي، فيه نحفظ وصايا الرب. فلا يصر أغلف = لا يسلك في سلوكيات الأغلف أي الوثنيين أي لا يصير أغلف القلب. و قد حدث أن بعض اليهود المختونين المرتدين حاولوا تغيير أشكال أجسامهم. فلا يختتن = الختان غير هام للخلاص (أع 15 : 28) فهذا قرار مجمع أورشليم. لكن علينا أن نعلم أننا صرنا سماويين فلنلتزم بالوصايا السماوية.

 

آية 20، 21: - الدعوة التي دعي فيها كل واحد فليلبث فيها. دعيت و انت عبد فلا يهمك بل وان استطعت ان تصير حرا فاستعملها بالحري.

علي من قبل الإيمان أن لا يغير حالته التي يكون عليها من حيث وضعه الاجتماعي. فلا يهمك = لا تدع هذا يسبب لك قلقاً لأن المسيحية حرية في كافة نواحي الظروف الاجتماعية حتى لو كان الشخص عبداً لإنسان آخر، وذلك حتى لا تكون المسيحية فرصة لثورة اجتماعية (كو 3 : 22 – 25) + (أف 6 : 5 – 9). و لكن إذا أمكن للعبد أن يصبح حراً بموافقة سيده، فليستغل الفرصة و يتحرر. و لكن لا يضيرك في شيء أن تظل عبداً. المهم أن تعلن مسيحيتك في الأمانة والإخلاص والمحبة والفرح بالحياة الجديدة، فربما تقود سيدك للإيمان.

 

آية 22 : - لان من دعي في الرب و هو عبد فهو عتيق الرب كذلك ايضا الحر المدعو هو عبد للمسيح.

فهو عتيق الرب = أي العتق الباطني الروحي، لقد أعطاه المسيح حرية الروح و حرره من إبليس ومن شهوات الجسد، وليس مهماً بعد ذلك وضع الجسد حراً كان أم عبداً فهذه عبودية ظاهرية ستنتهي بالموت. و الحرية الحقيقية هي في العبودية للمسيح = الحر هو عبد للمسيح = أي ليس حراً ليفعل ما يشاء. ونفهم من هذا أن الإنسان إمّا يكون عبداً للمسيح الذي حرره أو عبداً للشيطان، ومن يترك عبودية المسيح يستعبده الشيطان من جديد.

 

آية 23 : - قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيدا للناس.

اشتريتم = المعني هو شراء عبد. إذاً نحن مرتبطين بمن اشترانا أي المسيح. قارن مع (1 كو 6 : 20) بثمن = دم المسيح. فلا تصيروا عبيداً للناس = ليس المفهوم أن العبد يرفض خدمة سيده فهذا يتعارض مع ما سبق و قاله في آية 21 لكن المقصود أن لا تقبل خطايا تُسْتَعْبَد بسببها للناس.

 

آية 24 : - ما دعي كل واحد فيه ايها الاخوة فليلبث في ذلك مع الله.

ليثبت كل واحد علي الحال الذي كان عليه وقت دعوته للإيمان لكن عليه أن يهتم أن يرضي الله = فليثبت في ذلك مع الله فالمسيحية ليست ثورة اجتماعية بل هي إصلاح للداخل، تغير الباطن فينصلح الخارج وحده.

 

آية 25 : - و اما العذارى فليس عندي امر من الرب فيهن و لكنني اعطي رايا كمن رحمه الرب ان يكون امينا.

وأما العذارى = من هم العذارى (و قارن مع آية 36) هناك رأيان : -

أ – أن العذراء هي بنت رأى أبوها أن لا تتزوج و أن يتكفل بها و يجعلها بتول للمسيح.

ب – زوجان تزوجا وإتفقا أن يظلا بلا علاقات زوجية في حياة بتولية، أي أن العذارى هن الأبكار اللواتي لم يسبق لهن معاشرة أزواجهن مع أنهن في حوزة أزواجهن لكنهن إستمروا أبكار.

فليس عندي أمر من الرب فيهن = ليس معني كلامه أن رأيه هذا ليس من الروح القدس، فالكتاب كله موحى به من الله، لكن المسيح لم يعطي وصيته بخصوص هذه النقطة حينما كان علي الأرض بالجسد. و لكن الرسول يعطي رأياً كإنسان مُعين من قِبَلْ الرب ليقوم بمهمة تعليمهم. هو يقول هذا حتى من يعاشر زوجته العذراء لا يعتبر أنه يرتكب خطية ضد وصايا الله. الرسول يوصي بالبتولية لكن دون إلزام.

 

آية 26 : - فاظن ان هذا حسن لسبب الضيق الحاضر انه حسن للانسان ان يكون هكذا.

لسبب الضيق الحاضر = وجودنا في هذا العالم هو ضيق، فالعالم مملوء ضيقات لن تنتهي سوى بالمجيء الثاني. و هنا الرسول يفضل ثانية الإستمرار في حياة البتولية، فكلما زهد الإنسان العالم وشهواته يرتفع فوق مستوى ألام هذا العالم و يعيش في سلام المسيح. هذا المبدأ سيتضح في بقية كلام الرسول في الآيات التالية، المقصود هو عدم الإنشغال بالعالم. و لاحظ أن ليس معني كلام الرسول أن الزواج خطأ، فهذا نص عليه صراحة في آية 28 " لكنك وإن تزوجت لم تخطيء " إذاً الأحسن الذي يتكلم عنه الرسول لا يختص بالزواج و التبتل إلاّ من حيث إتصالهما بالإنشغال بالأمور العالمية أو في التفرغ لعبادة الرب والإهتمام بالحياة الأبدية. فلا تشغلنا أمور هذه الحياة عن حياتنا الأبدية.

 

آية 27 : - انت مرتبط بامراة فلا تطلب الانفصال انت منفصل عن امراة فلا تطلب امراة.

أنت مرتبط بامرأة فلا تطلب الانفصال = ليس معني كلامي أن يهجر الأزواج زوجاتهن. بل علي غير المتزوج أو المنفصل أن يظل هكذا.

 

آية 28 : - لكنك و ان تزوجت لم تخطئ و ان تزوجت العذراء لم تخطئ و لكن مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد و اما انا فاني اشفق عليكم.

مثل هؤلاء يكون لهم ضيق في الجسد = بسبب ما يتطلبه الزواج من مسئوليات تشغلنا عن الإهتمام بالأمور السماوية والتكريس الكامل لله. وبالتالي حرماننا من التمتع بالسمائيات والتعزيات الإلهية التي تخفف الضيق، و الضيق هو طبيعة الحياة التي نحياها في هذا العالم.

 

آية 29 : - فاقول هذا ايها الاخوة الوقت منذ الان مقصر لكي يكون الذين لهم نساء كان ليس لهم.

الوقت منذ الآن مقصر = في إحدى الترجمات الإنجليزية جاءت هكذا

THE APPOINTED TIME HAS GROWN VERY SHORT

أي وقت مجيء ربنا يسوع (أو وقت موتنا) يقترب، فطالما الوقت محدد فإن كل يوم يمضي يجعلنا نقترب من اليوم المحدد لمقابلة المسيح. إذاً علي المؤمنين أن ينشغلوا بروحياتهم، فأيام الإنسان قصيرة علي الأرض، هي تعبر سريعاً. و الله أعطانا فرصة حياة واحدة، علينا أن نهتم بأن نمجده فيها و لا ننشغل بملذات الدنيا.

الذين لهم نساء كأن ليس لهم = علي المتزوجين ألا يعطوا كل قلوبهم و كل حياتهم لأسرهم و ينشغلوا عن حياة العبادة، بل علي المتزوج أن يمارس حياته الروحية كما لو كان غير متزوجاً، يحيا حياة مقدسة و ليست حياة شهوة، فإن لم يفعل كيف يواجه اليوم الأخير الذي إقترب.

 

آية 30 : - و الذين يبكون كانهم لا يبكون و الذين يفرحون كانهم لا يفرحون و الذين يشترون كانهم لا يملكون.

الذين يبكون (لخسارتهم بموت شخص عزيز أو لخسارة مادية) كأنهم لا يبكون لأن لهم عزاء سماوي، وسريعاً ما سيقابلون من فارقوهم بالموت في السماء. و كيف نحزن علي خسارة مادية والعالم كله سيفني. والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون= فنحن لا نفرح بما يفرح به العالم بل بالسماء. فيجب أن لا يطغي علينا هذا الفرح المادي بل لندرك أن أي فرح مادي دنيوي هو زائل. الذين هم في بداية الطريق الروحي يفرحون جداً بالماديات و يحزنون جداً علي خسارتها. وهذه ليست طبيعة الروحيين الذين يشترون = أملاك وعقارات كأنهم لا يملكون= ما امتلكوه لن يستمر طويلاً فالعالم زائل. عموماً أفراح العالم و بلاياه كلها زائلة و لا ثبات لها. فلذلك لا يليق بالمسيحي العاقل أن يتعلق قلبه بخيرات الأرض و لا يضيق صدره لبلاياها.

 

آية 31 : - و الذين يستعملون هذا العالم كانهم لا يستعملونه لان هيئة هذا العالم تزول.

ينبغي أن نحتقر كل شيء فهذا العالم فانٍ. الماء لازم لتطفو السفينة عليه، لكنه خطر إذا دخل للسفينة. فعلينا أن لا ندخل محبة العالم لقلوبنا ولا نتعلق به، ولا نغرق في استخدامه بكل شغف ولهفة وإندفاع مغتنمين كل ربحه ومسراته الزائدة كأنما هي غاية الحياة. فحياتنا في هذا العالم هدفها أن نقضي فترة غربتنا لا نشتهي شيئاً فلا نخاف شيئاً. علينا أن نكتفي بما هو لازم وضروري لحياتنا.

آية 32 و 33: - فاريد ان تكونوا بلا هم غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب. واما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امراته.

بلا هَمْ = بلا مسئوليات أسرية تعطل عن الإنشغال بالرب، فلو أراد طرف التفرغ للصلاة و الصوم ورفض الطرف الآخر، يكون الطرف الآخر عائقاً. إذاً بولس لا يجعل من الزواج خطية لكنه يريد أن يحرر كل واحد من كل اهتماماته ليتفرغ للرب. فالمتزوج له إرادة أخري تتحكم فيه غير إرادة الله وإرادته وهي إرادة زوجته وذلك بحسب الحقوق التي لها.

 

آية 34 : - ان بين الزوجة و العذراء فرقا غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدسة جسدا و روحا واما المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضي رجلها.

لتكون مقدسة = أي مخصصة ومكرسة للرب، ولاحظ أنه لم يقل أن المتزوجة غير مقدسة بل إن اهتمامها بالرب أقل = كيف ترضي رجلها. بينما غير المتزوجة تستطيع أن تهب جسدها و نفسها ووقتها وجهدها للرب.

 

آية 35 : - هذا اقولـه لخيركم ليس لكي القي عليكم وهقا بل لاجل اللياقة و المثابرة للرب من دون ارتباك.

وهقاً = اصل الكلمة شركاً أي لا أقول هذا لأنصب لكم شركاً او أقتنصكم لإرادتي، لا أريد أن اضع عليكم شيئاً فوق طاقتكم أن تحتملوه. إذا كنت حدثتكم عن أفضلية البتولية فلست بهذا أريد أن أثقل عليكم، بل أريد لكم حياة هادئة بعيدة عن الإرتباكات العالمية.

 

آية 36 : - و لكن ان كان احد يظن انه يعمل بدون لياقة نحو عذرائه اذا تجاوزت الوقت و هكذا لزم ان يصير فليفعل ما يريد انه لا يخطئ فليتزوجا.

راجع آية 25 و تفسيرها. إن كان احد = إن كان أب قد منع أبنته العذراء من الزواج ليكرسها للمسيح، ثم رأي أن هذا التصرف فيه عدم لياقة فليزوجها = فليتزوجا هي و خطيبها. أو أن المقصود زوجان تعهدا بالبتولية ثم عادا واكتشفا أنهما غير قادرين فليتزوجا. إذا تجاوزت الوقت = في الإنجليزية إنقضت زهرة شبابها أي صارت كبيرة سناً. فإن رأي الوالد (أو الزوجان البتوليان) أن في الزواج حلاً لمتاعبهما فإن الزواج خيرٌ من التحرق. في حالة التحرق فالزواج هو الأفضل. فالزواج هو القاعدة والبتولية هي الإستثناء. وليس من حق الأب أن يرغم إبنته علي شيء لا تستطيع عمله، و لكن بولس حتى لا يغير العادات الاجتماعية لا يطلب من البنت الثورة علي أبيها بل يطلب من الأب السماح لإبنته بالزواج ممن تريده = فليتزوجا.

 

آية 37 : - و اما من اقام راسخا في قلبه و ليس له اضطرار بل له سلطان على ارادته و قد عزم على هذا في قلبه ان يحفظ عذراءه فحسنا يفعل.

إن أمكن فالأفضل البتولية إن رغبت الفتاة و إستحسنت هذا.

 

آية 38 : - اذا من زوج فحسنا يفعل و من لا يزوج يفعل احسن.

هنا خلاصة ما يريد الرسول قوله. من زوج فحسنا يفعل فالله بارك آدم و حواء ليكثرا و يملآ الأرض، فالله يريد تعمير الأرض.

 

آية 39 : - المراة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيا و لكن ان مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تريد في الرب فقط.

راجع تفسير آية 14. فالمرأة مرتبطة برجلها (مؤمناً كان أم غير مؤمن) طالما هو حي و لكن إن مات فلا تتزوج إلا من رجل مؤمن = في الرب فقط.

 

أية 40 : - و لكنها اكثر غبطة ان لبثت هكذا بحسب رايي و اظن اني انا ايضا عندي روح الله

بنفس منطق الرسول فالأفضل للأرملة أن تظل بلا زواج لكي تجد وقتاً لله و لكن الزواج الثاني غير نجس. أظن إني أنا عندي روح الله = كلام الرسول في تواضع، فكلامه موحى به من الله.


الإصحاح الثامن

 

يناقش الرسول في هذا الإصحاح قضية ما ذبح للأوثان بينما أنه في رومية 14 كان يناقش موضوع المأكولات النجسة عند اليهود كلحم الخنزير.

و ذبائح الأوثان تنقسم إلي 3 أقسام : -

1 – أنصبة الآلهة وهذه كانت تُحرق إكراماً للآلهة.

2 – أنصبة الكهنة.

3 – أنصبة الذين يقدمون هذه الذبائح، وكانوا يأكلون منها علي سبيل بركة من الصنم وكان الكهنة والذين يقدمون الذبائح، يأخذون أنصبتهم ويبيعونها لمحال الجزارة (الملاحم و مفردها ملحمة). كانوا يأكلون جزء منها ويبيعون الباقي لمحال الجزارة. وكان الناس يأكلون أنصبتهم في بيوتهم أو في هياكل الأوثان. وكان الوثنيون يدعون أصدقائهم المسيحيين ليأكلوا معهم سواء في البيوت أو هياكل الأوثان. وقد أعتاد بعض المسيحيين أن يلبوا دعوة أصدقائهم من الوثنيين ويذهبوا معهم ليأكلوا في الهياكل. و لقد وُجه سؤال لبولس. هل نأكل إذا دعينا لهذه الولائم وهل نشتري من لحوم الملحمة ونحن لا نعرف مصدر هذا اللحم، فربما كان مذبوحاً لوثن. و نجد بولس الرسول يرد في اتجاهين 1) العلم و2) المحبة

1) العلم = من لهُ علم، فهو يعلم أنه لا يوجد إله سوي الله، وهذه اللحوم المقدمة للأوثان، لم تقدم لإله آخر، بل هي مجرد لحوم. وبالتالي ماذا يمنع أن آكل.

2) المحبة = من لهُ محبة يراعي مشاعر الآخرين الذين ليس لهم علم. فربما رآني أحد جالساً مع وثنيين آكل مِمّا ذُبح للأوثان فيظن أني مؤمن مثلهم بأن هذا اللحم فيه بركة، فيقول في نفسه طالما أن هذا القوي الذي يعلم يفعل هكذا، إذاً فلأذهب أنا أيضاً لهياكل الأوثان وأقدم ذبيحة للوثن وآكل منها لأتبارك وبهذا يضيع هذا الإنسان الضعيف بسبب علم الإنسان الذي يعلم ولذلك خرج بولس بمبدأ هام.. أن المحبة أهم من العلم حتى لا نعثر أحد فقال " إن كان طعام يعثر أخي فلن آكل لحماً إلي الأبد لئلا أعثر أخي آية 13 "وهذه المشكلة غير قائمة الآن، فلا أحد يقدم ذبائح للأوثان. لكن الكلام هنا يقدم لنا مفهوم روحي أساسي في سلوكنا اليومي المعاصر. فهناك من يتصرف بحسب هواه دون مراعاة لمشاعر الآخرين و يقول " بما إني أنا بأتصرف صح فلا يهمني أحد" و بهذا يكون سبب عثرة للآخرين. وبولس يقول أن هذا ضد المحبة، والمحبة اهم من العلم. فالنفس المعرضة للعثرة هامة جداً عند المسيح. ومجمع أورشليم منع الأكل مما ذبح للأصنام (أع 15 : 29) ليس لمنع أكل اللحم و لكن حتى لا يشتركوا في الطقوس الوثنية ويأكلوا اللحم علي أنه بركة من الأصنام، لأن مقدم الذبيحة أشترك مع الوثن في أكل اللحم (هكذا كانوا يعتقدون).

العلم و المحبة: - العلم بدون محبة ينفخ، يملأ النفس غروراً وكبرياء. ويكون العلم في هذه الحالة كهواء بلا قيمة ينفخ الإنسان ويتهور في قراراته دون مراعاة مشاعر الآخرين، بل أنه يحتقرهم ويحتقر آرائهم فيعثرهم، ولاحظ أن كل الهرطقات نادي بها علماء متكبرين، لهم علم دون محبة فسقطوا وأعثروا كثيرين. أما لو امتلأ الإنسان محبة يكشف له الله كل أسراره. وتصور ملك لهُ قصر فخم. و السؤال ما هي الكيفية التي أتطلع بها لجمال القصر من الداخل. هل تصلح القوة ؟ قطعاً لا فالقصر محاط بحراس. لا يصلح سوي أن أدخل في علاقة حب مع هذا الملك فيدعوني لأن أتطلع لجمال القصر من الداخل. وبدون هذا ستظل تصوراتي عن هذا القصر مشوشة. العلم لن يكتشف وحده حقائق السماويات، بل بالمحبة نعرف كل شيء حتى أعماق الله، هذا يكشفه لنا الروح القدس (ا كو 2 : 9 – 12). وكيف نصل لهذه المحبة ؟ المحبة هي أولاً لله، ومن يحب الله سيحب كل الناس (1 يو 4 : 20 + 5 : 2) وكان يوحنا تلميذ المسيح المحبوب، أكثر من تكلم عن المحبة. هو الذي كُشِفَ له ما لم يُكشف لغيره في سفر الرؤيا، بل رأى الله على عرشه. وكيف نحب الله ؟

1-   بالعشرة الطويلة مع الله (صلاة / تسبيح / دراسة كتاب) وبهذا نعرفه فنحبه

2-   بنقاوة القلب. فلن نراه ولن نعرفه سوى بهذا (مت 5 : 8)

3-   أن اتقدس لله. أعطيه كل عواطفي ومشاعري وطاقاتي.(عب 12 : 14 + لا 11 : 44)

4-   بالتواضع والانسحاق. ليسكن الله عندي (أش 57 : 15)

5-   الزهد في العالم. (صوم / امتناع عن اللذات..) فمحبة العالم عداوة لله (يع 4 : 4)

6-   ومن يفعل يكمله الله بوضع صليب عليه (ألام وتجارب). فلنقبل الصليب بشكر

 

آيه 1 :- و اما من جهة ما ذبح للاوثان فنعلم ان لجميعنا علما العلم ينفخ و لكن المحبة تبني.

لجميعنا علماً = جميعنا نعلم أنه ليس إله آخر سوى الله، وأنه لا وثن. وبالتالي فإن أكل هذه اللحوم لا يؤثر علينا في شئ. فالأوثان عاجزة عن تقديس أو تدنيس الذبيحة لأنها، أي الأوثان، غير موجودة بالمرة. وما ذبح هو خليقة الله، يمكن أن نأكلها أياً كان مصدرها. العلم ينفخ = العلم الخالي من المحبة يصبح بلا قيمة وكانَّ صاحبه مملوء هواء، فهو يملأ النفس كبرياء وغرور. ولكن المحبة تبنى = تبنى الإنسان ليحيا ويرتفع سماوياً، وكل يوم يعرف عن الله أكثر ويدخل إلى أعماق أكثر. ومن له العلم والمحبة يبنى الآخرين في علاقتهم بالله. أما المعرفة بدون محبة للضعفاء إيمانياً، تجعلهم يتعثرون، ومعرفة دون محبة تقود للكبرياء. والكبرياء سيهدم علاقتنا بالله وبإخوتنا (رو 14 : 3 – 22). إما إذا أرتبط العلم بالمحبة فإنه يسخر ذاته لخدمة الآخرين، لكن العلم الكثير مع الكبرياء فقد قاد لهرطقات كثيرة.

 

آية 2 :- فان كان احد يظن انه يعرف شيئا فانه لم يعرف شيئا بعد كما يجب ان يعرف.

فإن كان أحد يظن أنه يعرف شيئاً = أي يعرف عن الله معرفة عقلانية

فإنه لم يعرف شيئاً بعد كما يجب أن يعرف = فالله محبة ولا يمكن أن نعرفه سوى بالمحبة، أمّا العقل فيقف عاجزاً أمام الله اللانهائي. والمعرفة البشرية ناقصة ومعرضة للخطأ، ومهما علمنا فنحن نعلم بعض العلم (1كو 13 : 8، 9).

 

آية 3 :- و لكن ان كان احد يحب الله فهذا معروف عنده.

من يحب الله = فهو مقرب إليه، محبوب لديه بغض النظر عن كونه عالماً أم جاهلاً، الله يُسَّرْ به ويختاره لمجده = معروف عنده = المحبوب من الله والله يكشف له أسراره، هذا يقال عنه معروف عنده. أمّا الخطاة فسيقول لهم الله إذهبوا عنى لا أعرفكم (مت 7 : 21 – 23). والمحبة تجعل الإنسان أكثر قرباً من الله وبالتالى فروح الله يملأه ويرشده للمعرفة الحقيقية (غل 4 : 9) " أما الآن فَعَرَفْتُمْ الله بل بالأحرى عُرِفْتُمْ من الله ". فمن يحب الله معروف عنده، أي أن الله عرف قلبه وأنه متجاوب معه، ويحاول التقرب منه، فيعطيه الله أن يعرفه إذا طلب من الله أن يعرفه " اسألوا تعطوا... " فالله يريد أن يكشف ذاته لنا وأن نراه في مجده. والله أعطانا روحه الذي يفحص كل شئ حتى أعماق الله (1كو 2 : 10) وبهذا نفهم أن العلم الذي يعطيه الله هو ثمرة من ثمار المحبة، والمحبة ثمرة للروح القدس (غل 5 : 22). إذن العلم هو ثمرة لفاعلية الروح القدس.

 

آية 4 :- فمن جهة اكل ما ذبح للاوثان نعلم ان ليس وثن في العالم و ان ليس اله اخر الا واحدا.

إذاً ما قدموه للأوثان لا شئ فيه من معنى الديانة، فلا إله آخر سوى الله، فلا تفترضوا أن هذه الذبائح قدمت لإله آخر غير الله، فليس غير الله إله. وبالتالى فلا فرق بين لحوم هذه الذبائح وباقي الأطعمة.

 

آية 5 :- لأنه و ان وجد ما يسمى الهة سواء كان في السماء او على الارض كما يوجد الهة كثيرون وارباب كثيرون.

الوثنيون عبدوا الشمس والقمر والنجوم والحيوانات، وكان لهم آلهة لها أسماء كثيرة (زيوس وأبولوس..) ولكن كل هؤلاء ليسوا آلهة بل شياطين.

 

آية 6 :- لكن لنا اله واحد الاب الذي منه جميع الاشياء و نحن له و رب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الاشياء ونحن به.

الآب أوجد كل شئ بالرب الواحد يسوع المسيح بحسب كون المسيح هو حكمة الله. ونحن له = خلقنا لنمجده. ونحن به = هو خلقنا وفدانا كلنا. ولا يستطيع أحد أن يقول أن المسيح رب إلاّ بالروح القدس (1كو 12 : 13). فالروح القدس عمله الآن أن يشهد فينا للإبن

 

آية 7 :- و لكن ليس العلم في الجميع بل اناس بالضمير نحو الوثن الى الان ياكلون كانه مما ذبح لوثن فضميرهم اذ هو ضعيف يتنجس

ليس العلم فى الجميع = ليس الجميع يعرفون هذه الحقيقة أن الله واحد ولا آلهة سواه، و بالتالي يمكننا أن نأكل مما ذُبِحَ للأوثان. بل أناس بالضمير نحو الوثن هؤلاء هم الذين مازالوا يظنون أن الوثن إلهاً. فضميرهم إذ هو ضعيف = ضعيف هنا تعني نقص المعرفة، فضميرهم يبكتهم إذ هو ضعيف أنهم أكلوا مما ذُبِحَ لوثن كأنه ذُبِحَ لإله أخر يتنجس = إذا أكل بهذا الشكل فكأنه يقدم عبادة للوثن فعلاً، لأنه يظن ذلك. فمن يأكل بعكس ما يمليه عليه ضميره فهذا خطية لهُ حتى لو لم يكن خطية.

 

آية 8 : - و لكن الطعام لا يقدمنا الى الله لاننا ان اكلنا لا نزيد و ان لم ناكل لا ننقص.

الطعام لا يقدمنا إلي الله = لماذا تصرون علي أكل هذه اللحوم مع أن فيها معثرة للضعفاء، إن أكلنا لن يزيد فضائلنا بل يعثر إخوتنا. لأننا إن أكلنا لا نزيد = لا تقربنا الأطعمة لله كما يعتقد الوثنيون ولن تزداد فضائلنا بالأكل. و إن لم نأكل لا ننقص = لا ننقص قبولاً إذا لم نأكل منها، لن ينقص رضي الله علينا إذا امتنعنا عن أكلها، بل بالعكس فامتناعنا سيرضي الله إذ قد راعينا أن لا نعثر إخوتنا. وملكوت الله ليس أكلاً و شرباً (رو 14 : 17). بل هو روحاني فيه البر والسلام والفرح. وهذه الآية لا نفهم منها الامتناع عن الصوم فالصوم :-

1-   هو الطريق الذي رسمه السيد المسيح مع الصلاة لنهزم الشياطين (مت 17 : 21)

2-   والسيد المسيح نفسه صام 40 يوماً وبولس صام كثيراً (2كو 11 : 27)

3-   السيد قال حين يُرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون في تلك الأيام (لو 5 : 35)

4-  هو طريق لقمع الجسد واستعباده (1كو 9 : 27). فالجسد يشتهى ضد الروح (غل 5 : 17). فلكي تنطلق الروح لتتذوق السمائيات فنحن نقمع جسدنا.

5-  هو وسيلة نشترك بها مع المسيح في صليبه، هو وسيلة لقبول صليب مع المسيح فهل لا أترك طعاماً أحبه لمن أخلى نفسه لأجلى آخذاً صورة عبد وصلب عنى.

6-  هو طريقة لتقوية الإرادة، ففي أصوامنا لا نهتم فقط بالإمتناع عن أكل معين أو الجوع، بل أ) بترك كل شهواتنا وملذاتنا ب) التقرب لله فليس الأكل هو الذي يقدمنا أو يؤخرنا، بل هو قمع لملذاتنا، لذلك فمن يصوم وهو مستمر في شهواته، أو دون أن يصلى فكأنه لم يصم. ولو كان هناك إنساناً مريضاً فان إفطاره لن يقلل من شأن حياته الروحية.

 

آية 9 :- و لكن انظروا لئلا يصير سلطانكم هذا معثرة للضعفاء.

يصير سلطانكم = أي علمكم بأن صارت لكم حرية في المسيح أن تأكلوا أي شئ دون أن تتنجسوا، وهذا ما عَلّمَ به السيد المسيح أن ما يدخل الفم لا ينجسه، بل ما يخرج من الفم هو الذي ينجس. معثرة للضعفاء = الذين يمتنعون عن الأكل لأن ضمائرهم تحرمهم مما ذبح لوثن يعتقدون أنه إله، إذ هم سيعتقدون أنكم تعبدون إله آخر ويتشككون. وربما ذهبوا ليعبدوه.

 

آيات 10، 11 :- لأنه ان راك احد يا من له علم متكئا في هيكل وثن افلا يتقوى ضميره اذ هو ضعيف حتى ياكل ما ذبح للاوثان. فيهلك بسبب علمك الاخ الضعيف الذي مات المسيح من اجله.

يتقوى = يتجاسر. لأنه إذا حدث أن أحداً من ضعاف الإيمان (الذي لا يعرف ولا يفهم) رآك أنت يا من لك علم وأنت متكئ في أحد الهياكل الوثنية، وحيث أن هذا الإنسان يثق في علمك وفى معرفتك فإنه سوف يتقدم ليأكل هو أيضاً مما ذبح للأوثان، ولكنه سيأكله كما لو كان شيئاً مقدساً، وهكذا فإن ضعيف الإيمان سيغير نظرته من ناحية الوثن وسوف ينظر إليه نظرة مقدسة، ويمكن على ذلك أن ينحرف لتيار العبادة الوثنية وهكذا بسبب علمك يتعثر أخوك الضعيف. لذلك فالمحبة تمنعني من الأكل وتكون هذه المحبة التي تمنعني أهم من العلم الذي يبيح الأكل. وهذا معنى آية 1.

 

آية 12 :- و هكذا اذ تخطئون الى الاخوة و تجرحون ضميرهم الضعيف تخطئون الى المسيح.

وهكذا بتصرفك هذا تخطئ ويتعثر أخوك المؤمن، ويتعرض الإخوة الضعفاء إلى تبكيت الضمير بشدة أو الوسوسة أو سيمارسون حياة الخطية وبذلك فإنكم تخطئون إلى المسيح الذي مات لأجل خلاصهم. فمن يسئ للقطيع يهين الراعى.

 

 

آية 13 :- لذلك ان كان طعام يعثر اخي فلن اكل لحما الى الابد لئلا اعثر اخي

ولذلك إذا كنت آكل شيئاً ما ويتسبب عن هذا الطعام عثرة لآخي، فلا يجب أن أتناول هذا الطعام مهما كان نوعه حتى لا يعثر أخي بتصرفي. ولكن هذه الآية تضع مبدءاً هاما في المسيحية ليس فقط في أكل اللحم. لكن على المسيحي أن لا يمتنع فقط عما يراه خطأ ولكن ما يجعل الآخر يتعثر، أي علىَّ أن أهتم بأن لا أعثر أحداً فأنا مسئول عن حياة الآخرين الروحية.


الإصحاح التاسع

 

إعتاد الرسول ألاّ يقدم وصايا ما لم يختبرها في حياته، لذا إذ طالب أصحاب الضمير القوى بالتنازل عن حقوقهم في أكل لحم سيكون سبب عثرة لإخوتهم، وذلك بدافع المحبة. قَََََدْمَ الرسول نفسه مثالاً في ذلك، فمع أنه رسول للمسيح بدليل :- 1) أنه رأى المسيح 2) هو بشرهم وهم عمله. إلاّ أنه لمحبته لهم تنازل عن حقوقه الرسولية فلم يتركهم ينفقوا عليه حتى لا يثقل عليهم، بل إستعبد نفسه للجميع ليربح الجميع. وبينما كان من حقه أن تكون له زوجة تخدمه، فإنه رفض ليتفرغ تماماً للخدمة. وهو هنا يرد بالمناسبة على من شكك في رسوليته قائلآً.. أنه لم يكن من تلاميذ الرب بينما كان الرب على الأرض. وهو يدافع عن رسوليته حتى يطيعوه إذ طلب منهم الإمتناع عن الأكل في الهياكل الوثنية، فعليهم أن يلتزموا بما يقوله فهو رسول للمسيح. والإمتناع عن ذلك لسببين :-

1-   عدم إعثار الضعفاء (إصحاح 8)

2-   الأكل فيه إشتراك في مائدة الشياطين (إصحاح 10)

ومع أنه رسول فهو حر مثلهم ولكنه بحريته إمتنع حتى لا يعثر أحداً فلا يقولوا نحن أحرار نأكل في المكان الذي نريده فهو رسول ومَثَلْ لهم.

 

آية 1 :- الست أنا رسولا الست أنا حرا أما رأيت يسوع المسيح ربنا ألستم انتم عملي في الرب.

هنا يؤكد رسوليته، فالمسيح إختاره حين ظهر له وصار شاهداً على القيامة وأنهم كما هم أحرار فهو أيضاً حر، وبحريته قبل خدمة المسيح وتنازل عن حقوقه.

 

آية 2 :- إن كنت لست رسولا إلى آخرين فإنما أنا إليكم رسول لأنكم انتم ختم رسالتي في الرب.

إن جاز لأحد أن يشكك في رسوليتى، فإنه لا يجوز لكم أنتم هذا لأنكم ختم رسالتي = 1) فالورقة لا تصلح أن تكون مستنداً ما لم يكن عليها ختم وأنتم ختم إثبات وصحة وصدق رسوليتى إذ تركتم الوثنية وآمنتم وصارت لكم كنيسة في كورنثوس وصارت لكم مواهب 2) ما رأيتم فيَّ ومنى من قوات وعجائب آمنتم بواسطتها.

 

آية 3 :- هذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني.

هنا يوقف الرسول نفسه في محكمة ليرد على إتهاماتهم وعلى من يشكك في محبته لهم

 

آية 4 :- العلنا ليس لنا سلطان أن نأكل ونشرب.

سلطان = حق. من هنا يوضح لهم الرسول حقوقه الرسولية، وأنهم يجب أن يتكفلوا بإعاشته، ومطالبه ليست كثيرة = نأكل ونشرب. فإذا كنت قد تنازلت عن حقوقي فكيف تشككوا فيَّ فأنا لا أسعى وراء ربح ولست بمخادع.

 

آية 5 :- العلنا ليس لنا سلطان أن نجول باخت زوجة كباقي الرسل واخوة الرب وصفا.

أليس لنا سلطان أن نكون مثل باقي الرسل وتكون لي زوجة تخدمني وعليكم أن تعولوني وتعولوها، لكنني فضلت البتولية لأتكرس تماماً لخدمتكم. فبطرس كان متزوجاً وكذلك إخوة الرب يعقوب ويوسى ويهوذا وسمعان.

 

آية 6 :- أم أنا وبرنابا وحدنا ليس لنا سلطان أن لا نشتغل.

كان بولس وبرنابا وحدهما يشتغلون بأيديهم حتى لا يتضايق أحد.

 

آية 7 :- من تجند قط بنفقة نفسه ومن يغرس كرما ومن ثمره لا يأكل أو من يرعى رعية ومن لبن الرعية لا يأكل.

يتحدث الرسول عن نفسه وعن رفقائه في الخدمة كجنود للمسيح يجاهدون من أجل أن يمتد وينتشر ملكوت السموات ويقول من ذا الذي يدافع عن بلده ويُلْزَمْ بنفقة الحرب. ومثال آخر فالكنيسة هي كرم روحي يغرسه الرسول أفلا يأكل الغارس من عمل يديه، ومثال آخر يشبه نفسه به كراعٍ لنفوس رعيته أفلا يشرب من لبن رعيته. فالكرام والراعى لهما أجرة على تعبهما. وأجرة الراعى عادة في الشرق يأخذها كمية لبن من رعيته.

 

آيات 8، 9 :- العلي اتكلم بهذا كانسان أم ليس الناموس أيضا يقول هذا. فانه مكتوب في ناموس موسى لا تكم ثورا دارسا العل الله تهمه الثيران.

هذه من (تث 25 : 4) ومع أن الله تهمه الثيران ويعولها لكنه يهتم بالأولى بخدامه. فكما أنه يجب أن يترك الثور وقت الدراس ليأكل مما يدرسه، على الخادم أن تلتزم رعيته بنفقاته. العلى أتكلم بهذا كإنسان = ما أقوله ليس رأيي كإنسان بل هو رأى الناموس. وهو يستشهد بالناموس فالمعترضين عليه كان أكثرهم من أصل يهودي.

 

آية 10 :- أم يقول مطلقا من أجلنا انه من أجلنا مكتوب لانه ينبغي للحراث أن يحرث على رجاء وللدارس على الرجاء أن يكون شريكاً في رجائه.

الله أهتم أن ينبه شعبه في القديم بأن لا يهتموا بخدامه فيقدموا لهم ما يحتاجونه لمعاشهم، كما أن الحراث والدراس يعملان على رجاء الحصول على ثمار عملهم. مطلقاً = بلا شك

 

آية 11 :- إن كنا نحن قد زرعنا لكم الروحيات افعظيم إن حصدنا منكم الجسديات.

فالروحيات (الكرازة بالإنجيل) لا تقارن بالجسديات. والجسديات التي يطلبها هي قوت جسده. وهكذا فالباقيات لا تقارن بالفانيات

 

آية 12 :- إن كان آخرون شركاء في السلطان عليكم أفلسنا نحن بالأولى لكننا لم نستعمل هذا السلطان بل نتحمل كل شيء لئلا نجعل عائقاً لإنجيل المسيح.

إن كان آخرون شركاء في السلطان عليكم = 1) الولاة وجباة الضرائب 2) اليهود الذين علموكم الناموس 3) المعلمين الحقيقيين أو الكذبة. كل هؤلاء يستفيدون منكم وتدفعون لهم صاغرين. أفلسنا نحن بالأولى = لأننا ولدناكم في الإيمان ولأننا نتحمل كل شئ = (أنظر (2كو 11 : 7 – 12) لترى ما تحمله الرسول). لكن الرسول لم يلزمهم بنفقاته حتى لا تتعوق الخدمة، مع أن هذا حقه.

 

آية 13 : - ألستم تعلمون أن الذين يعملون في الأشياء المقدسة من الهيكل يأكلون الذين يلازمون المذبح يشاركون المذبح.

هنا يستعمل الرسول معلوماته اليهودية. فاللاويين الذين يخدمون الهيكل يأكلون مما يقدم للهيكل. والكهنة يأكلون مما يقدم للمذبح، فهم يحصلون علي أنصبتهم من ذبائح الخطية والسلامة. هو يقول هذا حتى لا يسيء إلي من يحصل علي حقوقه من رعيته من بقية الرسل، فهم بهذا لا يخطئون.

 

آية 14 : - هكذا أيضا أمر الرب أن الذين ينادون بالانجيل من الانجيل يعيشون.

حتى لا يظنوا أن هذا هو تعليم العهد القديم ‘ فها هو يستشهد بأقوال السيد المسيح = الرب (مت 10 : 10 + لو 10 : 7، 8) " الفاعل مستحق أجرته ".

 

آية 15 : - أما أنا فلم استعمل شيئا من هذا ولا كتبت هذا لكي يصير في هكذا لانه خير لي أن أموت من أن يعطل أحد فخري.

أما أنا فلم أكتب لكم هذا حتى أحصل منكم علي أموال بل لتتشبهوا أنتم بي وتتركوا بعضاً من حقوقكم في أكل ما ذبح للأوثان، محبة للضعفاء. وأنا أخدمكم وأتعب في عمل يديَّ (أع 20 : 34) لأنفق علي نفسي حتى أفتخر بكم أمام الرب. وخيرٌ لي أن أموت (جوعاً وعطشاً) من أن تتعثروا إذ تنفقوا عليَّ = من أن يعطل أحد فخري = فخري أن يكون الكل مؤمنين وتمتلئ الكنيسة. هذا أفضل من أي أموال.

 

آية 16 : - لانه إن كنت ابشر فليس لي فخر إذ الضرورة موضوعة علي فويل لي إن كنت لا ابشر.

أنا أحس بإلتزام في التبشير فالرب أمرني بهذا (رو 1 : 14). ولن يعطلني شيء عن هذا حتى إن لم تنفقوا شيئاً عليَّ. ففي هذا مجدي الأبدي. ويلٌ لي = 1) من توبيخ ضميري 2) من ضياع المكافأة السماوية. فليس لي فخر = فأنا مكلف ولا أطلب مقابل مادي لذلك، لا أفتخر بخدمتي وأطلب عنها أجراً.

 

آية 17 : - فانه إن كنت افعل هذا طوعا فلي اجر ولكن إن كان كرها فقد استؤمنت على وكالة.

لأنه إن كنت أكرز بدافع من رغبتي وبإختياري دون إضطرار بل في حرية فسيكون لي الحق في مكافأة. أما إذا كنت أكرز عن كره وإلزام كأن أمر الخدمة قد فرض علىَّ فرضاً، فأنا أباشر عملي كشخص استؤمن على وكالة ما. علي أي الأحوال فأنا لن أكف عن الكرازة فالرب أمرني. وهنا نري نوعين من الخدام 1) من يخدم بتغصب 2) من يخدم بفرح.

المهم سواء هذا أو ذاك المهم أن يخدم. ولا يعمل عمل الرب برخاوة، فالخدمة تكليف من الله.

 

آية 18 : - فما هو اجري إذ وأنا ابشر اجعل انجيل المسيح بلا نفقة حتى لم استعمل سلطاني في الانجيل.

فما هو أجري = الرسول يشرح في 17، 18 أنه لا ينتظر عائداً أو أجراً علي خدمته منهم، فهو مستأمن علي رسالة ومسئولية، وهو سعيد بأنه يعمل مع المسيح لمجده ولإنتشار ملكوته. وربما هم يتعجبون سائلين... و ما هو أجره ؟ أو ما هو الذي ينتظره من تعبه ؟.. هو إنتشار الإنجيل. وهذا ما قاله في (19)لأربح الكثيرين إستعبدت نفسي للجميع.

 

آية 19 : - فاني إذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لاربح الاكثرين.

الرسول ضحي بكل شيء حتى أنه مثلاً لا يثور لكرامته = استعبدت نفسي هو يقدم خدماته ولا يطلب شيء كأنه عبد ليكسب الجميع، وهذا هو المسيحي الخادم. فلنحرص في معاملة الآخرين ألاّ نطلب حقوقنا بل نكسب نفوس الآخرين.

 

آية 20 : - فصرت لليهود كيهودي لاربح اليهود وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لاربح الذين تحت الناموس.

قطعاً ليس المقصود علي حساب ضميره وعقيدته، بل هو يكلم كل واحد بلغة يفهمها، يظهر محبته لليهود محترماً الناموس فيما لا يتعارض مع المسيحية، لذلك ختن الرسول تلميذه تيموثاوس حتى يستطيع الخدمة وسط اليهود وأوفي النذور وحلق شعره. والرسول لا يدعو للتلون، بل أنه علينا أن نكلم كل واحد بالأسلوب الذي يلائمه. حبه للناس جعله يعمل هذا ليجتذبهم للإيمان. فكان من غير المعقول أن يكلم اليونانيين من الناموس وهم لا يعلمون عنه شيئاً. إنما حين كلمهم إستشهد بشعر قاله شاعرهم المشهور أبيمينيدس " لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد ". كما قال بعض شعرائكم أيضاً لأننا أيضاً ذريته (أع 17 : 28). ولكن لماذا التكرار ؟ صرت لليهود.. وللذين تحت الناموس. لأن هناك يهود آمنوا بالمسيح وتحرروا من الناموس. لكل واحد لغة يكلمه بها.

 

آية 21 : - وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس مع أنى لست بلا ناموس لله بل تحت ناموس للمسيح لاربح الذين بلا ناموس.

الذين بلا ناموس = الأمم مثلاً. فهو أظهر للأمميين أنه لا يرتبط بطقوس الناموس والتقاليد. ولكن هذا لا يمنعه من أن يلتزم بالناموس الأخلاقي، كأني بلا ناموس = لم يلزمهم بناموس موسى، بل أظهر لهم أنه تحرر منه. ناموس المسيح = لا يفهم من هذا أنه صار بلا قانون ولا ناموس. فالحياة مع المسيح لها التزاماتها و قوانينها. هو ناموس حب الله، ولا يخالف وصاياه بسبب هذا الحب.

 

آية 22 : - صرت للضعفاء كضعيف لاربح الضعفاء صرت للكل كل شيء لاخلص على كل حال قوما.

حرصت أن أعامل الضعفاء في المعرفة والإيمان بمحبة ورفق، فهو كان مستعداً أن يمتنع عن أكل اللحم تماماً حتى لا يعثرهم، هو لا يشاركهم ضعف إيمانهم، بل هو يسايرهم بالطريقة التي لا يتعثرون بها حتى يجذبهم إلي الإيمان. خلاصة الكلام أنه علي الخادم أن يكون حكيماً في معاملة كل واحد، فليس ما يصلح لفرد يصلح لآخر. قصة : - راهب يأس من خطية إستعبدته، وكان سيترك الدير. فقال لهُ آخر، وأنا مثلك، تعال نصوم ونصلي ليرحمنا الله وظل هكذا حتى ترك خطيته = صرت للضعفاء كضعيف.

 

 

آية 23 : - و هذا أنا افعله لاجل الانجيل لاكون شريكا فيه.

الرسول يعمل كل هذا ويخدم كل هذه الخدمة لا سعياً وراء مكسب مادي بل ليكون شريكاً في مجد وبركات الإنجيل الأبدية، أي التي وَعَدَ بها الإنجيل.

 

آية 24 : - ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون ولكن واحدا يأخذ الجعالة هكذا اركضوا لكي تنالوا.

هنا يستشهد بأمثلة من المباريات الرياضية 1) الجري في هذه الآية 2) والملاكمة في آية 26. يركضون = الكلمة تشير لجهاد وعرق وتعب وصراع مرير وفي هذا إشارة لخدمة بولس وجهاده في الكرازة، وهو يركض ليحصل علي إكليل المجد = الجعالة = هي مكافأة الفوز. وهذا الكلام موجه لكل واحد منا. فالحياة الروحية ليست هي حياة الكسل والخمول والتخاذل. ولكن هناك فرق بين السعي في ميدان الرياضة وفي الميدان الروحي، ففي الأول يأخذ المكافأة شخص واحد هو البطل وربما إثنين. أما في المجال الروحي فكل من يجاهد يحصل علي المكافأة، جميعنا مدعوون للحصول علي الإكليل ولكن هناك درجات في السماء لمن يجاهد أكثر " فنجماً يمتاز عن نجم في المجد " (1 كو 15 : 41)

 

آية 25 : - وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء أما أولئك فلكي يأخذوا اكليلا يفنى واما نحن فاكليلا لا يفنى.

يضبط نفسه = رياضياً، فاللاعبون كانوا يمتنعون عن الطعام والشراب ويلتزمون بنظام صعب ليحافظوا علي أوزانهم. ويمتنعون عن المعاشرات الجنسية حتى لا يستهلكوا قواهم، وروحياً مطلوب الصوم والجهاد في الصلاة والخدمة ومراقبة حواس الجسد من الطياشة في الخطية وغصب الإرادة علي السير في الطريق الصحيح، (2 تي 2 : 5 + 4 : 7، 8).

إكليل يفني = كانوا يضعون علي رأس الفائز إكليل من نباتات، و كان هذا يفني بعد يوم أو يومين.

 

آية 26 : - إذا أنا اركض هكذا كأنه ليس عن غير يقين هكذا أضارب كأني لا اضرب الهواء.

كأنه ليس عن غير يقين = ففي المجال الرياضي آلاف يركضون وواحد فقط يأخذ الإكليل. أمّا نحن المؤمنين فكل من يجاهد يأخذ إكليل، هذا عن يقين. والمعني أنه عليكم أن تتمثلوا بي فأنا إذ أجاهد وأركض فأنا أعرف ما هو الهدف الذي أسعي وراءه وأعرف الكيفية والوسيلة التي أحقق بها الجعالة، أي أنني لا أجاهد باطلاً كمن يضرب الهواء = هكذا أضارب كأني لا أضرب الهواء = أضارب الهواء هو مثل يشير للملاكم الذي يخطئ الهدف، بسبب مهارة الملاكم المنافس الذي يفلت من ضربات خصمه. وبهذا تتبدد قواه في الهواء وليس ضد الخصم. أما نحن ففي جهادنا نسدد ضربات حقيقية لإبليس بقيادة ومعونة وإرشاد الروح القدس فأنا أعرف أنني أحارب أعداء حقيقيين (أف 6 : 11، 12) وهم ليسوا خيال أو وهم. ولذلك إستخدم الرسول ألفاظ أضارب وأصارع، فلا هوادة في هذه الحرب بل علينا بالسهر فخصمنا إبليس كأسد زائر (2 بط 5 : 8، 9). وأعدائنا هم إبليس والعالم والجسد. في مجال الألعاب الرياضية هناك من يبذل جهداً ولا يفوز ولكن في المجال الروحي كل من يبذل جهداً يحصل علي إكليل لا يفني.

 

آية 27 : - بل اقمع جسدي واستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضا

هنا نجد الرسول يطبق علي نفسه ما قاله في (غل 2 : 20) " مع المسيح صلبت فأحيا... " فنراه يفعل ما يفعله الرياضي، و يجاهد و يضبط نفسه في كل شيء، وهذا كما قلنا يكون بالإنقطاع عن الطعام والشراب والجنس للرياضيين، أمّا بالنسبة للرسول ولحياتنا الروحية فعلينا أن نقمع أهواء الجسد ونصلب الأهواء والشهوات (غل 5 : 24) في أصوام، في سهر، في مطانيات، في خدمة، صالبين أهواء الجسد كالزنا والطمع والحسد فهذه تميت الحياة الروحية. إذاً علي الجسد أن يكون خاضعاً للروح. لقد شعر الرسول بالرغم من كل كرازته أن نصيبه السماوي أو إكليله معرض للضياع إن لم يقمع جسده ويستعبده ويضبط نفسه ويقمع شهواته. إذاً الحياة الروحية هي جهاد متواصل لئلا يفقد المؤمن المتواني ما سبق وكسبه. والرسول يذكر هذا لئلا يظن السامعون أن الرسول يفتخر متكبراً بسبب التنازلات التي ذكرها لأجل الخدمة، لذلك يؤكد أنه لا يضمن شيء بل هو يصارع ويجاهد حتى النفس الأخير.

تأمل : - إذا ثار الجسد ضد الإرادة وطلب لذته يصبح أخطر عدو للإنسان، فهو بهذا يرفض الخضوع لتوجيهات الروح. ومن لا يركب جسده سيركبه جسده، ومن لا يذل جسده سيذله جسده. إن كنت تريد أن تنتصر علي عدو في خندق حصين، إقطع عنه الإمدادات، هذه فائدة الصوم والمطانيات والجهاد في الصلاة والخدمة، وإعتبار الجسد ميتاً أمام شهواته.


الإصحاح العاشر

 

في الإصحاح السابق دعا الرسول الكل للجهاد، ورأيناه هو نفسه يجاهد، ويقمع جسده ويستعبده لئلا يصير مرفوضاً. وهنا يستعرض مأساة شعب لم يجاهد ولم يسع فأستحق عقاباً شديداً. فالله لم يشفق علي إسرائيل إبنه البكر حينما أخطأوا. إذاً فلنتعظ لأن ما حدث لإسرائيل هو تحذير لنا. وإذا كان أهل كورنثوس يتفاخرون بما صار لهم من مواهب روحية، فإسرائيل أيضاً أخذ الكثير فأكلوا أكلاً روحيا هو المن السماوي وشربوا شراباً روحياً ورأوا الله ورأوا معجزات عجيبة. ومع هذا هلك أغلبهم في البرية بسبب سخط الله عليهم. والمعنى أنه يا أهل كورنثوس لا تتفاخرون بما عندكم من مواهب، فالله قد يرفضكم إن لم تجاهدوا. هناك معنى آخر هام جداً أن شعب إسرائيل بعد الخروج تذكروا اللذات التي كانت في أرض مصر مثل قدور اللحم ونسوا سياط التعذيب والعبودية، فاشتهوا العودة لأرض مصر. وأنتم يا شعب كورنثوس أبعد ترككم الوثنية وبعد كل ما حصلتم عليه تعودون للأكل في المعابد الوثنية. المسيح خلصهم من عبودية إبليس فهل يعودون لإبليس ثانية من خلال الولائم الوثنية، ومعروف ما كان يحدث في هذه الهياكل الوثنية من زنا جسدي والرسول عقد مقارنة بين خط رحلة خروج بنى إسرائيل كشعب مختار من أرض مصر ودخولهم كنعان وبين خروجنا كشعب للمسيح من عبودية إبليس إلى أن ندخل أورشليم السماوية، وكما كانت كنعان ميراثاً لليهود صارت السماء ميراثاً للمسيحيين. فمصر أرض العبودية رمز للعالم المستعبد للشيطان والخطية. وفرعون رمز للشيطان وموسى رمز للمسيح. ولاحظ أن خلاص اليهود كان بدم خروف الفصح وخلاصنا أيضاً كان بدم المسيح. وكما خرج فرعون وراء اليهود ليردهم لمصر ليستعبدهم، هكذا إبليس نجده يبذل محاولات كبيرة ليرجع كل تائب للخطية، ويذكره بلذة الخطية وينسيه العبودية والذل والسياط. والرحلة بدأت بعبور البحر الأحمر مع موسى رمزاً للمعمودية التي فيها نموت مع المسيح. ثم أكلوا طعاماً روحياً هو المن السماوي رمزاً للتناول. وشربوا شراباً روحياً رمزاً لحلول الروح القدس على المعمد. فالماء يرمز للروح القدس (يو 7 : 37 – 39) وهذا الماء تفجر من الصخرة بعد ضربها بعصا موسى رمزاً للروح القدس الذي إنسكب على الكنيسة بعد صلب المسيح، فالعصا رمزاً للصليب، والصخرة رمز للمسيح. وكانت رحلة توهانهم 40 سنة في البرية رمزاً لحياتنا على الأرض لفترة زمنية. ثم عبروا الأردن رمزاً لموتنا بالجسد، هم دخلوا كنعان، وفى نهاية رحلة جهادنا على الأرض ندخل إلى كنعان السماوية. ولاحظ أن السحابة رافقتهم طول الطريق تظلل عليهم فى الشمس وتنير لهم ليلاً وتقودهم في الطريق. وهذا عمل الروح القدس يعزينا في خلال ألام وتجارب العالم ويقودنا وينير لنا الطريق إلى السماء.

إذاً ليس معنى أننا اعتمدنا وتناولنا من جسد المسيح... الخ أننا ضمننا دخول السماء، فشعب إسرائيل اعتمدوا مع موسى وأكلوا طعاماً روحياً وشربوا شراباً روحياً وهلك معظمهم في البرية ولم يدخلوا أرض الميعاد لذلك علينا أن نجاهد ونقمع أجسادنا ونستعبدها لئلا نصير مرفوضين.

 

آية 1 :- فاني لست اريد ايها الاخوة ان تجهلوا ان اباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة و جميعهم اجتازوا في البحر.

آباءنا = فالكنيسة هي امتداد طبيعي واستمرار لإسرائيل. جميعهم = تكررت 5 مرات في الآيات 1 – 4 فالله أعطى الجميع ولكنه لا يسر إلاّ بمن يتجاوب معه.

كانوا تحت السحابة = الله في عنايته قادهم بسحابة نهاراً وبعمود نار ليلاً.

 

آية 2 :- و جميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة و في البحر.

البحر يرمز للمعمودية فالماء محيط بهم من كل مكان. والسحابة تشير لنعمة الروح القدس آلتي تعطى قوة للمعمودية للولادة، وعصا موسى ترمز للصليب. وبنو إسرائيل لنا نحن المعمدون. اعتمدوا لموسى = فموسى أجتاز معهم البحر. ونحن في المعمودية نموت مع المسيح. فموسى تقدم وإجتاز البحر، والمسيح سبق ومات عنا فالمعمودية تشركنا مع المسيح في موته وقيامته (رو 6 : 3 – 5)

 

آية 3 :- و جميعهم اكلوا طعاما واحدا روحيا.

طعاماً روحياً = فهو أي المن من صنع الملائكة (مز 78 : 25). هو خبز من الله رمزاً للمسيح السماوي، وأكلهم منه له دلالة روحية فهو رمز لجسد المسيح. هم لم يبذلوا جهداً فى إعداده، وأكلهم منه يشير أنهم من شعب الله. ونلاحظ أنهم حصلوا على المن بعد معموديتهم فى البحر الأحمر، وغير المعمد لا يتناول من الجسد والدم. وكما أن الخبز العادي لازم لنمو الجسد، هكذا جسد المسيح لازم للنمو الروحي.

 

آية 4 :- و جميعهم شربوا شرابا واحدا روحيا لانهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم و الصخرة كانت المسيح.

 شراباً روحياً = فالماء خرج بصورة إعجازية رمزاً لخروج كل النعم من جنب المسيح المصلوب و المطعون. و الصخرة كانت المسيح = الرب صخرتي (مز 2:18 + أش 4:26 + تث15:32). هو صخرة يمكن أن أستند عليها في الضيقات. صخرة روحية تابعتهم = إذاً الرب كان يسير معهم ويعتنى بهم، وهو الوحيد الذي يروى ظمأهم. هنا نرى أن المسيح كان موجوداً قبل أن يولد، وأنه هو مصدر بركات الشعب في كل الأوقات. وكما قيل عن المسيح صخرة، قيل عن الله صخرة (تث15:32 + أش 4:26). فالمسيح هو الله. لكن اليهود كانوا يسيرون في ظلال العهد الجديد. وقوله شراباً روحياً = يشير أن هذا الشراب أعطى لهم بقوة روحية فائقة على الطبيعة، و ليس بقوانين الطبيعة، فالمياه التي تفجرت من الصخرة كانت تكفى 2-3 مليون نسمة.هذا ما يجعلنا نقول أنهم كانوا يشربون في الواقع من صخرة غير مرئية أي المسيح الذي كان يتبعهم طوال رحلتهم و يتعهدهم بالطعام والشراب الذي يدبره لهم بطريقة إعجازية.

 

آية 5 :- لكن باكثرهم لم يسر الله لانهم طرحوا في القفر.

بسبب تمردهم وعصيانهم وخطاياهم، ماتوا وطرحوا في القفر ولم يدخلوا كنعان والله لم يُسر سوى بعدد قليل منهم (يشوع وكالب ومن هم أقل من 20 سنة هؤلاء دخلوا كنعان) إلاّ أن الله من المؤكد كان مسروراً بموسى وهرون ومريم مع أنهم لم يدخلوا أرض الميعاد.

 

آية 6: - و هذه الامور حدثت مثالا لنا حتى لا نكون نحن مشتهين شرورا كما اشتهى اولئك.

هذا علينا أن نتخذه مثالاً وعبرة. مشتهين شروراً = كما اشتهوا هم الرجوع لمصر هناك من يشتهى العودة للخطية.هم اشتهوا ما كان يُعمل في مصر فعملوا العجل الذهبي، بل هم اشتهوا العودة لمصر بعد خروجهم.

 

الآيات 7-14:- يوجه الرسول حديثه إلى مؤمني كورنثوس الذين تمتعوا بالهبات الروحية للعهد الجديد، وقد أحسوا بحريتهم وسلطانهم في الأكل مما ذبح للأوثان،فينبههم أن لا يعتمدوا على هذه الهبات، و يفرطوا في الثقة بأنفسهم (هؤلاء الذين يحضرون الولائم في الهياكل الوثنية بدعوة من الوثنيين) لأن الأوساط الوثنية تمتلئ بالعثرات وبالأخص ولائم الأوثان مما يعرضهم للسقوط في رذائل الأمم، و يجلب عليهم الغضب الإلهى. وليتذكروا أن آبائهم (هنا أعتبر أن أباء اليهود هم أباء للأمم بالإيمان) بعد أن خرجوا من مصر ارتدوا لعبادة العجل الذهبي، فكذلك أهل كورنثوس إذ كانوا من أصل وثنى فهم عرضة للارتداد للوثنية لما فيها من مغريات (أكل ولعب أي ممارسات جنسية) لذلك فعليهم أن لا يفتكروا في أنفسهم أنهم أقوياء. والخلاصة أقول لكم اهربوا من عبادة الأوثان. والكلام لنا أن نهرب من كل مكان فيه عثرة فنحن بشر قابلين للسقوط ونحن أيضا ًضعفاء.

 

آيه 7:- فلا تكونوا عبدة اوثان كما كان اناس منهم كما هو مكتوب جلس الشعب للاكل و الشرب ثم قاموا للعب.

هذه إشارة لحادثة العجل الذهبي (خر 6:32) والرسول يقصد أن يقول لهم لا ترجعوا إلى الحنين لعبادة الأوثان كما حن اليهود لعبادة العجل التي تركوها في مصر. ثم قاموا للعب = اللعب هو رقص يصل للعرى، هكذا يدفعنا إبليس لنهين أنفسنا.وكان الزنى من طقوس العبادة الوثنية في هياكل الأوثان وهذا ما يمكن أن يرجع إليه أهل كورنثوس لو عادوا لهياكل الأوثان. وهذا اللعب أو الرقص الذي مارسه الشعب أمام العجل الذهبي ربما كان إكراماً للأوثان ويسمى بالرقص الطقسى، وقد تعلمه الشعب من المصريين ولا حظ أنهم صنعوا الوثن (أي اليهود في سيناء) لأنهم اشتهوا شروراً (آية 6) أي اللعب.

 

آيه 8:- ولا نزن كما زنى اناس منهم فسقط في يوم واحد ثلاثة وعشرون الفا.

هذه إشارة لسقوط الشعب في خطية الزنا مع بنات موآب (عد 25 :1-9) ونجد أن الشعب بدأ بالزنا مع بنات موآب ثم سجد لآلهتهم (عد 1:25-3) ولنلاحظ بشاعة خطية الزنا، وبشاعة العقوبة، فمات في يوم واحد 000’23. ونجد في سفر العدد أن الذين ماتوا 000’24 (عد 9:25) والحل بسيط أن بولس يقول سقط في يوم واحد 000’23. ويكون أن الذين ماتوا في اليوم الأول 23.000 وفى الأيام التالية 1000. أو أن من ماتوا بالوبأ 23.000 ومن قتلهم القضاة بعد ذلك كانوا 1000.

 

آية 9:- و لا نجرب المسيح كما جرب ايضا اناس منهم فاهلكتهم الحيات.

هذه إشارة لتذمر الشعب على المن وقالوا عنه طعام سخيف (عد 5:21) فضربهم الله بالحيات (عد 6:21). لا نجرب المسيح =

1) هم تذمروا على يهوة في العهد القديم. وبولس يقول أنهم جربوا أو تذمروا على المسيح، المسيح هو يهوة.

2) تذمرهم كان على المن، والمن رمز للمسيح.

3) من يستخف بالتناول يعرض نفسه للدينونة (1كو 27:11-30).

 

آية 10 :- و لا تتذمروا كما تذمر ايضا اناس منهم فاهلكهم المهلك.

هذه إشارة لتذمر قورع و داثان و أبيرام (عد 16). وهذا تحذير لهم حتى لا يتذمروا عليه، فبولس يخيفهم من زرع الشقاق والتذمر ضده.

 

آية 11 :- فهذه الامور جميعها اصابتهم مثالا و كتبت لانذارنا نحن الذين انتهت الينا اواخر الدهور.

قسم اليهود مدة العالم إلى 3 فترات الأولى :- هي ما سبق شريعة موسى. الثانية :- من موسى حتى مجيء المسيح. و الثالثة :-من المسيح لنهاية الأيام. و أواخر الدهور = يقصد بها الرسول 00 نحن من وصل لنا كمال تدبير الله حتى انتهاء العالم، نحن الذين أدركنا مقاصد الله من جهتنا وحقيقة دعوتنا لميراث السماء. وأواخر الدهور تشير لأن كل الأنبياء تنبأوا عن المسيح الذي أتى فعلاً وننتظر مجيئه الثاني لينتهي بذلك العالم الحاضر.

 

آية 12:- اذا من يظن انه قائم فلينظر ان لا يسقط.

هذه الآية تشير أن المؤمن يمكن أن ينتكص في حياته الروحية، و بولس نفسه يخاف أن يُرفض (27:9). واليهود أمامنا مثالاً إذ هلك أكثرهم في القفر بعد أن كان الله قد أختارهم كشعب مختار. لذلك يجب دائماً أن نحذر من السقوط وفقدان الحياة المقدسة.

 

آية 13:- لم تصبكم تجربة الا بشرية ولكن الله امين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة ايضا المنفذ لتستطيعوا ان تحتملوا.

هو حذرهم في الآية السابقة من الارتداد والسقوط. وتوقع أن يسمع منهم أن هناك تجارب صعبة تواجههم 1) إغراءات الخطايا 2) الاضطهادات. وهذه يمكن أن تجعلهم يرتدون فأجاب لم تصبكم تجربة إلآ بشرية = والترجمة الإنجليزية EXCEPT SUCH AS IS COMMON TO MAN

وتعنى أن التجارب التي يسمح بها الله هي على قدر الطاقة البشرية، ومناسبة للمقدرة البشرية. أى هي فى وسع ومقدرة البشر أن يجتازوها بنجاح إذا استندوا على النعمة الإلهية. وترجمها ذهبي الفم أن التجارب التي تصيبكم صغيرة وقصيرة ومعتدلة. والمعنى واحد لا تتذمروا على أي تجربة ففي وسعكم أن تحتملوها، فلا مبرر للارتداد. وكلمة تجربة تشير لنوعين من التجارب 1) تجارب الخطية 2) الآلام والاضطهادات التي تقابلنا. ونجد أن الله يعطينا في هذه وتلك المنفذ لنستطيع أن نحتمل.

1)  تجارب الخطية (وجود أوثان وزنا وغيره من المعثرات). و هذه في وسعكم أن تقاوموها استنادا إلى النعمة الإلهية. فالمنفذ هنا هو قوة تسند المؤمن فلا يخطئ " فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة (رو 14:6)". وحتى لو سقط أحد فباب التوبة مفتوح.

2)  تجربة بمعنى ألم (مرض / فشل / إضطهاد000). وفى هذه لا تتذمروا كما تذمر اليهود، بل أفهموا أن غرض التجربة أنها وسيلة تساعدنا على فحص واختبار بواطن حياتنا، فنعرف ضعفاتنا فنكمل ونتنقى. نعرف ضعفاتنا و نطلب من الله فيعطينا قوة نكمل بها. و الله لا يريد أن يسحقنا بالتجربة بل أن يكملنا وحتى المسيح نفسه كمل بالآلام (عب 10:2). حقاً إن كل الأمور (حتى ما هو مؤلم منها) تعمل معاً للخير (رو 28:8). والمنفذ في هذه الحالة هو التعزيات الإلهية " شماله (الآلام) تحت رأسي و يمينه (تعزياته) تعانقني (نش 6:2). ولكن التذمر على أحكام الله يمنع هذه التعزيات. فلنصلى في الضيقة " يارب أشكرك وأتضرع إليك أن تعطيني احتمال وصبر وتعزية 000 و اسألوا تعطوا.

 

آية 14:- لذلك يا احبائي اهربوا من عبادة الاوثان.

تحذير للكورنثيين من الارتداد لفوضى عبادة الأوثان، هنا دعوة لهم حتى لا يأكلوا في هياكل الأوثان، حتى لا يرتدوا بسبب الإغراءات الموجودة هناك " ثم يعود الرسول إلى موضوع الولائم الوثنية معاتباً قائلاً هل تتركوا مائدة جسد الرب ودمه وتأكلوا على موائد أوثان ".

 

آية 15:- اقول كما للحكماء احكموا انتم في ما اقول.

يقول لهم أنتم حكماء فأحكموا على ما سأقوله بعد أن تفحصوه. و نجد فيما يأتىأن الهروب من الوثن هو طريق الحكمة الحقيقية (أو الهروب من الخطية عموماً).

 

آية 16:- كاس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح.

يريد الرسول أن يقول أن أكل ما يقرب للأوثان ضرب من عبادتها لما فيه من اشتراك مع شياطين، و الدليل أننا حين نشترك في مائدة المسيح نتحد معه. فكذلك حين نشترك مع الوثنيين في مائدة الشياطين نتحد معها، و احكموا كحكماء (آية 15) هل ما أقوله معقول أم لا. و الرسول يتحدث هنا عن مائدة العشاء الرباني التي أقامها الرب لتلاميذه وأعطاهم فيها جسده ودمه، و يتضح من عبارات الرسول هنا كيف أن المسيح أعطى للتلاميذ جسده ودمه،وكيف أن من يشترك في الخبز والخمر فإنما يشترك في جسد المسيح وفي دمه. أي أننا لسنا إزاء أمور رمزية، فلا يرمز الخبز إلى جسد المسيح فقط، و لا يرمز الخمر إلى دم المسيح فقط، لكنهما يتحولان فعلاً إلى جسده ودمه الحقيقيين. إن كلمة شركة (كينونيا) تعنى الاتحاد بالمسيح.بالأكل من جسد المسيح نتحد به. كأس البركة = نتلو عليها البركة كما فعل المسيح في عشائه الأخير مع تلاميذه ولقد أطلق اليهود على الكأس الأخير التي يشربونها في عيد الفصح كأس البركة لأن رأس العائلة (الأب) كان يقول صلاة شكر عليها قبل أن يمررها على أفراد العائلة. و في صلاة الشكر هذه كان يبارك الله على كل عطاياه خلال العام الماضي. و أطلق بولس الاسم على كأس الإفخارستيا لأنها تحوى دم المسيح الذي أهرق عنا على عود الصليب. و كلمة إفخارستيا هي شكر لله على كل ما قدمه المسيح لنا إذ قدم جسده و دمه. ويقول ذهبي الفم أنها كأس البركة لأننا إذ نرفعها بين أيدينا نقدم تسابيح الشكر لله الذي أعطانا جسده و دمه، وتسابيح الشكر هي معنى إفخارستيا. شركة دم المسيح = إذاً هو دم المسيح وليس رمز لهُ.

 

آية 17:- فاننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد لاننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد.

ولما كان هذا الخبز السماوي هو واحد، لذلك فإننا جميعاً نصبح به جسداً واحداً لأننا جميعاً قد اتحدنا واشتركنا في خبز واحد، وهكذا فإننا جميعاً بواسطة هذا الخبز نصبح واحداً بعضنا بالنسبة للبعض، أي ندخل في وحدة، فهو ليس اشتراك ظاهري ولكنه اتحاد باطني. يقوله القديس أغسطينوس أن رغيف الخبز يتكون من كثير من حبات القمح، وهكذا الجسد الواحد يتكون من عديد من الأعضاء ربطهم رباط المحبة وأداة الربط هي جسد المسيح، وما عاد مظهر الاختلاف بين حبات القمح بسبب الاتحاد معاً، بينما أنه قبل أن يصير القمح خبزاً كان مبعثراً ثم أنضم (خلال عملية الطحن والعجين 00) ولا حظ أن الخبز العادي لا يربط ولا يوحد الناس في جسد واحد.

 

آية 18:- انظروا اسرائيل حسب الجسد أليس الذين ياكلون الذبائح هم شركاء المذبح.

هناك مثل آخر من الطقوس اليهودية، فكان اليهود يقدمون أنواع من الذبائح. منها ذبيحة السلامة. وهذه يقدم جزء منها لله ويُحرق على المذبح. وجزء يأكله مقدم الذبيحة، فيصير مقدم الذبيحة شريكاً للمذبح = ولم يقل شريكاً لله. أما بالنسبة لجسد المسيح فنحن لنا شركة لا مع المذبح بل مع الرب نفسه ثم تأتى ذبيحة الخطية وهى ذبيحة تموت عوضاً عن مقدمها، وكأن مقدمها أتحد بها فحملت خطاياه وماتت عوضاً عنه. لذلك فلو اشتركتم في موائد الأوثان فأنتم بهذا تتحدون بالوثن وتصيروا شركاء الشياطين. ونلاحظ أنه من يشترك في ذبيحة يتمسك بكل ما يحيط بها من طقوس وعقائد وتدبيرات. فشركاء المذبح هم شركاء في العقيدة والإيمان اللذين قدمت بهما الذبيحة.

إسرائيل حسب الجسد = أي اليهود أولاد إبراهيم ويعقوب بالجسد. أما الكنيسة إسرائيل الروحي فهم أبناء إبراهيم بالإيمان.

 

آية 19: - فماذا اقول اان الوثن شيء او ان ما ذبح للوثن شيء.

في (1كو 4:8) سبق وقال أنه لا وثن ولا إله سوى الله وأن كل ما ذُبِحَ للأوثان ما هو إلآ مجرد لحم عادى. ولكنه هنا يكلم من يجامل الوثنيين ويحضر ولا ئمهم قاصداً الاشتراك في ذبيحة الأوثان. هنا يقول أن هذا خطأ وينبغى أن يمتنع عنه حتى أصحاب الضمير القوى، وبهذا يقول بولس نفس قرار مجمع أورشليم (أع 29:15). ومعنى كلام الرسول أن من يأكل من ذبائح الوثنيين يصير شريكاً ومتحداً مع عابدي الوثن. في آية 19 يضع سؤال قد يثيره أهل كورنثوس أن الوثن (الشياطين) موضوع منفصل عماَ نأكله، ولا علاقة لهما ببعضهما البعض. ويقدم إجابة هذا السؤال في آية 20.

 

آية 20 :- بل ان ما يذبحه الامم فانما يذبحونه للشياطين لا لله فلست اريد ان تكونوا انتم شركاء الشياطين.

حقاً لا إله سوى الله، ولكن الآلهة الوثنية هذه ما هي إلاّ شياطين فهل تشتركوا مع شياطين، بهذا ستشتركوا معهم في موتهم ودينونتهم. هنا نجد إجابة سؤال آية 19. فما يقدم للوثن هو مقدم للشيطان فهل نشترك مع شياطين هنا لا إنفصال بين الشيطان وما يقدم للشيطان.

 

آية 21 :- لا تقدرون ان تشربوا كاس الرب و كاس شياطين لا تقدرون ان تشتركوا في مائدة الرب و في مائدة شياطين.

 هنا نرى إستحالة تحقيق شركة حقيقية على أى مستوى مع الله طالما إشتركنا فى مائدة الشياطين، بل إن إشتراكنا فى مائدة الرب فى هذه الحالة سيكون دينونة علينا. لا نستطيع أن نهب قلبنا للرب ولإبليس ونعرج بين الفرقتين، فمن يهب قلبه للرب عليه أن يقطع علاقته بإبليس، ومن سمح لإبليس أن يسكن قلبه فمعنى ذلك أنه طرد الله وأبعده عنه.

والآن واضح من كلام الرسول أن الإشتراك أو الشركة تعنى الإتحاد أى يصير الإثنين واحداً. فهل نتحد مع الله وإبليس فى وقت واحد فنوحد بينهما

 

آية 22 :- ام نغير الرب العلنا اقوى منه.

أم نُغِير = أى نغيظ الرب حينما نرتبط بغيره، ونحن عروسه، حين نأكل من مائدة الوثن. وهل حينئذ نستطيع أن نجابه غضب الله.

 

آية 23 :- كل الاشياء تحل لي لكن ليس كل الاشياء توافق كل الاشياء تحل لي ولكن ليس كل الاشياء تبني.

راجع تفسير آية 6 : 12. وهنا الرسول يضع المحبة فوق كل إعتبار وفوق كل قانون. فإذا وجدت أن ما يحل لى سيكون عثرة لآخر فعلىَّ أن أمتنع، بل إذا رأيته غير ذات نفع للآخرين ولن يبنيهم فلأمتنع عنه. فى بعض الأحيان أجد أن لى سلطان أن أفعل شئ، ولكن علىَّ أن أسأل نفسى.. هل هذا يتفق مع كونى مسيحى، وهل لن يكون سبب عثرة لأحد. علىَّ أن أبحث عما يساهم فى بنائى وبناء الآخرين. قد لا يكون هناك قانون ملزم لى بأن أمتنع عن شئ لكن يكون هناك صوت فى الداخل يمنعنى، فعلىَّ حينئذ أن لا أقاوم صوت الروح القدس فى داخلى.

 

آية 24 :- لا يطلب احد ما هو لنفسه بل كل واحد ما هو للاخر.

هناك حدود تمنعنى عن بعض التصرفات ألا وهى ما هو نافع وصالح للآخرين، ففى محبة علىَّ ألاَّ أكون عثرة لأحد. ليس أرذل من خطية حب الذات فهى مصدر كل الخطايا. إذاً فلابحث عن ما هو صالح للآخرين قبل أن أبحث عما هو لنفسى فقط.

 

آية 25 :- كل ما يباع في الملحمة كلوه غير فاحصين عن شيء من اجل الضمير.

ولراحة ضمائرهم قال كلوا كل ما يباع فى الملحمة = أى محال الجزارة غير فاحصين = لا تسألوا هل هذا اللحم قد قُدِّمَ لوثن أم لا. فكل شئ خلقه الله طاهراً. وما يفسد الشئ هو سلوك الإنسان ونظرته بفساد عقله، هكذا ينجس الشئ. فاللحم فى حد ذاته طاهر حتى وإن قُدِّمَ لوثن، ولكن الإشتراك فى ممارسات وإحتفالات ورقص وطقوس هياكل الأوثان، هذا هو الممنوع.

من أجل الضمير = لا تسأل هل هذا اللحم مقدم لوثن أم لا حتى لا يتشكك ضميرك وتُعْثَرْ. كلوا دون سؤال وبإرتياح ضمير. الأكل هنا طالما لم نذهب لهياكل الأوثان هو ليس إشتراك فى عبادة إله آخر.

 

آية 26 :- لان للرب الارض و ملاها.

الرسول إقتبس الآية من (مز 24 : 1). فالله هو خالق اللحم والحبوب، هو خالق النبات والحيوان. إذاً كل شئ طاهر لأن الله هو الذى خلقه، هو طاهر حتى وأن أساء البعض إستخدامه وقدموه لوثن. كل شئ هو عطيه صالحة من الله الصالح. لذلك لا يبكتكم ضميركم على أكل ما ذُبِحَ للأوثان وتشترونه من الملحمة. فكل ما يقدم للأوثان طالما ليست هى آلهة، فما يقدم هو ليس ملكاً لها، الله خلقه. إذاً هو للرب الذى له كل الأرض ويملك كل شئ أى كلوا من خيرات الله التى خلقها لكم.

 

آية 27 :- و ان كان احد من غير المؤمنين يدعوكم و تريدون ان تذهبوا فكل ما يقدم لكم كلوا منه غير فاحصين من اجل الضمير.

هذه الآية عن الأكل فى بيوت الوثنيين بدعوة من صاحب البيت والرسول يوافق على هذا. ولاحظ أن اليهود كانوا يمنعون الأكل مع الأمم. والرسول لا يريد أن يضيع الود مع الناس حتى لو كانوا وثنيين. من أجل الضمير = ضميرك أنت يا من تأكل حتى لا تتعثر.

 

آية 28 :- و لكن ان قال لكم احد هذا مذبوح لوثن فلا تاكلوا من اجل ذاك الذي اعلمكم والضمير لان للرب الارض وملاها.

إن قال لكم أحد = من ذوى الضمائر الضعيفة.. فلا تأكلوا = حتى لا تكونوا عثرة له ويتعب ضميره. هنا نرى الرسول مهتم بالآخرين حتى لو كان ما أعمله صحيحاً، لكى لا أكون سبباً فى تعب إنسان، ربما يذهب بسببى ليأكل فى الهياكل الوثنية فيهلك. وقد تعنى لو أن من أضافك قال لك أن هذا اللحم مذبوح لوثن، وبالتالى عليك أن تمارس بعض الطقوس الوثنية قبل الأكل فإمتنع عن الأكل، حتى لا يظن أنك وثنى مثله، أو حتى لا يتعب إن لم تقم بالطقوس التى يطلبها، والمسيحى ممنوع عليه أن يؤذى شعور أحد أو يتعب ضميره = والضمير = هنا الضمير هو ضمير من يكلمك.

لأن للرب الأرض وملأها = سبق وقال هذه الآية (آية 26) قاصداً أن نأكل من أى لحم. وهنا يقولها مانعاً من أكل اللحم إن أخبرك أحد أنه مذبوح لوثن، ومن أجل الضمير، فما المعني. هنا يقصد أن الله ليس إلهك وحدك أيها المسيحي قوى الضمير بل هو إله الكل، هو إله ضعاف الضمير وإله الوثنيين، والله يهتم بأن لا يتعب ضمير أحد بسببى. والمعنى تنازل عن حقك فى أكل هذا اللحم المذبوح لوثن حتى لا تتسبب فى ضياع أحد هو أيضاً للرب وهو الديان الذى سيدين كل واحد بحسب قلبه.

 

آية 29 :- اقول الضمير ليس ضميرك انت بل ضمير الاخر لانه لماذا يحكم في حريتي من ضمير اخر.

هو قال " والضمير " فى الآية السابقة، وهنا يحدد أن الضمير ليس ضميرى أنا، بل ضمير الآخر الذى يمكن يتعثر بسببى. فمفهوم الحرية فى المسيحية يقتضى كثيراً من الأحيان أن نتنازل حتى عن حقوقنا المشروعة. وكما يجب أن لا نفعل ما لا يتفق وضمائرنا، هكذا يجب أن نراعى ضمير الآخرين وألاّ نفعل ما يعثر ضمائرهم. لماذا يحكم فى حريتى من ضمير آخر = لماذا يحكم آخر علىَّ بأننى خاطئ، مع أننى تصرفت بحريتى، الأفضل ألاّ أعثره.

 

آية 30 :- فان كنت انا اتناول بشكر فلماذا يفترى علي لاجل ما اشكر عليه.

فإذا كنت أنا مستنيراً بنعمة الإيمان ولذلك لا أنظر إلى أى طعام على أنه نجس، وأكون على إستعداد أن أشارك فى جميع الأطعمة، فلماذا أجعل ذوى الضمير الضعيف يحكمون فىَّ أننى مخطئ بينما أنا آكل بشكر. والمقصود أن الأكل من هذا اللحم حتى ولو بشكر لا يستحق إحزان قلب الآخر وتشكيك ضميره.

 

آية 31 :- فاذا كنتم تاكلون او تشربون او تفعلون شيئا فافعلوا كل شيء لمجد الله.

لكى تكون مسيحياً حقيقياً فليكن هدفك مجد الله فى كل ما تعمل

أ‌)        إن شربت أو أكلت أو لبست فأشكر الله ومجده على ما أعطاك.

ب‌)    عليك أن تراعى مشاعر وضمائر الآخرين وبهذا تمجده.

ج‌)     يرى الناس أعمالى الصالحة، وسلوكى بوقار، ظاهرة فىَّ سمات أبى السماوى فيمجدوا أبونا الذى فى السموات.

ء) أن نعمل على ما يساعد على خلاص الآخرين وبناء الآخرين ولا يكون الدافع للعمل لذاتنا وشهواتنا. أن ننظر أننا مكرسين لله

 

آية 32 :- كونوا بلا عثرة لليهود و لليونانيين و لكنيسة الله.

لا تتصرفوا تصرفات تعثر الآخرين فهذا ليس لمجد الله. والآخرين هم ليسوا المؤمنيين فقط بل حتى اليهود والوثنيين، فعلينا أن لا نحتقرهم لتمسكهم بناموسهم إن كانوا يهوداً أو لوثنيتهم إن كانوا وثنيين.

ولكنيسة الله = يقصد هنا ضعاف الإيمان. إذاً نحن مسئولين عن كل واحد.

 

آية 33 :- كما انا ايضا ارضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا

الرسول يقدم نفسه مثالاًً أى ما أطلبه منكم أطبقه على نفسى.


الإصحاح الحادي عشر

 

هذا الإصحاح يناقش موضوعين

1-   وضع الرجل والمرأة في الكنيسة.

2-   الإستعداد لسر الإفخارستيا.

وغالباً هو ذكر الموضوعين رداً على أسئلتهم، وربما رداً على المشاكل التي سمع أنها حدثت في كورنثوس فأراد أن يعالجها.

 

آية 1 :- كونوا متمثلين بي كما انا ايضا بالمسيح.

هذه الآية عائدة على الإصحاح السابق. وبولس شابه المسيح في أنه لا يطلب ما لنفسه بل ما للناس، وعليهم وعلينا أن نعمل كما عمل الرسول.

 

مقدمة للآيات 2 – 7

كانت تغطية رأس المرأة عادة شرقية، علامة على خضوع المرأة لرجلها، ومع التحرر الذي نادت به المسيحية، وأن المرأة مثل الرجل في الرب. ظنت السيدات أنهن تحررن من كل شئ، فخلعن غطاء الرأس، فثار الرجال وأرسلوا لبولس شكوى بخصوص هذا الموضوع. وهنا نجد الرسول يؤيد تغطية المرأة لرأسها لا لأهمية غطاء الرأس بل لأهمية خضوع المرأة لرجلها. وبولس يرى دائماً الإمتناع عن التمرد، والثورات الإجتماعية، (وهكذا تعامل مع موضوع العبيد، وطلب من العبيد الخضوع لسادتهم ليس لأنه يؤيد موضوع العبيد، بل لأنه ضد التمرد على الأوضاع الإجتماعية لكنه يطلب أيضاً من السادة أن يعاملوا عبيدهم كإخوة، ومع إصلاح الداخل بالحب إنتهت قصة العبيد في المسيحية تماماً). وهنا نجد أن غطاء الرأس عادة شرقية ولكننا نجد الرسول يؤيدها طالما لا تتعارض مع الإنجيل. وكان النساء الشريفات يغطين رؤوسهن في ذلك الوقت. ومفهوم الرسول أن المسيحي عليه أن يراعى قواعد المجتمع، فليس كل تقليد في المجتمع خاطئ، ما دام يتناغم مع تعاليم وتقاليد الكنيسة. ونلاحظ أنه كانت هناك عادة في المجتمعات الأممية أن المرأة المنحلة تترك شعرها دون غطاء. ومن هنا جاء المثل الشرقي عن المرأة المنحرفة أنها " دايرة على حل شعرها" وظهر مع فريق النساء الذين خلعن غطاء الرأس، فريق من الرجال أرادوا هم أيضاً التحرر فأطالوا شعور رؤوسهم آية 14. وربما كان هؤلاء وأولئك (نسوة ورجال) من الفريق الذي أدعى أنه تبع المسيح ورفضوا طاعة الرسول أو أي رسول(1كو 1 : 12). هؤلاء أساءوا فهم المسيحية والحرية المسيحية، وخالفوا السلوك الوقور بحسب قوانين المجتمع آنذاك.

 

آية 2 :- فامدحكم ايها الاخوة على انكم تذكرونني في كل شيء و تحفظون التعاليم كما سلمتها اليكم.

تحفظون التعاليم = التعاليم هنا تعنى التعاليم الشفهية وأصلها شيئاً يسلم يداً بيد أي التقاليد، وهى تعنى العقائد والطقوس وخبرات الحياة التي عاشها الأباء القديسين وفقاً لتعاليم الكتاب وسلموها لنا، وهى تظهر في طقوس الكنيسة وصلواتها وتعاليمها (هذا يُظهر أهمية التقاليد). وفى هذه الآية نجد الرسول يمدحهم رغماً عن معرفته بإنحرافهم ليشجعهم قبل أن يهاجمهم فيطيعوه.

تذكرونني = تذكرتم أنني صاحب سلطان رسولي وأرسلتم إلىَّ تسألونني.

 

آية 3 :- و لكن اريد ان تعلموا ان راس كل رجل هو المسيح و اما راس المراة فهو الرجل و راس المسيح هو الله.

نلاحظ هنا الآتي :-

1-   الموضوع الذي يهتم به الرسول ليس غطاء الرأس بل خضوع المرأة لزوجها

2-  الرسول لم يرد مباشرةً على سؤالهم حول نزع غطاء الرأس للمرأة. بل بدأ برسم صورة سماوية رائعة، نرى فيها طاعة المسيح (كإنسان) لله وخضوعه له (كرأس للكنيسة). فيقتنعون بموضوع خضوع المرأة لزوجها. ونرى في ذلك أن المسيحية ليست قوانين جامدة بل لها مفاهيم روحية ولاهوتية وراء كل نظام. هنا نرى الرسول يرى في خضوع المرأة لرجلها هو صورة للحياة السماوية حين تخضع الكنيسة كلها لله رأسها. نرى في هذه الآية الأساس الذي يبنى الرسول عليه حديثه فيما بعد. ويحدد فيه موقف كل عضو في الكنيسة من بقية الأعضاء. فيقول أن المسيح كخالق لكم جميعاً فهو إذن رأسكم، أي له السيادة والسلطان عليكم ليقودكم لمجده. ولأنه يحملكم جميعاً فى جسده، وبكون الآب رأساً له، فهو يحملكم في جسده إلى طاعة أبيه طاعة كاملة. وبهذا نفهم أن الحرية في المسيحية ليست هي التمرد بل هي خضوع، خضوع المرأة لرجلها وخضوع الكنيسة للمسيح وخضوع المسيح بكونه رأساً للكنيسة لله أبيه.

خلق الله الإنسان في صورة مثالية، هي صورة الحب المتبادل. فالله يحب آدم وآدم يحب الله. وعلامة حب الله لآدم، أنه خلقه في جنة أعدها له في ألاف الملايين من السنين، وفى بركاته التي يفيض بها عليه. وعلامة حب آدم لله خضوعه التام لله وطاعته. ولما خالف آدم هذه الصورة المثالية تجسد المسيح ليوحدنا فيه، ويقدم كرأس لنا الخضوع لأبيه ليُعِيدْ هذه الصورة المثالية (1كو 15 : 28). وصارت علاقة المسيح بكنيسته صورة لعلاقة الرجل بإمرأته (أف 5 : 23) فكما تخضع الكنيسة للمسيح هكذا تخضع المرأة لرجلها، وكما أحب المسيح كنيسته وبذل نفسه عنها، هكذا على الرجل أن يحب إمرأته ويبذل نفسه عنها بهذا يكون للبيت المسيحي الصورة السماوية. وكما يأخذ المسيح كنيسته ليقدم الخضوع للآب، هكذا يأخذ الرجل زوجته وأولاده وبيته ليقدم الخضوع لله. بهذه المقدمة العجيبة في هذه الآية، وهذه الصورة السماوية التي رسمها الرسول ليس للمرأة أن تتذمر إذا قال لها الرسول عليكِ أن تخضعى لزوجك، فالإبن نفسه خاضع لأبيه، وهما من ذات الجوهر. وكما تخضع كل أعضاء الجسم للرأس هكذا فليخضع كل إنسان للمسيح، وكما يقود الرأس كل الجسد، هكذا فليخضع كل إنسان للمسيح ليقوده. وهكذا فلتخضع كل امرأة لرجلها ونفهم أن خضوع المسيح للآب هو خضوع الجسد الذي أطاع حتى الموت، موت الصليب(في 2 : 8) أمّا لاهوتياً فنفهم أن الآب والإبن لهما إرادة واحدة ومشيئة واحدة.

المسيح رأس كل رجل = المسيح رأس الخليقة كلها بصفته خالقها. وهو صار رأساً لكل عضو في الكنيسة خلال بذله لذاته في تجسده وفى صليبه، وصار يحمل الكنيسة كلها في جسده، ويعنى هذا أنه يقود كل مؤمن إلى طاعة أبيه لينهى التمرد على الله الذي صار بالخطية، وليُعِيدْ الصورة السماوية المفقودة. ويقال هنا أن المسيح رأس كل رجل لأنه خلق آدم أولاً. حقاً المسيح أيضاً رأس للمرأة ولكن الرجل رأس للمرأة قريب ومنظور، والمسيح رأس لها بعيد وغير منظور.

رأس المرأة هو الرجل = فهي أخذت منه وخلقت لتكون معيناً نظيره، وعندما خالف آدم هذه القاعدة وتبع إمرأته سقط وإذ أراد الرب تصحيح الوضع عاقب الرب آدم قائلاً " لأنك سمعت لقول إمرأتك " وعاقب حواء قائلاً " إلى رجلك يكون إشتياقك وهو يسود عليك " (تك 3 : 16). ولكن إن أراد الرجل أن يقول أنا رأس المرأة كما أن المسيح رأس الكنيسة فعليه أن يقدم الحب والبذل لإمرأته كما قدم المسيح لكنيسته، فالمسيح صار رأساً للكنيسة بصليبه. وإذا لم تستطع المرأة أن تخضع لرأسها المنظور فلن تستطيع الخضوع لله غير المنظور.

رأس المسيح هو الله = لاهوتياً المسيح الإبن والآب جوهر واحد، وعندما يقال أن الله رأس المسيح فهذا من باب التمايز الأقنومى بين الآب و الإبن، فالإبن مولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مساوٍ للآب في الجوهر. وجسدياً فالمسيح يحمل كل الكنيسة فى جسده، يُكمِّل طاعتها لله أبيه، كما أنه ينقل إليها فكر أبيه.

وهذا ليس معناه أن المسيح ليس له علاقة بالمرأة (غل 3 : 27، 28). أو أن علاقة المرأة بالمسيح تكون من خلال رجلها. ولكن الرأس معناها القيادة والإتحاد. والرسول هنا يقصد معنى الخضوع الواجب توافره لقيام حياة الشركة الزوجية بين الرجل والمرأة. ومثال لهذا الخضوع خضوع الإنسان للمسيح والمسيح للآب. وصلة المرأة بالمسيح لا تعنى إلغاء أو نفى علاقتها بزوجها وخضوعها لزوجها. ولا مبرر للزوجة أن تقول أنا مثل الرجل في المسيح، فالمسيح خضع للآب وهما جوهر واحد. والعلاقات الثلاث التي يشير لها الرسول " علاقة المرأة بالرجل، والرجل بالمسيح، والمسيح بالله " هي علاقات توجد فيها شركة حياة. ويهدف الرسول إلى أن يصل، أن على المرأة أن تخضع لرجلها فهو رأسها، ورأسها هنا ليس معناه أن يسود عليها في إذلال وعبودية، بل سيادة تنظيمية تقتضيها الحياة الزوجية.

 

آية 4 :- كل رجل يصلي او يتنبا وله على راسه شيء يشين راسه.

كل رجل يصلى أو يتنبأ = يتنبأ هنا تشمل قيادة الصلاة والتسابيح وشرح عقائد الإيمان وإعلان مشيئة الله، هنا الرجل يقوم بعمل قيادي في الكنيسة، في العبادات الكنسية، أو هي نبوة فعلاً كما كان بنات فيلبس يتنبأن (لاحظ أنه في آية 5 أنه قيل عن المرأة أيضاً تصلى وتتنبأ. فلا فرق في المواهب بين الرجل والمرأة). يشين رأسه = 1) قد تفهم رأسه على أنه المسيح، وهو كرجل له أن يمثل المسيح في السلطان والسيادة ويحمل صورة الله ومجده، فهذه التغطية للرأس تحمل معني رمزي هو أن الرجل هنا كمن يشعر بالخجل عندما يخدم المسيح ويعبده، وكأنه بهذا أنكر السلطان الذي أعطاه إياه المسيح من حيث أنه يحمل صورة الله ومجده، ويجب أن يُظهر هذه الصورة وهذا المجد ولا يعمل على إخفائه 2) وقد تفهم أنه بهذا يهين نفسه فهو رأس وله ولاية فلماذا يغطى رأسه ولمن يخضع وهو رمز للمسيح.

ملحوظة :- كان اليوناني الذي يقضى وقتاً طويلاً في الفلسفة يطيل شعره ويضع أغطية على رأسه. ويبدو أن بعض رجال كنيسة كورنثوس قلدوهم فأطالوا شعورهم (آية 14) وغطوا رؤوسهم.

غطاء رأس الكاهن = في بعض الأحيان يغطى الكهنة رؤوسهم (بالشملة) وذلك لأن الكاهن هنا يمثل الكنيسة رجالاً وسيدات، فهو بغطاء رأسه يمثل خضوع الكنيسة كعروس للمسيح رأسها العريس. ولكن في معظم الأحيان يضع الكاهن على رأسه إكليلاً في القداس إذ يشعر أنه بذبيحة الصليب قد توج ملكاً روحياً.

تاج البطريرك = يخلع البطريرك تاجه أثناء قراءة الإنجيل لأن المسيح يتكلم وهو الرأس الحقيقي غير المنظور في الكنيسة، وبهذا يعلن الآب البطريرك السيادة المطلقة في الكنيسة للرب يسوع. وفى كل العالم يكشف الرجل رأسه في حضرة من هو أعظم منه في الرتبة (كما في الجيش) أو المركز (أمام الرئيس أو أمام الملك)

 

آية 5 :- و اما كل امراة تصلي او تتنبا و راسها غير مغطى فتشين راسها لانها و المحلوقة شيء واحد بعينه.

ورأسها غير مغطى حتى لا يتشتت الآخرين في صلاتهم ولا تكون المرأة عثرة لأحد، وتمييزاً لها عن الرجل أمام الله والملائكة. فتظهر أنها لا تزال تحترم وتخضع لترتيب الخليقة الأولى، لأن الله خلق الأنثى خاضعة للرجل. حتى بالرغم من حصول المرأة على كامل حريتها في المسيح، وخلاصها وفدائها ومساواتها للرجل. وهنا نرى أن الرجل والمرأة متساويان في المواهب (فهي تصلى وتتنبأ). الفرق الوحيد هو تغطية المرأة لرأسها. أمّا المرأة التي تصلى وتتنبأ دون أن تغطى رأسها مقلدة الرجل، فأنها في الواقع تشين رجلها (أي رأسها)، لأنها بهذا تحمل مجد الرجل وكأنها تستنكر سلطانه عليها، وتظهر بهذا أنها غير خاضعة لرجلها أمام كل الناس. وهذا عار للمرأة كأنها حلقت شعر رأسها.

لأنها والمحلوقة شئ واحد = الله هو الذي جعل الرجل رأساً للمرأة، فتكون خاضعة له، ورفض المرأة لهذا القانون الإلهي

1)     فيه تمرد على قانون وضعه الله

2)     تمرد على زوجها. وأن تحلق المرأة شعرها لهو شئ غير مقبول لكن :-

أ‌)   هي إرتضت أن تظهر بمظهر الرجال أي بغير غطاء للرأس رافضة الخضوع لرجلها إذن فلتندفع إلى أقصى مظهر للرجال وتقص شعرها كالرجل، وإن كان هذا طبعاً قبيحاً للمرأة (فالشعر الطويل هو جمال المرأة) فلتغط شعرها

ب‌)    عدم تغطية المرأة لرأسها متشبهة بالرجال إعلان عن عدم إعتزازها بجنسها كإمرأة، فتريد أن تتشبه بالرجال

ج) المرإة المتزوجة لو زنت يحلقون شعرها علامة عار، فهي لا تستحق أن يكون لها زوج. ومن ترفض الخضوع لزوجها ولقانون الله فهذا أيضاً عار عليها. والرسول يتهكم عليها بقوله هذا على من تفعل ذلك، فمن وجهة نظره لا فرق بين الإثنين

ء) الكاهنات الوثنيات كن يكشفن شعورهن المنكوشة علامة حلول الوحي عليهن حين يقدن الإجتماعات الوثنية. والرسول رأى أنه من العار أن يتشبه النساء المسيحيات بكاهنات الأوثان.

 

آية 6 :- اذ المراة ان كانت لا تتغطى فليقص شعرها و ان كان قبيحا بالمراة ان تقص او تحلق فلتتغط.

هي حث للمرأة أن تطيع الوصية

 

آية 7 :- فان الرجل لا ينبغي ان يغطي راسه لكونه صورة الله و مجده و اما المراة فهي مجد الرجل.

الرجل لا ينبغي أن يغطى رأسه لأنه من البدء خُلِقَ ليمثل سلطان الله على الأرض، فهو خُلِقَ أولاً وأخذ الكرامة أولاً (تك 1 : 26). وإذا كانت المرأة هي أيضاً صورة الله ومجده إلاّ أن هدف خلقتها هو أن تكون معينة للرجل. ومن الطبيعي أن تختفي في الرجل وهذا بطبيعة تكوينها النفسي والجسدي. فالرجل لا يغطى رأسه علامة إعتزازه بالسلطة التي وهبها له الله. الرجل ليس له رئيس منظور يحتشم منه فيقف مكشوف الرأس أمام الله.

المرأة مجد الرجل = أي هي بطاعتها وعفتها تكون سمعة طيبة لرجلها. وتظهر رجولة الرجل في خضوع زوجته له، وهى تصير مجداً للرجل إذا حققت إرادة الله في خلقتها وكانت معينة لزوجها، تربى أولاده حسناً، خاضعة لرجلها، وخضوعها علامة على عدم رغبتها في الإستقلال عن زوجها. وكما أن الرجل هو صورة مجد الله لأنه خُلِقَ على صورته، فالمرأة هي مجد الرجل لأنها مأخوذة منه.

 

آية 8 :- لان الرجل ليس من المراة بل المراة من الرجل.

الرجل يتسلط على المرأة لأن الرجل لم يأتى في البدء من المرأة بل العكس.

 

آية 9 :- ولان الرجل لم يخلق من اجل المراة بل المراة من اجل الرجل.

المرأة خلقت لتساعد الرجل وليس العكس. لذلك ففي الكنيسة لا ترأس المرأة الرجل، ولا تُؤخذ نساء في الكهنوت.

 

آية 10 :- لهذا ينبغي للمراة ان يكون لها سلطان على راسها من اجل الملائكة.

لها سلطان على رأسها = هي عمامة مزينة تلبسها السيدات المتزوجات على رؤوسهن، وهى غيرغطاء الرأس للبنات. ويسمونها سلطان علامة على رئاسة المتزوجات وسلطانهن على البنات.

من أجل الملائكة =

1)  الملائكة يحضرون معنا العبادة، كما نقول في القداس الغريغورى "الذي ثبت قيام صفوف غير المتجسدين في البشر " وفى نهاية القداس يقوم الكاهن بصرف ملاك الذبيحة الذي كان موجوداً طوال القداس.والملائكة كما قيل في سفر إشعياء 6 : 2 أنهم يغطون وجوههم امام مجد الرب رمزاً لخضوعهم. والملائكة تفرح بصورة الكنيسة وقد إستعادت صورتها السماوية الأولى بخضوع المرأة لرجلها. والرسول يقصد أن يقول أن على المرأة أن تتشبه بالملائكة، وتُفَرّحهمْ وتُعيد الكنيسة للصورة التي يريدها الله.

2)  الملائكة وهم مخلوقات رائعة الجمال يغطون وجوههم أمام الله فأمام الله كليّ الجمال يخفي الملائكة وجوههم فلايظهر سوى جمال الله. كأنهم يقولون جمالنا يا رب هو أنت، هم لا يتفاخرون في حضرة الله بجمالهم فهم يعلمون أن الله مصدر هذا الجمال. وهكذا على المرأة في الكنيسة أن تغطى شعرها علامة جمالها فلا تتفاخر بجمالها أمام الله، بل تفعل ما يفعله الملائكة. ولاحظ أنه في العهد القديم ذُكِرَ كثير من النساء الجميلات وكثير من الرجال الأقوياء أما في العهد الجديد فلم نسمع عن أي إمرأة أنها جميلة، ولم نسمع عن أي رجل أنه قوى، وهذا لأن يسوع صار هو جمالنا وقوتنا

 

آية 11 :- غير ان الرجل ليس من دون المراة و لا المراة من دون الرجل في الرب.

قارن مع (غل 3 : 27، 28). وهذه حتى لا يتمادى الرجال في فرض سيطرتهم على النساء. وليفهم الرجل أنهُ وُجِدَ بالمرأة أي والدته. لكن مفهوم الكلام أن الرسول يريد أن تستقيم البيوت في نظام بلا تشويش.

في الرب = فَكِلاَ الرجل والمرأة يختفيان في المسيح الرب ويعملان معاً خلال الرأس الرب يسوع لأجل بنيان الكل.

 

آية 12 :- لانه كما ان المراة هي من الرجل هكذا الرجل ايضا هو بالمراة و لكن جميع الاشياء هي من الله.

المرأة جاءت من الرجل، والرجل مولود من المرأة. إذن كلاهما في مستوى واحد. وبهذا يصبح مفهوم رئاسة الرجل هو إلتزام وبذل وحب الرجل لإمرأته، هو تنظيم داخل الأسرة ويصبح مفهوم خضوع المرأة هو تعاون وحفظ روح الوحدة

ولكن جميع الأشياء هي من الله =

1)     كل المخلوقات تدين في وجودها وفى أصلها لله، خالق الكل، فلا معنى لإنتفاخ أحد على الآخر أي الرجل على المرأة.

2)  ليس من حق أحد أن يعترض على مشيئة الله، أي على الهيئة التي وُجِدَ فيها رجل كان أو إمرأة، أو يعترض على القوانين التي أوجدها الله لنسير عليها.

 

آيات 13، 14، 15 :- احكموا في انفسكم هل يليق بالمراة ان تصلي الى الله و هي غير مغطاة. ام ليست الطبيعة نفسها تعلمكم ان الرجل ان كان يرخي شعره فهو عيب له. و اما المراة ان كانت ترخي شعرها فهو مجد لها لان الشعر قد اعطي لها عوض برقع.

هل يليق بالمرأة.. = أي هل يليق بالمرأة التي تقف لتصلى أن تكون في وضع ثورة على التقاليد والأنظمة التي وضعها الله، لكن على المرأة التي تصلى أن تقف في وقار أمام الله والناس، خاضعة لله وزوجها. لا تبحث عن أن تظهر جمالها وزينتها بل تقف في إحتشام مخفية جمالها فيظهر جمالها الإلهي، وتظهر عليها نعمة الله. ونلاحظ أنه حتى النساء اليونانيات الوثنيات غطين رؤوسهن، فهل لا يفعل هذا النساء المسيحيات.

الرجل يرخى شعره = (راجع تفسير آية 4) بعض الرجال فعلوا هذا بدعوى التحرر.

فهو مجد لها = شعر المرأة قد أعطى لها كغطاء طبيعي تغطى به رأسها، شعر المرأة هو جمالها لذلك يجب تغطيته حين تقف أمام الله.

أي عوض برقع = فالمرأة الصلعاء لا منظر لها ويجب أن تضع برقعاً أي غطاء على رأسها. لكن مجد المرأة وزينتها يمكن أن تعبر عنه المرأة بشعرها، والمرأة التي تقصد من إرخاء شعرها دون أن تغطيه التزين والبهرجة، فهذا الأمر لا يليق ببيت الله.

 

آية 16 :- و لكن ان كان احد يظهر انه يحب الخصام فليس لنا نحن عادة مثل هذه ولا لكنائس الله.

يحب الخصام = يقصد الجدال لإثبات حق المرأة في كشف شعرها بعد ما قلناه، إن كان بينكم من لا زال يريد كثرة المباحثات والإنقسام في هذا الموضوع الواضح، ففي كنائس الله لا توجد لنا مثل هذه العادة في الشقاق وكثرة الجدال والخصام. بولس الرسول رسم الصورة الصحيحة ويقول... من هو غير مقتنع ويريد الشجار، فانا أقول لهُ ونحن لم نتعود علي ذلك.. من أراد أن يقبل فليقبل.

 

آيات 17، 18، 19: - و لكنني اذ الوصي بهذا لست امدح كونكم تجتمعون ليس للافضل بل للاردا. لاني اولا حين تجتمعون في الكنيسة اسمع ان بينكم انشقاقات و اصدق بعض التصديق. لانه لا بد ان يكون بينكم بدع ايضا ليكون المزكون ظاهرين بينكم.

بدأ هنا الرسول يناقش مشكلة أخرى، وهى الشقاقات التي كانت تحدث بينهم في الكنيسة.

والرسول لا يمدحهم على هذا. فبينما كان المفروض أن يكون هدف إجتماعاتهم إزدياد المحبة بينهم، وبناء بعضهم البعض = أي للأفضل صارت إجتماعاتهم للأردأ = بسبب الشقاقات صاروا ينحدرون روحياً، بل يؤذون مشاعر بعضهم البعض. ولكنني إذ أوصى بهذا = أنا أوصيتكم وأوصيكم بأن تجتمعوا في محبة وذلك لبنائكم الروحي وليس في وجود شقاقات.

أصدق بعض التصديق = أميل للتصديق. لأنه لا بد أن يكون بينكم بدع = قارن مع (مت 18 : 7 + 2 بط 2 : 1، 2). فالرسول يعلم أن إبليس الذي لا يهدأ سيحارب قطيع المسيح وهدفه كسر وحدة الكنيسة التي في المسيح، فكل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب. ولكن الذي يخرج من الجافي حلاوة، نجد أنه حين قامت البدع والهرطقات كان هذا فرصة لظهور الإيمان الحقيقي وثباته عبر الأجيال، فما كان قانون الإيمان سيكتب ويظهر للنور لولا هرطقة أريوس وغيره. وعلى صخرة الإيمان تكسرت كل محاولات إبليس. لقد سمح الله بظهور رداءة البعض وضلالهم. هؤلاء الذين ينشقون لكي تظهر أيضاً فضائل الآخرين وقداستهم. هؤلاء المحبون للوحدة والعاملون لأجل سلام الكنيسة وبنيانها = ليكون المزكون ظاهرين بينكم

 

آيات20، 21، 22 :- فحين تجتمعون معا ليس هو لاكل عشاء الرب. لان كل واحد يسبق فياخذ عشاء نفسه في الاكل فالواحد يجوع و الاخر يسكر. افليس لكم بيوت لتاكلوا فيها و تشربوا ام تستهينون بكنيسة الله و تخجلون الذين ليس لهم ماذا اقول لكم اامدحكم على هذا ؟ لست أمدحكم!

بدأت الإنشقاقات بينهم في ولائم الأغابى التي كانت عبارة عن عشاء عادى يعقبه سر الإفخارستيا. وكانوا يبدأون بالأغابى علامة المحبة بينهم ولنشر المحبة بينهم أع 2 : 42. ولنرى الآية :-

كانوا يواظبون على تعاليم الرسل    والشركة      وكسر الخبز                والصلوات

 


مربع نص: ثم الصلوات والطلبات
مربع نص: الإفخارستيا
مربع نص: هذه هى الأغابى، هى طعام الشركة الذى لا بد أن يذوب فيه الغنى مع الفقير. وللأسف لم يحدث هذا مع أهل كورنثوس

مربع نص: هي خدمة قداس الكلمة أو قداس
الموعوظين وهذا ما كان مسموحاً بحضوره للموعوظين لأن كلمة الله تطهر المؤمن.
(حالياً هو قراءات البولس والإبركسيس والكاثوليكون والإنجيل والعظة)

 

 

 

 

 

 

 


ولكن نرى فيما حدث في كورنثوس من أخطاء، أن الذين قبلوا الإيمان لم يتحولوا فى يوم وليلة إلى أناس كاملين، بل كانوا في حاجة إلى إرشاد مستمر.

ومعنى آية 20 :- أنه لم يعد لهم صورة مقدسة تليق بعشاء الرب.. لماذا ؟ كان هدف عشاء الأغابى هو إعلان الوحدة بينهم، فكان كل فرد يأتى بحسب استطاعته بقدر من الطعام. لكن الأغنياء كانوا يأتون بالكثير والفخم ليأكلوه هم. ويتركوا الفقراء جائعين فأختفي بهذا معنى الشركة والوحدة في الرب يسوع. وَسبَّبَ هذا خجلاً للفقراء وإهانة للرب يسوع وَسبَّبَ انقسامات وشقاقات بينهم. ومعنى كلام الرسول أنه عندما تجتمعون في الكنيسة أي في مكان العبادة وأنتم على هذا الحال من الانقسام، فإنه لا يمكن أن تتقدموا للاشتراك في عشاء الرب دون أن تتعرضوا للدينونة، أي لن يكون في تناولكم من عشاء الرب ما يفيدكم. ولذلك فالرسول ينصح بسبب هذه الشقاقات أنهم يفصلوا ما بين الأغابى والإفخارستيا، فكل واحد يأكل في بيته ثم يأتون للقداس (قارن مع 2بط 2 : 13 + يه 12 + 1كو 10 : 31، 32 + يع 2 : 6)

رأيت في روسيا حلاً لهذا الإشكال. توضع مائدة كبيرة عند باب الكنيسة وكل واحد يدخل للكنيسة يضع على هذه المائدة لفافة مغلفة بورق لا يظهر ما بداخلها ويتركها ويدخل للكنيسة، ثم بعد نهاية القداس والتناول يخرج المصلون وإذا بمائدة عليها من كل الأصناف، دون أن يعرف أحد من الذي أتى بشيء، ومن لم يأتى بشيء، والكل يأكل في محبة من مائدة الأغابى هذه بعد صلوات شكر يتلوها الكهنة على هذه المائدة.

ولقد ظلت الإفخارستيا مرتبطة بالأغابى طيلة القرن الأول، ثم أصبحت طقساً منفصلاً. وغالباً كان انفصالهم ناتجاً عن دعوة بولس الرسول هنا. وذلك لأن الناس لم يلتزموا بأصول المحبة. واحد يجوع والآخر يسكر = هنا خطيتان، أن يترك أحد أخاه جائعاً، فهذا خطية. أما الثانية فإنه يظل يشرب حتى السكر. يسبق = فالأغنياء يسبقون الفقراء عشاء نفسه = أي ما أتى به من منزله من مأكولات فخمة. أفليس لكم بيوت = الأفضل من الأغابى بهذه الصورة التي تسبب شقاق أن تأكلوا في بيوتكم.

 

آيات 23، 24، 25، 26 :- لانني تسلمت من الرب ما سلمتكم ايضا ان الرب يسوع في الليلة التي اسلم فيها اخذ خبزا. و شكر فكسر و قال خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور لاجلكم اصنعوا هذا لذكري. كذلك الكاس ايضا بعدما تعشوا قائلا هذه الكاس هي العهد الجديد بدمي اصنعوا هذا كلما شربتم لذكري. فانكم كلما اكلتم هذا الخبز و شربتم هذه الكاس تخبرون بموت الرب الى ان يجيء.

ربما يقصد الرسول أن يقول " إن كان المسيح قد َقدَّمْ لأجلكم جسده المكسور، فكيف يا أغنياء تحرمون الفقراء من طعامكم الجيد وتأكلونه أنتم وينفرد كل واحد بعشائه المادي الزائل. ويقصد الرسول أن ما يقدم على مائدة الإفخارستيا هو جسد المسيح ودمه فعلاً، فهل يتفق ما تفعلونه مع جلال سر الإفخارستيا الذي تسلمته من الرب. تسلمت من الرب = ربما في أحد الإعلانات وإذا كان بولس قد تسلم السر هكذا فإنه يلزم إقامة السر كما قدمه السيد تماماً، لأن خادم السر الخفي هو المخلص نفسه القادر أن يقول " هذا هو جسدي وهذا هو دمى " خبزاً = Artos = خبز مختمر وليس فطيرا. وشكر = اشتقت منها كلمة إفخارستيا أي الشكر.

لذكرى = باليونانية هي " أنا منسيس " وتترجم بالإنجليزية RECALLING وليس REMEMBERANCE. ومعنى الكلمة دخول حقيقي واستعادة حقيقية لما نتذكره، بدخول حقيقي في كل مقدراته وملابساته. فهي لا تعنى مجرد ذكرى لأمر نتطلع إليه غائباً عنا، إنما ليتحقق حضور الله الحي العامل في حياة المؤمنين، حضور ما نصنع له الذكرى. الإفخارستيا إذن هي ذبيحة حقه حاضرة وعاملة، هي ذكرى فعالة، هي كرازة عملية بموت الرب الذي به وحده الخلاص. وكمثال على ذلك من العهد القديم حينما حفظ موسى جزء من المن ليريه لبنى إسرائيل، فالمن ذكرى عينية أي من نفس الشيء الذي يشار إليه بالذكرى، أي أن الخبز هنا هو نفس جسد المسيح والخمر هنا هي نفس دم المسيح. ولا محل للاعتقاد البروتستانتي بأن الخبز والخمر هما مجرد ذكرى أو هما رمز للجسد والدم. فالذكرى هنا ليست مجردة بل تذكر حقيقي بكل مفاعيله. ولو كان الأمر مجرد ذكرى لما غضب الرسول من إهمالهم، ولما إستدعى الأمر أن يكون غير المستحق مجرما ويمرض ويموت. والكلام الآن موجه لشعب كورنثوس " هل في شقاقكم ومنازعتكم وأكلكم بشراهة تذكرون وتخبرون بموت الرب وصليبه.

جسدي المكسور = هذا البذل تحقق على الصليب. لكنه عمل دائم قدمه المسيح لكنيسته لتتمتع في هذا السر بعمل الصليب، وهذا لن يقدُمْ مع الزمن، بل هو حاضر في كنيسته للتمتع بالخلاص، بل أن المسيح قدم جسده المكسور إلى تلاميذه، حتى قبل الصليب. وكان ذلك ليلة العشاء السري

هي العهد الجديد = العهد القديم تثبت بدم الذبائح الحيوانية، أما العهد الجديد فلقد ثبت بدم إبن الله. فإنكم كلما أكلتم = إذاً هذا الطقس سيتم تكراره وللأبد في الكنيسة لنذكر ونبشر ونعترف بموت المسيح على الصليب. وواضح من كلمات الرسول هنا ومن كلمات السيد المسيح نفسه (مت 26 : 26 – 28). إن ما قدمه المسيح لتلاميذه في هذه الليلة كان جسده ودمه فعلاً. وكون المسيح يقدم جسده قبل صلبه فهو كأنه قد ذبح نفسه قبل أن يذبحه العالم، هو صلب بالنية، هو صلب نفسه قبل أن يصلبه العالم وإذا كنا نقبل أن المسيح قد قَدَّم جسده ودمه لتلاميذه قبل الصلب، فهل لا نقبل بالأيمان أن يقدمه لنا الآن وهل كان التلاميذ أكثر احتياجا منا ليقدم لهم جسده ودمه ثم يعطينا رمزاً فقط نأكله. هو غفران للخطايا فكيف يغفر الرمز الخطايا، بل هو جسده متحداً بلاهوته، حتى تكون قوة القداسة التي فيه قادرة على غفران الخطايا حينما يتحد جسده بجسدنا. تخبرون = تخبرون البشر وكل من يسمع. إلى أن يجئ = تقام القداسات ونعمل سر الإفخارستيا حتى المجيء الثاني للكرازة ولمغفرة الخطايا.

 

آية 27 :- اذا اي من اكل هذا الخبز او شرب كاس الرب بدون استحقاق يكون مجرما في جسد الرب و دمه.

كون أن سر الإفخارستيا يشمل جسد و دم المسيح فهذا واضح أن من يتناول منه بغير استحقاق يكون مجرماً في جسد الرب ودمه. أكل هذا الخبز أو شرب = في الأصل اليوناني جاءت (و) وليس(أو). بدون استحقاق = إشارة للأغنياء الذين تسببوا بأفعالهم في الكنيسة بشقاق إذ ميزوا أنفسهم عن الفقراء. ولكي نكون مستحقين علينا :-

1-   الإيمان بحقيقة السر.

2-   تقديم توبة واعتراف قبل التناول

3-   لا توجد في حياتنا مخاصمات أو تحزبات (مت 5 : 23).

4-   الاستعداد اللائق بالسر وأن نكون على درجة من التقوى والصلاح والروحانية تتناسب مع كرامة جسد المسيح ودمه.

 

آية 28 :- و لكن ليمتحن الانسان نفسه وهكذا ياكل من الخبز ويشرب من الكاس.

لأن التناول أمر خطير. إذن ليقارن الواحد أعماله مع وصايا الرب ويفحص نفسه حتى لا يتعرض للدينونة قبل أن يتقدم للتناول

 

آية 29 :- لان الذي ياكل ويشرب بدون استحقاق ياكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب.

من يأكل ويشرب من الجسد ولا يميزه عن الخبز العادي، ولا يميز الدم عن الخمر العادي، أي لا يشعر بعظيم الاحترام لجسد الرب ودمه، فمثل هذا لا يأخذ بركة بل دينونة.

 

آية 30 :- من اجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء و مرضى و كثيرون يرقدون.

لاحظ أن الذي يتناول بدون استحقاق يمرض بل ربما يموت = يرقدون = ولكن حتى وهو على فراش الموت فالله يترقب توبته حتى اللحظة الأخيرة.

 

آية 31 :- لاننا لو كنا حكمنا على انفسنا لما حكم علينا.

ما كنتم تتعرضون لهذا لو فحصتم أنفسكم، لو وقفنا أمام أنفسنا كقضاة وحكمنا على أنفسنا وقدمنا توبة لما تعرضنا للعقوبات.

 

آية 32 :- و لكن اذ قد حكم علينا نؤدب من الرب لكي لا ندان مع العالم.

على أنه إذا تعرضنا لدينونة الله وحكمه فأصابنا الضعف أو المرض فإن هذا يكون من أجل تأديبنا وتهذيبنا الروحي حتى نصلح من أنفسنا وحتى لا نتعرض في الحياة الأخرى لأن ندان دينونة أبدية. فالدينونة الزمنية تقينا شر التعرض للدينونة الأبدية.

 

آية 33 :- اذا يا اخوتي حين تجتمعون للاكل انتظروا بعضكم بعضا.

لا تبدأوا في الأكل إلى أن يجتمع الجميع وتصلوا، فلا يحرم أحدكم من بركة الصلاة التي تقال في البداية، وحتى لا يشعر الغائب بصغر نفس إذ لم يهتم به أحد، وتبدأ الشقاقات من هنا.

 

آية 34 :- ان كان احد يجوع فلياكل في البيت كي لا تجتمعوا للدينونة و اما الأمور الباقية فعندما أجيء أرتبها

إن العشاء الرباني لم يقم من أجل أن تأكلوا فتشبعوا ولكن من أجل أن تأخذوا بركات الخلاص الأبدية

فعندما أجئ أرتبها = إذاً هناك أمور هامة رتبها لهم ولم يذكرها في الإنجيل، ومن هنا نرى أهمية التقليد، فالكتاب المقدس لا يتضمن كل ما يختص بالترتيب ونظام العبادة.


الإصحاح الثاني عشر

 

الإصحاحين 12 ؛ 13 هما تمهيد للإصحاح 14، أي لمعالجة ما نجم في الكنيسة هناك من مشاكل لإساءة استخدام موهبة التكلم بالسنة. وسادهم روح الحسد إذ طلب البعض المواهب التي أخذها آخرين (وبالذات موهبة التكلم بالألسنة) لنوال مجد باطل. وإنتفخ أصحاب المواهب الظاهرة، أصاب غيرهم الإحباط وصغر النفس إذ ليس لهم هذه المواهب. وفى هذا الإصحاح 12 إجابة بولس عن سؤال بخصوص المواهب الروحية ؛ وهى حقيقة أكيدة، ولكنه يشرح لهم كيف يتعاملون حسنا مع المواهب، وأن الموهبة أعطاها الله للمؤمن ليخدم بها الآخرون فيتمتع الجميع بالخلاص، لا ليجتمع الناس ليمجدوا صاحب الموهبة.

ونفهم من كلام الرسول أن المواهب هي عطية الروح القدس، مقدمة للكنيسة الواحدة، وكل عضو يكمل النقص الذي في العضو الآخر. وبهذا فعلى ذو الموهبة العظيمة أن لا يحتقر ذو الموهبة البسيطة، والعكس فلا يشعر ذو الموهبة البسيطة بصغر نفس. فلكل إنسان موهبته أو وزنته. ونلاحظ انهم لأنهم يتصارعون على موهبة الألسنة إعتبرها الرسول أقل المواهب أي موهبة ضعيفة.

والله يتدخل عادة إذا عجز الإنسان أن يعمل ما يريده الله، فالله أعطى موهبة الألسنة للرسل إذ كانوا صيادين بسطاء، ولكن إذا كان في قدرة أحد أن يتعلم لغة ما فلماذا يعطيها الله له بطريقة معجزيه. فمثلا الأنبا انطونيوس مرقس أسقف أفريقيا عَلَّمَ نفسه العديد من لغات أفريقيا وترجم لهم كتب الكنيسة دون موهبة السنة.

وفى كل كنيسة نرى تكامل المواهب للبنيان، فهناك من يهوى دراسة الكتاب المقدس، وهناك من يهوى التاريخ، والألحان، والعقيدة ..

ولكن هناك من يسعى لاقتناء موهبة ما من أجل المجد الباطل، ومثل هذا يخدعه إبليس ويعطيها له ليقوده للكبرياء والسقوط والضياع. بل أن الله خاف على بولس نفسه من كثرة مواهبه فأعطاه شوكة في الجسد حتى لا ينتفخ. والرسول يرى أن أهم ما يجب أن نسعى إليه هو المحبة ؛ لنخدم بعضنا بعضا في محبة ؛ فالرب آتى ليَخْدِمْ لا ليُخْدَمْ ويبذل نفسه.

 

آية 1: - و اما من جهة المواهب الروحية ايها الاخوة فلست اريد ان تجهلوا.

هي مواهب = لأنها هبات مجانية من الروح القدس، متاحة لمن يشاء الروح أن يعطيه، وليست قصراً على فئة معينة. وكان الله يريد أن يعطى مواهب عديدة للمؤمنين لمواجهة الفلاسفة المنتشرين في اليونان.

 

آية 2: - انتم تعلمون انكم كنتم امما منقادين الى الاوثان البكم كما كنتم تساقون.

كان كهنة الأوثان يسوقونهم لعبادتها في طقوس وحماس روحي كاذب تحركه الشياطين، وبلا فهم، و الآن يحركهم الروح القدس ويقودهم، وعطايا الروح ليست هكذا، بل الروح يعطيها لمجد الله، وهو يقسم حسبما يشاء. واذكروا ماضيكم لتعرفوا انه لا فضل لأحد منكم فيما أنتم فيه من مواهب بل الروح القدس أعطاها لكم. واشكروا الله على ما أعطاكم ولا تنتفخوا.

 

آية 3:- لذلك اعرفكم ان ليس احد وهو يتكلم بروح الله يقول يسوع اناثيما وليس احد يقدر ان يقول يسوع رب الا بالروح القدس.

يقول ذهبي الفم أنهم لفرحتهم بالألسنة دخل وسطهم الشيطان و أعطاهم ألسنة غير مفهومة، وهم إذ كانوا لا يفهمون كانوا يرددون يسوع اناثيما. فحدث خلط بين الموهبة الروحية والأعمال الشيطانية. هم سعوا للمواهب من أجل المجد الباطل فخدعهم إبليس لكبريائهم. ففي ظل الكبرياء والإنتفاخ يجد الشيطان له مكاناً. أما مع الإنسحاق فالشيطان يهرب. ونجد الرسول هنا يضع لهم علامة ليعرفوا بها هل اللسان من الله أم من الشيطان. وهذه العلامة هي أن يعترف الواحد بالمسيح رباً لا أن يلعنه. وهذا هو نفس ما قيل في (1 يو 1:4-3) فإذا حرك إبليس أحد يلعن المسيح، ولكن لا يستجيب له سوى المتكبر، أما المنسحق فيسكن فيه الروح القدس (أش 15:57) فيقول أن المسيح رب. والروح يكشف لنا عن شخص المسيح (يو 14:16) فنحبه ونمجده ونسبحه

أناثيما = ملعون أو محروم (هي تشير لكل مبدأ يحوى إنكار أو تجديف على الرب يسوع). من الجانب الآخر فالإيمان بالرب يسوع هو عمل الروح القدس الذي فينا. الذي يرشدنا للإيمان بالمسيح = يقول يسوع رب إلا بالروح

ملحوظة:- قال آخرين أنه إندس في وسطهم بعض من اليهود والوثنيين الذين يكرهون يسوع، وإدعوا حصولهم على موهبة الألسنة، ولكنهم كانوا يلعنون يسوع ويشككون فيه ليضعفوا إيمان المؤمنين. وقال آخرين أن الرسول يربط هذا القول بآية 2 ويعنى " أنتم يا من كنتم منساقين للأوثان، و الآن أعطاكم الروح موهبة الألسنة، فأنتم ما زلتم ليس لكم الخبرات الكافية للتعامل مع الألسنة وترددون أقوال هراطقة أو شياطين " وبالمقارنة بين الآيتين 2، 3 يمكن أيضا تصور أن الرسول يعاقبهم قائلاً لهم : أنه كما كنتم تساقون من الشياطين في حماس روحي كاذب، هكذا الآن أنتم بطلبكم للألسنة تريدون نفس التشويش التي كانت في هياكلكم الوثنية.

 

الآيات 4 – 6 :- فانواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وانواع خدم موجودة ولكن الرب واحد. وانواع اعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل.

 (راجع في المقدمة "عقيدة الثالوث الأقدس"). فهنا نرى عمل الثالوث في تكوين جسد المسيح، وجسد المسيح له أعضاء هي نحن، ولكل منا عمله.

          الروح                       الرب                                الله

مربع نص: الروح القدس
"يعطى المواهب"
مربع نص: الآب
منسوب له الأعمال فهو يقسم الأعمال والهدف مجده لكى يرى الناس أعمالكم... ويمجدوا
مربع نص: المسيح
منسوب له الخدمة فهو أتى ليخدم...

 

 

 

 

 

 

 


فالآب يريد، والإبن إتحد بنا لتكون لنا حياته، أي نكون أعضاء حية، والروح يعطى الموهبة لكل واحد ليتمم الخدمة المطلوبة منه. والهدف مجد الله الآب " لكي يرى الناس أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات (مت 5 : 16)

الآب يريد أن يكون لي عمل ما، فالذي يضع الموهبة في ويحركني هو الروح القدس. ولكن الروح لا يعطيني الموهبة ولن أستطيع أن أعمل العمل الذي يريده منى الله إن لم أكن ثابتاً في المسيح.

مثال :- مدير يريد تنفيذ عمل ما، ويريد أن يوكل مهمة هذا العمل لعدد من العمال، فيقول فلان يعمل كذا وفلان يعمل كذا (هذا يشبه عمل الآب) ويأتي رئيس العمال فيعطى لكل عامل الأدوات اللازمة ليتمم عمله (هذا دور الروح القدس ولكن لا يمكن أن يتم هذا إن لم يكون العمال معينين وثابتين في الشركة (دور المسيح) وتكوين جسد المسيح هدفه خلاص نفوس المؤمنين، وبهذه المواهب التي يحصل عليها الفرد، يخدم الآخرين، ويتكامل عمل هذا مع ذاك.

مثال آخر :- لنأخذ عضو كالعين

عملها هو النظر هذا حدده الله الآب.

خدمتها لا يمكن أن تقوم بها إلا إذا كانت شرايينها وأعصابها متحدة بالجسم أي أن كل

 منا لا يمكن أن يتمم خدمته إن لم يكن ثابتاً في المسيح.

القوة التي تحركها وتجعلها صحيحة قادرة أن ترى هي ما يقال عنه المواهب.

 

آية 7 :- و لكنه لكل واحد يعطى اظهار الروح للمنفعة.

يعطى إظهار الروح للمنفعة = الموهبة التي يظهر بواسطتها عمل الروح في أحد للمنفعة = هذه المواهب لشخص ليست لنفعه هو بل لمنفعة الكنيسة.

 

آية 8 :- فانه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولاخر كلام علم بحسب الروح الواحد.

كلام حكمة = يشير لإعلانات الله للمؤمن الذي تكشف له وتفسر له بعمق وحكمة، أسرار مشيئة الله وأسرار عمله الخلاصي

كلام علم = الذي يفسر للمؤمنين ما سبق وقد كشفه كلام الحكمة، هنا الذي حصل على الموهبة يكون قادراً أن يعرف المؤمنين بهذه الإعلانات.

 

آية 9 :- و لاخر ايمان بالروح الواحد و لاخر مواهب شفاء بالروح الواحد.

ولآخر إيمان = هي حالة تنقل الإنسان إلى حالة الإدراك اليقيني بكل ما سمعه وطولب أن يصدقه، هذا الإيمان ينقل جبال. ونسمع أن من ثمار الروح أيضا إيمان. إذاً هناك إيمان هو من ثمار الروح، وإيمان هو موهبة، والفرق أن الإيمان الذي هو من ثمار الروح هو شئ شخصي يستفيد به صاحبه، أما الإيمان الذي هو موهبة، فيه يسند صاحب الموهبة ضعفاء الإيمان، وبصلواته عنهم يستجيب الله، فالمواهب لبناء الكنيسة.

 

آية 10 :- ولاخر عمل قوات ولاخر نبوة ولاخر تمييز الارواح ولاخر انواع السنة ولاخر ترجمة السنة.

عمل قوات = أي أعمال خارقة للطبيعة

نبوة = 1) كشف أسرار الله للمؤمنين 2) نبوات عن المستقبل

 3) شرح غموض بعض ما جاء في الكتاب المقدس

تمييز الأرواح = القدرة على التمييز بين الأنبياء الحقيقيين وغير الحقيقيين، بين المعجزات التي من الله وبين حيل الشياطين، تمييز الوعظ الذي من الله والوعظ الذي من الذات البشرية الخاضعة للأرواح المضلة، التمييز بين التنبؤ الحقيقي والإنفعال البشرى الشيطاني. وهذه الموهبة هامة جداً كضابط ومرشد لموهبة التنبؤ. السنة = الرسول وضعها آخر المواهب، فهذه هي التي إفتخر بها أهل كورنثوس ترجمة = هؤلاء يترجمون ما يقوله أصحاب موهبة الألسنة

 

آية 11 :- ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسما لكل واحد بمفرده كما يشاء.

جميع هذه المواهب يعطيها الروح القدس، ويعطى لكل واحد بحسب ما يشاء لهدف البنيان؛ وليس بمحاباة. وكون الروح القدس له مشيئة فهذا يثبت اقنوميته؛ فهو له شخصية وإرادة وسلطان وليس مجرد قوة إلهية. وقوله بحسب ما يشاء؛ إشارة انه ليس بحسب ما يشاء المؤمن فهم طلبوا الألسنة.

 

آية 12 :- لأنه كما ان الجسد هو واحد و له اعضاء كثيرة وكل اعضاء الجسد الواحد اذا كانت كثيرة هي جسد واحد كذلك المسيح ايضا.

الكنيسة بأفرادها هم أعضاء الجسد الواحد = ولم يقل أفراد الجسد. فكلمة أفراد أو فرد تعنى انه مستقل بذاته مكتفياً بقدراته. هنا نرى انه يجب أن يكون هناك تمايز بين الأعضاء، فالرِجْلْ ليست هي اليد، وهذه ليست هي العين، لكن هناك تكامل بين الأعضاء، فكل عضو يكمل عمل العضو الآخر. المهم أن الأعضاء تكون جسداً واحداً روحياً، والجسد الواحد يعمل خلال الرأس.

 

آية 13 :- لاننا جميعنا بروح واحد ايضا اعتمدنا الى جسد واحد يهودا كنا ام يونانيين عبيدا ام احرارا وجميعنا سقينا روحا واحدا.

اعتمدنا إلي جسد واحد = المعمودية هي بداية دخولنا لهذا الجسد والاتحاد معاً في الرأس يسوع المسيح. والتناول يجعلنا كلنا في ثبات في هذا الجسد الواحد يهودا كنا أم يونانيين = في هذا الجسد تذوب كل فوارق الجنس أو العنصر لأن المُوَحِّدْ هو الروح القدس، لذلك سميت الكنيسة بالجامعة فهي تحوى عناصر كثيرة متميزة في شخصياتها وقومياتها، ولكنها ذابت كلها في جسد المسيح الواحد، فالكنيسة كشبكة الصياد تضم كل أشكال وألوان السمك

وجميعنا سقينا روحاً واحداً = كلنا حصلنا على الروح القدس الواحد الذي نرتوي منه أي نأخذ منه المواهب الروحية للخدمة، كأشجار مختلفة تروى من نبع واحد مع إختلاف أنواع ثمارها. (الماء رمز للروح القدس يو 37:7-39 + اش44: 1-4). والإنسان هو التربة فنحن مخلوقين من تراب. والماء يثمر في التربة فيُكَوّنْ ثمار.

 

آية 14 :- فان الجسد ايضا ليس عضوا واحدا بل اعضاء كثيرة.

ليس غريباً أن تكون هناك مواهب متنوعة، فهذا الأمر نلحظه في أجسادنا، إذ لجسدنا الواحد أعضاء مختلفة، وكل عضو له عمل مختلف

 

آية 15 :- ان قالت الرجل لاني لست يدا لست من الجسد افلم تكن لذلك من الجسد.

أي إن كانت لك موهبة معينة وليست لك موهبة ما أخرى، فهل يعنى ذلك أنك لست بعد عضواً في جسد الكنيسة الواحد مع الأعضاء الآخرين. فالجسد يحتاج لكل أعضائه، ولكلٍ عمله الضروري والنافع، ولذلك علينا أن لا نقلل من شأن موهبة ما مهما صغرت قيمتها. فالكل في إحتياج للآخر.

 

آية 16 :- وان قالت الاذن لاني لست عينا لست من الجسد افلم تكن لذلك من الجسد.

إذاً على كل مؤمن أن يشعر بأهميته في الكنيسة مهما صغر شان عمله.

 

آية 17 :- لو كان كل الجسد عينا فاين السمع لو كان الكل سمعا فاين الشم.

هنا نرى التكامل فلا غنى عن أي وظيفة لأي عضو في الجسم.

 

آية 18 :- و اما الان فقد وضع الله الاعضاء كل واحد منها في الجسد كما اراد.

الله خلق كل عضو ووضعه في مكانه الصحيح، وهكذا أعطى لكل مؤمن عمل ما.

 

آية 19 :- و لكن لو كان جميعها عضوا واحدا اين الجسد.

لولا الكيان المتكامل لصرنا كالمخلوقات الدنيئة ذات الخلية الواحدة، لكن جسم الإنسان يتكون من أعضاء متنوعة لكي يقدر أن يقوم بعمله. لذلك لا يقام قداس إلاّ لو كانت هناك جماعة، على الأقل 3 أشخاص ليكون هناك وحدة وتكامل، وجماعة يوحد بينها المسيح. فالأمر إذاً يقتضى أن تكون هناك مواهب متنوعة مختلفة لكي توفى بحاجات الجسد.

 

آية 20 :- فالان اعضاء كثيرة و لكن جسد واحد.

الجسد لا يمكن أن يؤدى وظيفته إلاّ بتواجد كل الأعضاء.

 

آية 21 :- لا تقدر العين ان تقول لليد لا حاجة لي اليك او الراس ايضا للرجلين لا حاجة لي اليكما.

لا يمكن لفرد عضو في الكنيسة أن يشعر بإستغنائه عن الآخر. وربما تشير الرأس للقيادات الكنسية والرجل واليد للخدام العاملين.

 

آية 22 :- بل بالاولى اعضاء الجسد التي تظهر اضعف هي ضرورية.

الأعضاء التي تظهر أضعف = كالمخ والعين فهما في حراسة لضعفهما ودقة تركيبهما. فما تظنه الأضعف فهو الضروري. وهناك أناس بسطاء في الكنيسة يتظاهرون بالبساطة وهم قديسين جبابرة. وهؤلاء الذين لهم مواهب متضعة تحتاج إليهم الكنيسة. وبدون مواهبهم هذه لا تستطيع الكنيسة أن تكمل كيانها.

 

آية 23 :- و اعضاء الجسد التي نحسب انها بلا كرامة نعطيها كرامة افضل و الاعضاء القبيحة فينا لها جمال افضل.

الأعضاء التناسلية يظنها البعض بلا كرامة ويحتقرونها، ولكن بها نكون شركاء الله في الخلق، هذه الأعضاء التي يكون من غير اللائق، أو ليس من الصالح أن تكون مكشوفة لأن مهامها خاصة بالجسد الذي وجدت فيه، وعليها يتوقف امتداد جسد المسيح بتكوين أجساد أخرى أي التناسل، هذه نكسوها بسترها بالثياب حتى لا تكون نهباً للناظرين. الأعضاء القبيحة = الله لم يخلقها قبيحة بل هي صارت هكذا من تعليقات الناس الساخرة وتصوراتهم الخاطئة المنحرفة، وربما يقصد أن هدا قد حدث بعد سقوط الانسان وإنحراف شهوته. ولكن قوله أعضاء قبيحة يقصد ما يظن الناس أنها قبيحة بسبب الإنحراف الدى حدث للإنسان. لها جمال افضل = فلها كرامة لأن لكل عضو عمله. وهذه نغطيها بكرامة بالثياب.

 

آية 24 :- و اما الجميلة فينا فليس لها احتياج لكن الله مزج الجسد معطيا الناقص كرامة افضل.

وأما الجميلة = كالوجه واليد هذه مهامها أن تظهر للآخرين، فالله أعطاها جمالاً لتظهر به للآخرين، ولذلك نحن لا نغطيها لنعطيها مزيداً من الجمال (على إعتبار أن الثياب تعطى نوعاً من الجمال والزينة). معطياً الناقص كرامة أفضل قال الرسول هذا حتى لا نحتقر أي أحد في الكنيسة، فمهما صغر الفرد يعطيه الله كرامة حتى لا نحتقره. والله مزج الجسد من أعضاء مختلفة في الكرامة والمظهر بل أعطى للأعضاء الأضعف والأقل كرامة، أعطاها كرامة أفضل

 

آية 25 :- لكي لا يكون انشقاق في الجسد بل تهتم الاعضاء اهتماما واحدا بعضها لبعض.

الله بحكمة صنع هذا المزج حتى يهتم كل عضو بالأعضاء الأخرى. ويكون لجميع الأعضاء الإهتمام الواحد، فنستعمل وظائفها المختلفة لمنفعة الجسد الواحد. (الهدف أن يحب كل عضو العضو الآخر كجسد واحد)

 

آية 26 :- فان كان عضو واحد يتالم فجميع الاعضاء تتالم معه وان كان عضو واحد يكرم فجميع الاعضاء تفرح معه.

هنا دليل وحدة الجسد، أن يتألم كل عضو لألم باقي الأعضاء. فلو تألمت العين تألم الجسم كله، ومتى شفيت إرتاح الجسم كله (رو 15:12).

 

آية 27 :- و اما انتم فجسد المسيح واعضاؤه افرادا.

كل عضو في جسد المسيح كعضو في جسد واحد، ولكلٍ موهبته.

 

آية 28 :- فوضع الله اناسا في الكنيسة اولا رسلا ثانيا انبياء ثالثا معلمين ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء اعوانا تدابير وانواع السنة.

الله وضع لكل منا عمله وموهبته فلا داعي للتذمر على نصيبنا.

أولاً : الإختلاف هنا في درجات المواهب، والرسل في أعلى الدرجات هي أولى المواهب مرتبة بالنسبة لغيرها من المواهب. والرسل إشارة إلى التلاميذ الإثنى عشر والرسل السبعين وبولس نفسه وبرنابا وسيلا.

أنبياء = هم في الدرجة يأتون بعد الرسل. وهؤلاء يعلمون ويتنبأون.

معلمين = هؤلاء اقل من الأنبياء، فهم يعلمون فقط، وهؤلاء يشملون الأساقفة والكهنة والشمامسة والخدام.

قوات = أي عمل معجزات، والمعلمين يَُقدّمون على القوات فالتعليم هو عمل لخلاص النفوس. والقوات هذه كمواهب الشفاء وصنع المعجزات.

أعواناً = هؤلاء يقومون بخدمة الآخرين كالأيتام والأرامل والفقراء.

تدابير = تنظيم وتدبير أمور الخدمة في الكنيسة كالأمور المالية والإدارية.

ألسنة = ذكرها الرسول آخر المواهب كأقل المواهب كتوجيه لأهل كورنثوس الذين كانوا يتشوقون لهذه الموهبة بالذات. ونلاحظ هنا التكامل فالكنيسة في إحتياج لكل هذه المواهب بدون إحتقار لأي موهبة.

 

آيات 29، 30 :- العل الجميع رسل العل الجميع انبياء العل الجميع معلمون العل الجميع اصحاب قوات. العل للجميع مواهب شفاء العل الجميع يتكلمون بالسنة العل الجميع يترجمون.

الله لم يعطى لواحد كل المواهب، بل هو شاء أن يوزعها على الكل، فيكون لكل واحد موهبته وعمله

 1) ليشعر الكل بإحتياجهم لبعضهم البعض

 2) حتى يمكن الإيفاء بحاجات الكنيسة.

 

آية 31 :- ولكن جدوا للمواهب الحسنى وايضا اريكم طريقا افضل

إذا كانت الكنيسة في حاجة لكل المواهب فعليكم أن تطلبوا هذه المواهب لبناء الكنيسة. وأيضا أريكم طريقاً أفضل = هذا الطريق الأفضل به تستطيعون أن تكتسبوا المواهب الأحسن، ذلك هو طريق المحبة. فالمحبة تقوم في جوهرها على البذل والتضحية من أجل الآخرين. فالمواهب الأحسن هي التي ترتبط بالمحبة. والمحبة كطريق أفضل هي هكذا لعظمة المحبة ومكانتها المتصدرة لكل الفضائل التي يُدعى الإنسان الروحي لممارستها كتعبير عن ايمانه وعقيدته. فالمحبة هي الفضيلة التي بدونها لا تقوم أي فضيلة، ومن يتكلم عن المحبة يتكلم عن الله ذاته لأن الله محبة، فمن هو الذي يتجاسر ويدرك كنه الله وحقيقة جوهره (يو 16:3 + 13:15). والمحبة مرتبطة بالتواضع لأنها تنكر ذاتها وتتضع وتطلب ما للآخرين، فكمال المحبة في كمال الإتضاع.


الإصحاح الثالث عشر

 

يمكن تسمية هذا الإصحاح بسيمفونية المحبة أو أنشودة المحبة. وهناك 3 كلمات تعبر عن المحبة في اللغة اليونانية وهى :-

1.     إيروس = المحبة الجنسية

2.  فيليا = كلمة اكثر شيوعاً ومعناها المودة. ومنها فيلوسوفى (فلسفة) أي محب الحكمة وفيلوباتير (محب الآب) وفيلوثيئوس (محب الله) وكلا الإيروس والفيليا هي محبة لمستحقيها مصحوبة برغبة في الإمتلاك.

3.     أغابى = هي محبة لغير مستحقيها، هي محبة تعطى وتبذل ولا تطلب مقابل لذلك وكمثال لها محبة الله لنا. ومحبة الأم لأولادها.

وكانت كلمة أغابى نادرة الإستعمال في اليونانية حتى إستخدمها المسيحيين وجعلوها كلمتهم المميزة في نوعية المحبة، وهى الكلمة التي إستخدمها بولس الرسول. وكلمة أغابى هي الدرجة الأعلى في المحبة

 

آية 1 :- ان كنت اتكلم بالسنة الناس والملائكة ولكن ليس لي محبة فقد صرت نحاسا يطن او صنجا يرن.

بألسنة الناس = إذا إستطعت أن أتكلم بلغات كل الناس (ألاف اللغات) والرسول بدأ بالتكلم بألسنة لأنها مشكلة كنيسة كورنثوس، وليبرز خطورة إستخدام الموهبة للمظهرية، ودون محبة. ونلاحظ أن بولس إستخدم أسلوباً عنيفاً مع أهل كورنثوس مع أن لهم مواهب متعددة ومنها الألسنة بينما في كلامه مع أفسس وتسالونيكى نجده يكلمهم بفرح مع أنه ليست لهم مواهب كثيرة، لكنهم مملوؤن محبة. والملائكة = ربما إستمع الرسول للملائكة يسبحون حينما إختطف للفردوس وربما يشير للتسابيح فهذه لغة الملائكة. ولكن هذا هو أسلوب بولس الرسول ويقصد به أنه حتى لو بلغنا المستحيل وتكلمنا بلغة الملائكة، فهو أسلوب مبالغة ونجد نفس المعنى في (رو 38:8 + غل 8:1 فلن يوجد ملاك يفصلنا عن محبة المسيح أو يبشرنا بعقيدة خاطئة). وإذا فهمنا الآية على أنها التسابيح، فمن يشترك في تسابيح الكنيسة وصلواتها وترانيمها كأصوات فقط، أو للمظهرية، والقلب خالٍ من المحبة، فستكون خدمة هؤلاء هي بحث عن مجد ذاتي أي رنين فارغ = نحاساً يطن = وكان صوت النحاس والصنوج التي تطن هو صوت إعتادوا عليه في هياكل الأوثان فعبادة الأوثان الفارغة هي أصوات بلا معنى أما المسيحية فهي محبة، فالله محبة. والمحبة تؤثر العطاء على الأخذ وإخفاء الذات لأجل الآخر. أصوات الصنوج والنحاس التي تطن لا تعطى معنى معيناً أو موسيقى لها معنى، هكذا أي موهبة بلا محبة، فالمحبة هي التي تعطى النفع للمواهب أو هي الأساس الذي يقوم عليه الإنتفاع بالمواهب. ولو إمتلأ أحد بالمواهب دون محبة لصار منفراً للناس مزعجاً لهم كنحاس يطن. فالموهبة دون محبة هي كبرياء ومجد ذاتي. ونفهم قول الرسول الآن أن السعى وراء موهبة ما للمجد الذاتي ما هو إلاّ إرتداد للوثنية، فما هذا سوى عبادة للذات، لذلك إستخدم الرسول تشبيه مما يحدث في الهياكل الوثنية.

ويعتمد الخمسينيون على هذه الآية ويقولون أنهم حين يتكلمون بألسنة يكونون يتكلمون بألسنة الملائكة وهذا مستحيل :-

أ‌)        كانت الأرض كلها تتكلم بلسان واحد قبل بلبلة الألسنة بسبب الخطية، فلماذا يقول الرسول السنة الملائكة ولم يقل لسان، هل أيضاً حدثت بلبلة للملائكة.

ب‌)     الملائكة حين يتكلمون مع البشر، يكلموننا بما نفهمه لندرك الرسالة الإلهية. لكن الملائكة لهم لغتهم السمائية التي لا ندركها وهم في وحدة ولسان واحد.

ج‌)     يقول الرسول والألسنة ستنتهى (اكو 8:13) فلو عَنَىَ ألسنة السمائيين والملائكة، فهل يتوقفوا عن الحديث الملائكى في الأبدية.

 

آية 2:- و ان كانت لي نبوة واعلم جميع الاسرار وكل علم وان كان لي كل الايمان حتى انقل الجبال ولكن ليس لي محبة فلست شيئا.

نبوة = أي التنبؤ. فقيافا تنبأ (يو 11: 49-51) وبلعام تنبأ (عد 38:22- 25:24) وهكذا شاول الملك (1صم 14:16-23، 19:9) ومع هذا فقد هلكوا.

أعلم جميع الأسرار = مثال :- يهوذا عرف كل أسرار وتعاليم السيد المسيح وهلك. فمن يعرف مشيئة الله ومقاصد الله، ولكن بدون محبة، فستكون معارفه لمجده الذاتي وكبريائه وانتفاخه وبالتالي هلاكه (مت 7: 22، 23) الصفة الأساسية للإنسان الروحي هي المحبة والنبوة والأسرار دون محبة ستصبح أعمال جسد أو خداع شياطين. قد يلفت مثل هذا الناس ويثيرهم بعلمه، ولكن دون محبة لن يرضى الله. مثل هذا يسهل خداعه بواسطة الشياطين.

 

آية 3 :- و ان اطعمت كل اموالي وان سلمت جسدي حتى احترق ولكن ليس لي محبة فلا انتفع شيئا.

إن أطعمت كل أموالي = هذه مثل الفريسيين الذين كانوا عند تبرعهم يضربون بالأبواق للشهرة والمجد الشخصي. هنا قد يستفيد الآخرين من هذه الخدمات، ولكن من يفعل هذه الخدمات بدون محبة لن يستفيد شيئا.

وان سلمت جسدي حتى . = ربما لأجل الدفاع عن الإيمان أو في سبيل الآخرين. الأولى كانت بذل أموال وهذه بذل للذات. لكن إن لم يكن هناك محبة فما هو الدافع للتضحية بالمال أو الذات سوى الشهرة والمجد الشخصي.

 

آيات 4-7 :- المحبة تتانى وترفق المحبة لا تحسد المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ. ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء. ولا تفرح بالاثم بل تفرح بالحق. وتحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبرعلى كل شيء.

هناك من إستبدل كلمة المحبة في هذه الآيات بكلمة المسيح، فالرسول هنا يرسم صورة للرب يسوع الذي تجسدت فيه المحبة. ولكن السؤال لو لم يكن عندي هذه المحبة وهذه الصفات ماذا أعمل.

1)     نطلب الإمتلاء من الروح القدس، و أول ثماره المحبة (غل 22:5)

2)  والإمتلاء من الروح، والإمتلاء من المحبة هما نعمة، ولا نعمة دون جهاد والجهاد هو أن يغصب الإنسان نفسه على عمل الشيء المطلوب. و بالتالي لن أمتلئ محبة سوى بالجهاد. وما هو الجهاد المطلوب ؟ لنذكر تعليم الرب أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم (مت 44:5) فمحبة الأعداء هي نعمة ولكنها تتطلب جهاد، وهكذا أي محبة

أ) باركوا. تكلموا حسناً على كل الناس، ولا تلعنوا أحداً، حتى لو في داخلي شئ آخر.

ب) أحسنوا.قدموا خدمات لكل الناس وتشبهوا بالسيد الذي أتى ليخدم لا ليُخْدَمْ إصنع هذا حتى لو لم تكن تحب الخدمة.

ج) صلوا.لا تنشغل في صلاتك بنفسك، بل صلى لكل الناس، لكل متألم، لمن في كنيستي ومن ليس في كنيستي للمسيحى وغير المسيحي. وفى مقابل هذا تنسكب علىَّ النعمة وتتغير طبيعتي، فأجد نفسي أحب كل الناس حتى أعدائي، وهذه هي الخليقة الجديدة التي في المسيح (2 كو 17:5) فأقصى ما تستطيعه الخليقة العتيقة هو أن يغصب الإنسان نفسه على عمل المحبة أمّا الخليقة الجديدة فتصنع هذا عن حب لله والناس والبداية هي التغصب

تتأنى وترفق = التأنى هو طول أناة بالفكر. والرفق هو طول أناة بالسلوك والعمل والتخاطب في التعامل مع الآخرين. ويحتمل المعنى عدم الإساءة لمن يسئ لنا، بل نقابله بالصلاح والخير.

تدريب عملي :- أعط للناس عذر فيما يفعلونه من أخطاء، وقل ربما هم في ظروف صعبة إضطرتهم لذلك. وحاول السيطرة على إنفعالاتك. وربما في البداية يحدث نوع من الكبت. ولكن مع إنسكاب النعمة ستمتلئ النفس سلاماً.

لا تحسد = أي لا تشعر بالألم نتيجة لسعادة الآخرين وتقدمهم، ولا تحقد على الآخرين بسبب نعمة نالوها. ولا تتمنى زوالها عنهم. وإبليس يحرك الحسد في قلوب البشر، فقلبه مملوء حسداً مقابل الحب الذي يملأ قلب الله. ومن حسد إبليس انه أسقط الإنسان في الخطية (مثال :- الأخ الأكبر للابن الضال حسده على النعمة التي نالها).أمّا الإنسان الروحي المملوء محبة يفرح مع الفرحين وهذه ليست في طاقة الإنسان العادى. ولكن هذا هو المحك . هل تغيرت طبيعتك أم لا. وإذا كانت طبيعتك لم تتغير ماذا تفعل

تدريب عملي :-

 أ) صلى لأجل من ناله خيرات، وأطلب له المزيد حتى لو كان هذا بتغصب ب) صلى من أجل أن تتغير طبيعتك

ج) إذهب لهذا الإنسان وبارك له، وخذ معك هدية، ولو بتغصب. وبهذا تغير النعمة طبيعتك.

لا تتفاخر. لا تنتفخ = تتفاخر هذه تكون أمام الناس. وتنتفخ هذه بيني وبين نفسي. والمحبة تملأنا شعوراً بإحترام الآخرين وتقديرنا لهم وتكريمنا لهم، وتحد من تكريمنا لأنفسنا، فلا نتطرف في تقديرنا لأنفسنا تطرفا يجعلنا نتفاخر ونمتلئ غرورا وشعورا بعظمة أنفسنا يجعلنا نتفاخر على الآخرين ربما بشئ نملكه وهم لا يملكونه، أو بسبب خدمة قدمناها لهم. أما المحب فهو متواضع كالمسيح الذي غسل الأرجل، والناس تحب المتواضع وتنفر من المنتفخ وكيف ينتفخ أو يتفاخر من يشعر أن الله هو مصدر كل خير عنده (يع 17:1) ولا ينتفخ أي لا يمتلئ صاحبها بالغرور والكبرياء والغطرسة. أما المملوء محبة يتمنى الخير لكل الناس، ويحزن لأنهم لا يمتلكون مثله، ويصلى لله ليعطيهم فيفرحوا (هذا هو التدريب المطلوب). إذا فهمنا أن الله هو مصدر كل خير عندي، فكيف أتفاخر بما ليس لي (1كو 7:4)

لا تقبح = أي يجرح مشاعر الغير بكلام قبيح وسفيه ليوبخه، ويفعل أفعالاً رديئة ويسلك بغير لياقة. وقارن مع (كو 6:4)

تدريب عملي = فلنتعلم أن نشجع الناس بكلام لطيف بدلاً من أن نسئ لمشاعرهم

لا تطلب ما لنفسها = هذه هي عكس الأنانية. فالمحب يطلب ما للآخرين ثم ما لنفسه، أمّا الأنانية فلا تتفق مع الروحيات (يو 18: 7،8) لنتعلم من المسيح أن نتعب لنربح الآخرين (رو 3:9 +خر 12:32،10). إذاً المحبة تهتم بنفع الآخرين قبل الأنا

لا تحتد = أي يتصرف بلطف ووداعة وهدوء، بحزم بلا تجريح وبلا غضب. فالمحبة لا تنظر للآخرين بروح النقد وتسعى لإدانتهم، بل لا تحسب للآخرين خطاياهم.

لا تظن السوء = تفترض الثقة في الآخرين، أما المحبة الشكاكة فتفترض أن الجميع أشرار ما لم يثبتوا العكس في معاملاتهم. وليس معنى هذا أن نتعامل بلا حكمة، بل علينا أن لا نترك الفرصة لعدو الخير لزرع شكوك العداوة بيننا و بين الآخرين، ولا نتسرع في الحكم.(مثال بنى عمون مع رسل داود) وعلينا أن ندافع عن الناس بقدر ما يمكن وان نتروى ونبطئ في الحكم ولا نحتفظ بسجل لخطايا الآخرين (كما جاءت في بعض الترجمات) بل ننساها. فلو تذكر الله كل خطايانا لما تعامل معنا.

تدريب عملي :- إنشغل بالسماء، بترديد مزامير والتأمل فيها مثلاً، أو ترديد آيات ومن هو مشغول بالسماء لن يلاحظ أخطاء الآخرين. كقائد السيارة المشغول بالطريق، لن يهتم بملابس الراكبين معه

لا تفرح بالإثم = أي لا تشمت في سقوط الآخرين، فهناك من يفرح بسقوط عدوه في خطية حتى ينتقم منه الله، ومن يفرح بوجود الإثم فهو لم يتب توبة حقيقية، بل المحب يبكى على خطية الخاطئ تدريب عملي :- صلى لكل نفس تخطىء لكي تتوب، حتى لو كان هذا ضد رغبتك.

تفرح بالحق = تفرح وتسر عندما يسود الحق، ويقدم الخطاة توبة. فالقلب المحب يسكنه الله، والله هو الحق، فالمحب يفرح بالتوبة والسلوك بالإنجيل.

تحتمل كل شيء = أي تحتمل نقائص الآخرين وسوء تصرفاتهم، والمسيح إحتمل نقائصنا وهو القدوس أفلا نحتمل نقائص البعض نحن الخطاة. وأيضا نفهم هذه على أن المحبة لا تشهر بالآخرين وتذيع نقائصهم بل تستر عليهم (قصة أبو مقار) بل كانت الكنيسة تصلى لأجل الذين يقتلون أولادها، وهكذا طلب بولس الرسول أن نحترم الرؤساء. وكان هذا أيام نيرون.

تصدق كل شي = تصدق المظهر الطيب للناس دون أن تبحث في دواخلهم وتشكك في نيات قلوبهم، فهذه متروكة لله، ولكن إن أظهر الإنسان شروراً من داخله فهذه لها مواقف أخرى قد تصل لإختصار هذا الإنسان، طبعا تصدق كل شي لا تعنى البلاهة بل بعقل مستنير(1 يو 1:4 + ا تس 21:5).

ترجو كل شي = أي لا تعرف اليأس، وتأمل أن يُصلح الآخرون أحوالهم، فإذا أخطأوا فهي ترجو لهم التخلص من الخطيئة والتغلب عليها، هي تتوقع بثقة عمل الله في الآخرين لتغييرهم. فمن يحب لايتصور هلاك من يحب بل يأمل في خلاصه.

تصبر على كل شئ = تسلك في طول أناة نحو الآخرين، وتصبر على كل ما يصيبها من ضيق أو من إضطهاد ولا تتعجل النتائج، ولا تيأس سريعا. إنما تفعل الخير دائما وتصبر. وتحتمل كل تجربة مهما كانت

 

أية 8:- المحبة لا تسقط ابدا واما النبوات فستبطل والالسنة فستنتهي والعلم فسيبطل..

المحبة لا تسقط أبداً = ختام رائع للسيمفونية السابقة. وثبات المحبة يأتى من ثبات الله نفسه، فالله محبة، والله لا يفشل. والمحبة تبقى هنا مع الإنسان في الحياة الحاضرة وفى الحياة الأبدية ولن يأتي وقت يكون فيه ما هو أعظم من المحبة، فتخلى النفس من المحبة ليحل ما هو أعظم و أسمى. الحكمة البشرية قد تقول فلان يحتاج لمعاملته بالتواء فهو ملتوٍ، أو فلان يحتاج لمعاملته بشدة فلنطلب من أحد أن يؤذيه. وكل هذا خطأ. بل علينا أن نتعامل بمحبة فهي لن تسقط أبداً. أما النبوات والألسنة والعلم = فهي مشاعل تنير ظلام الليل الآن ولكن حين يظهر نور الشمس في الأبدية (أي حين نرى المسيح شمس البر) فلا لزوم للمشاعل. أما المحبة فتظل ثابتة مؤكدة، صامدة، محتفظة بوضعها. تعامل مع الناس بمحبة وأنت لن تخسر أبداً. النبوات لها عمل الآن وهى من الروح القدس، أما في السماء فلا داع للنبوات. والعلم الآن هو علم ناقص مهما كان غزيراً، أمّا في السماء فسيكون لنا علم حقيقي. فلأن الموضوع خاص بالألسنة فالرسول يريد أن يقول أن كل المواهب ستبطل فى السماء إلاّ المحبة فلن تسقط أبداً حتى في السماء. فالمحبة هي لغة السماء لأن الله محبة. والإنسان الخالي من المحبة لا مكان له في السماء. فنحن مخلوقين على صورة الله، فإذا إنطبعت فينا صورته أي المحبة يكون لنا نصيب في السماء أما المطبوع فيه صورة الحقد والحسد والكراهية فمثل هذا مطبوع فيه صورة إبليس. لذلك علينا أن نجاهد من الآن أن نتعلم لغة السماء.

 

آيات 9، 10 :- لاننا نعلم بعض العلم و نتنبا بعض التنبوء. و لكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض.

في السماء سنعرف كل المعرفة حينما نرى الله وجهاً لوجه، أما المعرفة الآن فجزئية وليست مطلقة. علمنا الآن محصور في مجالات ضيقة و محددة. العلم الآن كشمعة وسط ظلام العالم، أمّا في الأبدية سيسطع نور شمس البر فلا داعي لنور الشموع (علم أو تنبؤ). متى جاء الكامل = ظهور شمس البر

 

آية 11 : - لما كنت طفلا كطفل كنت اتكلم و كطفل كنت افطن و كطفل كنت افتكر و لكن لما صرت رجلا ابطلت ما للطفل.

 (راجع في المقدمة " النمو في الحياة الروحية أو صعود درجات السلم الروحي"). ولنفهم ما يقصده الرسول يضرب لنا هذا المثل، قارن بين طفل في فهمه وادراكه، وبينه وهو رجل ناضج. هكذا سيكون الفارق بين إدراكنا الآن في هذه الحياة وإدراكنا في السماء الذي سيكون مكتملاً. وتبطل أمامه الصورة المشوهة التي نحن عليها الآن. فكلامنا الآن عن السماويات كأطفال يتكلمون عن أسرار القنبلة الذرية. حين يكبر هؤلاء الأطفال سيضحكون مما كانوا يفكرون فيه وهم أطفال. هذا هو الفارق بين الطفل والناضج. فالطفل يمثل مرحلة حياتنا على الأرض، والناضج يمثل من دخل للسماء فعلاً. والرسول يشير لثلاث قدرات للطفل (التكلم / الفطنة / التفكير) في مقابل المواهب الثلاث التي أشار إليها سابقاً في آية 8 وهى (الألسنة / التنبؤ / العلم) فالألسنة في مقابل التكلم والفطنة تشير لموهبة التنبؤ والتفكير والتأمل يشير للمعرفة والعلم.

 

 آية 12 :- فاننا ننظر الان في مراة في لغز لكن حينئذ وجها لوجه الان اعرف بعض المعرفة لكن حينئذ ساعرف كما عرفت.

يضرب الرسول مثلا آخر لتوضيح ما أراد عن نقص المعرفة الآن. في مرآة، المرايا في أيام بولس الرسول كانت من المعدن اللامع المصقول مكسو بالفضة، وهذه لا تقدم صورة حقيقية للأشياء (مثل المرايا الحالية) بل تقدم صورة مشوشة للوجه. وهذا معناه أن لنا الآن على الأرض معرفة بسيطة مشوشة من أمجاد وتسابيح وأفراح السماء. ولكن ما ندركه الآن كافٍ لأن نشتاق للسمائيات. نحن لن ندرك أسرار السماويات وسنكون كمن ينظر الآن في لغز غير قادر على حل هذا اللغز. أمّا في السماء فسنرى كل الأمور وجهاً لوجه فسنرى الله مباشرة. لذلك الآن نعرف جزءاً من الحقيقة، أما في السماء فسنعرف الحقيقة الكاملة سَأَعْرفْ كما عُرِفْتْ = الله يعرف الإنسان معرفة تامة كاملة فهو فاحص القلوب والكلى. ونحن في السماء سنعرفه مثل هذه المعرفة، فإذا كان من الآن لنا فكر المسيح، ولنا الروح القدس يحل فينا الذي يفحص كل شي حتى أعماق الله (1 كو 10:2، 16) فكم وكم سيكون لنا في السماء ومعرفتنا هذه ستتزايد يوماً فيوم . ما أمجد هذا.

 

آية 13 : - اما الان فيثبت الايمان والرجاء والمحبة هذه الثلاثة ولكن اعظمهن المحبة

كل هذا التغيير سيحدث في الحياة الأخرى. ولكن الآن يوصى الرسول بالثبات في الإيمان والرجاء والمحبة. وأعظمهن المحبة = لأن المحبة هي لغة السماء، نتعلمها على الأرض ونمارسها في السماء. لكن إلى حدٍ ما فالإيمان ينتهي دوره بعد أن نرى الله ونرى ما أعده لنا، سيكون مفهوم الإيمان في السماء هو الثقة في الله. والرجاء سينتهي دوره بعد أن ندخل فعلاًً إلى السماء، وسيكون مفهومه الجديد هو التطلع نحو أمجاد وخيرات جديدة كل يوم. فأمجاد وأفراح السماء هي بلا نهاية ولا نأخذها كلها مرة واحدة. أمّا المحبة فهي الأعظم، فمن قلبه مملوء محبة يقترب إلى الله ويقترب للكمال السماوى.

غير الناضج روحيا تكون مقاييسه مادية، فهو يتصور أن الله يحبه لو أعطاه نجاحاً مادياً وصحة وأموال، أمّا لو سمح الله له بتجربة " يتساءل ليه يارب ما أنا ماشى معاك ". أمّا الناضج روحيا فهو يفهم أن الله يحبه مهما كانت الظروف الخارجية، وأن الله صانع خيرات. إذاً هذه التجربة للخير، فيشكر الله عليها. الناضج يدخل لعمق فكر الله، ويكتشف محبته فيحبه، وبهذا يدخل للعمق أكثر وأكثر. وكلما دخل للعمق تزداد التعزيات الإلهية. فكم وكم سيكون في السماء حيث لا ألم، بل إكتشاف محبة الله اللانهائية وتذوق الأفراح والأمجاد الأبدية، فيكون التسبيح الدائم لله. فما نأخذه الآن من أفراح ما هو إلاّ عربون ما سنأخذه هناك. فلنطلب أن نمتلئ من الروح القدس الذي يهبنا الأفراح والتعزيات الآن كعربون ولنغصب أنفسنا على التسبيح، وربما يبدأ هذا أولاً بالتغصب، لكنه مع الوقت سيتحول لمصدر فرح، وأيضا كعربون لما نأخذه في السماء.

ثلاثية بولس الرسول، الأيمان الرجاء المحبة

هذه الثلاثية وردت أيضا في (اتس 3:1 + ا تس 8:5 + عب 10:6 12 + عب 22:10 24). ونجد أن الرسول قد عَرَّفَ الإيمان في " (عب 1:11) هو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى". وعَرَّفَ الرجاء في " (عب 18:6 20) لنمسك بالرجاء الموضوع أمامنا. الذي هو كمرساةٍ للنفس مؤتمنة وثابتة تدخل إلى ما داخل الحجاب. حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا" ومن هذا التعريف للرجاء الذي يُصَور فيه الرسول المؤمن في هذا العالم المضطرب، كمن في بحر مظلم، ولكن وجد نفسه ممسكاً بحبل مربوط في مرساة على الشاطئ، والذي ثبت المرساة وألقى الحبل هو يسوع الذي دخل إلى السماء لأجل أن يعد لنا مكانا. وما علىَّ الآن سوى أن أستمر في جذب الحبل (الجهاد السلبي أي الإمتناع عن الخطية والجهاد الإيجابي من صلاة وصوم وخدمة .) ولكن يكون هذا بإطمئنان ففي يدي حبل مربوط في الشاطئ الذي هو السماء. أما المحبة فتعريفها في هذا الإصحاح.

والإيمان هو الثقة بما يرجى. فنحن نرجو أن يكون نصيبنا هو المجد السمائى والإيمان هو الثقة بأن هناك قيامة للأموات، وحياة في الدهر الآتي. نحن نرجو أن يسندنا الله في موضوعٍ ما، فلماذا التردد في إتخاذ القرار. فالإيمان هو الثقة في أن الله لابد وسيبارك.

و في (اتس 3:1) نرى بولس الرسول يضع علامات تظهر هل نملك هذه الفضائل أم لا، فنجده يقول " متذكرين بلا إنقطاع عمل إيمانكم وتعب محبتكم وصبر رجائكم " فماذا يُظْهِرْ أن لك إيمان ؟ هذا إن كان لك أعمال صالحة. فمن يؤمن بالأمجاد المعدة في السماء، وبالميراث السماوى لن يتصارع على ميراث أرضى. ومن يؤمن بأن هناك دينونة لن يجرؤ على الإستمرار في خطية حتى لو أخطأ، بل يسرع مقدماً توبة.

بل هو لن يجرؤ أصلاً على فعل خطية. فالإيمان الحي يظهر في الأعمال. والمحبة الحقيقية تظهر في التعب من أجل الآخرين، هكذا ظهرت محبة المسيح في تجسده وصليبه. وظهرت محبة بولس للمسيح في أتعابه التي تحملها في كرازته وخدمته. والرجاء يظهر في الصبر على إحتمال الشدائد، فمن عينه على أمجاد السماء سيصبر على الضيقة الحالية. والصبر ليس هو البلادة الحسية ولا الشجاعة والإحتمال والبطولة، بل هو ناتج عن وجود رجاء. ومن (اتس 8:5) نرى فوائد الإيمان والمحبة فهما كدرع يحميان المؤمن من محاولات إبليس التشكيك في محبة الله إذا أصاب المؤمن ضيقة. والرجاء هو خوذة تحميني من خبطات الرأس أي اليأس والهم مهما إشتد الألم. فهذه هي طريقة إبليس أن يأتى وقت الشدة أي التجربة ويهمس في أذن الإنسان بأن الله قاسى ولقد تخلى عنه، وإلاّ فلماذا سمح بهذه التجربة المؤلمة. والمؤمن الواثق في أن الله صانع خيرات، والواثق في محبة الله له يرد قائلاًً . الله لا يصنع سوى الخير. لذلك نسمع قول الرسول " فلنصحُ لابسين درع الإيمان والمحبة ". وهما درع لأنهما يحميان صاحبهما من الشك في محبة الله وبالتالي في الإعتراض على أحكامه والتصادم معهُ. وهنا يخسر المؤمن

1) سلامه وفرحه

2) لن يستفيد من التجربة التي سمح بها الله، فكل تجربة لها هدف وهو كمال الإنسان

3) ربما يخسر أبديته …… وهذه هي أهداف إبليس. أمّا الرجاء فقال عنه الرسول وخوذة هي رجاء الخلاص (1 تس 8:5). فالمؤمن بدون رجاء معرض لفقدان سلامه ومعرض لليأس، ولأن يحيا في هم فاقداً فرحه، ولكن من لهُ رجاء في مجد وأفراح السماء فستكون عينه على السماء، ولن يخسر فرحه وسلامه أبداً.


الإصحاح الرابع عشر

 

في هذا الإصحاح يعالج بولس الرسول موضوع التكلم بألسنة ويعقد مقارنة بين موهبة الألسنة والتنبؤ وأيهما أكثر نفعا لبنيان المؤمنين. وموضوع الألسنة من أعقد أمور الكنيسة الأولى وأغمضها، فهذه الظاهرة انتهت بإنتهاء كنيسة الرسل. ظهرت يوم الخمسين ومع شعب أفسس ومع كرنيليوس وتكلم عنها بولس هنا فقط (أع 2 : 1 – 13 + 46:10 + 1:11 18 +1:19 6). أمّا يوم الخمسين فلقد تكلم الرسل بلغات متعددة كآية لجمهور المجتمعين وإعلاناً للرسل أن يذهبوا ويكرزوا للعالم كله فيفهمهم الشعوب أثناء كرازتهم، ولذلك نجدهم قد تفاهموا مع سامعيهم بلغاتهم الخاصة (أع 37:2) وفى حادثة كرنيليوس. كان هذا علامة على قبول الله للأمم وفتح باب الخلاص لهم، فلقد فهم بطرس من تَكَلُمْ كرنيليوس بألسنة أن ما حدث للرسل حدث للأمم. كلاهما أخذ نفس الموهبة. وفى يوم أفسس كانت الألسنة آية لمن نالوا الروح القدس، بعد أن قالوا ولا سمعنا أنه يوجد روح قدس وبهذا فهموا أن حلول الروح القدس قد أعطاهم مواهب. من كل هذا نفهم أن هذه الموهبة كان هدفها غير المؤمنين، لذلك قال بولس الرسول " أنها آية لغير المؤمنين " (1 كو 22:14) لذلك لم نسمع عن الألسنة بعد الكنيسة الأولى. ومن بعد دخول المسيحية إلى مصر حتى الآن لم نسمع عن موهبة ألسنة كانت لأحد من الأباء القديسين.

أما ما يصنعة الخمسينيون الآن فهو بلا أدني هدف أو حكمة إلهية ؛ ولا يعدو أن يكون حركات هستيرية مفتعلة :-

1) فلقد حققت موهبة الألسنة غايتها بقبول الأمم، فلا داع الآن لهذه الموهبة. لا يوجد شعب بلا كارز بلغته، فلا إحتياج لآخر من الخارج يكلمهم بلسانهم. فالمسيحية انتشرت في كل العالم.

2) الانفعالات التي تصاحب الألسنة عندهم تتنافى مع الروح الوديع الهادي الذي للمسيح. والمسيحي مملوء سلام وهدوء.

3) بولس يدعو لتمييز الأرواح (1كو 10:12) وهذا يعنى تقييم الكلام الذي نسمعه لنحكم على صحته. فكيف يتم هذا مع وجود ألسنة غير مفهومة.

4) الكبرياء تنشئ بلبلة وألسنة غير مفهومة، كما حدث في بابل (تك 1:11 9) أما المحبة فتعطى فهما لبعضنا البعض كما حدث يوم الخمسين.

5) كيف يرى الرسول هذه الموهبة من واقع هذا الإصحاح :-

أ) " لا تكونوا أولاداً في أذهانكم آية 20 " فمن يسعى وراء موهبة استعراضية مازال في مرحلة طفولة روحية. أمّا الناضج روحياً فيسعى وراء ما يبنى قابلاً الصليب.. فالمسيحي ليس طريقه الإبهار والبهرجة والمظهريات بل قبول الصليب.

ب) " أفلا يقولون أنكم تهذون آية 23 " من يراكم وأنتم في هذا الوضع تتكلمون بألسنة غير مفهومة سيقول أن هذا نوع من الجنون. فهل هذه طريقة للبنيان؟ المطلوب أن نبنى السامع آية 9+ آية 24 + آية 16

ج) " الألسنة آية لغير المؤمنين آية 22 " فما فائدتها أذن للمؤمنين.

6 ليس معنى هذا أن الرسول ينكر موهبة الألسنة، ولكن يفضل المواهب التي تبنى، وعلى أن تكون لهذه الموهبة استعمال الآن ولكن ما فائدة الألسنة الآن

7- إذا أعطى الله المؤمن موهبة ألسنة، وصلى بهذا اللسان، فمن المؤكد أنه سيفرح لأن أي عمل للروح في إنسان سيجعله يفرح... ولكن أيضاً أن صلى المؤمن بلسانه العادي سيفرح

8 الله يتدخل بطريقة معجزية ليعمل ما نعجز نحن عن عمله بالطريقة العادية فإذا كان يمكن للكارز أن يتعلم لغة الشعب الذي يكرز لهُ فلماذا الموهبة ؟ الله أعطى للتلاميذ هذه العطية فهم كانوا صيادين بسطاء وسيرسلهم الله لكل العالم، فكيف يكلمون العالم سوى بلسانه. أمّا في أيامنا فنجد أن واحداً مثل الأنبا انطونيوس مر قس أسقف أفريقيا قد عَلَّمَ نفسه اللغات الإفريقية وترجم لهم كتب الكنيسة.

9 الكنيسة تحتاج لألسنة ولكن ليس كما يفهمها الخمسينيون، فالكنيسة تحتاج لمن يكلم المتألم بكلام تعزية، ويكلم المستهتر بلسان تبكيت ويكلم اليائس بكلام تشجيع هكذا كلم بولس أغريباس الملك بلسان غير فيلكس. فأغريباس الملك كان رجلاً عارفاً بالناموس، لذلك كلمهُ الرسول بولس من واقع الناموس، أمّا فيلكس الوالي الذي يحيا في الخطية، فكلمهُ بولس عن البر والتعفف والدينونة حتى أنه إرتعب (أع 1:26 23 + أع 24:24 ؛ 25). وهذا ما كان يعنيه بولس الرسول بقوله " صرت لليهود كيهودي . صرت للكل كل شئ لأخلص على كل حال قوماً " (ا كو 20:9 22)

عموماً فالكنيسة لا تعترض على أن تكون هناك موهبة ألسنة، على أن يكون لها فائدة لبناء الكنيسة. وكانت موهبة الألسنة تنفيذاً لوعد السيد المسيح فى (مر 17:16)

 

آية 1 : - اتبعوا المحبة و لكن جدوا للمواهب الروحية و بالاولى ان تتنباوا.

اتبعوا المحبة = إذا كانت المحبة أعظم الفضائل، وتملأ القلب سلام وفرح وهى عربون الحياة السماوية. فعليكم أن تطلبوا المحبة أولاً ولا تفضلوا عليها شيئا آخر. ولكن جدوا للمواهب الروحية = لا مانع أن تجتهدوا لتمتلكوا مواهب للخدمة وللبنيان، ولكن بدون محبة ستصبح الموهبة سبب كبرياء وغيرة وحسد. وأول وأهم موهبة هي التنبؤ فبها تعلمون الآخرين، وهذا أفضل من التكلم بلسان لا يفهمه أحد. والتنبؤ هو توصيل الحق الذي يريده الله، الذي أعلنه لمن يتنبأ للآخرين سواء بوعظ أو نبوة عن المستقبل فكلاهما يتكلم عن السماء وكيفية الوصول إليها. ولاحظ أنه عن المحبة يقول إتبعوا = أي كلكم. فالمحبة يجب أن تكون في الكل، فبدون محبة أنا لست مسيحياً. أما بالنسبة للمواهب فيقول جدوا = أي حاولوا. والله سيعطيني الموهبة التي أتمم بها العمل الذي يريده منى. علىَّ أن أطلب الموهبة لمجد الله وليس لمجدي الشخصي. لذلك علينا أن لا نطلب موهبة معينة، بل أن نمجد الله، لذلك هناك من يبحث عن الخدمات الخفية. وعموماً فالكل بمواهبه يتكامل في الكنيسة ليتمجد إسم المسيح.

 

آية 2 :- لان من يتكلم بلسان لا يكلم الناس بل الله لان ليس احد يسمع و لكنه بالروح يتكلم باسرار.

أن موهبة التنبؤ أفضل من موهبة التكلم بألسنة، هذه التي كانوا يشتهونها في كورنثوس. لأن من يتكلم بلسان لا يستفيد منه الناس شيئاً، فلا أحد يفهم ما يقوله = لا يكلم الناس بل الله = والله يمكن أن نكلمه بأي لغة حتى اللغة الأصلية لنا، وإذا كنت تكلم الله فلماذا تكلمه بصوت عالٍ، كلم الله في السر، لكن كلم الناس بما يفيدهم علناً. بدون ترجمة يكون اللسان أشبه بحديث خاص مع الله لا يستفيد منه أحد شيئاً ولن يفهمه أحد = ليس أحد يسمع. أذن فالأفضل أن يكلم الله في السر أو بنفس لغته الأصلية ولا داَعٍ للسان. أمّا لو وُجِدَ وسط شعب غريب مرسل لكرازتهم فليكلمهم بلغتهم وهذه فائدة موهبة الألسنة. أمّا لو وُجِدَ في وسط شعبه والله أعطاه هذه الموهبة ففائدتها أن الله يريد أن يرسله لشعب آخر للكرازة. لكن بينما هو ما يزال وسط شعبه، وعَمِل فيه الروح فيكون هذا ليعلن له أسرار وحقائق إلهية = ولكنه يتكلم بالروح وأسرار = أي أن الألسنة ليست للنشوة الروحية أو هي ليست مجرد أصوات غير ذات معنى. هنا الرسول لا يلغى الموهبة، لكنه يحدد طريقة التعامل معها

1)     أن كانت الكلمات هي صلوات فليكلم بها الله سرا

2)      لو كانت أسرار إلهية معلنة للناس فليترجم ليستفيد الناس ويسمعوا.

وهذا ما حدث يوم الخمسين إذ تكلم بطرس، وترجم الباقين لكل اللغات ففهم كل السامعين، كل واحد بلغته.

 

آية 3 :- واما من يتنبا فيكلم الناس ببنيان ووعظ وتسلية.

النبوة هنا هي تعليم الآخرين بكلام مفهوم للبنيان = أي ماذا يبنى علاقتهم بالله وينميها ويعمقها. وعظ = تخويفهم من نتائج الخطية وشرح الممارسة العملية للحياة الإيمانية. تسلية =COMFORT أي راحة وتعزية، ليشعر المتألم براحة وسط آلامه بتجارب هذه الحياة. وفتح أبواب الرجاء أمامه.

 

آية 4:- من يتكلم بلسان يبني نفسه واما من يتنبا فيبني الكنيسة.

يبنى نفسه = بكل تأكيد من يتكلم بلسان يشعر بعمل الروح القدس فيه وفاعليته التي تلهب نفسه الباطنة وبهذا يبنى نفسه، فأي موهبة تبنى صاحبها. ولكن حسب تعاليم السيد المسيح فمن أراد أن يصلى (سواء بلسان أو بلغته الأصلية) فليدخل إلى مخدعه ويصلى سراً (مت 5:6 8) حتى لا تكون الصلاة مظهريات تدخل الكبرياء للقلب. وأمّا من يتنبأ فيبنى الكنيسة = لذلك إعتبر التكلم بألسنة هو أقل الدرجات في المواهب الروحية لأنها تستهدف الذات (طالما لم يذهب للشعوب) ولا يترتب عليها بنيان الكنيسة. (راجع أية 28) وفيها نرى صاحب اللسان إن لم يكن يترجم فليصمت في الكنيسة وليكلم نفسه والله

 

آية 5:- اني اريد ان جميعكم تتكلمون بالسنة ولكن بالاولى ان تتنباوا لان من يتنبا اعظم ممن يتكلم بالسنة الا اذا ترجم حتى تنال الكنيسة بنيانا.

الرسول يقيس أفضلية المواهب على قياس المحبة، لذلك يطلب لهم المواهب التي فيها نفع للآخرين مثل التنبؤ. والرسول لا يلغى الألسنة، لكنه يفضل أن يكون معها ترجمة ليستفيد الكل من إعلانات الله. هذا إذا كان الواعظ من بلد آخر ولا يعرف لساننا، ولكن ما معنى أن يتكلم واحد من كنيستي له نفس لساني بلسان آخر ثم يترجم له أحد. وقد يكون هذا في أيام الكنيسة الأولى حين كان الله يعد رسلاً وخداماً ليذهبوا إلى كنائس بعيدة.

 

آية 6:- فالان ايها الاخوة ان جئت اليكم متكلما بالسنة فماذا انفعكم ان لم اكلمكم اما باعلان او بعلم او بنبوة او بتعليم.

هنا يطبق الرسول المبدأ على نفسه، فهو لن يكون نافعاً لهم إن لم يكلمهم بلسان مفهوم. بإعلان = كشف عن أسرار إلهية خفية فائقة المعرفة. علم = تعليم عقائد أو وعظ أو تفسير ما يبدو غامضاً. تعليم = تقديم مبادئ مسيحية واضحة.

 

آيات من 7-9 :- الاشياء العادمة النفوس التي تعطي صوتا مزمار او قيثارة مع ذلك ان لم تعط فرقا للنغمات فكيف يعرف ما زمر او ما عزف به. فانه ان اعطى البوق ايضا صوتا غير واضح فمن يتهيا للقتال. هكذا انتم ايضا ان لم تعطوا باللسان كلاما يفهم فكيف يعرف ما تكلم به فانكم تكونون تتكلمون في الهواء.

الرسول يستخدم أمثلة ليشرح لهم ما يريدهم أن يفهموه.

الأشياء العادمة النفوس = أي التي لا حياة فيها، أي الجماد، وهنا يقصد الآلات الموسيقية. ويقول الرسول حتى هذه لها لغة مفهومة، فهناك موسيقى هادئة تُهدئ النفس، وهناك موسيقى للحزن وموسيقى للفرح. والبوق أيضاً = له معاني لكل صوت، فهناك صوت حين يُسمع يتهيأ المحاربون للقتال، وهناك صوت للتجمع وصوت للاستيقاظ. أمّا لو أعطت هذه الآلات نغمة واحدة أو نغمات عشوائية فلن يفهمها أحد، بل ستثير السامعين (كأن أعطى بوق لطفل) فان كانت هناك لغة مفهومة تخرج من الآلات عادمة النفوس، فبالأولى على البشر ذوى النفوس الحية أن تكون لهم لغة مفهومة. العزف بلا معنى لا يُطرب أحد، كذلك اللسان إن لم يكن مفهوماً يصير مثل عدمه. تتكلمون في الهواء = أي بلا جدوى. إذاً إن لم تعطوا باللسان المعجزى الذى وهب لكم كلاماً يفهمه السامعون فكأنكم تتكلمون بلا جدوى. إن صدر من البوق صوت عشوائي فلن يفهم أحد ما الذي سيفعله، ومن يتكلم إذن بلسان غير مفهوم يكون كبوق عشوائي لا يؤدى المهمة المرجوة منه. فرقاً للنغمات = أي نغمات متمايزة يخرج منها قطعة موسيقية لها معنى.

 

آيات 10-12 :- ربما تكون انواع لغات هذا عددها في العالم وليس شيء منها بلا معنى. فان كنت لا اعرف قوة اللغة اكون عند المتكلم اعجميا و المتكلم اعجميا عندي. هكذا انتم ايضا اذ انكم غيورون للمواهب الروحية اطلبوا لاجل بنيان الكنيسة ان تزدادوا.

الأعجمي = هو من يتكلم لغة غير مفهومة أو الذى لا يفهم اللغة التي يسمعها. والمعنى أن هناك لغات كثيرة لها معنى عند من يتكلمها ولكنها بلا فائدة بالنسبة لي لأنني لا أعرف هذه اللغات وأفهم معناها = أعرف قوة اللغة. فهناك لغات قوية تجد فيها الكلمات متعددة لتعبر عن كل شئ بتدقيق، فمثلا كلمة حب بالعربية تقابلها 3 كلمات في اليونانية (راجع مقدمة الإصحاح السابق). ولو أمامي كتب علمية قيمة جداً لكنها بلغة لا أعرفها فستكون بلا فائدة بالنسبة لي، ولكن هذا لا يمنع أن بها معلومات ذات نفع لكن ليس لي. فأنت يامن تتكلم بلسان، ما الفائدة التي ستعود على من يسمعك وهو لا يفهم ما تقول. نصيحة الرسول لهم أن يطلبوا كغيورون أن يزدادوا في المواهب التي تبنى الكنيسة وليس المواهب التي تمجد الشخص، كالألسنة التي لا يفهمها أحد.

 

آية 13 :- لذلك من يتكلم بلسان فليصل لكي يترجم.

على من له موهبة اللسان ويتكلم بكلام غير مفهوم، فليصلي أن يعطيه الله أن يترجم ليفهمه الناس. وهذا وضع خاص بالكنيسة الأولى، إذ كان الله يعطى الألسنة للبعض حتى ينطلقوا لبلاد أخرى. وهذه الآية تشير لمن وجد في نفسه الموهبة، ووجد نفسه يتكلم بلسان وسط الناس، قبل أن يغادر الكنيسة إلى البلد الذى يريده الله أن يذهب إليه.

 

آية 14 :- لانه ان كنت اصلي بلسان فروحي تصلي واما ذهني فهو بلا ثمر.

الرسول هنا يرد على تصورات خاطئة لدى أهل كورنثوس، فهم يريدون هذه الموهبة، أن يصلوا بألسنة غير مفهومة ويشعروا بنشوة أو تفوق على من لا يصلى بلسان (والنشوة والتلذذ بالصلاة يحدثان أيضا لو صليت بلسان مفهوم أي اللسان الذى وُلِدتْ فيه). إن كنت أصلى بلسان فروحي تصلى = هذا كلام أهل كورنثوس وليس رأى الرسول. بل الرسول يوضح لهم أن هذا لهو أسلوب خاطئ، فلا معنى أن أصلى بروحي دون أن افهم ما أقول = ذهني فهو بلا ثمر فلا معنى أن أكون خاضعا تحت تأثير وفاعلية الروح، بينما العقل غير مدرك ما يُقَال، ويظل العقل بدون نفع أي بدون ثمر إذ لا يشترك مع النفس في الموهبة. وخطأ أن نتصور أن الله يعطى موهبة أن يتكلم إنسان بلسان لا يفهمه هو نفسه فحتى الوحي هو عبارة عن فكر ألهى مُعَبَّراً عنه بلغة الإنسان، فالوحي لم يلغ عقل النبي أو الكاتب. لذلك فأسلوب إشعياء المثقف يختلف عن أسلوب عاموس الراعى. وأسلوب بولس يختلف عن أسلوب يعقوب الصياد. فالوحى لا يلغى المواهب الخاصة في الكتابة واللغة. فالفكر هو فكر الله والأسلوب والصياغة هما للكاتب ويستغل فيهما خبراته وثقافته. على أن الوحى أيضاً يعصم الكاتب من الخطأ. ونحن نفرق بين الوحى والإملاء (2 بط 20:1،21) فان كان الوحى المقدس الذى يقتضى التعبير الدقيق لم يلغ عقل الإنسان، فيستحيل أن تأتى هبة من الروح في آخر الأيام لتلغى عقل الإنسان وتجعله يقول ما لا يفهم متوهماً أنه يصلى بالروح. ولا يصح أن يعطى الله الإنسان أن يصلى كلاماً لا يفهمه ولا يعيه هو نفسه، بل إن الشيطان سيستغل هذا الوضع، ويضع كلمات هرطقة مثل يسوع أناثيما (1كو3:12). المظهريات تقود للكبرياء. والكبرياء يقود الإنسان ليلعب به الشيطان ويجعله يخطئ في الله. أمّا من حل عليهم الروح القدس في الكتاب فكانوا يحدثون بعظائم الله (أع11:2+46:10) أو كانوا يتنبأ ون مثل أهل أفسس (أع 6:19). ولم نسمع في الكتاب المقدس عمن تكلم دون أن يعي ما يقول. فتعظيم الله يعنى تسبيح على عظائم الله وتمجيده وشكره، فهل هذا يتم دون وعى. والتنبؤ يعنى كلام مفهوم بوعظ أو نبوات.

 

آية 15 :- فما هو اذا اصلي بالروح واصلي بالذهن ايضا ارتل بالروح وارتل بالذهن ايضا.

هذا هو الوضع السليم الذى يقبله الله أنه حينما أصلى بالروح يكون ذهني واعياً وفاهماً لما أقول، فالموضوع ليس غيبوبة روحية، بل أن أكون مفهوماً عند السامعين، وفى اتصال ذهني معهم، وتكون العبادة مفهومة للمشتركين فيها.

 

آية 16 :- و الا فان باركت بالروح فالذي يشغل مكان العامي كيف يقول امين عند شكرك لانه لا يعرف ماذا تقول.

باركت بالروح = باركت أي تسابيح شكر لله. وباركت بالروح أي بمفهومكم يا أهل كورنثوس، أنكم تسبحون الله بكلام غير مفهوم كموهبة من الروح القدس فان سمعك العامي = أي من ليس له مواهب روحية خاصة ومعرفته محدودة، مثل هذا حينما تشكر أو تسبح بلسان كيف يقول آمين = أي فليكن هذا، إن لم يفهم ما تقول. من هنا نفهم أن المهم في العبادة المشتركة أن يكون هناك شركة بين من يصلى أو يرتل أو يعظ وبين السامعين. يجب أن يكون المصلى مفهوماً لدى السامع لتحدث الشركة ويقول آمين = أي يسبح الله ويشكره معك

 

آية 17:- فانك انت تشكر حسنا ولكن الاخر لا يبنى.

لو كنت تشكر بلسان غير مفهوم، فأنت وحدك تصلى وتشكر حسنا = لكن بلا بناء للسامعين.

 

آية 18:- اشكر الهي اني اتكلم بالسنة اكثر من جميعكم.

ربما كموهبة أو لثقافته العالية. وغالباً المعنى انه يتكلم بألسنة كدارس لأنه لم يفهم اللغة الليكأونية (أع 10:14- 14)

 

آية 19 :- و لكن في كنيسة اريد ان اتكلم خمس كلمات بذهني لكي اعلم اخرين ايضا اكثر من عشرة الاف كلمة بلسان.

تفهم الآية هكذا أنا أفضل أن أتكلم في كنيسة خمس كلمات مفهومة وأعلمها للآخرين، عن أن أكلمهم عشرة آلاف كلمة بلسان. فقوله أتكلم خمس كلمات بذهني = أي أدركها بعقلي وأُعَلّمْ الآخرين بما أدركته. أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسان = أكثر هنا معناها هذا أفضل من أن أتكلم 10000 كلمة بلسان، فهذا لن يبنى السامعين. الرسول في الكنيسة يخرج من ذاته ويكون شغله الشاغل بنيان الناس إن في صلاة أو في وعظ.

 

آية 20 :- ايها الاخوة لا تكونوا اولادا في اذهانكم بل كونوا اولادا في الشر و اما في الاذهان فكونوا كاملين.

لا تكونوا أولاداً في أذهانكم = ما يطلبونه من مواهب ألسنة ما هو إلاّ أحلام طفولة، فالأطفال يفرحون بالشيء المزخرف في ظاهره حتى وإن كان بلا فائدة. ولاحظ أنه يصفهم بالإخوة قبل كلامه عنهم أنهم أولاداً في تصوراتهم حتى لا يغضبوا منه قبل أن يوجه لهم نصيحته. ومعنى كلامه أن التَعَلُقْ بالألسنة من صفات الأطفال لما يحيط به من مظاهر مبهرة. وإن أردتم أن تكونوا أولاداً فكونوا هكذا في الشر، وهذا ما قاله السيد المسيح (مت 3:18). أي تتصرفوا بالبراءة التي يتصف بها الأولاد وكذلك في إخلاصهم، وبلا مكر ولا خداع.أما في الأذهان فكونوا كاملين = فالطفل لا يكون بعد قادراً على الفهم، أي أن الرسول يريد أن موهبة الألسنة تكون مرتبطة بالفهم والإدراك. فكاملي الذهن هم من يبحثوا عن كل ما يبنى الآخرين ويبنى حياتهم.

 

آية 21 :- مكتوب في الناموس اني بذوي السنة اخرى وبشفاه اخرى ساكلم هذا الشعب ولا هكذا يسمعون لي يقول الرب.

مكتوب في الناموس = لفظ الناموس يشير لكل العهد القديم. أمّا النبوة التي يشير لها بولس الرسول فهي من (أش 11:28-12). ومعنى النبوة أن الله أرسل لهم أنبياء يكلمونهم بلسانهم فلم يسمعوا لهم، فهاهو سيرسل لهم أشور وهى أمة تذلهم لتؤدبهم وهم (أي أشور) يتكلمون بلسان غريب عنهم ومع هذا لن يسمعوا والمقصود بكلام الرسول :-

1)     بهذا تصبح الألسنة علامة للدينونة، فشعب إسرائيل سيعاقب بوجوده وسط شعب غريب اللسان لانهم رفضوا أن يسمعوا وصايا الله.

2)  كأن الرسول يريد الربط بين معاناة إسرائيل من لغة الغزاة الغريبة و بين سلوك المؤمن البسيط إذا ما رأى الكاملين يتكلمون بلسان غريب لا يفهمه، فكلا الموقفين يحمل في طياته معاناة من اللسان الغريب لعدم القدرة على الاستيعاب والإحساس بالغربة والإنعزال.

3)  أن الله سيكلم الشعب بلسان غريب وأن الشعب حتى بهذا لن يستمع فإذا كان الشعب لن يستمع للسان أرسله الله، فما فائدة الألسنة التي تتمسكون بها

 

آية 22: - اذا الالسنة اية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين اما النبوة فليست لغير المؤمنين بل للمؤمنين.

إذاً = هي ليست عائدة على آية 21 بل على كل ما مضى. فإذا فهمتم أن الألسنة لا فائدة منها لكم كمؤمنين، لأن ما يفيدكم هو النبوة. لذلك عليكم أن تفهموا أن الله أعطى موهبة الألسنة لنكلم بها غير المؤمنين بلسانهم ونلاحظ أن الثلاث مرات التي ظهرت موهبة الألسنة فيها كانت لغير المؤمنين، فالله أعطى الرسل ألسنة يوم الخمسين ليكرزوا لغير المؤمنين في كل العالم. وبالنسبة لكرنيليوس وأهل أفسس فكانت الألسنة علامة على قبولهم

 

آيات 23، 24 :- فان اجتمعت الكنيسة كلها في مكان واحد وكان الجميع يتكلمون بالسنة فدخل عاميون او غير مؤمنين افلا يقولون أنكم تهذون. ولكن ان كان الجميع يتنباون فدخل احد غير مؤمن او عامي فانه يوبخ من الجميع يحكم عليه من الجميع.

لو كنتم تتكلمون بألسنة كلكم ودخل عاميون = لا يعرفون شيئاً عن المواهب، أفلا يتوهمون أنكم تهذون. العامي هنا هو من له درجة من الإيمان ولكن لم يصل بعد إلى حد التمتع بالمواهب. ومن هنا نلاحظ أن العامي لو دخل مكان فيه مؤمنون يتنبأ ون، فإن ما يسمعه سيبكته ويتعلم منه. أمّا لو دخل إلى مكان يتكلمون فيه بألسنة فسيتعثر فيهم

 

آية 25:- و هكذا تصير خفايا قلبه ظاهرة وهكذا يخر على وجهه ويسجد لله مناديا ان الله بالحقيقة فيكم.

هذا يشبه من يسمع عظة ويأتى للواعظ ويقول لهُ " من قال لك ذلك عنى " لأنه يتصور أن الواعظ يعرف عنه كل شئ، ولكن الواعظ قطعاً لا يعرف عنه شيئا، إنما هو عمل الروح القدس.

 

آية 26 :- فما هو اذا ايها الاخوة متى اجتمعتم فكل واحد منكم له مزمور له تعليم له لسان له اعلان له ترجمة فليكن كل شيء للبنيان.

الرسول يريد أن كل المواهب تخدم من أجل البنيان.

مزمور = صلاة ملهمة بالروح القدس، ولقد تعودت الكنيسة على صلوات المزامير في اجتماعاتها، وربما يقصد الرسول الصلوات التي يهبها الروح للمؤمنين فالصلوات هي ضمن عطايا الروح القدس ليمجد الله بها ومن أمثلتها التسبحة والألحان والترانيم (كو 16:3) تعليم = شرح حقائق الإيمان بالهام خاص من الروح القدس لسان = موهبة الألسنة ولكن بطريقة بناءة. إعلان = ملهم بإعلان جديد أو نبوة أو كشف يخبر به السامعين.الترجمة = أي القدرة على تفسير الألسنة. إذاً ليكن كل شي للبنيان.

 

آية 27 :- ان كان احد يتكلم بلسان فاثنين اثنين او على الاكثر ثلاثة ثلاثة وبترتيب وليترجم واحد.

فإثنين إثنين = حتى لا يحدث تشويش. ولكن نفهم أن المؤمن الذى له موهبة الألسنة له القدرة على التحكم فيها. أمّا الذين فيهم روح دنس فلا يمكنهم التحكم في أنفسهم. وبترتيب = أي يتكلم الواحد بعد الآخر وليس في وقت واحد فيحدث التشويش. وللبنيان فليترجم واحد.

 

آية 28:- و لكن ان لم يكن مترجم فليصمت في الكنيسة وليكلم نفسه والله.

حتى لا يكون الموضوع فيه ناحية استعراضية، فليكلم نفسه = إن كان في هذا تعزيته. ويكون الله سامعاً له. ولا يرفع صوته ليسمعه أحد، فلن يفهمه أحد

 

آية 29 :- اما الانبياء فليتكلم اثنان او ثلاثة و ليحكم الاخرون.

فليتكلم الأنبياء ويعظوا ويستمع لهم الآخرين ويميزوا بما لهم من موهبة تمييز الأرواح، هل هذا الكلام من الله أم لا (ا يو 1:4-3).

 

آية30 :- و لكن ان اعلن لاخر جالس فليسكت الاول.

إن حدث أن أعطى لأحد من المؤمنين الآخرين إعلان أو كشف، أي إذا تحرك أحد المؤمنين بواسطة نعمة الروح القدس وكشف له الروح القدس شيئاً. فعلى المتكلم أن يسكت ليعطى فرصة للآخر أن يتكلم. وبترتيب وبلا تشويش

 

آية 31 :- لانكم تقدرون جميعكم ان تتنباوا واحدا واحدا ليتعلم الجميع ويتعزى الجميع.

يمكن للمؤمنين أن يتعبدوا ويعلموا ويتنبأوا ولكن بنظام. وكل واحد يكمل بتعليمه، تعليم الآخر، فالروح يعمل في الكل.

 

آيات 32، 33 :- و ارواح الانبياء خاضعة للانبياء. لان الله ليس اله تشويش بل اله سلام كما في جميع كنائس القديسين.

الرسول يؤكد بوضوح قدرة المؤمن أو النبي على أن يتحكم في موهبته، أي يستطيع الأنبياء أن يقفوا عن التنبؤ لأجل أن تعطى الفرصة للآخرين. أي في حالة إذا كانت النبوة من الله تكون أرواح الأنبياء خاضعة لهم، أي لا يغيب ذهنهم بل يكونون متحكمين في أنفسهم، أمّا من تحركهم الشياطين فلا يمكنهم التحكم في أنفسهم. فالله يعطى الموهبة ومعها الضابط حتى لا ينحرف بها الإنسان أو يجرفه الشيطان بعيداً عن هدفها الأصيل. والله وضع أن تخضع موهبة التنبؤ للأنبياء. فالله الذى يهب هذه الموهبة هو ليس إله تشويش (أصل الكلمة يعنى ضجيج) بل إله سلام. وعلى ذلك فيجب أن يسود النظام و السلام جميع الكنائس المسيحية في كل مكان.

 

آيات 35:34 :- لتصمت نساؤكم في الكنائس لانه ليس ماذونا لهن ان يتكلمن بل يخضعن كما يقول الناموس ايضا. و لكن ان كن يردن ان يتعلمن شيئا فليسالن رجالهن في البيت لانه قبيح بالنساء ان تتكلم في كنيسة.

يبدو أن الوضع في كورنثوس كان فيه كثير من الجدل بخصوص وضع النساء. فيبدو أن النساء حاولن تقليد الرجال في كل شي وتغافلن عن وضعهن، ورفضن الخضوع لرجالهن، بل إتخذن موقف المعلم في الكنيسة بطريقة مظهرية وأحدثن ضجيجاً. والرسول رأى أن الوضع الإنجيلي السليم أن تصمت النساء في الكنائس، ويخضعن لرجالهن (لذلك ففي الكنيسة تقتصر الوظائف الكهنوتية على الرجال). والرسول لا يطلب أن تصمت النساء بصورة مطلقة فهو في (5:11) قال أن المرأة تصلى وتتنبأ، لكن الرسول طلب منع حب الظهور والتشويش وخضوع المرأة لرجلها فالرجل رأس المرأة.

 

آية 36 :- ام منكم خرجت كلمة الله ام اليكم وحدكم انتهت.

عبارة فيها توبيخ، إذ يبدو أنهم في كورنثوس خرجوا على الأسس التي تنظم العبادة الجماعية وكان هناك تشويش. وكأن الرسول يقول لهم هنا من أنتم حتى لا تذعنوا للحق الذى أُعلم به هل أنتم أصل الكرازة بالإنجيل = منكم خرجت كلمة الله. بل أنتم مجرد حقل واحد من حقول الكرازة. أم إليكم وحدكم انتهت = يرجع لكم الحق في ترتيب العبادة في الكنيسة. المعنى . هل لا يوجد مؤمنون إلاّ بينكم " ما فيش حد غيركم يعرف كلمة الله " هل لا يتم ترتيب أمور الكنيسة إلاّ بالاعتماد عليكم. انتهت = أي لم تصل إلاّ إليكم فيكون لكم الحق في ترتيب الأمور كلها كما يتراءى لكم.

 

آية 37:- ان كان احد يحسب نفسه نبيا او روحيا فليعلم ما اكتبه اليكم انه وصايا الرب.

من هو نبي حقيقي سيدرك أن ما أكتبه إليكم هو الحق وهو وصايا الرب.

 

آية 38 :- و لكن ان يجهل احد فليجهل.

أى كل واحد حر أن يطيع أو يظل في عدم طاعته جاهلاً بما هو حق، وليتحمل كل واحد مسئولية نفسه ومسئولية تجاهله لما أقوله.

 

آية 39 :- اذا ايها الاخوة جدوا للتنبوء و لا تمنعوا التكلم بالسنة.

هذا ملخص تعاليم الرسول، فهو لم يلغ الألسنة ولكنة يفضل التنبؤ.

 

آية 40 :- و ليكن كل شيء بلياقة و بحسب ترتيب

لياقة وترتيب = فلتمارس كل الأعمال في الكنيسة بجدية ووقار وترتيب حسن.


الإصحاح الخامس عشر

 

قبل الإيمان بالمسيحية إنتشرت في كورنثوس المبادئ الفلسفية اليونانية التي رفضت فكرة القيامة، بل حتى الصدوقيون من اليهود الذين كان في أيديهم الكتاب المقدس رفضوا فكرة القيامة، ولم يفهموها. فكانت هناك 3 مدارس نادت بعدم وجود قيامة.

1)  الصدوقيون (أي طغمة الكهنوت عند اليهود) + الآبيقوريون الوثنيون :- وقال كلاهما أن الإنسان ينقطع وجوده بعد الموت بالكلية، وأن أي فكر آخر ليس سوى نتاج غرور الإنسان ورغبته في تخليد نفسه.

2)   الرواقيون :- قالوا أن النفس أو الروح تذوب في محيط الألوهية الذي خرجت منه مثل إبتلاع قطرة مياه في المحيط الكبير، وهكذا تنتهى ذاتية الفرد ويفنى.

3)  تلاميذ أفلاطون : نادوا بدوام الذاتية وخلود الروح ولكنهم كانوا يرون في المادة أساس الشر، والعائق الوحيد بين النفس والصلاح المطلق، وعلى ذلك فلا خلود حقيقي إلاّ بالتحررالكامل من ربط المادة، فحينما تتحرر النفس من هذا الجسد الخبيث ومن تأثيره القاسي المفسد كسجن معطل، يكون هذا هو الخلود بعينه.

 لذلك كانت عقيدة القيامة عقبة كبيرة في سبيل إنتشار الإنجيل في بداية المسيحية (أع 1:4، 2 + 17:5 +32:17 + 6:23 9 + 1 كو 12:15). لذلك حين علم التلاميذ بفكرة القيامة في البداية واجهوا رفضاً شديداً.

وبعد أن آمن أهل كورنثوس بالمسيحية وبالقيامة نجدهم عادوا للشك في عقيدة القيامة، كما شكت المجدلية في القيامة بعد أن رأت الرب يسوع. ولكن كان شك أهل كورنثوس في عقيدة القيامة وإستجابتهم لأراء الفلاسفة اليونانيون، كان سببه شهوتهم للإرتداد للخطية، فمبدأ الوثنيون، أنه طالما لا حياة بعد هذه الحياة فلنتلذذ بقدر إمكاننا في هذه الحياة " لنأكل ونشرب لأننا غداً نموت ". لذلك قال لهم الرسول " أن المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة آية 33 ". وفى هذا الإصحاح نجد الرسول يتحدث عن قيامة الرب يسوع ثم قيامتنا كلنا ونجده يقدم لأهل كورنثوس عدة براهين على صحة هذه العقيدة :-

1) سابق أيمانهم "وهكذا آمنتم آية 11 ".

2) قيامتهم من موت الخطية و التغيير الذي حدث في حياتهم . وتقومون فيه آية 1

3) شهادة العهد القديم من النبوات آيات 3، 4

4) شهادة التلاميذ وغيرهم ممن رأوا الرب بعد قيامته آيات 5 - 7

5) الظهور الذي كان لبولس نفسه في الطريق آية 8

6) التغيير الذي حدث لبولس نفسه من مضطهد للكنيسة إلى رسول آية 9

7) أستشهد بولس بعادة كانوا يمارسونها في كورنثوس آية 29

8) تعريض بولس نفسه للخطر وللموت بسبب إيمانه بالقيامة آية 30

9) إثبات صحة القيامة من الطبيعة، فالنبات لا ينبت إلاّ بعد دفن البذرة آية 36

 و القيامة لها مركز عجيب بالنسبة للمسيح نفسه وبالنسبة لنا كمؤمنين، هي حجر أساس الإيمان المسيحي، وهى التي تبلور قضية الفداء، فبعد أن سادت الخطية والموت وفسدت الطبيعة. كانت القيامة التي هي كل شئ للإيمان المسيحي (1بط 3:1،4).لأنها خلصت البشرية من حكم إبليس والخطية والموت. وصار للخطاة حق الحياة مرة أخرى، فأجرة الخطية موت، وإن كانت الخطية موت، فالتوبة بالضرورة تكون قيامة. لذلك نقول أن هناك قيامتان. الأولى هي قيامة الخاطئ من موت الخطية (يو 25:5). ومن لهُ نصيب في هذه القيامة الأولى، سيكون له نصيب في القيامة الثانية في الأبدية (يو 28:5، 29 + رؤ 6:20). فمن إستمع لصوت الرب يسوع وقَدَّم توبة و آمن بالمسيح، يقوم من موت الخطية وتتغير طبيعته الفاسدة التي شوهتها الخطية، وتصير له حياة مقامة من بين الأموات، يصير خليقة جديدة لا تشتهى الأرض والماديات، بل تشتهى السماء. مثل هذا يختلف شكله عن العالم في لغته ومبادئه. وهذا التغيير هو أكبر دليل على حقيقة القيامة، أما من لايزال يحب العالم والخطية نجده غير قادر على فهم قوة القيامة. فالقيامة ليست نظرية، وليست قصة تاريخية أن المسيح قام بعد أن صلبوه من 2000 سنة، بل أن القيامة هي أن المسيح قام ليعطينا حياته المقامة من الأموات، لنحيا بها منتصرين على الخطية.

 

آية 1 :- و اعرفكم ايها الاخوة بالانجيل الذي بشرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه.

أعرفكم = أي أذكركم بما سبق وبشرتكم به. الإنجيل = بشارة مفرحة هي القيامة، وتعاليم الخلاص و أهمها القيامة. وتقومون فيه = أي تعيشون حياة القيامة أي النصرة على الخطية إذ قمتم مع المسيح. وأنتم يا أهل كورنثوس قد تغيرت حياتكم من حياة فساد لحياة قداسة وصارت لكم مواهب. فكيف حدث هذا إن لم تكن هناك قيامة. وأتت تقومون بصيغة الفاعل المستمر فموضوع قيامتنا وخلاصنا هو موضوع جهاد الكنيسة كل وقت. لأننا عرضة للخطية والموت، وأصبحنا في حاجة للقيامة التي تعنى بدورها التوبة المستمرة، إستعداداً للقيامة من الأموات في اليوم الأخير.

 

آية 2:- و به ايضا تخلصون ان كنتم تذكرون اي كلام بشرتكم به الا اذا كنتم قد امنتم عبثا.

مخلصون = إذاً الخلاص عملية مستمرة في حياتنا تتم وتكمل بدخولنا إلى الأبدية، الخلاص يبدأ بالنجاة من الخطية ثم بالنجاة من عقابها.

وبه = وبهذا الإنجيل أي البشارة المفرحة التي سلمتكم إياها وقبلتموها وعلى أساسها تقومون كمسيحيين، هذه البشارة تتضمن القيامة كموضوع أساسي فيها. بهذه البشارة تخلصون إذا تمسكتم بتعاليمها في ثبات وقوة.

إلا إذا كنتم قد آمنتم عبثاً = إلاّ إذا كان أيمانكم سطحياً غير مثمر، أي باطلاً، أي إستمرت حياتهم بعد الإيمان في نفس الخطايا السابقة.

 

آية 3 :- فانني سلمت اليكم في الاول ما قبلته انا ايضا ان المسيح مات من اجل خطايانا حسب الكتب.

سلمت إليكم = فى تعاليمى و كرازتى الشفوية. ما قبلته = ما قبله كان بإعلان (غل 12:1) بالإضافة لما تسلمه من الكنيسة كتقاليد. حسب الكتب = هنا يلجا لشهادة العهد القديم و النبوات (راجع (مز 22 + أش 53 + دا 9 : 26 + زك 10:12) وقصة يونان وذبح اسحق كرموز). وإنه لمما يدل على صدق إيماننا أن تتطابق حقائق الإيمان مع نبوات العهد القديم.

 

آية 4 :- وانه دفن وانه قام في اليوم الثالث حسب الكتب.

التعليم بموت المسيح و قيامته هو أساس وجوهر الديانة المسيحية و راجع (مز 10:16 +أش 53 : 10+ هو 2:6). وهناك شهود رأوا دفنه ثم رأوا قيامته، قيامته التى يتأسس عليها كل رجاؤنا.

 

آيات 5-8 :- وانه ظهر لصفا ثم للاثني عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لاكثر من خمس مئة اخ اكثرهم باق الى الان ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل اجمعين. واخر الكل كانه للسقط ظهر لي انا.

حدث القيامة حدث غير عادى. فالمسيح ظهر لكثيرين، ومهما حاول اليهود إخفاء الحقيقة فلقد ظهرت حقيقة القيامة. ولقد سلم من رأى لمن لم يرى، ثم تسلمته الكنيسة كلها. والرسول هنا يلجا لشهادة رجال موثوق فيهم كالتلاميذ، ولم يلجأ لشهادة المريمات فأهل كورنثوس لا يعرفون شيئاً عنهم (أمّا الأناجيل الأربعة فإهتمت بشهادة مريم المجدلية، فهذا هدف الأناجيل، أن تتحول المجدلية التى سكن فيها شياطين إلى كارزة)

للإثنى عشر = وقت القيامة كانوا قد صاروا أحد عشر بعد إنتحار يهوذا وتسميتهم إثنى عشر ترجع إمّا

1)     أنه صار إسم شهرة لهم وهذا هو الأرجح

2)      أن الرب ظهر لهم بعد إختيار متياس الرسول ال 12.

لصفا = ربما عرف بولس أن المسيح ظهر له من بطرس نفسه حين أقام عنده (غل 18:1) أمّا ظهور المسيح ليعقوب فلم يذكر سوى فى هذا المكان. وظهور الرب للخمسمائه أخ فربما كان ذلك فى الجليل فى الجبل (مت 16:28-20). وبولس الرسول يلجأ لشهادة ال 500 أخ حتى لا يقول أحد أن التلاميذ لشدة تعلقهم بالمسيح تخيلوا قيامته. للرسل أجمعين = ال 70 رسولاً. بعضهم قد رقدوا = ولم يقل ماتوا وهكذا يؤكد حقيقة القيامة وإنها كاستيقاظ من النوم. بينما نجده يقول فى آية 3 عن المسيح أنه مات ليؤكد حقيقة ألامه وصلبه و موته. كأنه للسقط ظهر لى أنا = فأحد شهود القيامة هو بولس نفسه الذى رأى المسيح وهو في طريقة لدمشق، وحولته القيامة من مضطهد للكنيسة إلى رسول صانع للمعجزات. السقط = هو الولد الذى يسقط من بطن أمه ميتاً قبل تمامه. وبولس سمى نفسه سقطاً، فالسقط لا يعيش، وبولس بسبب إضطهاده للكنيسة ما كان يحق له الحياة، لولا أن أدركته رحمة الله. هو يرى نفسه سقطاً لتأخره فى قبول الإيمان وهو الفيلسوف الدارس للعهد القديم وعارف بنبواته. وكان المفروض أن يكون في مقدمة المؤمنين. والمقصود أننى أنا بولس لست أهلاً أن أكون رسولاً كما أن السقط ليس أهلاً أن يكون إنساناً، بل هو يموت ولا يستطيع أن يحيا كذلك أنا، فأنا لا أستحق سوى الموت لأننى إضطهدت كنيسة المسيح. كان من المفروض أن أُولد مع الكنيسة يوم ميلادها ولكننى بسبب خطاياى لم أُولد، بل صرت مضطهداً للكنيسة، لذلك كنت غير مستحق للحياة ولا أن أبقى رسولاً. لكن نعمة الله أعطتنى أن أحيا. المسيح القائم أعطانى حياته لأحيا بها.

 

آية 9 :- لأني اصغر الرسل انا الذي لست اهلا لان ادعى رسولا لاني اضطهدت كنيسة الله.

المؤمن الحقيقى والتائب الحقيقى هو من يشعر بالمذلة ويذكر خطاياه السابقة قائلاً مع المرتل " خطيتي أمامى كل حين " بل يكره نفسه ويتضع كما تواضع الرسول فى هذه الآية. فهو لا يذكر أنه صار رسولاً عظيماً بل ظل يذكر خطاياه السابقة. وتذكر الخطايا السابقة يعطى إنسحاقاً، والمنسحق لا تستطيع الشياطين أن تخدعه، ويحيا شاكراً الله الذى أدركه برحمته. أما الذى يشعر فى نفسه أنه مستحق، فإبليس يستغل كبريائه ويخدعه. بل أن كل ما يمتلئ الإنسان من الروح تنفتح عينه ويرى قذارة خطاياه فيحتقر نفسه، هو يرى قداسة المسيح، ويرى خطاياه، فيدرك كم هى قذرة خطاياه فينسحق بالأكثر.

 

آية 10 :- ولكن بنعمة الله انا ما انا ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلة بل انا تعبت اكثر منهم جميعهم ولكن لا انا بل نعمة الله التي معي.

هو قال فى إتضاعه أنه أصغر جميع الرسل. ولكن هذه الآية شهادة لعمل نعمة الله معه، أى التى عملت معه. لا بإستحقاقه الشخصى فهو كان مضطهداً لكنيسة المسيح، بل لنعمة الله، وكلما تصور ماضيه تعاظمت فى عينيه نعمة الله التى غيرته إلى رسول فيشكر الله على نعمته. هو لم يكن سوى

 

إناء صالح إستخدمته نعمة الله. لم تكن باطلة = إذ آمن الكثيرين بكرازتي، و أعطته النعمة أن يتحمل كل أتعاب الكرازة التى كانت فوق ما تحمل كل الرسل. وفى هذه الآية نجد أن النعمة (وهى عطية مجانية) لا تُعطى إلاّ لمن يستحقها = تعبت اكثر منهم جميعهم = فبجهاده إستحق كل هذه النعمة.

 

آية 11 :- فسواء انا ام اولئك هكذا نكرز وهكذا امنتم.

كلنا. أنا = بولس أم أولئك = الرسل. هكذا نكرز = بالقيامة وأنتم آمنتم بها

 

آية 12:- و لكن ان كان المسيح يكرز به انه قام من الاموات فكيف يقول قوم بينكم ان ليس قيامة اموات.

كيف تنكرون القيامة مع كل هذه البراهين وكل هؤلاء شهود لها و يكرزون بها وهم محل ثقة. وقد سبق لكم أنكم آمنتم بها وإختبرتم فاعليتها.

 

آية 13 :- فان لم تكن قيامة اموات فلا يكون المسيح قد قام.

المسيح لم يكن محتاجاً أن يتجسد ويموت و بالتالى يقوم إلاّ من أجلنا، فإن لم تكن هناك قيامة للأموات إذاُ فما الداعى أن يقوم المسيح أو أن يموت أصلاً. فهو تجسد وشاركنا فى جسدنا ليموت ونموت معه ويقوم فنقوم معه، فما قصده المسيح بقيامته هو إقامتنا نحن، فقيامته هى قيامة لنا ولو بقى المسيح فى الجسد أو بقى فى القبر لبقى للموت سلطان علينا.

 

آية 14 :- وان لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل ايضا ايمانكم.

وان لم يكن المسيح قد قام حقا، فإن كرازتنا لن تكون ذات مضمون روحى، ولا ذات معنى على الإطلاق، فالمسيح أعطانا حياته التى قام بها من بين الأموات فصارت لنا حياة مقدسة بدلاً من الفساد الذى كنا نحيا فيه. وكذلك الأمر بالنسبة لإيمانكم، فلن يكون ذات مضمون جوهرى، طالما أن كرازتنا وإيمانكم، كلاهما مؤسس على حقيقة القيامة من الأموات. فباطلة كرازتنا = عديمة النفع وبلا ثمر من نحو خلاص الإنسان. وباطل أيضاً إيمانكم = عديم الثمر ولا جدوى منه، كلمة (باطل تعنى هنا بلا نفع) وكيف يكون باطلاًً وأنتم على ما أنتم عليه من مواهب وحياة قوية وقارنوا حالكم أيام الوثنية والآن، فمن أين أتت لكم هذه الحياة بعد موت الخطية.

 

آية 15 :- و نوجد نحن ايضا شهود زور لله لاننا شهدنا من جهة الله انه اقام المسيح وهو لم يقمه ان كان الموتى لا يقومون.

إن لم يكن المسيح قد قام نكون نحن شهود زور لأننا شهدنا بقيامته وهو لم يقم. وكيف نكون شهود زور ونحن قد عملنا وسطكم كل هذه الآيات وأنتم ختم رسالتنا (1 كو 2:9) أى بإيمانكم وحياتكم المقدسة والمواهب التى عندكم قد ظهر صدق رسالتنا وأنها حق. وهل كل هؤلاء الذين شهدوا بأنهم رأوا المسيح بعد قيامته، هم شهود زور.

 

آية 16 :- لانه ان كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام.

راجع تفسير آية 13. ففى الآيتين نجد الرسول لا يضع المسيح فى دائرة والناس فى دائرة أخرى. بل يقرن المسيح بالبشر فهم جسده، وما يحدث للواحد يحدث للآخر.

سبق الرسول فى آية 15 وقال " إن كان الموتى لا يقومون " أى بحسب إعتقادكم. فبحسب إعتقادكم هذا نكون شهود زور، لأنه إذا صدق أن الموتى لا يقومون فان المسيح أيضاً بالتبعية لم يقم، فهو أخذ جسدنا. فان كان قد قام بجسده الذى هو جسدنا، فنحن أيضا سنقوم بأجسادنا مثله.

 

آية 17 :- وان لم يكن المسيح قد قام فباطل ايمانكم انتم بعد في خطاياكم.

هنا نرى شهادة الإيمان. فإنكار قيامة المسيح يستدعى إنكار عمله الخلاصى، وبالتالى بطلان الكرازة به وبطلان الإيمان به. المسيح أتى لا ليصنع صلحاً بيننا وبين الآب فقط، بل ليحررنا من جرم الخطية وسلطانها (رو 11:6-23 + 2:8). وهذا أتمه بتقديم حياته لنا، لقد غلب الخطية فى شخصه، ثم قَدَّمَ للآب ذبيحة حياته النقية المقبولة عنا، بدلاً من حياتنا الملوثة العفنة، وبهذا غُفرت خطايانا. وقام من الأموات ظافراً بالشيطان محرراً أحباءهُ من سلطان الخطية والموت، بإعطاء الحياة الجديدة لكل من يدخل فى عهد معه. هبة الله إلى جميع الناس لتبرير الحياة (رو 15:5-21). ولو لم يقم المسيح من الأموات لما قامت البشرية فيه من قبور خطاياها. ولما كان هناك رجاء بقيامة الموتى من التراب. فكيف، لمن غلبه الموت أن ينقذ الآخرين من موت الخطية الآن و نحن فى الجسد، وبعد ذلك من الموت الأبدى.

أنتم بعد فى خطاياكم =

1)  قيامة المسيح هى إعلان عن بره وأنه مات عن خطايانا فهو بلا خطية. إذاً هى إعلان عن قبول الآب لكفارة المسيح. وكون أن المسيح لا يقوم فمعنى هذا أنه مات بسبب خطيته هو ولم تقبل كفارته. وبالتالى فخطايانا تبقى بلا غفران

2)  المسيح بقيامته أعطانا حياته الجديدة، وبهذه الحياة ننتصر على الخطية. فإذا لم يكن المسيح قد قام، فمازلنا عبيد للخطية، وأحكموا فى أنفسكم، فهل بعد أن آمنتم و إنتقلتم إلى البر تنكرون قوة القيامة العاملة فيكم

 

 آية 18 :- اذا الذين رقدوا في المسيح ايضا هلكوا.

رقدوا فى المسيح = أى كان لهم إيمان ورجاء فى المسيح، وإعتمدوا. هل هؤلاء هلكوا. هل هذا ما تريدونه لأحبائكم وأقربائكم يا من تصدقون هؤلاء الفلاسفة. أمّا نحن كمسيحيين فإيماننا أن من مات فى المسيح، ومات على الرجاء تصير لهُ المواعيد.

 

آية 19 :- ان كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فاننا اشقى جميع الناس.

فى هذه الحياة فقط = هذا إن أنكرنا القيامة. فالمسيح لم يعط وعداً للمؤمنين بأى شئ فى هذا العالم بل بالعكس وَعَدنا بالضيق والألم وكراهية العالم لنا، وأن من يذبحنا يتصور أنه قدم خدمة لله (يو 33:16،2+ يو 18:15 21). فإن وضعنا رجاءنا فى المسيح فى هذا العالم فقط أى بلا رجاء فى الحياة الأبدية (هذا لمن ينكر أن هناك قيامة) فنحن أشقى جميع الناس. لأنه لا رجاء فى الأبدية، وبلا راحة فى العالم. لكن المؤمنون الحقيقيون (المؤمنون بالقيامة) يحتملون ضيق هذا العالم بل تاركين ملذات العالم، لأن رجاءهم فى مجد أبدى بعد القيامة. هم يضحون بهذا العالم فى سبيل العالم الآخر. فإذا لم يكن هناك عالم آخر، فبئس حال المؤمنين فى الحياة الحاضرة.

 

آية 20 :- و لكن الان قد قام المسيح من الاموات و صار باكورة الراقدين.

لكن لن نكون كذلك، لن نكون أشقى جميع الناس لان المسيح قد قام وهذه حقيقة وبهذا لن نفقد رجاءنا الذى وضعناه فى المسيح ولن يضيع إيماننا عبثاً.

الباكورة = أشهر أعياد اليهود كان عيد الفصح، ويقدمون فيه خروف الفصح ذبيحة وهذا رمز ليوم الصليب، فالمسيح هو فصحنا (اكو 7:5). وفى ثالث أيام الفصح كانوا يعيدون بعيد الباكورة. وهو أول حصاد القمح. وهذا العيد كان رمزاً ليوم القيامة (ثالث يوم للصليب). وبعد 50 يوماً كان عيد الحصاد (بنتيكوستى) رمزاً ليوم حلول الروح القدس وتأسيس الكنيسة. فكان المسيح بقيامته هو باكورة وسيأتى بعده الحصاد العظيم يوم القيامة. قيامة المسيح صارت عربوناً لقيامة كل الراقدين المؤمنين. المسيح كان حبة الحنطة التى سقطت فى الأرض لتأتى بثمر كثير (يو 24:12). وبدأ هذا بإيمان 3000 نفس يوم الخمسين وسيكمل هذا فى يوم القيامة إذ نقوم على شكل جسد المسيح القائم من بين الأموات. ولماذا سمى المسيح بالباكورة مع أنه قد قام قبله كثيرين ؟ (من أقامهم ايليا واليشع ومن أقامهم المسيح). لان هؤلاء ماتوا ثانية. أمّا المسيح فبعد أن قام لن يموت ثانية، ونحن سنكون مثله. فبعد أن نقوم فى القيامة لن نموت ثانية.

 

آية 21 :- فانه اذ الموت بانسان بانسان ايضا قيامة الاموات.

لا يجب أن يكون لنا شك فى القيامة، لأنه بآدم دخل الموت لكل العالم، فهكذا أيضاً بواسطة الإنسان دم الأخير أى المسيح، وبواسطة النعمة التى حملها للجنس البشرى تتحقق القيامة من الأموات. هم كانوا غير فاهمين لماذا إذ قام المسيح سنقوم جميعا. ويقول الرسول هنا، أن لهذه الحقيقة شبيه تماماً أمامنا فحين مات آدم متنا كلنا مثله. والسبب أننا جسده، نحن جزء منه. والمسيح أخذ جسدنا، ونحن نصير جزء منه بالمعمودية والتناول من جسده ودمه، ويقول الرب إثبتوا فى وأنا فيكم (يو 4:15) (إى بحياة الطهارة) وهكذا طالما نحن جزء من جسد المسيح، فما يجرى على جسد المسيح يجرى علىَّ. بل يكون مكاني في عرشه (رؤ 21:3)

 

آية 22 :- لانه كما في ادم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع.

أى كما أنه بسبب علاقة الإتحاد القائمة بين آدم وأحفاده، إذ هم جسده مات جميع نسل آدم، هكذا بسبب علاقة الإتحاد بين المسيح والبشر، يحيا الجميع فى المسيح. آدم فتح طريق الموت والمسيح فتح طريق الحياة. سيُحيا = تعود لهم الرابطة بالله وحياة الشركة معهُ، يحيون هنا حياة روحية، وتكون لهم حياة بجسد ممجد فى السماء، أى يحيى الله أجسادهم من الموت. الجميع = أى الثابتين فيه (المؤمنين المعمدين الذين يموتون وهم في حالة توبة)

 

آية 23 :- و لكن كل واحد في رتبته المسيح باكورة ثم الذين للمسيح في مجيئه.

كل واحد فى رتبته = ليس الكل لهم نفس المجد فى السماء فليس الكل لهم نفس الجهاد ونفس التعب (1 كو 58:15 +1 كو 8:3). إذاً سيكون هناك رتب، وهذا ما أشار إليه الرسول فيما بعد قائلاً نجماً يمتاز عن نجمٍ في المجد (1 كو 41:15). وهذا لن يكون سبباً فى غيرة وحسد ممن هم أقل فى الرتبة، فالغيرة والحسد من صفات طبيعتنا الساقطة، ولكن طبيعة السماء هى الحب، ومع الحب لا حسد ولا غيرة.

فى مجيئه = متى كملت أيام الحصاد يأتى أوان الجمع.

 

مقدمة للآيات 24-28

الصورة التى أرادها الله يوم خلق آدم، هى علاقة المحبة بين الله وآدم. وعلامة محبة الله لآدم هى أن الله يفيض عليه من بركاته وخيراته. وعلامة محبة آدم لله هى خضوعه الكامل لثقته فيه. ولما شك آدم فى كلام الله و أكل سقط ومات. بل خضع آدم لسلطان الشيطان وتمرد الإنسان على الله، وصار الإنسان ليس خاضعاً تماماً لله (عب 8:2). وصار الله لا يملك بالكامل على الإنسان.

وكان لا يمكن لله ملك الملوك أن يقبل بإستمرار هذا الوضع من تمرد ضد الله، وهذا يثيره الشيطان فى الإنسان، أن يتمتع الإنسان بالخطية حتى لو ضد إرادة الله. فكان تجسد المسيح ليجمع أولاد الله فيه، ويأتى بالكل خاضعين لله، ويعيد ملك الله الكامل له، هؤلاء أى جسد المسيح سيخضعون عن حب. أما الأشرار فسيضعهم تحت قدميه. أولاد الله يوحدهم فى جسده، وهذه إرادته (يو 20:17-24). ويقدمهم كجسد لهُ، وهو رأس الجسد، خاضعين لله. وهذه الصورة بدأت الآن فينا كمؤمنين خاضعين لله ننفذ وصاياه وهو يبارك فى حياتنا وستكمل الصورة فى الأبدية. على أن الصورة الآن ليست كاملة، إذ مازلنا فى الجسد، والشيطان يستغل ضعف الجسد فنخطئ إلى الله فى بعض الأحيان. ولكن فى الأبدية سيكون الخضوع كاملاً وبهذا يصبح المنظر الأخير فى الأبدية هو الصورة التى أرادها الله منذ البدء وهى أن يملك على كنيسة خاضعة لهُ، يفيض عليها من بركاته فى حب متبادل. وهذا ما تم فى كل العالم لقد تحولت كورنثوس من الزنا للقداسة، وتحولت روما التى كانت تتلذذ بمنظر الدماء لكنيسة خاضعة لله. لقد بدأت مملكة الله تتكون. وكان رمزاً لهذا فى العهد القديم داود الملك، الذى أسس مملكة إسرائيل. فقبل داود كان هناك فجور وأشياء مخزية رأيناها تحدث فى سفر القضاة، إذ لم يكن هناك ملك (قض 1:19 + قض 21 : 25). وهذا إشارة لتمرد العالم كله على الله، إذ كان الله لا يملك عليهم. وأتى داود و أسس المملكة. وكان داود كملك يختلف عن كل ملوك العالم، فهو لا يحكم بشريعة وضعها هو، بل يحكم بشريعة الله.هو كان يكافئ البار، ويعاقب الشرير بحسب الشريعة الإلهية ليقدم المملكة لله. فكان داود رمزاً للمسيح الذى صار رأساً للكنيسة ليقدمها خاضعة لله. المسيح بجسده يقدم الخضوع لله الآب. فتكوين المملكة فى العهد القديم بيد داود هو رمز لما عمله المسيح. وماذا عن باقى العالم الذى ليس هو جسد المسيح ؟ هذا يشير له تمثال نبوخذ نصر. هذا التمثال له 4 مراحل، ورقم 4 يشير للعالم كله. فالأربع مراحل تشير للعالم المتمرد على الله. هذا التمثال ضربه حجر (إشارة للمسيح)، وصار هذا الحجر جبلاً كبيراً، إشارة لنمو مملكة المسيح فى كل العالم. أما التمثال نفسه فكان مصيره الفناء هو إشارة للقوى المعادية لله فى كل العالم. الرأس الذهب يشير للفلسفات والأفكار التى تقاوم الله وترفضه، وهذه لها بريق كالذهب، ولقد جذبت كثيرين عبر التاريخ. والصدر الفضة يشير للمال وهذا عبده كثيرون. والبطن تشير للشهوات التى ترك الناس بسببها الله. والقدمين الحديد إشارة للقوى العالمية العسكرية أو قوة الشخص العضلية. هذا كله يقاوم الله، وسيفنى. أمّا الكنيسة فهى الجبل الثابت الراسخ والمرتفع فهى سماوية كرأسها المسيح، هذه ستنمو وتملأ الأرض وتكون خاضعة لله. ويمثلها الكاروبيم ذو الأربع أوجه. فوجه الإنسان يمثل الفكر الذى صار مطيعاً للمسيح " مستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح (2 كو 5:10). أمّا النسر فيشير للقوى الروحية لو خضعت للروح القدس. والشهوة (العجل) لو تقدست فصارت تشتهى السماء " لى اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح " (فى 23:1) والأسد يشير للقوى العضلية. لو تقدست كل هذه القوى أى تكرست لحساب الله، لصرنا مركبة كاروبيمية يرتاح الله فينا. ومن يخضع لله ويرتاح الله فيه يحيا للأبد.المسيح الآن يكمل مملكته، ويتعهد هذا الجبل (كنيسته) بالنمو ليقدمه خاضعاً للآب، بينما أن كل قوى الشر فى العلم و التى رفضت الخضوع فمصيرها الهلاك.

والآن و نحن مازلنا فى الجسد فلنا خضوع لله كأبناء لله ثابتين فى المسيح، على أنه طالما كنا فى الجسد، ولضعف الجسد، يكون لنا فى بعض الأوقات تمرد على الله، هذا بسبب نقص الحب والثقة فى الله. وكلما نما الحب تزداد الثقة فى الله. فلا نتمرد على أحكامه، وكلما حدثت الإستنارة نسلم حياتنا لله بالكامل. فما بالكم بما سيحدث فى السماء. هناك سيكون الخضوع كاملاً بسبب الحب الكامل، وهذا سببه الإدراك الكامل لمحبة الله. إذاً القيامة ليست قيامة من الأموات فقط بل هى رجوع للحالة المثالية التى أرادها الله منذ البدء.

 

آية 24 :- و بعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الاب متى ابطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة.

وبعد ذلك = أى بعد أن يقوم الراقدون تكون النهاية ويبدأ زمان العدل والدينونة الأخيرة. متى سلم الملك لله الآب = الآب هو أصل كل شئ، منه ينبثق الروح ومنه يولد الإبن. والإبن تجسد ليجمع فى جسده كل البشرية التى تمردت وعصيت الآب، ليعيد الطاعة الكاملة للآب مصدر كل شئ. وفى المجئ الثانى يقوم الراقدون بأجساد نورانية على شبه الجسد الذى قام به المسيح له المجد. وإذ يتحررون من ألام اللحم والدم يُبطل سلطان الشيطان وقواته الشريرة على الإنسان. حينئذ يملك الله الآب على الإنسان ملكاً مطلقا.

وكون أن المسيح يسلم الملك للآب لا نفهمها بأن المسيح لن يملك، فالآب والإبن واحد. والآب فى الإبن والإبن فى الآب. وكل ما هو للآب هو للإبن (يو 10:14 + يو 15:16 + يو 10:17، 21، 22) ومن (دا 14:7، 27) نجد أن الإبن سلطانه سلطان أبدى. ولكن المعنى أن الخليقة ستعود للحالة التى يريدها الله لها. إذ ستبطل مقاومة إبليس و تمرده = متى أُبطل كل رياسة وكل سلطان = فإبليس الآن له رياسة على العالم (يو 30:14). ولهُ سلطان على كثيرين من البشر الذين ليسوا فى المسيح. والمسيح كرأس للكنيسة سيقدم خضوعها للآب. أمّا من تبع إبليس و تمرد على الله سيهلك مع إبليس وتنتهى شوكة الطغاة. أبطل = إنتهت كل قوتهم، لذلك فلا توجد حروب روحية فى السماويات فى الأبدية لسببين :-

1) سنكون بجسد ممجد وهذا بلا ضعف 2) تبطل كل قوة الأعداء المقاومين. هذا هو كمال التدبير الإلهى، لهذا جاء المسيح الذى له كل سلطان فى السماء وعلى الأرض (مت 18:28). والمسيح يجمع فيه الآن كل ما للآب ليعيدهم إلى الأحضان الإلهية الأبوية، يفيض عليهم الآب بمحبته وهم فى محبتهم يخضعون له خضوعا كاملا. هذا الحب هو الذى حرمنا منه فى زمن التمرد على الأرض.

والأن فالروح القدس يعمل فينا ليملك المسيح على قلوبنا ونخضع له تماما. والروح يثبتنا الآن فى المسيح، وحين نثبت فى المسيح ويملك المسيح بالكامل على كنيسته سيقدم خضوع الكنيسة كلها للآب. نحن الآن فى معركة يقودها المسيح الذى خرج غالباً و لكى يغلب. المسيح يحارب والروح القدس يعين أن نثبت فى المسيح، فالخضوع الآن للمسيح. وبعد ذلك فى الأبدية ستخضع الكنيسة كلها كجسد للمسيح لله للآب. ملك الله نفهمه بخضوع الكنيسة فى حب لله الآب وهلاك المقاومين وإنكسار شوكتهم أبدياً. ومرة أخرى فملك الآب يعنى أن الملكوت هو للآب والإبن معاً. ولكن بالمسيح صار لنا القدوم لدى الآب (أف 17:2، 18).

 

آية 25 :- لانه يجب ان يملك حتى يضع جميع الاعداء تحت قدميه.

المُلْكْ سوف يسلم لله الآب بعد أن يكون المسيح قد أخضع كل شئ أى بعد أن يكون قد ملك ملكاً مطلقاً، أى عندما يكون المسيح فى ملكه الأبدى السماوى، ونكون كلنا خاضعين لهُ نتذوق معه نصرتنا الأكيدة على كل قوات الظلمة والشر. المسيح يجب أن يخضع له كل الخليقة ويبطل كل تمرد. ثم يسلم هذه الخليقة التى مَلَكَها لله الآب. المسيح بدأ ملكه بالصليب. وبالصليب بدأ إندحار وإنكسار قوات الظلمة وسيستمر هذا الوضع حتى الأبدية، المسيح يملك ويغلب وذلك عن طريق المؤمنين، حتى اليوم الأخير الذى يملك فيه على كل كنيسته ملكاً تاماً. هنا ينطبق ما قيل فى مزمور 110 أن جميع أعدائه سيصيرون تحت قدميه. وآخر عدو يُبطل هو الموت. وذلك لأن الجميع سيقومون بشبه جسد قيامته، هذا الجسد لا يكون للموت سلطان عليه فيما بعد، أى أن المسيح سيُبْطِلْ الموت بالقيامة بعدما يُبْطِلْ كل الأسباب التى أدت إلى الموت. أى تبطل الخطية و ينتهى إبليس.

 

آية 26 :- اخر عدو يبطل هو الموت.

الأعداء الآخرين هم الشيطان والخطية. والشيطان أتى بالخطية، والخطية أثمرت الموت، والمسيح أعطانا الإنتصار على الشيطان وعلى الخطية، ويتبقى الموت. إذاً الموت يجب أن يبقى حتى تنتهى الخطية تماماً. وإبطال الموت لن يتحقق فقط بقيامة الأموات بل بالخلود. لابد من بقاء الموت حتى نتخلص من أجسادنا التى سكنت فيها الخطية، ولهذا صرخ الرسول " ويحى أنا الإنسان الشقى من ينقذنى من جسد هذا الموت " (رو 17:7 24) فكلنا لنا خطايانا مهما كانت صغيرة ولكنها تحرمنى من رؤية الله وأمجاد السماء.

 

آية 27 :- لانه اخضع كل شيء تحت قدميه و لكن حينما يقول ان كل شيء قد اخضع فواضح انه غير الذي اخضع له الكل.

كما ذكر فى المزامير 6:8 أن الله الآب أخضع كل شئ تحت قدمى الإبن، فإذا كان الآب هو الذى أخضع كل شئ، إذاً فالآب نفسه خارج دائرة الخضوع للإبن، فهو الذى أخضع لهُ كل شئ. ولاحظ المحبة فى الثالوث، فالآب يأتى بكل شئ ليخضع تحت قدمى الإبن، والإبن يأتى بكل شئ ليخضع للآب فواضح أنه غير الذى أخضع له الكل

 IT IS EVIDENT THAT HE WHO PUT ALL THINGS UNDER HIM IS EXCEPTED

فالإبن سيخضع لهُ كل شئ ماعدا الآب، فالآب هو الذى أخضع لهُ كل شئ

 

آية 28 :- و متى اخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه ايضا سيخضع للذي اخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل.

ومتى أخضع له الكل = متى خضع كل شئ للإبن. فالإبن نفسه أيضاً سيخضع للآب الذى أخضع له الكل = وهذا بكونه إنساناً ورأساً للكنيسة. فالكنيسة هى جسد المسيح، وهو سيقود الجميع فى جسم بشريته إلى طاعة أبيه. إذاً المعنى هو خضوع البشرية للآب. إذاً المسيح لبس جسد الإنسان ليرفع كل أسباب التمرد والمسيح سيخضع للآب بناسوته (بجسده أى الكنيسة) ولكن بلاهوته فهو والآب واحد. فخضوع الإبن لا يعنى تفاوت الأقانيم فى المرتبة. فالأقانيم الثلاثة متساوية فى الجوهر. ونفهم من الآيات التالية أن ملك المسيح هو أيضاً للأبد. فكل ما هو للآب هو للأبن (رؤ15:11 + لو33:1 + دا 14:7، 27 + يو 15:16 + مز 110) وكون أن الآب سيأتى بالكل خاضعين تحت قدمى المسيح (الأبرار عن حب والأشرار عن ذل) والإبن سيأتى بالكل خاضعاً للآب فهذا يعنى تساوى الآب بالإبن.

كى يكون الله الكل فى الكل = يصير الله كل شئ فى الكل. لقد أعطى الله فضيلة الحكمة لسليمان والوداعة لداود والمحبة ليوحنا والغيرة لبولس، ولكن حين يملأنا الله فى السماء سيكون لنا كل الفضائل مجتمعة. لن تكون لى فضيلة واحدة بل كل الفضائل. و سيملأنا الله من الفرح والسلام. هذا عن عطاياه، لكن الله لن يعطينا فقط عطايا بل سيعطينا نفسه، الله سيملأ شعبه ويمتلئ شعبه به " أنا لحبيبى و حبيبى لى " (نش 3:6) ويصير الله الكل فى الكل. فالله لن يعطينا فقط فضائل وفرح . الخ بل سيعطينا نفسه ويكون مصدر حياتنا، بل هو حياتنا وقوتنا وفرحنا وسلامنا وتسبيحنا. هو نهاية كل رغباتنا، فإذا كان يملأنا، فلن يكون فينا مكاناً شاغراً لأى شئ غيره وإذا كان هو فرحنا وسلامنا وحياتنا، فسيكون هو نهاية كل رغباتنا، لن نعود نحتاج لشئ، سنكون مكتفين به عطشي

وجوعى إليه فقط، طالبين الإتساع لنمتلئ منه أكثر وأكثر على الدوام فيزداد فرحنا. سيكون الله عوض كل الأشياء التى كنا نحتاج إليها فى العالم. يكون الله الكل فى الكل = الله مثلث الأقانيم يكون الكل فى الكل أى يصبح الله كل شى لنا، وكل الوجود خاضع له، الكل يقول إلهى هو الكل فى الكل، إلهى هو الكل لى، هذا هو غاية عمل الرب يسوع. يكون الله هو الخير للكل ولا يشغلنا سوى ما هو مختص بالله، هو فرحنا وهو تسبيحنا، وهو إنشغالنا. وهذا هو موضوع تسبيح السمائيين أن المسيح إشترانا لله (رؤ 9:5،10) وفى نفس التسبحة نجدهم يعطوا التسبيح للإبن قائلين لهُ السلطان للأبد (رؤ 13:5). فما هو للآب هو للإبن وما هو للإبن هو للآب. على أن هذه الصورة أن الله الكل فى الكل ليست الآن كاملة ونحن مازلنا فى الجسد على الأرض.

 

آية 29 :- و الا فماذا يصنع الذين يعتمدون من اجل الاموات ان كان الاموات لا يقومون البتة فلماذا يعتمدون من اجل الاموات.

أن لم تكن هناك قيامة من الأموات فلماذا يعتمدون من أجل الأموات ولكن ما معنى يعتمدون من أجل الأموات ؟ هناك أراء متعددة :-

1) الوثنيون لهم إخوة أو أحباء صاروا مسيحيين، وكان هؤلاء المسيحيين يحثونهم على الإيمان والمعمودية، وحدث أن مات هؤلاء المسيحيين. ولأن الوثنيون كانوا يحبون هؤلاء المسيحيون، ذهب الوثنيون ليعتمدوا ويصيروا مسيحيين مثلهم فيتقابلوا فى الأبدية، ويبدوأن هذا كان يحدث كثيراً فى كورنثوس وإستغله الرسول لإثبات حقيقة القيامة.

2) رأى آخر يقول أنه يقصد من يعتمد بمعمودية الدم أى يقبل الإستشهاد لأنه رأى آخرين من المسيحيين يستشهدون وهم فى حالة من السلام والفرح فأرادوا لأنفسهم نفس نهايتهم.

3) من يذهب للمعمودية تمثلاً بالأموات والشهداء الذين قبلوها من قبلهم واثقين فى القيامة وقد تكللوا بالمجد.

4) كان الوثنيون الذين آمنوا واعتمدوا وصاروا مسيحيين، كان لهم أقارب و أصدقاء ماتوا دون أن يؤمنوا أو يعتمدوا، فكان هؤلاء المسيحيون لأجل محبتهم فى هؤلاء الموتى دون معمودية، يعتمدوا ثانية بالنيابة عنهم. وهذا الرأى هو الأقرب للصحة. وما فعله هؤلاء كان ممارسة خاطئة فالمعمودية لا تكرر. لكن الرسول بالرغم من عدم موافقته على ما يفعل أهل كورنثوس إستغل ما يفعلونه وكأنه يسألهم. هل تفعلون هذا وأنتم لا تؤمنون بالقيامة، فما معنى ما تفعلونه إذاً. هو يريد أن يقول أن حقيقة القيامة فى داخلكم، فأنتم مشفقين على من مات دون معمودية، إذ تعتقدون أنه ليس له نصيب فى الأبدية، فلماذا هذه المحادثات الغبية عن أنه لا توجد قيامة. المقصود إنكم ترددون مثل هذه المناقشات وراء الفلاسفة الوثنيون لا لأنكم تعتقدون فعلاً أنه لا قيامة من الأموات، بل لأ نكم وجدتموها فرصة للإرتداد لشهواتكم الخاطئة " نأكل ونشرب لأننا غدا نموت "

 

 

آية 30 :- و لماذا نخاطر نحن كل ساعة.

إذا لم تكن هناك قيامة للأموات فلماذا نعرض أنفسنا نحن الرسل للمخاطرة والموت كل ساعة (2 كو 17:4)

 

آية 31 :- اني بافتخاركم الذي لي في يسوع المسيح ربنا اموت كل يوم.

إن ربح الكورنثيين للإيمان لهو سبب فخري أمام الرب يسوع. وهو يقبل أن يموت كل يوم لأجل هذا، لينال هذا الفخر. وهذا القبول للموت دليل على صحة القيامة.

 

آية 32 :- ان كنت كانسان قد حاربت وحوشا في افسس فما المنفعة لي ان كان الاموات لا يقومون فلناكل ونشرب لاننا غدا نموت.

وحوشاً = لا يقصد أنهم ألقوه للوحوش فعلاً فجنسيته الرومانية كانت تحميه من ذلك، لكنه واجه بشراً كالوحوش. ولقد قال هيرقليتس عن شعب أفسس أنهم وحوش مفترسة. وكان هذا قبل بولس ب 400 سنة. وهم كانوا كوحوش فى هجومهم عليه وعلى المسيحيين. وربما فى هذا إشارة لما حدث فى هيكل ارطاميس (أع 23:19، 24، 28، 29). وهو يشير لما حدث فى أفسس فهو الآن فى أفسس. ومنطق الرسول هنا إذا لم تكن قيامة وأنا متأكد منها فلماذا أتحمل كل ذلك، بل كنت أسعى وراء اللذات البهيمية قائلاً مع فلاسفة الماديين فلنأكل ونشرب لأننا غدا نموت. وما الداعى أصلاً للتقوى أن لم تكن قيامة ؟ وهذا القول نأكل ونشرب لأننا غدا نموت قاله اليهود أيضاً وأحزنوا قلب الله (أش 13:22) فإشعياء النبى هددهم بحصار أشور لأورشليم داعياً إياهم للتوبة، فقالوا هذا بمعنى أنه طالما سنموت من أشور فلتتلذذ بالدنيا.

 

آية 33 :- لا تضلوا فان المعاشرات الردية تفسد الاخلاق الجيدة.

معاشرتكم للوثنيين أفسدت أخلاقكم، فأنتم لا تنكرون القيامة لأنكم مقتنعين بهذا بل لأنكم تجرون وراء شهواتكم، لقد أفسد الوثنيون أخلاقكم. معاشرتكم للوثنيين ذوى الأخلاق الفاسدة شككتكم فى حقيقة القيامة.

 

 

آية 34 :- اصحوا للبر ولا تخطئوا لان قوما ليست لهم معرفة بالله اقول ذلك لتخجيلكم.

إصحوا للبر = هذه مقابل لا تضلوا آية 33 و المعنى فلتحققوا لأ نفسكم ما هو صالح لكم وما فيه نفعكم، ولا تعرضوا أنفسكم لإرتكاب الخطايا لأن قوما منكم (سواء الوثنيون أو المسيحيون الذين تأثروا بهم وإرتدوا لممارسة شهواتهم) ليست لهم معرفة بالله = أثاروا هذه الإعتقادات بأنه لا قيامة، فهؤلاء إذ تركوا معرفة الله ضلوا. وهؤلاء أنكروا القيامة ليتركوا البر ويعودوا لخطاياهم على مبدأ فلنأكل ونشرب لأننا غدا نموت. إن من يعرف الله يعرف أن الله لا يمكن أن يترك عبيده المؤمنين يقاسون ألام الحياة بدون رجاء، ومن ينكرون القيامة يتنكرون لصلاح الله و عنايته. الله لم يخلق العالم فقط لكنه يدبر أموره.

لتخجيلكم = هل أنتم يامن تدعون الحكمة تنكرون عقيدة القيامة التى تؤمنون بها من أجل شهوات وملذات بهيمية

 

آية 35 :- لكن يقول قائل كيف يقام الاموات وباي جسم ياتون.

إبتداء من هنا يناقش الرسول موضوع جسد القيامة أى الجسد الذى سنقوم به. ويرد على تساؤلات مثل بأى قوة وبأى كيفية يقوم الأموات، وبأى جسم يعود الأموات مرة أخرى إلى الحياة. فالسؤال الأول يردده من ينكر حقيقة القيامة، فيقول .. أبعد تحلل الجسد يعود مرة ثانية. والسؤال الثانى يردده الذى فى مرحلة الشك هل نصير كلنا بالجسد القائم من الأموات، بشكل واحد لا يمكن تمييز أحدنا من الآخر.

 

آية 36 :- يا غبي الذي تزرعه لا يحيا ان لم يمت.

يا غبى = هى كلمة قاسية ولكنها موجهة لمن فى محاولتهم إدعاء الفلسفة أنكروا القيامة. فالفلسفات

التى تنكر الحقائق الإلهية ما هى ألاّ غباوة. والمعنى أنه من الغباء أن يتغافل الإنسان فلا يدرى الأمور الطبيعية حوله، فيتساءل مثل هذا التساؤل. فنحن نلمس كل يوم قدرة الله وكيف يهب الحياة للأشياء الميتة، هنا يرد بولس الإعتراض إلى صاحبه، فالموت لم يصبح عائقا للحياة بل ضرورياً لها. ويضرب الرسول مثلاً محسوساً ليدلل به على إمكانية القيامة بعد الموت، فإن ما نزرعه من بذور لا يمكن أن ينمو ويثمر ما لم يدفن فى الأرض أولاً أى يموت = الذي تزرعه لا يحيا إن لم يَمُتْ. ودفن البذرة يجعلها يَسْوّدْ لونها وتتهرأ قشرتها ويغمرها الطين والمياه، وفى النهاية تختفى البذرة وتظهر الحياة التى كانت فيها. حقاً الحياة موجودة فى البذرة لكن هذه الحياة لا تظهر ما لم تدفن البذرة لتثمر. وجسد القيامة الذى أخذناه موجود الآن تحت ثقل هذا الجسد الترابى الكثيف الذى يصلح فقط للتعامل مع هذا العالم. فالبذور تقابل أجسادنا، وكما أن هناك حياة فى البذور فلقد صارت حياة فى أجسادنا، حياة أخذناها فى المعمودية، هى حياة المسيح القائم من الأموات. ففى المعمودية نحن متنا مع المسيح وقمنا بحياة المسيح فينا (رو 4:6، 5) ولكن هذه الحياة التى أخذناها فى المعمودية مستترة الآن، غير ظاهرة، لكنها تظهر بعد دفن الجسد و موته، كما تظهر الحياة التى فى البذرة بعد دفنها (كو 3 :3)

 

 لأنكم قد متم                         وحياتكم مستترة                      مع المسيح في الله

 


 

 بالمعمودية                 هى مستترة لأننا لا نراها                     القائم من الأموات

                             هى حياة المسيح أخذناها

                             بقيامتنا معه فى المعمودية

                             وستظهر بعد موتنا وقيامتنا

                             في أجسادنا الممجدة

 

فالطبيعة الممجدة مستقرة فينا منذ المعمودية ومنتظرة تكميل الجهاد وفداء الأجساد أى حين نلبس الأجساد الممجدة بعد القيامة العامة.

فالمسيح حل مشكلة الموت، بأن مات وقام، وبالمعمودية نموت ونقوم معه بحياته فنصير بذوراً حية، وحين نُدفن تظهر هذه الحياة التى فينا ونقوم بأجساد ممجدة. أمّا لو إرتد الإنسان للخطية ثانية يكون كبذرة كانت حية وأكلها السوس، فإذا دفنت فى التراب فإنها لا تعطى ثمار، إذ أنها بذرة ميتة. إذاً كما تحيا البذور تقوم أجسادنا وذلك بموجب ما فيهما من عناصر حياة وقال فى (فى 20:3، 21) أن الله يغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده. وإستعلان المجد المستتر فينا أسماه فداء الأجساد (رو 23:8 + أف 14:1)

 

آية 37 :- و الذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير بل حبة مجردة ربما من حنطة او احد البواقي.

يشير الرسول للتغير الذى يحدث للحبة عندما تزرع، فنحن لا نزرع الشجرة أو النبات الذى ننتظره بل نزرع الحبة التى تصير إلى هذا النبات ونلاحظ

1)  الحبة لا تنمو إلاّ بعد أن تدفن و تموت، هكذا جسد الإنسان سوف يقوم بعد أن يتعرض للموت والإنحلال. قوة الحياة المخفية فى البذرة لا تظهر إلاّ بعد دفن البذرة فيخرج منها زرع أخضر فيه حياة. وقوة الحياة التى نأخذها فى المعمودية وتكون مستترة تعطى لجسدى بعد موته ودفنه حياة جديدة فى جسد ممجد.

2)   تظهر الحبة بعد الإنبات بمظهر مختلف عما كانت عليه أولاً، فقبل الدفن كانت بذرة صغيرة ناشفة، ولكنها بعد الدفن صارت نباتاً أو شجرة خضراء حية. وهذا يشير أيضاً للتغيرات التى سوف تطرأ على الجسد عند قيامته من الأموات. وقارن بين البذرة الناشفة التى بلا جمال (جسدنا الحالى) وبين الشجرة أو النبات الأخضر الذى خرج منها (الجسد الممجد). قارن بين جمال هذا النبات الأخضر وبين البذرة عديمة الجمال. هكذا سيكون جمال جسدنا الممجد.

3)  لا يختلف النبت فى جنسه عن جنس الحبة مهما إختلف فى مظهره، وفيما صار إليه هكذا الأمر بالنسبة للجسد المقام فلن يكون مخالفا فى طبيعته و جوهره عن الجسد المائت، على الرغم من أنه سوف تدخل إليه بعض الإمكانيات الجديدة التى لم تكن له أولاً. أنه سيكون هو وليس هو. هو لأن الجوهر واحد وليس هو لأن الثانى أكثر مجداً وسمواً (ذهبي الفم). فالبذرة كانت تحوى النبات بصورة مصغرة (فخصائص النبات موجودة فى البذرة، فلو زرعت بذرة ذرة لابد وستعطيك شجرة ذرة وهكذا). والمسيح كانت صورة موته بلا جمال(أش 2:53،3)، أما بعد القيامة فالتلاميذ ما كانوا يعرفونه بسهولة. وبعد الصعود راجع (رؤ 13:1 16)

 

آية 38 :- و لكن الله يعطيها جسما كما اراد و لكل واحد من البزور جسمه.

الله يعطيها جسماً كما أراد ولكل واحد من البذور جسمه = كل بذرة يعطيها الله كما أراد الجسم النباتى الخاص بها والذى يميزها عن بقية النباتات الأخرى.

فالحبة تأخذ إذن عند الإنبات جسماً لم يكن لها أولاً، ولكن الله يعطيها جسماً رتبه لها منذ بدء الخليقة. فشجرة الذرة غير شجرة القمح، كلٌ له شكله المميز ولاحظ أن الله هو الذى يعطيها وليست الطبيعة. وبنفس قوة الله سيعطينا الله أجساماً ممجدة. وكما أن لكل بذرة شجرتها المختلفة فى الشكل عند الإنبات، هكذا سنقوم بأجساد نورانية أشكالها مختلفة ولكنها تحمل نفس الشكل الحالى تقريباً، فالغنى تعرف على الفقير لعازر. وقوله ولكل واحد من البذور جسمه = يشير أننا سنقوم بنفس الأجساد التى كنا نحيا بها قبل الموت. ولكن إمكانيات الجسد الذى سيقوم ستكون جبارة بالنسبة لجسدنا الحالى. فلن نحتاج لأكل أو شرب أو تناسل. فالحياة موجودة فى الجسد. وسيكون ممجداً نورانياً لانعكاس مجد الله و نوره عليه. يحمل سمات الجسد الذى دُفِنَ ولكن له إمكانيات جسد المسيح المقام " يغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده " (فى 21:3). إذاً سيكون لكل واحد منا شكله المميز الذى له علاقة بشكله الحالى لكن بشكل ممجد.

 

آية 39 :- ليس كل جسد جسدا واحدا بل للناس جسد واحد و للبهائم جسد اخر و للسمك اخر وللطير اخر.

ولماذا التعجب من وجود طبيعيتين لأجسادنا، طبيعة نعيش بها الآن على الأرض وطبيعة هى طبيعة الجسد الممجد (إجابة هذا السؤال سبقت في آية 38)

وتعجب آخر هل نختلف عن بعضنا فى الشكل فى القيامة. فلقد تساءل الفلاسفة إذا كان الأبرار والأشرار يموتون ويتحللون فكيف يقوم الأبرار بشكل مختلف عن الأشرار، هل سيكون للأبرار شكل وللأشرار شكل آخر. ويجيب الرسول بأن النبات له شكل وطبيعة غير الطيور وغير الأسماك وهكذا. وكذلك سيكون هناك شكل عام للإنسان البار فى السماء لكن لكل منهم شكله المميز كما أنه فى داخل المملكة النباتية نجد لكل نبات شكله المميز. والأشرار سيكون لهم طبيعة وشكل مميز، ولكن كل واحد منهم سيكون له شكله المميز. فكما أن هناك ممالك نباتية وحيوانية وطيور وأسماك، كذلك هناك سيكون طبيعة للأبرار فى السماء وطبيعة للأشرار في الدينونة. و كلاهما مختلف عن طبيعة الإنسان على الأرض. وسيكون هناك طبيعة للملائكة، وطبيعة أخرى للشياطين. ولكننا داخل كل مملكة أو طبيعة نستطيع أن نميز بين كل فرد فيها. فسنميز بين الملاك ميخائيل والملاك جبرائيل والكاروبيم والسيرافيم. وكما أن كل مملكة (النباتية مثلا) جميعها تشترك فى مكونات واحدة، هكذا سيكون للأبرار فى القيامة مكونات واحدة، ولكن فى تمايز بينهم وبين بعضهم البعض. ولنلاحظ أن ما نكتسبه هنا ينطبع أيضاً هناك، فلنهتم إذاً بسلوكنا هنا فنكون من طبيعة الأبرار.

 

آية 40 :- واجسام سماوية واجسام ارضية لكن مجد السماويات شيء ومجد الارضيات اخر.

بل إن الإنسان يتغير الآن من طبيعة أرضية جسدانية شهوانية إلى طبيعة روحية يإيمانه وجهاده فيحيا فى محبة وبذل متشبهاً بسيده. فبالأولى تتغير طبيعتنا من طبيعة جسدانية لطبيعة روحانية فى السماء = أجسام سماوية وأجسام أرضية. لكن مجد السماويات شئ ومجد الأرضيات آخر = مهما حَصُلَ الإنسان الروحانى على مجد وهو على الأرض فهو لا يقاس بما سيحصل عليه فى السماء. والمعنى المباشر للآية هو أن هناك فرق بين الأجسام السماوية أى الشمس والنجوم بنورها ولمعانها وبين الأرض غير المنيرة. وبنفس الطريقة فإن هناك فرقاً بين المخلوقات السماوية كالملائكة الذين لهم طبيعة نورانية، والمخلوقات الأرضية كالبشر حالياً والبهائم. أمّا فى السماء فمن غلب وصارت له طبيعة روحانية وهو على الأرض سيكون له مجد في السماء.

 

آية 41 :- مجد الشمس شيء ومجد القمر اخر ومجد النجوم اخر لان نجما يمتاز عن نجم في المجد.

يريد الرسول أن يثبت أن الكل فى السماء سيكونون فى مجد لكن سيفترق كل واحد منهم عن الآخر فى مجده. كما أن النجوم تختلف فى لمعانها بحسب كمية ضياؤها. فهناك إختلاف بين الأجسام الأرضية والأجسام السماوية فالسماوية فى مجد لا يقارن بالأرضية. وهناك أيضاً خلاف بين الأجسام السماوية بعضها وبعض، الكل فى مجد فى السماء، لكن لكل واحد درجة مختلفة من المجد. الكل مشترك فى نفس الطبيعة والهيئة، ولكن تتفاوت فى المجد فالشمس حولها نجوم كثيرة، وكل نجم يأخذ كمية من نور الشمس بحسب قربه منها وإستيعابه لكمية من نورها، ولكن الكل يضئ. وما مقدار إستيعابنا لمجد الله، هذا سيظهر فى السماء، ولكن الكل سيضئ. وبسبب طبيعة المحبة التى ستكون لنا لن يكون هناك حسد ولا غيرة بل سنفرح لمن لهم مجد أكثر. حالنا سيكون كمن جلسوا على مائدة، الكل أكل وشبع ولكن كل منهم أخذ كميات متفاوتة من الطعام. وهكذا سيختلف الأشرار فيما بينهم " سدوم وعمورة ستكون لهما حالة أكثر احتمالا "

 

آيات 42، 43 :- هكذا ايضا قيامة الاموات يزرع في فساد و يقام في عدم فساد. يزرع في هوان و يقام في مجد يزرع في ضعف و يقام في قوة.

هذا التغيير من الفساد لعدم الفساد يأخذ معنا سنيناً قد تصل لآلاف السنين (فآدم مات منذ آلاف السنين). ولكن مع المسيح إختزلت المدة إلى 3 أيام فقط، ولكن ظهرت إمكانية حدوث القيامة للجسد البشرى. لكن لا يقال عن المسيح أنه مات فى فساد (مزمور 10:16) فجسده حتى بعد موته ظل متحداً بلاهوته، الروح إنفصلت عن الجسد بالموت، ولكن اللاهوت ظل متحداً بروحه وظل متحداً بجسده فحفظه من الفساد. يُزرع = تعبير مبهج المقصود به يُدفن يزرع فى فساد = إشارة لدفن الجسد فى التراب وما يحدث له من نتانة يزرع فى ضعف = من أمراض وشيخوخة. يقام فى عدم فساد/ مجد = فبعد القيامة لافساد مرة أخرى. وهناك لمحات فى الكتاب المقدس لهذا الجسد الممجد :-

1- تغير وجه موسى عند نزوله من الجبل 2- تجلى المسيح

3- تحول وجه إسطفانوس لما يشبه وجه ملاك.

4- إمكانيات المسيح بعد القيامة

 

يقام فى قوة = (فى 21:3) فالجسد المقام لن يتعرض للإنحلال ثانية. الجسد الميت لا تكون فيه قوة للحركة أما الجسد المقام يقوم ممتلئ قوة وحيوية ويقاوم الفساد.

 

آية 44 :- يزرع جسما حيوانيا ويقام جسما روحانيا يوجد جسم حيواني ويوجد جسم روحاني.

هذا الجسم الذى نحيا فيه الآن يوجه بواسطة قوى النفس الحيوانية الأدنى مرتبة. أما الجسد المقام فسوف يحيا بقوى النفس الروحية. والآن ونحن على الأرض يوجد جسم حيوانى أى توجهه القوى الحيوانية الشهوانية (أكل / شرب / جنس / نوم / راحة .) تماماً كالحيوانات. ومثل هذا تقوده غرائزه فيتمرد على الله ليرضى شهوته، ويصطدم بالله ويشتكى الله دائماً. وهناك جسم روحانى أى توجهه القوى الروحية للنفس، تنعدم فيه تأثير القوى النفسية والجسدية ويصير كالملائكة لا يحتاج لأكل أو شرب . أى متطلبات الحياة الدنيا. هذا يكون خاضعاً تماماً للروح القدس. الآن جزئياً، أما فى السماء فسيكون هذا بالكامل. مثل هذا فرحته تكون بأن يرضى الله ويجلس مع الله. هذا الإنسان الروحانى موجود بدرجة ما على الأرض كالسواح مثلاً، هؤلاء تسودهم الإتجاهات الروحية السماوية. هم تركوا العالم، وتركوا الأكل والشرب …الخ لأ نهم إختبروا أنهم كلما أذلوا الجسد تذوقوا الأفراح السماوية فإن أمكن للسواح أن يعيشوا هكذا وهم على الأرض فماذا سيكون الحال عليه فى السماء. ونلاحظ أن كلمة روحانى لا تعنى أنه روح بلا جسد، بل هو له جسد وروح، ولكنه صَلَبَ جسده كأنه ميت، وصار خاضعاً لسلطان الروح. وكلمة جسدانى أو حيوانى لا تعنى أنه جسد بلا روح بل هو مكون من جسد وروح ولكنه قاوم الروح القدس حتى أحزنه و أطفأه، وصار خاضعاً فقط لسلطان القوى الشهوانية. فلا يوجد من هو روح فقط ولا يوجد من هو جسد فقط. وفى القيامة ستكون لنا أجساد روحانية لا نستطيع أن نصفها فهذا ما لم تره عين، فقط علينا أن ندرك أننا سنكون مثل المسيح (1يو 2:3) وعلى صورة جسد مجده (كو 10:3 + فى 21:3). والمسيح بعد قيامتة أكل ليثبت أنه قام بجسد وأنه لم يكن روحا فقط مع أنه كان فى غير إحتياج للأكل. والإنسان على الأرض مخير أن يرتقى السلم الروحى فيصير روحياً، ويصير روحاً واحداً مع الله (1كو 17:6) أو ينحدر ويصير جسدانياً خاضعاً للشيطان، وله صفاته، أى يفرح بمن يصنع الشر (رو32:1). من يعيش روحانياً على الأرض ستحدث له إستنارة، ويعرف الله، ويحب الله، فيفرح. وكمال الإستنارة وكمال الفرح سيكون فى السماء.

 

آية 45 :- هكذا مكتوب ايضا صار ادم الانسان الاول نفسا حية و ادم الاخير روحا محييا.

نفسا حية = يشير الرسول إلى ما جاء فى (تك 7:2) فآدم إذن تراب نفخ الله فيه فصار كياناً حياً. فالنفس تعطى الحياة للجسد فى الحياة الحاضرة إذاً جسد آدم حى بالنفس، وهذا هو الجسم الحيوانى أو النفسانى الذى تسيطر عليه قوى النفس الحيوانية. آدم الأخير = هو المسيح وسماه الأخير فلن يأتى بعده رأس آخر للجنس البشرى ليهبه حياة أفضل. والمقارنة التى يعقدها بولس هنا بين آدم والمسيح فهى أن آدم ينجب أولاداً لهم نفس حياته النفسانية الجسدانية، أما المسيح فهو يهب حياة روحانية = روحاً محيياً = فهو حلَّ فيه ملء اللاهوت المتحد بالجوهر بالروح القدس المحيى، لذلك يهب حياة روحية. والآية تشير لأن المسيح واهب حياة للآخرين.

 

آية 46 :- لكن ليس الروحاني اولا بل الحيواني وبعد ذلك الروحاني.

نولد من آدم جسدانيين ثم حين نُطَعّمْ فى المسيح نتحول إلى روحانيين إذ يعطينا حياته (غل 20:2) وكلما التصقت روح الإنسان بالرب فى الحياة الحاضرة غلب عليه الطابع الروحى فيتحول من طبيعة الجسم الحيواني للجسم الروحانى. ويعيش فى نمو دائم فى الروح. ولكن لن يبلغ تمام الجسم الروحانى الا بعد القيامة حينما تنعدم من جسمه القائم كل قوى النفس الشهوانية. فالجسم الروحانى لم يكن هو الأول بل الحيوانى، ثم يرتقى الإنسان من رتبة إلى رتبة. وآدم لم يخلق إنساناً روحانياً كاملاً. بل كان عليه أن يرتقى وذلك بان يأكل من شجرة الحياة، أى الإتحاد بالمسيح لكنه بخطيته إنفصل عن الله وإنحدر للإنسان الشهوانى. لذلك نسمع أن من يغلب يأكل من شجرة الحياة (رؤ 7:2) وهذا يعنى الإتحاد الكامل بالمسيح، ونصير إنساناً روحانياً بالكامل وهذا الإتحاد الكامل بالطبع لن يكون إلاّ فى السماء.

 

آية 47 :- الانسان الاول من الارض ترابي الانسان الثاني الرب من السماء.

آدم أعطانا جسداً مائتاً نظيره، أما المسيح فسيعطينا جسداً ممجداً نظيره. فإن كان آدم الأول قد وهبنا جسماً حيوانياً، أفلا يستطيع المسيح الرب المحيى أن يعطينا الجسد الروحانى. المسيح أخذ طبيعتنا الترابية ليرفعنا ويغير طبيعتنا إلى الجسد الروحانى ليمكننا من معايشة السماويات.

الإنسان الثانى الرب من السماء = المسيح سيأتى على السحاب بجسده الممجد والذى سيقيمنا بأجساد ممجدة نظيره.

 

آية 48 :- كما هو الترابي هكذا الترابيون ايضا و كما هو السماوي هكذا السماويون ايضا.

كما هو الترابى = كان آدم يتسم بالضعف وقابليته للتحلل والفساد.

هكذا الترابيون = نسله. وكما هو السماوى = أى الرب يسوع. هكذا السماويون = كل المولودين من الماء والروح (الذين غلبوا) يصيرون سماويون ويأخذون ما لجسد المسيح المقدس الذى قام من الأموات، سنلبس بالقيامة جسداً على شكل جسد الرب يسوع القائم من الأموات.

 

آية 49 :- و كما لبسنا صورة الترابي سنلبس ايضا صورة السماوي.

كما لبسنا = أجسادنا كانت كثياب لنا صورة الترابى = وخصائص الجسد الترابى هى الموت والفساد. سنلبس = حين تستعلن الطبيعة الروحانية السماوية التى خلقنا عليها فى المعمودية. صورة السماوي = عدم الفساد والمجد (في 21:3)

 

آية 50 :- فاقول هذا ايها الاخوة ان لحما و دما لا يقدران ان يرثا ملكوت الله و لا يرث الفساد عدم الفساد.

لحماً ودماً = تعبير يهودي يشير للإنسان في حالته الراهنة، أي الجسد المائت فالجسد الحالى يموت ويفسد بسبب الخطية الساكنة فيه.ومن هنا يتضح أن طبيعة الجسد الممجد مختلفة عن الجسد الحالي. فالحياة لن يكون سببها الدم ولكن حياة المسيح التي فيه، هذه الحياة أخذناها بالمعمودية وهى مستترة الآن وستظهر بعد أن ندفن ونقوم. " لي الحياة هي المسيح " (في 21:1) وفى السماء سنصير ثابتين تماماً في المسيح. فما يفصلنا عن المسيح هو الخطية، وليس في السماء خطية. وهذا يشير إلى أننا في الملكوت لن نحيا كما كنا على الأرض بجسد ودم ماديين فملكوت الله ليس أكلاً وشرباً. واللحم والدم أشياء قابلة للفساد فكيف يرث الفاسد والذي يتحلل في عدم الفساد. ولكن الله سيعطينا أولاً جسد له إمكانيات الخلود وعدم الفساد حتى يمكن أن يرث ملكوت السموات.

 

آية 51 :- هوذا سر اقوله لكم لا نرقد كلنا و لكننا كلنا نتغير.

كان هناك تساؤل . طالما لابد من الموت لننتقل من حالة الفساد لعدم الفساد. إذاً ماذا سيحدث لو جاء المسيح الآن ؟ سر = حقيقة كانت مجهولة ويعلنها الرسول الآن، إذ أعلنها له روح الله القدوس. فالمسيح في مجيئه الثاني سيتلاقى مع أحياء من البشر كانوا أو سيكونون أحياء وقتها ولم يموتوا، وهؤلاء لن يموتوا أولاً بل هم سيتغيرون لشكل الجسد الممجد في لحظة.

كلنا = كان تصور بولس وغيره في أيام الكنيسة الأولى أن المسيح سيأتي أيامهم ولكن هل أخطأ بولس وهو يوحي إليه من الروح القدس ؟ ! لا لأن هذا درس لنا ولكل زمان. أنه يجب أن نشعر أن المسيح على الأبواب.

 

آية 52 :- في لحظة في طرفة عين عند البوق الاخير فانه سيبوق فيقام الاموات عديمي فساد ونحن نتغير.

يتحدث هنا عن لحظة التغير فهذه سوف تتم عند الإستماع إلى البوق الأخير، والمقصود أن الأمر سيكون جلياً جداً. وقد يكون البوق الأخير بوق حقيقي أو علامة إلهية تدل على لحظة القيامة (مت 31:24) أو هو نهاية أبواق التحذيرات للأمم التي دَوَّتْ عبر أجيال. عموما البوق علامة على حضور الله (خر 16:19 + عد 1:10-10 + أش 13:27 + يؤ 1:2). والبوق هو علامة إنذار بقدوم شخص عظيم، وهنا هو الله. ولحظة مجيء الرب يخطف الأحياء و يغيرهم إلى الأجساد الممجدة في لحظة، ويقوم الأموات أيضا بأجسادهم الممجدة. ويكون الكل بأجسادهم الروحانية الجديدة. ولاحظ قول الرسول ونحن نتغير = هو شعوره بأن المسيح على الأبواب. ومن له هذا الشعور يحيا بروح الإستعداد (ا تس 16:4)

 

آية 53 :- لان هذا الفاسد لا بد ان يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت.

يلبس عدم الفساد = هذا لمن يتغيرون في لحظة، فيأخذوا جسداً روحانيا له خصائص الخلود. وهذا المائت = قد تشير للجسد الحالى القابل للموت أو تشير لمن ماتوا وسيقومون = يلبس عدم موت، هذا الفاسد = أيضاً قد تشير للجسد الحالى القابل للفساد أو للذين سيوجدون أحياء وقت المجيء الثاني. إذاً سواء مات الإنسان أو لم يمت فأنه لابد أن يتغير ليتهيأ لميراث الملكوت.

 

آية 54 :- ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة ابتلع الموت الى غلبة.

الإقتباس من (أش 8:25) وفيها يتحدث عن الخلاص من موآب كصورة مصغرة للخلاص النهائي من الأعداء الروحيين. ويصور في هذه النبوة موآب كسابح في مزبلة يدوسه أي واحد. وبولس رأى أن هذه نبوة عن إبليس الذي سيرمى في البحيرة المتقدة بالنار. وهذا ما سيحدث بعد القيامة. والمعنى أنه حينما يصبح لأجسادنا خصائص الخلود فلن يعود للموت بعد سلطان علينا، سيبتلع الموت في بحر من الحياة والأمجاد، المسيح الحي سيبتلع الموت تماماً، وهذا بدأ بالصليب. ويغلب الموت نهائياً ولا يعود له وجود للأبد.

 

آية 55 :- اين شوكتك يا موت اين غلبتك يا هاوية.

هنا يردد الرسول قول هوشع (14:13) بمعناها وليس حرفيا. وكان هوشع يقصد قيامة إسرائيل الروحية من موت الخطية فطبقها الرسول على قيامة الأبرار. فسلطان الموت والهاوية إنتهيا للأبد بقيامة المسيح ولم يعد لهما شوكة تؤذى وتهلك وتغلب. شوكة = STING أي حُمَّهَ وهى كيس السم في ذيل العقرب. ومن يلسعه العقرب يموت بسبب هذا السم، ومن آية 56 نفهم أن الشوكة هي الخطية وبسببها دخل الموت إلى العالم. وبعد القيامة لا توجد خطية تسقط الجسد الممجد. أمّا الآن ونحن مازلنا في الجسد فالوضع يشبه بما يعمله بعض الحواة إذ ينزعوا الحُمَّةَ من ذيل العقرب، فلا تقتل، اللدغة تؤلم ولكنها لا تميت. فالموت الآن حقاً هو مؤلم، ولكنه ما عاد موتاً " ليس موت لعبيدك يارب بل هو إنتقال " أوشية الراقدين. ولنتأمل موكب لعازر الفقير والملائكة تحمله إلى السماء و موكب الأنبا كاراس. ولاحظ صلاة الكنيسة في قطع صلاة الغروب عندما تصلى للعذراء الأم قائلة " عند مفارقة نفسي من جسدي أحضري عندي " فلحظة الموت صارت لحظة نتقابل فيها مع القديسين والملائكة. فالموت ما عاد موتاً بمعنى الإنفصال عن الله، بل هو علاج لحالتنا، به نتخلص من الجسد الحالى الذي يعوقنا عن رؤية الله والعشرة مع الملائكة والقديسين. وهذا ما نردده في القداس الغريغورى " حولت لي العقوبة خلاصا " فالموت كان عقوبة وصار وسيلة للخلاص. والمرض والألم كانا عقوبة وصارا وسائل تأديب لإعدادنا للسماء. من يحبه الرب يؤدبه (عب 6:12) أين غلبتك يا هاوية = الهاوية هي الجحيم، مكان إنتظار الأموات قبل المسيح وهذه ما كان يخرج منها أحد، إلى أن أتى المسيح " ونزل إلى الجحيم من قبل الصليب " القداس الباسيلى + (أف 8:4-10) وأخرج منه نفوس الأبرار ودخل بها إلى الفردوس

 

آية 56 :- اما شوكة الموت فهي الخطية و قوة الخطية هي الناموس.

شوكة الموت فهي الخطية = فبالخطية تنغرس فينا شوكة الموت، أي الحُمَّةَ بالخطية تسلط الموت علينا، ودخل الموت إلى العالم. الخطية هي التي ولدت الموت. والحُمَّةَ هي شوكة ذنب العقرب المملوءة سماً، أو لدغة سم الثعبان والسم قاتل، ولكن نفترض أنه وجد دواء لهذا السم، فلن تعود اللدغة قاتلة (هي ستؤلم فقط). هذا ما صنعه دم المسيح، الذي يطهرنا من كل خطية (ا يو 7:1). بل صرنا في عهد النعمة لا سلطان للخطية علينا (رو 14:6) وإن أخطأنا فبالتوبة والإعتراف تمحى ذنوبنا. ما عادت الشوكة تقتل أولاد الله. فالموت هو الإنفصال عن الله الحي، وكان هذا بسبب الخطية، فلا شركة للنور مع الظلمة (2 كو 14:6) و الآن صار دم المسيح بالتوبة يغفر، بل أعطانا المسيح جسده ودمه غفراناً لخطايانا ولنثبت فيه فنحيا

وقوة الخطية هي الناموس = بولس شرح هذا باستفاضة في رسالته إلى رومية، إن ما يفعله الإنسان من خطايا في جهله تصير في ضوء الناموس عصيان سافر ضد الله. بالإضافة لطبيعة العصيان التي صارت فيَّ بعد السقوط، هذه جعلتني أميل لأن أتحدى الله وأتمرد على وصاياه. ولهذا يطلب الناموس الجزاء العادل وهو الموت. وكان هذا هو قصد الله من الناموس أن يدرك الإنسان أن أجرة الخطية هي الموت، وان الخطية خاطئة جداً. لكن في الحياة الأبدية لن تكون هناك خطية ولا معرفة خطية لذلك فالموت لا يكون فيما بعد. وهذا معنى أين شوكتك يا موت.

 

آية 57 :- ولكن شكرا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح.

الموت قد ساد لسبب خطيئة آدم، لكننا بواسطة المسيح تمكننا من هزيمة الخطية والإنتصار عليها، لذلك علينا أن نشكر الله، على القيامة، وأن الموت صار بلا سلطان علينا، وصار لنا سلطان على الخطية، ودمه يغفر خطايانا.

 

آية 58 :- اذا يا اخوتي الاحباء كونوا راسخين غير متزعزعين مكثرين في عمل الرب كل حين عالمين ان تعبكم ليس باطلا في الرب

هذا الإصحاح كان بسبب ترديدهم للفلسفات اليونانية التي تنكر عقيدة القيامة، فقالوا معهم فلنعش ونتمتع بملذات الدنيا طالما لا قيامة.

إذاً = بعد أن رأيتم صحة القيامة، عليكم أن لا تتزعزعوا. بل كونوا مكثرين في عمل الرب = فالأعمال الصالحة تزيدكم مجداً في الأبدية.

تعبكم = صلاتكم وصومكم وخدمتكم وأمتناعكم عن الخطية، لها أجرها في حياة ما بعد القيامة. إتعبوا وجدوا فيكون لكم كنز في السماء يفيدكم في زيادة مجدكم ورتبتكم في السماء.


الإصحاح السادس عشر

 

نجد هنا وصايا خاصة كثيرة ليكون كلامه شاملاً ولا يفوته أن يذكر ويوصى الكل.

آية 1 :- وأما من جهة الجمع لاجل القديسين فكما أوصيت كنائس غلاطية هكذا افعلوا انتم أيضا.

المسيحية صيرت الكنيسة جسداً واحداً، وتلاشت الفروق القومية، فعلى مؤمنى كورنثوس مساعدة فقراء أورشليم إذ هم جسد واحد. وكان سبب فقر مسيحيي أورشليم.

 1) مجاعة حدثت هناك وتنبأ عنها أغابوس النبي.

 2) نهب اليهود لأموال المسيحيين (عب 34:10)

 3) المسيحية إنتشرت في أورشليم وسط الفقراء

ولاحظ أن الرسول يسميهم قديسين فهم تقدسوا في المسيح يسوع، ويعطيهم الرسول قدوة، كنائس غلاطية.

 

آية 2 :- في كل أول أسبوع ليضع كل واحد منكم عنده خازنا ما تيسر حتى إذا جئت لا يكون جمع حينئذ.

في كل أول أسبوع = أي يوم الأحد، يوم الصلاة (وهنا نرى أن الأحد صار بديلاً للسبت) وبهذا يرتبط العطاء بالعبادة. ويقول ذهبي الفم أنه كانت عادة في أيامه أن يضع كل واحد صندوق بجانب فراشه يضع فيه عطاياه بعد أن يصلى، ترديداً للشكر العملي لله على عطاياه. ثم يذهب يوم الأحد للكنيسة ليصلى ويقدم عطاياه التي جمعها طوال الأسبوع لا يكون جمع = لا يضيع الوقت في جمع أموال بل نعلم ونصلى ولا نحرج أحداً.

ملحوظة :- لقد غيرت الكنيسة يوم السبت (يوم الراحة) ليصبح الأحد. فبالقيامة التي تمت يوم الأحد صارت لنا الراحة الحقيقية والحياة الجديدة.

 

 

 

آية 3 :- ومتى حضرت فالذين تستحسنونهم أرسلهم برسائل ليحملوا إحسانكم إلى أورشليم.

فالذين تستحسنونهم = أي تختارونهم كمندوبين، حتى لا يظن أحد أن بولس سيستفيد من هذه الأموال لنفسه. وهؤلاء يرسلهم بولس ومعهم رسائل.

 

آية 4 :- وإن كان يستحق أن اذهب أنا أيضا فسيذهبون معي.

لكن إن كان ماتجمعونه كثيراً ويستحق فسأذهب مع عطاياكم لفقراء أورشليم ومعنا مندوبيكم الذين إخترتموهم. ومن (رو 25:15، 26) نعرف أن الرسول ذهب فعلاً مع العطية إلى أورشليم (أع 17:24).

 

آية 5 :- وسأجيء إليكم متى اجتزت بمكدونية لاني اجتاز بمكدونية.

هنا وعد الرسول بالزيارة لهم، وقد تمت الزيارة فعلاً والتي إستغرقت 3 شهور في الشتاء التالي.

 

آية 6 :- وربما امكث عندكم أو أشتي أيضا لكي تشيعوني إلى حيثما اذهب.

أشتي = لأن السفر في الشتاء صعب وخطر بل متعذر، لذلك هو سينتظر عندهم حتى تتحسن الأحوال ثم يسافر. هو هنا يرد على إشاعة أنه لا يحبهم، ولا يريد زيارتهم، بل يكتفي بأن يرسل لهم تيموثاوس. لذلك يقول أود أن أمكث عندكم طويلاً.

 

آية 7 :- لاني لست أريد الآن أن أراكم في العبور لاني أرجو أن امكث عندكم زمانا إن أذن الرب.

هنا تأكيد على محبته لهم، حتى لا يحزنوا بسبب قسوة رسالته، أو يظنوا أن إرسال تيموثاوس (آيات 10، 11) لهم هو بديل عن زيارته هو لهم. وهو لم يشاء أن يزورهم مباشرة لأنه يريد أن يمضى معهم وقتاً كافياً.

 

آية 8 :- ولكنني امكث في افسس إلى يوم الخمسين.

أفسس = حيث يكتب الرسالة. من هنا نستنتج أن الرسول كتب الرسالة من أفسس. إلى يوم الخمسين = نفهم من هذا أن الكنيسة من الأول إهتمت بيوم الخمسين وإعتبرته يوماً عظيماً.

 

آية 9 :- لأنه قد انفتح لي باب عظيم فعال ويوجد معاندون كثيرون.

نلاحظ النجاح الذي صادفه الرسول في خدمته، ولكن مع كل نجاح نجد مقاومة من إبليس، وفى أفسس حدث هياج لتابعي الإلهة أرطاميس إضطر بولس لمغادرة المدينة بسرعة ذاهباً لأورشليم ماراً بكورنثوس حيث قضى الشتاء. (فعلينا إن كان هناك مقاومة للخدمة أن لا نضطرب فهذا طبيعي)

 

آيات 10، 11:- ثم إن أتى تيموثاوس فانظروا أن يكون عندكم بلا خوف لانه يعمل عمل الرب كما أنا أيضا. فلا يحتقره أحد بل شيعوه بسلام ليأتي إلى لاني انتظره مع الاخوة.

فلا يحتقره أحد = كان تيموثاوس صغير السن رقيق المشاعر والرسول يوصيهم بأن لا يستخفوا به بسبب حداثة سنه، فهو يعمل عمل الرب مثل بولس. بلا خوف = أي تحذير من أن يثور ضده أحد المتهورين. لقد كانت مهمة هذا القائد الشاب وسط أناس متعجرفين يعتزون بمواهبهم، مهمة شاقة.

 

آية 12 :- وأما من جهة ابلوس الأخ فطلبت إليه كثيرا أن يأتي إليكم مع الاخوة ولم تكن له إرادة البتة أن يأتي الآن ولكنه سيأتي متى توفق الوقت.

ربما تساءلوا لماذا لم يبعث الرسول بأبلوس وأرسل لهم تيموثاوس وهنا يجيب على هذا السؤال بأن أبلوس لم يرد أن يأتى، مع أن بولس طلب منه ذلك. ونرى من هذه الآية

1) أن بولس لم يمنع عنهم ابلوس، فنرى محبة بولس إذ لم يشعر بالغيرة نحو ابلوس وهو يعلم أن له حزب قوى في كورنثوس

2) أبلوس يهرب من المجد الذاتي وتعلقهم المريض به ليجعل أنظارهم تتجه للرب فقط ولمنع زيادة الإنشقاق والتحزب

3) لكنه سيأتي = إن تحسنت حالهم وإنتهي شقاقهم، فعلامة أنهم صاروا للمسيح أن تكف الشقاقات.

 

آية 13 :- اسهروا اثبتوا في الإيمان كونوا رجالا تقووا.

هنا نجد وصايا ونصائح قائد لجنوده فهم في حالة حرب دائمة ضد عدو الخير إسهروا = هو تعبير عسكري يستخدم لحراس المعسكر المراقبين لتحركات الأعداء. والأعداء هم الشياطين الذين يتسللون ويخدعون الكنيسة بأعمالهم، فيسببوا إنشقاقات، ويفسدوا الإيمان بتعاليم كاذبة كإنكار القيامة. والسهر يكون بالصلاة، فمن هو على صلة بالله تخاف منه الشياطين فالصلاة هي علاقة مع الله. والسهر يكون أيضاً بتنفيذ وصايا المسيح والتمسك بالإيمان الصحيح.

إثبتوا في الإيمان = ولا تنخدعوا بالبدع الغريبة التي سبق وإنخدعتم بها كما تشككتم مثلاً في حقيقة القيامة. إذاً لا تقبلوا ما هو ضد الإيمان الذي سلمتكم إياه. ولكن الإنشقاق يدخل عادة مع تضخم الذات والكبرياء.

كونوا رجالاً = الصفات التي تنسب للرجولة هي القدرة والثبات أمام الإضطهادات والثبات على الإيمان، فلا يكونوا أطفالاً مذبذبين في عقيدتهم يهتزوا أمام رياح التعاليم الكاذبة. وأن لا يضعفوا أمام المخاطر وأن يتسموا بالشجاعة ولا يرهبوا شيئاً، ويتمسكوا بالحق ويعملوا عملهم بجدية ونشاط

تقووا = لا تضعفوا بل إستندوا على النعمة الإلهية في حروبكم ضد إبليس.

 

آية 14 :- لتصر كل أموركم في محبة.

عدم المحبة هو سبب الإنشقاق والإنقسام في الكنيسة، بل هو سبب كل ضعف. إذاً المحبة يجب أن تسود في المعاملات والمشاعر والأفكار والسلوكيات أي في كل دقائق حياتنا اليومية، وتكون المحبة هي الدافع لكل عمل وتصرف وأساس علاقتنا مع الآخرين. ولو وجدت المحبة بينهم لما إنتفخوا بمواهبهم على بعضهم البعض، ولما ذهبوا للمحاكم الوثنية، ولما تجرأ أحد على الزنا

 

آيات 15، 16 :- واطلب إليكم أيها الاخوة انتم تعرفون بيت استفاناس انهم باكورة اخائية وقد رتبوا أنفسهم لخدمة القديسين. كي تخضعوا انتم أيضا لمثل هؤلاء وكل من يعمل معهم ويتعب.

يشير الرسول للعائلات التي كرست نفسها للخدمة، وهو هنا يشير لعائلة إستفاناس كباكورة إخائية (تضم كورنثوس وأثينا). ومن سفر الأعمال نعرف أن ديونيسيوس الأريوباغى ودامرس هما أول من آمن في أثينا. لكن لعل بيت إستفاناس هم أول عائلة كرست نفسها لخدمة الرب مظهرة الإيمان الصحيح. وقارن مع (عب 7:13). خدمة القديسين = عطايا الفقراء المادية